رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الحادي عشر 11 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الحادي عشر:
كان خالد جالسا خلف مكتبه بينما يقوم بتدوين بعض النّقاط حول إحدى القضايا إلى أن توقّف عن الكتابة وقد انفلت القلم من بين أنامله حين رأى صورة سارة على الورقة التي يكتب بها، رآها حزينة تكفكف دموعها بنفسها دون يدٍ تربت عليها، زفر بتعب وقد وجد نفسه للمرة التي لا يحصيها يفكر بها من جديد! فقد عزم قبل ثلاثة أيام أن ينسى ما سمع في المشفى وينساها تماما ولكن تأبى عزيزته هذه أن تغادر أفكاره! إنها بالفعل معشوقته وأحبها كما لم يحب نفسه ولكن كيف يحاول مساعدتها وهو مسؤول من زوجة تشاركه حياته وتعطيه ثقتها بالكامل، لابد من نسيانها ولكن لترحمه هي وتغيب عن عقله قليلا!
توقَّفت السيّارة أمام فيلا أحمد عبدالسلام، عائدا ومعه سارة التي انتهت من نزقها أخيرا ووافقت على العودة من جديد، أو لم توافق وإنما تمّ إجبارها على ذلك، فما عادت لها السلطة على تدبُّر أمرها بل صارت تماما كالدمية التي تتحرَّك بواسطة الخيوط التي يملكها هؤلاء الأوغاد!
دخلت بنفسها إلى الجحيم كي يحصل حبيبها على الحياة وما فيها من نعيم، لا تريد أن تقبع سعادته وفي الوقت ذاته لا تعلم أن سعادته بدونها مستحيلة! بمعالم قاتمة كقتامة زيّها الأسود تستقبل بيتها وبجانبها أحمد الذي رمقها برقّة بينما يردف مبتسما:
_ نورتي بيتك يا حبيبتي
لم تُعرْ دلاله اهتماما وإنما حدجته بحدّة قبل أن تقول باقتضاب:
_ صحيح ماتنساش تدي لخالد فلوسه اللي دفعها يوم ما جابني المستشفى
أجابها مع إيماءة من رأسه:
_ روحت له المكتب عشان ارجع له فلوسه وألحِّيت عليه بس هو رفض وقالي تعب بسيط، واضح شافها رد جميل بعد ما جمعت له الفيلا والشقة من غير حاجة
أماءت بخفّة قبل أن تهمّ بالذهاب نحو الدرج ولكن أوقفها أحمد حين أمسك بساعدها لتنظر إلى يده دون أن تبدي ردّا بينما يقول بشئ من الاعتذار:
_ أنا آسف يا سارة، أوعدك ده مش هيتكرر تاني، بس بلاش تزعلي أو تفتكري اني بخونك
رفعت عينيها كي تقابل خاصتيه لترى الزَّيف يشعّ منهما فتقول بهدوء:
_ أهو كلمة قلتها عشان بعدك عني
ثم استطردت بنبرة قاسية:
_ ولو عايزني اسامحك؟ يبقى اعرف مين اللي ورا العملة دي وجيبهولي تحت رجلي، أنا مارضيتش ادخّل الشرطة عشان ابو الولد اللي مات المفروض هو اللي يحقّق فــ قضيّة زيّ كدة، صح؟
صمت للحظات مُحاولا تدبّر ذلك بعقله قبل أن يردف واعدا:
_ معاكي حق طبعا، هجيب لك راسه قريّب، وان شاء الله ربنا يعوضنا غير الولد اللي مات ده أولاد كتير
ابتسمت في نفسها بسخرية وقد شعرت بأثقالٍ ارتمت على صدرها مع هذه الكلمة، فقد أعطاها الله فرصة حين أخذ الرابط الذي سيكون أداة الوصل بينهما، في حين هذا يودّ لو تكرّر الأمر من جديد!
كان شريف يقف أمام المرآة وهو يربط أزرار قميصه ببعضهم، بينما استيقظت أمال توّا حيث نهضت عن الفراش بتثاقل وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ تبحث بعينيها عن زوجها فوجدته أمام المرآة يتعطَّر، وقفت عن السرير ثمّ تقدَّمت منه ببطءٍ وهي تتثاءب لينظر إلى انعكاسها بالمرآة ثم يقول مُتعجّبًا:
_ إي اللي صحاكي بدري كدة؟
أجابته بتعب:
_ عادي من غير سبب
ثم أردفت بنبرة هادئة:
_ بقولك يا شريف
استمع إليها بإنصات دون أن يحيد ببصره بينما تقول:
_ أنا عايزة أسافر مصر عشان أولد عند ماما
التفّ بكامل جسده نحوها بينما يتخلَّل الشكّ نظراته حيث أردف مستفهما:
_ بس مش بدري شوية موضوع السفر؟ دانتي لسة فــ التامن!
أجابته والقلق يسكن نبرتها:
_ أصل إيمان كلمتني وعرفتني ان سارة تعبت جدا وسقّطت
اتسعت عيناه بشدة وقد أحزنه الأمر كما أهاله حيث عاد يسألها بعدم تصديق:
_ بجد؟!
أومأت برأسها ثم قالت بشفقة:
_ ده اللي حصل والله، عشان كدة حابة أعجّل السفر عشان ابقى جنبها، إنت عارف هي بتعمل إيه مع ماما وإيمان!
أجابها بنبرة تأكيدية:
_ طبعا معاكي حق، هحجز لك على طيارة بعد أسبوع عشان اعرف أوصلك حبيبتي، وابقي اطمني عليها وادعيلها ربنا يعوضها
نطقت بتضرّع:
_ يااارب
أنهى عمله بالقسم والدماء مُحتقنة بوجهه منذ الصباح حيث عرف قبل مجيئه ما لا يُحمد عُقبَاه، وفضّل الإسرار إلى حين التأكد من النبأ، وهو ما يقوم به الآن؛ حيث يتّجه إلى أحد المطاعم الفاخرة بعد اتفاق مُسبق مع سهى لهذه المقابلة في الخفاء دون أن يحسّ أدهم وبالطبع أخته الغافلة، صفّ سيارته جانبا ثم ترجَّل وأغلق الباب بقدمه ثمّ سار بخطوات واسعة حتى رأى إحدى الطاولات والتي تجلس عندها سهى مُنتظرة إياه، رمقها بقتامة قبل أن يتقدّم منها وما إن رأته حتى هبَّت واقفة ثم أسرعت نحوه حتى احتضنته غير عابئة بنظرات الموجودين حوله بينما تقول بنبرة محبة:
_ وحشتني أوي يا قلبي
ظلّ على حاله من الجفاء ولم يوافِها العناق فابتعدت عنه سريعا كي ترمقه بتعجب بينما يقول هو بنبرة حادّة لم تألفها قبلا:
_ عايز اكلمك فــ حاجة مهمة يا سهى
لم تفهم سبب تغيّر طريقته في الكلام هذه المرة فاكتفت بالصمت بينما تشير إلى المقعد كي يجلسا لتفهم علّة هذا الجفاف
وضع كلتا يديه المتشابكتين على سطح الطاولة بينما يسلِّط عينيه بخاصتيها ناطقا بنبرة ثاقبة:
_ ياريت تجاوبيني بصراحة، إنتى إللى قتلتى ابنى
اتّسعت حدقتاها بطريقة فجائية حتى ظن أنهما ستخرجان من محجريهما من شدّة الصدمة، بينما نطقت هي ببهوت:
_ إي اللي بتقوله ده ياحمد؟ أنا اعمل كـــ......
بترت كلمتها مع تحدثه بتهكّم وقد ازدادت نبرته حدّة:
_ وقبل ما تكدبي، أحب اقولك ان سيدة قالت لي على كل حاجة بعد ما ضغطت عليها
ثم استرسل يسألها بعدم تصديق:
_ ياترى انتي فعلا حطيتي السمّ في اللبن عشان يموت إبني؟!
زفرت بضيق بعدما وجدت أن لا مفرّ من المواجهة، فقد اتّضح كونها أخطأت حين اعتمدت على سيدة بحفظ هذه المهمّة ببئر عميق، فقد أرادت أن يتمَّ ذلك دون الحاجة ليعرف أحمد وإلا ستثور غرائز الأبوّة الغبيّة بها، أجابته بصوت جليديّ صامد:
_ أيوة عملت كدة ياحمد، عشان مانلاقيش حاجة تربطك بيها لما تبقى كل حاجة فــ إدينا ونعرف نخلص منها علطول
أخذ يثنيها بنبرة أقرب إلى الاحتجاج:
_ بس سارة غير اخوها، و ممكن نبقى عليها و ماكانتش هتتجرأ تتكلم
ابتسمت من جانب ثغرها بسخرية قبل أن تجيبه بازدراء:
_ دي أول واحدة ممكن توقّعنا وياريت تموت
ثمّ تجرّعت من كأس الخمر أمامها قبل أن تعيده مكانه مكملة:
_ وبعدين أنا عايزة يبقى لك ولاد مني أنا و بس
أخذ يرمقها ومعالم وجهه صارت مكفهرة فأردف باشمئزاز:
_ اللي عملتيه فــ إبني ده يخلينى أفكر مية (100) مرة قبل ما يحصل اللي بتقوليه ده
تحدَّثت والغيظ يملأ نبرتها:
_ إنت مالك محموق عليها كدة ليه؟! مايكونش مدوّخاك وراها وعلطول منكّدة عليك!
وقف عن كرسيه ثم اقترب منها قائلا ببرود:
_ بس عــالأقل بسيبها بــالأيام و شرفي مطمّن
وقعت هذه الكلمة على مسمعها كالخنجر السّام الذي غُرس نصله بصدرها دون رحمه ففتك بها قبل الاستغاثة، لقد جرحها في أنوثتها وطعن في شرفها الذي باعتْه خصِّيصا لأجله على أمل أن ينعما يوما بالأموال الطائلة، فهذا نتاج الخيانة وعبادة الأموال، هؤلاء هم مجانين الثروة الذين لا يأتمن أحدهم الآخر على ما يملك، فهل سمعتم يوما عن خائنٍ استطاع ائتمان من حوله؟! امتقعت ملامحها وصار البهوت جليّا على وجهها حيث تردف في نفسها بوعيد:
_ الكلمة دي تمنها غالي أوي ياحمد، الكلمة دي هتخليني اعيد تفكير فــ خطّتنا لكن هخليها تتمّ ووقت ما استلم كل حاجة بين إيديّا هتقع زيّهم بالظبط وممكن أكتر كمان
تُرى ما هو هذا المُخطَّط الذي يسعيان إليه والذي يهدف إلى امتلاك الثروة بالكامل كما يمكنهم من خلاله التخلّص من الأخ وأخته المخدوعان؟!
في اليوم التالي، كانت سارة تجلس أمام مكتبها بينما تسمع تسجيل المحاضرات السابقة والتي أرسلتهم لها زميلة في الرسالة، أخذت بتفريغ التسجيلات كمحاولة يائسة منها لتناسي ما أحدثه الطغيان من جروح لقلبها، لم يقطعها عن التواصل في ذلك سوى طرقات خفيضة الصوت على الباب بتقول بهدوء:
_ أدخل
دلفت هنيّة ثم اقتربت قليلا وأردفت:
_ في واحدة عايزاكي برة يا ست هانم
_ مين دي؟
_ ما قالتش إسمها، بس بتقول انها صاحبتك الوحيدة
صمتت للحظات تفكر بما لاح إلى مسمعها لتقول في نفسها بعدم تصديق:
_ لا يستحيل يكون اللي فــ بالي
وقفت عن مجلسها ثم قالت بلهجة آمرة:
_ تمام، دخليها فــ أوضة الضيوف وشوفي تشرب إيه وانا جايّة حالا
وبعد مرور أقل من عشر دقائق، وقفت سارة أمام باب غرفة الضيافة قبل أن تحمحم بهدوء ثم تدخل مرتقبة تلك الزائرة التي تزعم أنها صديقتها لتتَّسع عيناها بقوة من فرط صدمتها بينما يفتر ثغرها عن ابتسامة واسعة وقد خالفت ظنونها هذه المرة حيث التي وقفت عن الأريكة هناك لم تكن سوى صديقة عمرها وأختها أمال السيد، صاحت بعدم تصديق:
_ مش ممكن، أماااال!
تفوَّهت بها ثم أسرعت تحتضنها وقد اشتاقت لها بالفعل خاصة وقد انقطعت عن الإنترنت منذ موت جنينها وما آلت إليه أوضاعها المُتردِّية، أخذت أمال تقبّل رأسها وكتفها بينما تقول معاتبة:
_ كدة برضه تتعبي وما تقوليليش يا هانم؟
شدَّت سارة من احتضانها بينما تردف بتألم:
_ غصب عني يا أمال، إنتي ماتعرفيش إي اللي حصل!
ابتعدت عنها أمال لترَ بعينيْ صديقتها دمعة فارَّة فأزاحتها بظاهر كفّها ثم جذبت يدها نحو الأريكة قائلة بحنو:
_ إحكيلي كل اللي واجعك يا قلبي، فضفضي من غير كسوف
حاولت سارة الحفاظ على ثباتها بينما تقصّ على صديقتها آخر أخبارها؛ حيث الحفل والرحلة التي قضتها مع أحمد ثم تطرَّقت إلى موضوع الإجهاض وكيف أن أحمد أهمل الرد عليها وتركها تجاهد بين الحياة والموت، تقلَّصت ملامح أمال بينما تقول بقلق:
_ يا حبيبتي! طب وازاي وصلتي المستشفى، الخدم عرفوا يتصرفوا؟
هزّت رأسها نفيا بينما تردف:
_ لا يا أمال كان حد تاني مش هتصدقي مين هو
استمعت إليها بإنصات بينما تُلقي سارة بقنبلتها عن عودة ابن الصاوي إلى مصر من جديد وكيف قابلته في هيئة صديق قديم لزوجها، وكيف أن زادت مرات تقابلهما وهي تحاول اجتنابه قدر الإمكان بينما يُصدّر لها الوجه الصّلد حتى أتت لحظة عذابها مع السمّ لينسى هذا القناع الزائف من القسوة والغرور وينقذها والهلع باديا بصوته حين كان يؤازرها للتحمّل قليلا، تحدّثت أمال بصدمة:
_ وازاي ماعرفتنيش حاجة زي كدة من الأول يا سارة؟!
همَّت لتجيبها ولكن سبقتها رنة هاتفها الموضوع على سطح الطاولة أمامهما، التفتت إلى حيث مصدر الصوت لتجد رقما مجهولا دون هويّة، أغمضت عينيها للحظات قبل أن تلتقط الهاتف ثم تضعه أمام أذنها قائلة:
_ ألو
جحظت عيناها بينما تنظر لأمال فور سماع نبرة صوت المتصل والذي عرفته دون إخبارها بهويّته حيث قال:
_ إزيك يا سارة
انتاب أمال القلق من نظرات سارة المشدوهة بينما نطقت الثانية بحروف مقطّعة:
_ ا الحمــ الحمد لله
_ معاكي خالد
تحدثت والتوتّر مكتسح بحبالها:
_ آه أهلا، في حاجة ولا إيه؟!
أجابها بنبرة جديّة:
_ أيوة أنا عايز اقابلك ضروري يا سارة، الموضوع مهمّ وما يتأجلش
انتقلت عيناها في كل الاتجاهات وقد أصابها القلق من جديد حيث تجيبه باستفهام:
_ ماينفعش عــالفون؟
أسرع يتكلّم بحزم:
_ لأ بعيد عن البيت، لازم اعرف منك حاجة ومن غير ما أحمد يعرف ده لو تسمحي طبعا
الفضول خلق صدعا بعقلها حيث لم تصدّق حتى الآن كونها تتحدث إلى خالد ويريدها بأمر هام، تُرى ما هذا الذي يدفعه إلى التنازل والإلحاح على مقابلتها؟ نطقت بهدوء:
_ أوكي، شوف من بكرة نتقابل فين
_ الساعة 4 في كافيه.......
اعتصر الدمع عينيها وقد تذكّرت اسم هذا المقهى حيث هو الذي تقابلا فيه للمرة الأولى، وقد تعمَّد خالد إضافة الملح إلى جرحها بالتواجد في هذا المكان الذي تسبّب في نعيمها ثم شقائها! أجابته موافقة:
_ تمام، سلام
ما أن أغلقت الخطّ حتى عادت ببصرها لتجد أمال التي ترتقبها بتفحّص بينما تقول بريبة:
_ ده مين ده؟
_ خالد
قالتها بخمول لتزداد دهشة الثانيةحيث فتئت مُستنكرة:
_ وإي اللي خلاه يعرف رقمك؟
رفعت منكبيها إلى الأعلى إشارة إلى جهلها بينما تقول:
_ مش عارفة......
ثم استطردت تقول نافية:
_ لا لا أكيد من اتصالي بيه قبل كدة وقت ما جالي التسمّم
تحدّثت أمال وهي تحدجها بنصف عين:
_ وهو انتي مسجلة رقمه أصلا؟!
احتدّت عيناها بريبة حيث قالت بعدم فهم:
_ مش عارفة، مش عارفة إزاي سيّدة اتصلت عليه من تليفوني؟!
_ طب وفين سيدة عشان تسأليها؟
أجابتها بتعجب:
_ رجعت البيت لقيتها سابت الفيلا
نطقت أمال مُغيّرة مجرى الحديث بشئ من الحزم:
_ الأهم من كدة، عايزة اقولك يا سارة ما تسمحيش ان خالد يبقى السبب في خراب بيتك
حدّقت بها سارة بغرابة بينما تسألها بعدم فهم:
_ قصدك إيه؟
أجابتها أمال بدون المزيد من الإيحاءات:
_ قصدي انك بتحكمي على أحمد بالخيانة عشان بس شفتي خالد ودماغك لفّت ناحيته
صرخت سارة وقد طفح كيلها من هذه الكلمة المتكررة:
_ يووووه هتقوليلي انتي كمان ان رجوع خالد هو السبب؟! إي يا أمال انتي ما تعرفيش صاحبتك ولا إيه؟
ثم أطلقت العنان لعبراتها المتألمة للخروج وإغراق صفحة وجهها بينما تسترسل:
_ دانا تعبت جدا وشفت كتير من أحمد لحد ما حكمت عليه كدة، وبعدين أنا عارفة كويس أوي إن مهما خالد طلع وبقى كبير إلا إنه يستحيل يسلم من شر أدهم
رقّ قلب أمال لرؤية انهيار صديقتها من هذا الصدع الذي كان وما زال يسبب لها الألم لتربت على ذراعها بينما تكمل سارة ببكاء:
_ أنا عايزة احميه يا أمال والله عايزة احميه من اللي حوليا، ومش عارفة إي اللي خلاني وافقت اني اقابله، بس يمكن عشان هو عنيد كان ممكن لو رفضت يجيلي البيت، بجد بقيت محتارة!
شدّت أمال من ضغطتها على يد صديقتها كي تزيد من مؤازرتها، التفتت إليها سارة بعسليتيها المحترقتين من الدمع لتقول أمال مع ابتسامة مُطمئنة:
_ ولا تحتاري ولا حاجة يا سارة، إنتي بنت مؤدبة وعمرك ما تعملي حاجة غلط، روحي قابلي خالد بكرة وافهمي منه كل حاجة
بخطوات متثاقلة تسير وعيناها تتنقّل بين جنبات المقهى الذي أتته قبل خمس سنوات، تنظر إلى كل جزء فيه مليّا مرتقبة التعديلات التي أُضيفت إليه من حيث المساحة وتصميم الديكور، كانت عيناها تتجوّلان بين جنبات المكان والإعجاب واضح بهما إلى أن استقرّتا عند إحدى الطاولات والتي يمكث عندها خالد مسندا ذقنه إلى يديه المتشابكتين شاردا، اقتربت وسيقانها متزلزلة من فرط توترها حتى أحسّت بتجمّد الدماء في عروقها حين نظر إليها ليقف عن مجلسه على الفور وابتسامة هادئة تغلّف عينيه قبل شفتيه، تقدّمت بتباطؤ حتى صارت أمامه ليمدّ يده إليها قائلا بشئ من الامتنان:
_ أهلا بيكي يا سارة
بادلته المصافحة قائلة بشئ من التردّد:
_ أهلا بيك
ما أن جلسا حتى أتى النادل وبيساره مفكّرة صغيرة وقلم باليد الأخرى ليلتفت خالد إلى سارة قائلا:
_ تشربي إيه؟
أجابته بفتور:
_ أي حاجة
التفّ برأسه نحو النادل قائلا:
_ إتنين لمون
فور ذهابه أسرعت سارة تقول بجديّة:
_ كنت عايزني فــ اي بقى؟
أجابها دون أن يزيح بنيتيه عن عسليتيها قائلا بصمود:
_ عايزك تحكيلي اي اللي حصل من زمان، اي اللي خلاكي تكدبي عليا، و اي اللى أجبرك تتجوزى أحمد؟
شعرت بوجيب قلبها يعلو ويهبط باضطراب من وقْع سؤاله الغير متوقّع لتنظر إليه بعينين متّسعتين قائلة بتَيْه:
_ أنا ماكدبتش ولا حاجة عن اذنك
همَّت بالوقوف ولكن سبق بإمساك يدها مانعا إياها من الهروب لتنظر إلى موضع يده المحتوية خاصتها ببعض الضيق بينما أكمل هو بإصرار:
_ لازم تحكي كل حاجة، كل اللي عملتيه قبل كدة كان تمثيل وإن أنكرتي ده يبقى هلوسة البنج ما أنكرتش، إحكي الصراحة وفهميني إي اللي حصل
عادت ببصرها إليه ثم قالت بلامبالاة:
_ حتى لو حكيت مش هتفرق حاجة
أجابها متلهّفا:
_ عندى انا تفرق كتير، ياريت تتكلمي
لم تجبه وإنما أسرعت في الهروب من نظراته الراجية ليشدّ من احتضان كفّها قائلا بتوسّل:
_ يا سارة قولي، أنا عارف ان في حاجة غلط حصلت كانت السبب فــ إنك تكدبي، ولازم تقوليلي إيه هي
أغمضت عينيها بقوة تعتصرهما كما الدمع يفعل حيث لا مفرّ الآن من لحظة الحساب التي لم تشأ أبدا من قدومها، ولكن أعلنت راية الاستسلام وأطاعت مطلبه بأن بدأت في قصّ ما حدث في الآونة الأخيرة قبل اليوم المشؤوم حيث أحرقت حبهما وأوقدت النيران بسعادتها، مضطرة وأذعنت للأمر فصارت من بعد ذهاب خالد جسدا يطلب الطعام والهواء دون أن ينبض قلبه بمشاعر، وما عاد يرافقها سوى الإحساس بالألم والحسرة على ما خسرت ولا تزال تخسر بسبب هؤلاء الأوغاد الذين أصروا عنوة إبقائها جارية في أرضهم الجرداء، جرداء من كل معاني الرحمة والحب ولا يحييها سوى المال، يستمع إليها بإنصات شديد وتدريجيا تحوّلت معالم وجهه من الاهتمام إلى الدهشة إلى الحزن المُظلِم حيث أردف عقب كلامها مع غصّة عالقة بحلقه:
_ يعني انتي مثلتي عليا وضحيتي بحبنا عشاني أنا؟
ثم استرسل من بين ثنايا ألمه مستهجنا:
_ انتى متعرفيش إن انا عامل زي الميت اصلا من اليوم ده؟!
أخذت تجفّف العبرات التي انسابت على صفحة وجهها أثناء سرد الحكاية بينما تقول ببكاء:
_ انا من يومها بموت فى اليوم الف مرة بس برجع و بقول اهم شىء انك بخير
ثم عادت إلى نوبة البكاء المرير من جديد وكأن محابسها لا تملك القوّة الكافية لكبح هذه الدموع الثائرة، رقّ قلبه لحالتها المزرية والتي وصلت إليها بسببه واستعدّ ضميره لرفع السياط وتعنيفه على سوء الظنّ بها طيلة هذه المدّة، فكيف اعتقد كونها تشبه البقيّة من أفراد الطبقة المُرفّهة وهي تلك التي عشقت بساطته أكثر من أيّ شئ آخر، نادم لتكذيب حبهما ولكن لابد من إصلاح لهذا الخطأ الفادح، أمسك بكفّها بين أنامله قائلا بعزم:
_ انا مش هسيبك فى المقبرة دي تانى لازم نعيش مع بعض
حاولت أن تكفكف دموعها بظاهر يدها بينما تقول موافقة بحسرة:
_ أنا فعلا زهقت منهم ومن قرفهم ونفسي ابعد يا خالد
ترك يدها ثم ربت على وجنتها برقّة بينما يقول مُطمئنا:
_ ما تقلقيش يا سارة، أنا هخلصك منهم فــ أسرع وقت حبيبتي
حبيبتي! هل قال توا حبيبتي؟! إن هذه من المحظورات التي لا يمكن أن تسمعها يوما من فيه معشوقها خالد، كيف له أن يتفوّه بها؟! هل أصابه الجنون أو العَتَه؟ وإن كان فقد عقله فهي لم تفعل بعد، صدمت ذراعها بقوة لتبتعد يده عن ملامسة وجنتها فتحسّ ببرودة بعد أن فقدت دفء أنامله، نظر إليها خالد بعدم فهم من ردة فعلها المُفاجئة فأزاحت جهله بقولها بحدة:
_ للاسف مش هينفع
ثم أكملت بحزن:
_ حياتك لسة ف خطر
تبا لهذه العنيدة صاحبة الرأس المتحجّر! لا تنفكّ تسأل عن سلامته وهو الذي يريد تخليصها من هذه الحفرة التي أوقعت نفسها فيها! وأيّ سلامة هذه التي سيحصل عليها على حساب عذابها؟! هتف بنبرة ناهرة:
_ حياة اي دي إللي من غيرك يا سارة؟ انا عايزك انتي و بس
أجابته بعناد:
_ لا مش هينفع حياتك أهم
ثم وقفت عن الكرسيّ وحملت حقيبتها ليقف كذلك مثلها عازما على إثنائها عمّا تودّ فعله ولكن أسرعت تخرسه بقولها حاسمة:
_ وماتنساش ان انت متجوز يا أستاذ خالد، حرام انك تدمّر حياتها عشان ترجع لي
ثم أسندت حقيبتها على كتفها قائلة بنبرة مُثقلة بالهموم:
_ أنا راضية باللي بيحصل، وانت كمان لازم ترضى، سما طيبة وبتحبك، ماتكسرش قلبها عشان تجري ورا شويّة رماد
همّت لتذهب فأمسك بيدها لتعود ببصرها إليه بعينين مغرورقتين بالدمع لتجده يرجوها بصمت أن تظل إلى جانبه وما عاد يحتمل الفراق من جديد خاصة بعدما عرف من حقائق صادمة، لا يستطيع الابتعاد عنها وقد ضجّ قلبه بحبها من جديد، وأزهرت ذكراها بذهنه بعد طوفان من البغض دام لأعوام ولكن لم يكن كافيا لسحق هذا الحب، أجابته بأن نزعت يدها عنه وابتعدت سريعا قبل أن ترى انهياره الذي بدا في احتقان الدماء بوجهه والاختناق الذي اعترى تنفّسه ليجلس على الكرسي ويحاول التقاط أنفاسه اللاهثة، حتى مرّت نصف ساعة ليستعيد اتّزانه من جديد
نهضت عن السرير ثم اقتربت من الكومود فالتقطت شريط العقار المُخصّص لتهدئة الأعصاب، تناولت منه حبتين وتجرّعت كأس ماء لتبرد الدماء التي تكاد تفجّر عروقها من شدة الانفعال الذي تعرّضت له اليوم، عادت تجلس على السرير وأسندت مرفقيها إلى ركبتيها بينما تدلّك رأسها المتصدّع بتعب، التفتت إلى الباب حين سمعت صريره وهو يفتح لتجده أحمد الذي عاد اليوم باكرا على خلاف عادة مأمورياته، أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى ليمطّ شفتيه بامتعاض وقد وجدها لا تزال غاضبة بشأن ذلك اليوم على الرغم من مرور كل هذه المدة، وفي الحقيقة أدارت سارة وجهها لئلا يرى التعب الكامن بملامحها فيسألها عن سببه، أرادت أن يتجاهلها اليوم كعادته ولكن حدث العكس تماما؛ حيث تقدّم منها حتى أمسك بساعدها لتلتفت إلى وجهه بملامح مُرتخية إثر المُهدّئ، رسم ابتسامة صغيرة على ثغره بينما يجذبها كي تقف مقابله، يحدّق بها بتركيز بينما تحاول هي الفرار من نظراته عبر توجيه عينيها إلى الجهة الأخرى، أردف يقول بنبرة خاملة حزينة:
_ إنتي لسة زعلانة مني؟
عادت بعسليتيها إليه ترمقه بنظرات مُبهَمة قبل أن تفهم مقصده فتهزّ رأسها قائلة بفتور:
_ لا ياحمد مش زعلانة
_ بس وشّك بيقول غير كدة
أجابته بخفوت:
_ لا أنا بس تعبانة
حاولت أن تهرب من قيده ولكن زاد في قُربه واحتضن وجهها بين كفّيه بحنان، ثم سلّط عينيه بخاصتيها قائلا بحب:
_ ألف سلامة عليكي يا سارة
همّت أن تجيبه الدعاء ولكن انعقد لسانها ما أن وجدت حركته التالية حيث زاد بقرب وجهه من وجهها حتى اختطف شفتيها بقبلة عميقة يبثّ فيها من كمّ أشواقه وكأنها طريقته للاعتذار، ولا يعرف أن الوقت غير مناسب أبدا لهذه اللحظة، ولكن لم ترتدع سارة بل تركت الليلة تمر على خير بدلا من أن ينكشف أمر حزنها طيلة هذه الساعات
وعلى الجانب الآخر بمكتب خالد، أغلق خالد دفّتي الملف بين يديه ثم أخذ يفرك رأسه بتعب حيث عادت ذكرى حديثه مع سارة قبل أربع ساعات، وكيف أن هربت كعادتها وتركت قلبه جريحا ينزف ألما وندما، فضلا عن رغبته الجليّة بالثأر من هؤلاء الأوغاد، فلم يقتصر الأمر على التطاول على بلدهم بتهريب هذه الممنوعات التي ساهمت في القضاء على العديد من الشباب، بل أيضا تجرؤوا على استغلال معشوقته وإيذائها نفسيا وجسديا عن طريق ورقتهم الرابحة المُتمثّلة في نقطة ضعفها، ولكن لا مزيد من التضحيات بعد الآن، فإن هذه الورقة الرابحة التي استخدموها ستكون السبب بإنهائهم جميعا، التفت إلى درج المكتب فجذب مقبضه حتى انفتح وظهر بداخله مسدس أسود، أخذ خالد يحدّق فيه بعينين ضائقتَين في حين يفكّر مليّا بخطوته القادمة، أسرع يُغلق الدرج ما أن عَلَت طرقات الساعي على الباب ليلتفت نحوه آمرا إياه بالدخول وقد أحضر له فنجان القهوة الذي طلبه قبل القليل للمزيد من التركيز في القضية التي يعمل بها
بعد مرور يومين، أفاقت سارة من نومها على صدوح رنَّة هاتفها المزعجة فأمسكت به من فوق الكومود لتجد أن اسم سهى هو المضيئ بشاشته، سحبت زرّ الإجابة ثم وضعته على أذنها قائلة بنعاس:
_ أيوة يا سهى
ظلّت على حالها من التكاسل إلى أن أتاها صوت سهى الباكية بألم:
_ أدهم اتقتل يا سارة
