اخر الروايات

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الحادي عشر 11 بقلم حنين احمد

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الحادي عشر 11 بقلم حنين احمد


(الفصل الحادي عشر)
يزور قبرها للمرة الأولى منذ دفنها بيديه قبل اثنتي وعشرون عاما هرب بعدها إلى
الخارج ولم يلتفت لها ولا للأمانة التي تركتها له لا يعلم هل كان يخشى مواجهة
نفسه بأخطائها؟ أم كان يهرب من لقاء ابنته التي علم أنها تزورها باستمرار؟
طوال سنوات تحاشى تلك المواجهة ولكن بعدما اعترف لأبنائه بما أخفاه عنهما
كان لزاما عليه أن يواجه ذنبه وبمفرده لذا جلس أمام قبرها ودموعه تنهمر دون
محاولة منه لإيقافها وهو يتحدث معها بصوت خافت:" حبيبتي وفاء..
أفتقدك كثيرا, لا أعلم كيف أبدأ حديثي معك؟ولكني أحتاج للحديث معك بشدة,
أعرف أنكِ تشعرين بي دوما..لقد تعبت وفاء, تعبت من حياتي بأكملها,
فيوم واريت جسدك بالثرى واريت معه قلبي حبيبتي,لم أحب أحدا سواكِ حتى
زوجتي جيهان لم أحبها بالطريقة التي أحببتك بها,لم أستطع أن أمنحها قلبي رغم
مرور كل تلك السنوات على فراقك حبيبتي..
جيهان هي صوت العقل,هي من وقفت بجانبي في أشد أوقات حياتي صعوبة,
هي من دعمتني واحتوت ألمي دون أن تتذمر أو تشكوني لأحد وهذا ما جعل
مكانتها كبيرة لدي ولكنها غيرك..
حبك اقتحمني دون أي إرادة مني فوقعت صريعا لهواكِ على الفور..حب عاصف
اقتحم قلبي وروحي فلم أستطع سوى أن أسلم أمامه..
ولكن جيهان,هي أقرب إلى صديقة منها إلى حبيبة وهي تعلم بمكانتها لدي
وتوافق عليها رغم أنني أعلم أنها تحبني وحاولت كثيرا أن أبادلها المشاعر
وأجعلها بقلبي وروحي ولكني عجزت عن فعل ذلك فأنا رجل امراة واحدة
ولن أكون لسواكِ فاستسلمت لقدرها معي ورضيت بمكانتها لدي وهي مكانة
كبيرة ولن يصل إليها أحد أبدا"
أغمض عينيه والدموع تنهمر منها وهو يقول:"لقد فرطت في الأمانة التي تركتيها
لي وفاء,رغما عني حبيبتي صدقيني وسامحيني حتى تسامحني صغيرتنا,
لقد واريت قلبي يوم واريتك حبيبتي وأصبحت أحيا بلا قلب,بلا مشاعر, بلا
أدنى إحساس..
سنوات طويلة دفنت نفسي بالعمل حتى أحقق الثراء الذي وقف حاجزا بيننا يوما ما
وكان السبب في حرماني منكِ..ولكن ماذا جنيت من كل ذلك الثراء؟
ابتعدت عن ابنتي وجد وظلمتها,بل ظلمت أطفالي جميعا..
لم أنتبه لهم أبدا ولم أشعرهم يوما أنني والدهم ..وأفقت بعد سنوات طويلة لأجدني
أب لثلاثة أطفال منهم طفلة تركتها لصديقي ليقوم برعايتها وهربت من تواجدها
حولى,لا أعلم هل فعلت ذلك هروبا من واقع أنكِ لم تعودِ على قيد الحياة؟
أم فعلت ذلك حتى لا أظلم جيهان وأطفالي منها,فمهما حدث تظل وجد هل الطفلة
القريبة إلى قلبي لأنها ثمرة حبنا,لأنها تشبهك إلى الحد الذي يجعلني كلما نظرت
إليها رأيتك أمامي,ملامحها ورقتها ورومانسيتها, كل شيء ورثته منكِ حبيبتي..
حتى قوتها ورثتها منكِ,نعم هى قوية كثيرا وأنا أعلم ذلك جيدا,ربما هي لم تعلم
بعد مبلغ قوتها ولكني أعلم جيدا أنها قوية بل أكثر قوة مما يبدو عليها..
بل ربما كانت قوتها تلك هي السبب بعدم مسامحتها إياي حتى هذه اللحظة..
لم يبق لي الكثير لأعيشه وأريدها أن تسامحني حتى يرتاح قلبي تجاهها,
أريد سماحها وفاء فساعديني حبيبتي,لم أشعر أنني على قيد الحياة سوى عندما
رأيتها,يبدو أن الذنب كان يقيدني لذلك لم أكن أشعر بطعم شيء وهي بعيدة عني.
وكلما سمعتها تقول لعبد الله أبي شعرت بطعنة قوية,فأنا فقط من لي الحق لتقولها
لي ولكني فرّطت بذلك الحق عندما تركتها منذ سنوات طويلة.
لن أتركها تبتعد عني مرة أخرى وفاء فأخبريها أن تسامحني ولا تخشى فراقي
مرة أخرى يكفي السنوات الماضية أنني حرمتها مني وحرمت نفسي رؤيتها,
حرمتها من أب يضّمها ويخبرها كم يحبها وكم هو فخور بها..
أخبريها وفاء أن تسامحني حتى أستطيع تعوضيها عن كل تلك السنوات التي
حرمتنا من بعضنا,أخبريها ألا تخشى فراقي مرة أخرى فأنا لن أفارقها سوى
لقبري,هل تعتقدينها ستسامحني وفاء؟أم ستظل تعاقبني على خطأي طوال عمرها؟
أخشى أن أخسرها كما خسرتك قبلا..أنا أعلم أنها تزورك دائما فهلا أخبرتيها أن
تسامحني,أخبريها كم أحبها وكم أحببتك وكم انتظرتها لأحملها بين يديّ!
كم حلمت بحياتي معكما لتأتي قسوة القدر وتحرمني منكِ, ثم أقسو على نفسي
وأحرمها منها..أخبريها أنها أقرب أطفالي إليّ وأحبهم إلى قلبي..
أخبريها أنني لن أخذلها مرة أخرى,أنني سأكون سندها ودعمها وحمايتها,
أخبريها وفاء,أخبريها حبيبتي"
كانت وجد تستمع لكلمات والدها الجالس أمام قبر والدتها والدموع تنهمرعلى
وجنتيها,لقد شعرت بكل كلمة نطقها والدها حتى أنها شعرت أنه تعذب في بعدها
كما تعذبت هي,كم آلمها قلبها عندما قال أن أجله قد اقترب!
شعرت أنه لن يبقى لها أحدا بعده برغم وجود الجميع حولها ولكنه غيرهم ولا
تستطيع استبداله بسواه فقد حاولت كثيرا ولم تكن عرفته فهل ستستطيع أن تفعلها
بعد أن عرفته؟!
شعرت أنها تحبه ربما من قبل مولدها,بل شعرت أنها سامحته وستسامحه حتى ولو
لم يفي بوعده.
اقتربت منه ببطء وجلست بجانبه ثم ربتت على كتفه لينتفض ناظرا إليها بصدمة
في البداية ثم بفرحة..
فرحته آلمت قلبها رغما عنها فاقتربت منه تضم نفسها إليه تريد حضنه ولم يخذلها
ضمها بين ذراعيه بقوة وهو يهمس لها:"آسف ابنتي ,آسف طفلتي"
تناغمت الدموع بينهما وهي تشهق بين ذراعيه كطفلة ضاعت منها دميتها الغالية
على قلبها ثم وجدتها بعد فترة طويلة.
كان هناك شاهد آخر على لقائهما المؤثر ولكنه آثر عدم الظهور وقطع تلك اللحظات
بينهما فآثر العودة من حيث أتى.
---------------
عاد إلى شقته لاغيا كل مواعيده الغالية على قلبه فمشهد وجد مع والدها جعله يتوق
إلى حضن والده الحبيب الذي يفتقده بشدة وذكّره بانتقامه الذي أقسم به أمام جثمان
والده.
أفكاره مشوشة كثيرا.. لا يفهم ماذا يحدث له؟!
كان دائما يعلم أهدافه جيدا ويسير إليها بخطى ثابتة ولكن بعدما شاهدها وتحدث
معها شعر أن كل ما قام به قبلا كان محض هراء..
هي فقط من تجعله يشعر بالذنب كلما تابع انتقامه,هي فقط من تجعله يشعر أنه
نذل وحقير.
البراءة التي تسكن مقلتيها, الخوف واللهفة التي يراها بعينيها تجعله يشعر بالضعف
يجتاحه ويكاد ينسيه ما عزم عليه,معها يشعر أنه في عالم آخر لا مكان به للحقد
الذي يشعر به,معها يكون آخر تناساه منذ زمن طويل..
كلما رآها شعر أنه يعرفها منذ الأزل, شعر أنه وُلِدَ بحبها بل وفُطِرَ عليه..
انتفض مكانه وهو يفكر من الذي ذكر الحب؟ لا يوجد شيء يسمى الحب!
كله محض هراء غيث وأنت تعلم ذلك جيدا,وهم الحب هو من دمر والدك وجعله
تعيسا حتى الممات.. كفى أوهاما غيث, لابد أن تبتعد عن تلك الفتاة التي ستخرب
كل أفكارك وتنسيك انتقامك الأثير.
زفر بقوة وهو يتذكر مشهد انهيارها بين ذراعيّ والدها والذي ذكّره بانهيار مشابه
قبل زمن طويل عندما كان بالرابعة عشرة من عمره..
يوم وفاة والده عندما عاد من المدرسة ليجد جيهان تبكي وبجانبها عبد الرحمن
يواسيها, يومها انتفض بقوة وهو يركض إلى غرفة والده ليجد روحه قد فاضت
إلى بارئها, يومها أمسك بيده وهو يقسم أن ينتقم من كل أنثى تشبه والدته من أجل
والده, سيعاملهن كالحثالة ولن يسمح لإحداهن أن تمتلك قلبه مهما حدث.
وبعد الدفن انتقل إلى منزل عمته جيهان والتي تولّت أموره كما فعلت طوال حياته..
يدين لها ولزوجها عبد الرحمن بحياته, هما من دعماه وجعلاه يصل إلى مكانته
الحالية, لذا لن يرد لهما المعروف بكسر قلب وجد..
لابد أن يواصل ابتعاده عنها مهما شعر أنه يشتاقها, لابد أن يكبح زمام قلبه الذي
بدأ يخونه فهو حطام رجل ولن يظلم وجد معه لأنه سيحطمها لا محالة.
عزم على ذلك بكل قوة وأتبع عزمه بالفعل, فهاتف إحدى النساء اللاتي يقضي
معهن لياليه حتى ينسى تلك ال.. وجد ويزيحها من تفكيره.
ولكن من سيزيحها من قلبك غيث؟!
--------------
منذ ذلك اليوم الذى قابلت به والدها بالمقابر تغيّرت حياتها تغيّرا جذريا,
فقد غدت وجد أكثر تسامحا وانطلاقا من قبل وقد لاحظ الجميع ذلك, فرحلت وجد
الانطوائية التي تخشى الناس وجاءت وجد الاجتماعية التي تشع حيوية وتنشر السعادة
أينما وُجِدَت..
تعمقت علاقتها بوالدها عبد الرحمن وأسرتها الجديدة خاصة رويدا التي اكتشفت
أنها شاركتها طبعها الانطوائي ولم يكن لديها صديقات أيضا, فأصبحتا صديقتين
وتعمّقت علاقتهما كثيرا مما أسعد عبد الرحمن وجيهان.
أصبحت تقضي الكثير من الوقت معهم ولا تعود لمنزل خالتها سوى للنوم وكثير
من الأوقات تبيت ليلتها لدى والدها,وكم كان عبد الرحمن سعيدا بذلك,
وكم ندم على كل تلك الأوقات التي فرّط فيها بابتعاده عن ابنته,وكم تمنى لو عاد
الوقت حتى يعوّضها عن كل تلك السنوات التي أضاعها بعيدا عنها.
ولكنه رضي بما قسمه الله لهم وركّز على سعادته بوجودها بينهم بعد فراق سنوات
ووعدها بداخله أنه لن يتخلى عنها أبدا.
وجاءت النتيجة لِتُتوّج فرحة وجد, فقد حصلت على المركز الأول كعادتها
وكادت تحلّق من السعادة ودعت الله أن يستمر تفوقها العام القادم حتى تحقق حلمها
في التدريس بالجامعة.
لم تتغيّر شخصية وجد فقط بل تغيّرت هيأتها أيضا, فالصداقات التي كوّنتها
بالجامعة ساعدتها على معرفة الكثير من الأشياء التي لم تعلمها ولم تكن تلقي لها
بالا من قبل مثل الحجاب.
فبالرغم من ارتداء وئام الحجاب إلا أنها لم تنصحهما بارتدائه سوى مرة واحدة
تحدثت معهما بالحجاب ولم تعيدها ولكنها بعدما تعرفت على أولئك الفتيات اللاتي
كنّ محجبات بدأن يساعدنها في القراءة عن الحجاب وأنه الزي الإسلامي الذي
يليق بالفتاة المسلمة ويحفظها وقد اقتنعت بذلك وعزمت على ارتدائه.
حاولت أن تجذب غادة لترافقها وتتعرف على صديقاتها ولكنها لم توافق بل
شعرت أنها تبتعد عنها شيئا فشيئا ولم تعد قريبة منها كالسابق وهذا أشاع الحزن
بداخلها كثيرا..وفوجئت ذات يوم في النادي أن الفتيات قد أحضرن لها حجاب
هدية ليشجّعنها على اتخاذ مثل تلك الخطوة المهمة,وقد شعرت بالامتنان لهن كثيرا.
فهي لم تلق تشجيعا من وئام أو غادة في المنزل,فقط جيهان هي من وافقتها وحثّتها
على اتخاذ تلك الخطوة المهمة.
وذهبت معهن لشراء الملابس الملائمة للحجاب فلم يكن لديها ما يناسب ملابس
المحجاب في خزانة ملابسها..
اشترت القليل حتى تشترى مع عائلتها وتشاركهم فرحتها,يومها عادت من النادي
إلى منزل خالتها لتفاجئهم بهيأتها الجديدة لتفاجأ برد فعلهم الغريب..
فوئام لم تنطق سوى بمبارك عليكِ وغادة ثارت عليها لأنها لم تخبرها ثم سخرت
منها ومن هيأتها,وحده عبد الله الذي شعرت بتحمّسه وبمباركته الصادقة.
شعرت بالدموع تتدافع إلى عينيها فستأذنت بالخروج وذهبت إلى منزل والدها,
وصلت إلى البوابة لتتصادف مع غيث خارجا بسيارته, شعرت أن الألم فوق
احتمالها, فهي في الفترة الماضية تناست وجوده وانشغلت عنه بصديقاتها
وعائلتها والتعرف على دينها, وها هي تراه في أشد الأوقات إيلاما لها.
هي خسرته قبل أن تكسبه من الأساس, وها هي تكاد تخسر أسرتها التي عاشت
معها طوال حياتها, فإن كانت تفهم رد فعل غادة رغم أنها لا تبرره لها,
فهي منذ فترة وهي تختلف مع غادة بسبب لقاءاتها السرّية مع رمزي..
أخبرتها مرارا أن هذا لا يصح دون علم أهلهما ولكنها لم تستمع لها وابتعدت عنها
ولم تعد تقص عليها شيئا وهذا أحزنها بشدة وحاولت معها أكثر من مرة ولكنها لم
تلقِ لها بالا وزادت في عنادها وتهورها.
أما خالتها فلم تعد تفهم لِمَ هذا البرود الذي تعاملها به؟
تساءلت هل خالتها لا تريدها أن تتواصل مع والدها؟!
ولكن هذه أنانية منها لأنها تعلم جيدا كم كانت تتمنى الحياة مع والدها, كما أنها لم
ترد الاستقرار بمنزل والدها بسببهم رغم إلحاح الجميع عليها لفعل ذلك,
فما الذي حدث حتى تعاملها خالتها بمثل هذا الجفاء؟
دلفت إلى الفيلا لترى رمزي خارجا منها صافحها ومشي مسرعا شعرت بالحزن
حتى أنه لم يبارك لها الحجاب, شعرت بالدموع تنذر بالهطول فارتأت أن تجلس
بالحديقة قليلا قبل أن تدلف إلى الداخل, جلست على الأرجوحة وأطلقت لدموعها
العنان.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close