اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل العاشر 10 بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل العاشر 10 بقلم نورهان ابراهيم


الفصل العاشر 💙😍
نبتعد نائين كثيراً عن بقاع الأرض المتسمة بالترقى و الرخاء و عن غيرها المسماة عنوان البساطة و الهناء و نتقابل فى بقعة مغايرة و مخالفة لكل ما سبق و ذكرناه .
نراها رأى العين بأدق تفاصيلها ، تتجلى لنا مخيفة تعشعشها بيوت العنكبوت ، و جدرانها القائمة على أساس منهوك ، و تتشعبها التصدعات الضخمة من أعلاها عند أسقافها إلى أسفلها حتى أراضيها ، و أعمدتها المعوجة الحاملة للأسقاف ، كل هذا يبعث فى الأبدان رعشات و فى الأفئدة رجفات و فى الأنفاس تقطعات، و يخيل للرائي أنها ستنهار على رؤوس ساكنيها ، و ما يزيد من الرهبة المحسوسة هاتيك التذبذبات الصوتية الخشنة المنبعثة من جانب قاصٍ من جوانب واحدة من الحجرات و التى أكثرها تماسكًا :
_ هنسيبه يعيش حياته بالطول والعرض و يتنغنغ فى العز و نقعد و حاطين ايدينا على خدودنا زي الولايا؟!
و هذا المتكلم يسد بضخامة جثته الزاوية المحصورة بينه و بين الحائطين المتعامدين مشكلاً بجسده وتراً لمثلث يضم فى محيطه مقعداً هزازاً يتأرجح بتأثير حركات الشخصية الرجولية مجهولة الهوية المتكئة عليه و هيئته كالتالي : قدمين متواريتين بحذاء جلدي راقٍ صعوداً إلى ساقين طويلتين ملفوفتين ببنطال قماشي و يد يخفيها قفاز منقوش عليه كلمة من أربع حروف "الظل" ، ثم سترة من تحتها قميص أسود فوقه ربطة عنق بخطوط متقاطعة بينها مربعات دقيقة ، نتابع تأملنا حتى رقبة جلدها يشوبه تجاعيد قليلة ، و ننهى جولة تمعننا بوجه يستتر بقناع استعار من الكآبة لونها الأسود ، و عيون حادة النظرات بدكانة لونها البني.
استبد اليأس برجلنا الأول من نيل مرتضاه، ليقرر انتزاعه _سلميًا_ من هذا اللائذ بالصمت الكلي ، استطرد الرجل بتصريحاته المغرضة :
_ حالة الاستسلام و قلة الحيلة دي مش من طبيعتك ، معقول يا "ظل" خططتك كلها Finished ! و إياك تقولي إنك خفت من "طلال" و اتقيت شره!
قهقهات يكتمها القناع تردد أثرها فى كل زوايا الحجرة رجوعًا إلى آذانهما و تمايزت رنة صوت "الظل" مرجئًا خلفية رأسه على المقعد الهزار ، ناقراً على فخذه بكل أصبع منفرد و كهجمة مرتدة نبس قائلاً بموجز الكَلِم :
_ طبعًا لأ ، يا هيثم ده مش وقت التهور!
"هيثم" يتحين الفرصة_ بصبر نافذ و فؤاد فارغ من أى عاطفة_ للإنقضاض المنشود على عدوه اللدود ، فتكلم بنبرة يجرفها التعطش لسفك الدماء و مصها حتى آخر نقطة :
_ ناوي على إيه؟ مش المفروض نتحرك دلوقتي؟!
فرد "الظل" طوله قائمًا ، ليتساوى مع طول "هيثم" المستقيم بقامته ، فصارا مقابلان فى الأجسام و النظرات الحقودة ، و يدور فى خلديهما أفكار خبيثة الهدف الأصلي منها هو زهق الأرواح الطيبة و فصلها عن أجسادها بأبشع الطرق و أشدها فظاعة.
_ غلط كبير قوى لو اتحركنا فى الوقت ده ، لإنه هيبقى مستعد لأى ضربه ، و بكدة هيتقلب السحر على الساحر و بدل ما نجيب آخرته هيطلع بروحنا واحد واحد ، لازم نغفله عشان نقدر عليه ، ها الرسالة وصلت يا هيثم؟!
اختتم "الظل" اسهابه الشارح بسؤال ماكر و رزين فهو قد أحب هذه اللعبة مع عدوه أن يصبر عليه لوقت طويل حتى يغفل عنه ثم يفاجأه بضربة قاسية قاضية ، لأنه يحب الانتصارات الكبيرة على عكس هيثم المتهور .
تبسم "هيثم" ضاحكًا فى نشوة ، و بقلب كالحجارة أو أشد قساوة علق محييًا إياه على براعته فى حبك الخطط الشريرة :
_ عندك دماغ إنما إيه .... ذرية!
برقت عينا "الظل" بومضات ذئبية فى ليلية قمرية ، و نظرات لامعة بشرور فى الغرفة التى يخترقها ضوء الشمس اختراقًا خجلاً آخذاً من بين الشقوق و الشباك الزجاجي البالي بإطارات خشبية رثة مساراً له ، مع غياب الأنوار الكهربية.
استأنف "الظل" حواره و أضاف منشداً بنبرة حاقدة :
_ و على رأى محمد منير "كل المفروووض مرفوووض
و على الفور شاركه "هيثم" مدندنًا بنغمات غنائية خفية عقبها إكمال الجملة التالية من الأغنية الشعبية الدارجة و التى من الأنشودات الأكثر رواجًا :
_ أثبت للعالم إنك موجوووود موجود.
هأهأ الإثنان بشنآن مطيلان فى ضحكهما الشبيه بعواء الذئاب ، فهما حليفي حقد و شر ، احتلفا على الانتقام الدنئ و هما على وفاق بشأن إبادة كل ما هو طلالي _نسبة إلى طلال ، أو أى كائن يخصه _ أو ينتسب له مجرد انتساب ، و اجتمعا على قلب رجل واحد ساعيان إلى ترويعه و تنغيص عيشه و تكبيده المشقات ، مخططات لقتله بغير وجه حق.
.........................☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆......................
من فرط تعبه، تكاد رئتاه تتوقفان عن ادائهما، و قدماه لا تتركان أثراً رغم أنه يعدو فوق التراب، و لسانه لا يردد إلا عبارة واحدة: يا نهار أسود ..... يا نهار اسود و مطين على دماغي.
لمح على بعد قدمين سيارة مدير المدرسة، و لحظه الوفير وجدها مفتوحة، فقفز بداخلها و اغلق الباب وراءه على آخر لحظة فقد وصل إليه الثور الجامح و طفق ينطح الزجاج حتى تشقق، ليحادث ذاته "عرفه" بندمٍ و هو يحقرها :
_انا كان ايه جابني احضر زفت دروس من ورا بابا؟ يقطع ابو ده غباء ، فيها ايه لو مقفلتش السنادى.
انكسر زجاج الواجهة لتتقاذف قطعه الدقيقة و تصيبه فى وجهه مسببة خدوشًا سطحية، ليصرخ مفزوعًا :
_ يامصيبتييي، يا لاهوييي يا انا، يا خرابيييي.
اولج الثور قرناه بغلٍ يود لو يفتك بهذا المسكين المرتجف، ليدعه بعد ان سأم منه، تنفس بعمق و راحة، قائلاً بتضرعٍ :
_الحمد و الشكر ليك يا رب، الحمد لله.
أما الشيخ فقد صعد سور المدرسة، فرمل الثور خطواته و انحرف عن طريقه، ليجري تجاه السور و يصتدم به عدة مرات.
و قد اقدم الشيخ على فعلة حمقاء من الطراز الأول، فجرب أن يفقز من مكانه و انظاره وجهها على السيارة ظنًا منه انه يمكن أن يصل إليها، فتلقاه الثور على قرنيه الذان اشتبكا فى عباءته فشقها من الامام و الخلف حتى متنتصفها، ليسقط الشيخ مرتطمًا بالارض و اصبح قاب قوسين او ادنى من الطحن بهذه القرون الفتاكة، لينبس بالشهادة ميقنًا انه ميت لا محالة :
_أش.. شششهد.... أن لا إله إلا.... ال... لله.
عجز لسانه عن نطق المزيد، و ما إن قارب الثور على نطحه، جاءهم صوت شئ يطرق على معدن آتيًا من ناحية المبني التدريسي ، ليستغل الشيخ جريان الثور فى تلك الجهة، ليعاود صعوده على السور و يفشل فى الصعود فجسده المرتجف و اعصابه التى لا يعرف كيف يتحكم بها لا تعينه فى مهمته، صعد اخيراً بعد عناء شاقٍ و هو يشتم نفسه ثم يستغفر :
_ غبي.... كنت هموت.... استغفر الله العظيم.
ليدعو الله دعوات خائفة و جسده يرتعش ارتعاشًا: اللهم إني لا اسألك رد القضاء و لكني اسألك اللطف فيه، يا رب انا عبدك الضعيف، يا رب نجيني، و ندر عليا أوزع فلوس على الفقرا.
فى هذه الاثناء صادف مرور عربة رباعية الدفع و استفز راكبها شكل الشيخ بملابسه المهترئ و جلوسه الغريب فوق السور ، ليسأل بشكٍ :
_ هو التور عدى من هنا؟
امتعض وجه الشيخ ليجيب ساخراً متهكمًا :
_أومال انا قاعد بتشمس؟! ادخل هاته.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
على واحد من أزهى الشطآن ، شاطئ الإسكندرية ذي المظاهر الخلابة و المياه الزرقاء الرقراقة تحت سماء أشد زرقة منها ، يطوف فى فضائها الفسيح طيور بحرية منها العقاب و النوارس تطير على هيئة صفوف محلقة فى العلالي إلى الأفق أقصى مد البصر ، تنخفض بشكل مفاجئ و سريع ، و تحط على سطح الماء تغمر نفسها فيه و من ثم تنفش ريشها نافضة قطيراته عنها بدون أن تخشى الغرق ، فريشها مغطى بطبقات غير مرئية من الشمع الطبيعي لمنع استقرار الماء عليها و إضفاء لمعان وبريق طبيعيان.
و هذه هبة من الله لها ، و ترجع تتعالى فى مرتفعها و تحليقها بعد أن ملأت أفواهها بصغار الأسماك و غيرها من الأنواع الأخرى منها الطائرة و منها الغائصة بقرب السطح.
و هما حظيا بروعة هذا المنظر الباهر للعيون ، ممتعان أنظارهما بالطبيعة الآخاذة للعقول و جمالها المتفرد من لدن الله فالله جميل يحب الجمال ، سبحانه بديع فى خلقه .
و "طلال" أشدهما تأملاً و تبسمًا ، يجد نفسه من غير أن يشعر يبتسم و تتسع ابتسامته ، تلك المنتمية للنوع الصافي.
عكف "طلال" على الانغماس فى وصلة تمتعه بهذا المشهد الآسر و ما يزيده جمالاً تلؤلؤ الماء بفاعلية سطوع الشمس مباشرة عليه بلا أى شئ يحجبها ، و اجتياح الأمواج الثائرة الضاربة فى الشاطئ الصخري ، و تقدم التيارات المائية على طول الشاطئ و انحسارها متراجعة إلى موردها فى بحرها اللُجي.
و قطعًا من الصعب أن يفصل وصلات استمتاعه اللامتناهي مع شرود من نوع نافع و مرحب به ، و مع ذلك منع عن عيناه متعتها ملتفتًا إلى "باسل" الراسم على الرمل خطوطًا و دوائر و أشكال لا يمكن تفسيرها بالإستعانة بمفتاح شقته المقيد بميداية من معدن متخذاً شكل قالب بحرف ال"B".
تزينت شفاه "باسل" بسمة تسحر العيون من رونقها ، و بدلاً من استمرار انحناء رقبته للأسفل عدلها متطلعًا إلى ابن عمته رانيًا إياه بأبهى النظرات ، نظرات تضم فى طياتها حب أخوي ليبوح بما يكنه له فهو سلواه فى حزنه :
_ أنا بحبك قوي يا طلال ، وجودك جنبي بيقويني ، متتصورش إنت بالنسبالي إيه ، أنا يستند عليك ، إنت ضهري و سندي و عزوتي!
اتسمت تعابير "طلال" بالزهاء و انكشفت أسنانه بافتراق شفتيه كتابع لاتساع بسمته، و رد بمرح فائض :
_ إحنا متفقناش على كدة ، يكون فى علمك إللى ما بينا ميتعداش الصحوبية و صلة القرابة and nothing more (مش اكتر).
رمش "باسل" مرفرفًا رموشه باستغراب مستبد و علق سائلاً بإنكار مصحوب باندهاش :
_ من أمتى و إنت بتهزر؟!! أنا مش مصدق وداني و لا عنيا!
تمدد "طلال" على ظهره مستنداً بمرفقيه على الملاءة الشاطئية التى يقعدان عليها ليكون جسده كله مقابلاً للسماء و سحب نفسًا قصيراً من هذا النسيم البحري النقي و زفره ريثما يجيب عليه بروية و تعقل :
_ وقت الجد جد و وقت الهزار هزار ، لازم تعرف امتى تكون شديد و امتى تكون حنين و لين.
رناه"طلال" بعدئذ بجدية ، و أردف مستأنفًا فى هدوء و شعور صادق :
_ عشانك يا باسل أعمل أى حاجة ، حتى لو كانت مش عاجباني.
بملامح صافية إلى حد كبير ، و قد عادت إليها بسمة نضرة رائقة ، بادر "باسل" فى الحال بمزحة لاطفت ذهنه فقالها :
_ باين غزالتك رايقة و آخر حلاوة!
انشرح صدر "طلال" برؤياه لعودة الحيوية إلى أشد الناس قربًا لفؤاده و أعزهم لنفسه ، لــ يرد بـكلمات حملت شيئًا من معاني المزاح :
_ تقدر تقول كدة.
راق لـ "باسل" الحالة المزاجية اللطيفة التى عليها ابن عمته ، فـاغتنم فرصته النادرة ليأخذ منحنى محبوبًا فى الحديث ، حيث قال بنبرة مليئة بالمرح :
_ يا محلاك و إنت هادى و رايق!
انزره "طلال" موضحًا فى جدية وفيرة :
_ خلى بالك من تصرفاتك ، و حسن سلوكك و انت تلاقيني دائمًا هادى و رايق ، يعنى تعاملي معاك متوقف على التزامك أو اهمالك ، و كمان حزنك أو فرحك ، فى وقت تعبك ليك معاملة و فى وقت صحتك ليك معاملة مختلفة خالص.
انزعج "باسل" من تلقيه الأوامر الرتيبة و تغيير مسار الحوار ، ليهمس متجهمًا :
_ أهو .... رجعت تاني!
باستغراب قليل عقب "طلال" :
_ رجعت ؟! هو أنا كنت مشيت عشان أرجع؟!
توغل "باسل" فى المناقشة لعله يصل لشئ يرضيه :
_ رجعت لنفس الأسلوب اللى مش بطيقه!
أدرك فداحة ما فاه به ، و قبلما يرد الآخر و يتعكر صفو الجو بينهما ، تساءل "باسل" بمزيد من التعجب :
_ إيه اللى جابنا اسكندرية و احنا ورانا شغل متلتل فى العاصمة ؟!
و أضاف مكملاً :
_ ده غير المشروع اللى حملتني مسؤوليته اديره ازاي و انا هنا؟!
زحف "طلال" للخف و اعتدل جالسًا و مربعًا ساقًا بينما يمدد الأخرى ، مع تحاشيه للنظر إليه ، مراقبًا ثوران الأمواج و اضطرابها الجاذب للأنظار فيملأها شغفًا و تمرداً ، و أغمض جفناه مع مداعبة النسمات البحرية لخديه ، و بارتخاء يسيطر على عضلاته كلها ، قال بنبرة مرتخية :
_ عشان إنت هتفضل هنا و انا هرجع القاهرة.
بان الإندهاش واضحًا على "باسل" بترديده الذاهل :
_هفضل؟! طب ... طب ليه؟!
من المفروض على "طلال" فى هذه اللحظة الإتيان بإجابة للسؤال الوجيه المطروح عليه.
تنفس فى ضيق و الحيرة تلفه من كل الجهات ، و تمهل قبل أن ينطق بأي حرف ، فالحقيقة ستجلب لهما حسرات و آلام هما حالياً فى غنى تام عنها .
فـ تجدد الذكرى الأليمة كان سببًا كفيلاً بأن يأتى به هنا ، مغادران المدينة بما فيها ليبعده مؤقتًا عن جو الحزن المطبق على الصدور ، ليرد بأول فكرة أتته فى ساعتها :
_ لأن Location المشروع الجديد هنا و متنساش إن لينا فروع هـ.....
قاطعه "باسل" و أبدا عدم اقتناعه بحجته المرمية على مسامعه ، حيث تكلم من باب تنشيط الذاكرة له لربما نسى وسط زحام الحياة :
_ بس الفرع اللى هنا إيڤا و راغب بيديروه!
_ ما انتا هتستلم منه الإدارة و هتساعدوا بعض.
_ طيب لحد أمتى هبقى هنا فـAlex؟
تردد "طلال" للحظات عابرة قبل أن يرد بنبرة متزنة بها بعض الثبات :
_ على الأقل لحد المشروع ما ينتهى.
_ الله المستعان.
زفرها "باسل" عائدان بناظريهما إلى تأملهما الصامت.
◇◇◇◇◇◇◇◇◇♡♡♡♡♡♡♡♡♡◇◇◇◇◇◇◇◇♡♡♡♡♡♡
ضربت "تغريد" السجادة المفرودة على ناشرة الملابس الحديدية بالمنفضة الخشبية و كأنما بينهما عداوة و بذلك تنتقم منها و واقعيًا كانت وسيلة قريبة لتفريغ ما يشتعل بصدرها من نيران غاضبة والعة .
تكونت سحابة من الغبار حائمة حول رأسها قبيل نفضها لما كان عالقًا بقطعة المفروشات من ناعم التراب و الذى أخذ مساره إلى جوفها مرغمًا إياها على السعال بقوة و اتصال ، و انشرخ حلقها من شدة جفافه مع لفظها لأدعية حارقة :
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا إيناس يا بنت صفية ، أشوف فيكي يوم يا بعيدة ، ربنا ياخدلي حقى منك قريب!
نفضت "إيناس" كفيها من تراب خفيف التصق بهما أثناء تأديتها الجاهدة للعمل الموكول إليها و التى انضمت لها "تغريد" من باب التطوع و إن كانت تزعم أنها مجبرة عليه ، و ردت عليها بملامح منزعجة و عيون مشعة بالتشاؤم :
_ أعوذ بالله منك و من لسانك ، هو أنا مبجيش لقدام من قليل؟! اتكتمى بدعاويكي اللى تقصف العمر دي!
لوحت "تغريد" بالمنفضة و انعقد حاجباها بامتعاض كاسح لكل ذرة فى كيانها و بما أن الضغط بولد الإنفجار فإنها حكت أطراف أسنانها ببعضها هادرة بغل عميق :
_ من ساعة مارجلي عتبت البيت و انا كاتمة فى قلبي و ساكته ، و عمالة بعصر على نفسي لمون و انتى مشعلاني مرمطون و لا أجدعها خدامة!
_ الله مش إحنا خدنا بريك و اتفرجنا سوا على كرتون و بعدها بشوية اتغدينا؟! و انا من ناحيتي منقصتش عليكي حاجة!
جاء ردها بارداً حارقًا لأكثر الأعصاب بلادة فما بالكم بأعصاب الأخرى التالفة و التى على أشدها ، و لن تكتفى بهذا فحسب و إنما ستواصل استثارتها ، لذلك همست بتمتمة :
_ بطلى كسل يا تغريد ، أنا بدأت أشك إنك من فصيلة حيوان الكسلان!
صارعت "تغريد" نفسها لتبقى فى إطار التعقل و تحكمت بقدر كبير فى انفجارات غضبها المنذرة بالإندلاع ، و تشنجات عضلاتها المنقبضة و التى تحثها على الإنقضاض عليها فـ ألقت كلماتها الحانقة يتخللها صدق حسي :
_ كانت فكرة مهببة لما جيت لك ، كان مالى بالغلب ده كله ؟! فعلاً نار أمى و لا جنتك!
_ طب روحي النار ... قصدي روحي لـ أمك يا قلب أمك ، مدام مش قد حاجة بتعمليها ليه؟
_ أقول إيه يا نوسة حكم القوى ع الضعيف!
رمقتها "إيناس" باستنكار ، و كذّبتها مردفة بنبرة مستنكرة :
_ أعملى الشويتين دول على حد غيري يا شرشبيل!
تسلحت "تغريد" بالتجاهل للقب المعبر عن إحدى رموز الشر فى عالم الرسوم المتحركة ، مبردة أعصابها و آخذة أنفاسها بعمق و هدوء ، بعد ذلك وضعت ظهر كفها على جبهتها رامية المنفضة إلى جوارها ، و طلبت بنبرة مستفزة متشبعة بنسبة من الإرهاق :
_ جيبيلي حاجة اشربها .... ريقي نشف من التراب اللى سفيته!
و ببسمة مراعية تخالف تمامًا ما كانت عليه قبل قليل سألتها "إيناس" مقترحة بلطف :
_ تشربي كركديه؟!
أبت "تغريد" أن تحتسي المشروب المذكور و بدت نافرة حينما قالت بإنكار ساخط :
_ شايفاني عندي الضغط؟!
تمسكت "إيناس" بهدوئها حتى آخر المدى و اعتنت بابتسامتها لتزيدها وداً مع سؤالها الجديد :
_ طيب فى حلبة ... تنفع؟
نفي "تغريد" كان كافيًا لإثبات عدم رغبتها فى تجرع السائل السخن ، حين قالت رافضة :
_ لأ و مليون لأ.
أخذ الاستياء يحيط بـ"إيناس" و مع زوال بسمتها سألتها مجدداً ماضية فى مقترحاتها :
_ خلاص ، تاخدي نعناع؟!
_ حلبة إيه و نعناع إيه؟! حد قالك إن بطني وجعاني أو أنا كنت اشتكيتلك؟!
لعقت "إيناس" شفتها العلوية ، و شعور بالملل تملكها ، فـ كلمتها بسخرية راجية منها إعفائها و أن تطلب شيئًا محدداً مدلاً من طلبها العام :
_ جلالتك عايزة تطفحي إيه؟!
إتكأت "تغريد" بظهرها على حافة الشرفة مجيبة بـ :
_ مم ، مج قهوة لو فيها تقالة!
أشرأبت "إيناس" لتعلق ستاراً على الأسطوانة المعدنية واقفة باستقامة و هامتها لأعلى و جذبت الستار للجانب بعد أن علقته من حلقاته المعدنية المغطاة بطلاء ذهبي و وقفت باعتدال ، و أثناء ذلك ردت بهدوء خارجي :
_ معندناش قهوة.
و من هنا نشبت المشاحنات الكلامية الباردة بينهما ، مابين شد و جذب ، هجوم و دفاع ، و لكن بدون ارتفاع درجاتهما الصوتية ، تجنبًا لخروج المشاجرة عن حدود البلكون وصولاً إلى الجيران و لعدم جذب أنظار المارة بالأسفل.
_ أومال عندكو إيه يتشرب يا نيسو؟
_ شاي و سحلب.
بنوعٍ من القناعة أردفت "تغريد" منتقية بين الخيارين المتاحين :
_ مافيش مشاكل لو جبتيلي كوباية شاي.
_ الشاي مضر.
أحمر خدا "تغريد" باكفهرار من التعب و الغضب ، لتسترسل متحدثة بتنهيدة خفيفة :
_ لا حول ولاقوة إلا بالله ، أنا اللى هشربه ، ده غير إنه ليه فوايد.
ضبطت "إيناس" حجابها شادة أطرافه ألى فكها و ربطتها من تحت ذقنها ثم من خلف رقبتها مضيفة فى هدوئها البارد :
أضراره أكتر!
لتقول "تغريد" بصوت خائب كثير الإحباط :
_ مفضلش غير السحلب.
_ مبعرفش أعمله.
عقب قولها نفضت الستار بكفها تهندب شكله و تضمن خلوه من الكرمشة.
تخلت "تغريد" عن ثباتها الإنفعالي لتسير ناحيتها و الغيظ يتآكلها ، قائلة بضيق متفاقم جداً :
_ إنتى مستقصداني بقى؟!
و بــ برود شديد قالت "إيناس" غير مبالية :
_ طريق المطبخ قدامك ، أعملي مابدالك.
_ بعد إيه؟! ماخلاص سديتي نفسي!
تحدثت "تغريد" بآخر كلماتها الضاجرة و ضاقت ذرعًا برمة الموقف و تحركت إلى مكان وقوفها الأول عند الشرفة نائية عنها لتستعيد تحكمها بأعصابها و سرحت فى التطلع للمارين من رجال و نساء و أطفال الحى بعيون تتقد كيداً و غضبًا.
و بينما "إيناس" همست بنبرة خافتة للغاية لئلا تسمعها ابنة عمها :
_ أحلى حاجة!
_ ها يا بنات ، خلصتو و لا لسة؟
إلتفتت "إيناس" إلى منبع الصوت الآتى من ورائها و الذى يصدر عن أمها "صفية" بمزيج من اللين و الجدية معًا .
تبسمت "إيناس" فى مقابلة صفية و أجابتها بهمتة متعبة :
_ إحنا على وشك يا ماما ، باقي بس نغير وشوش المخدات ، و يبقى كله متبستف و تمام.
☆☆☆♧♧♧♧♧☆☆☆☆☆♤♤♤♤☆☆☆☆☆♧♧♧♧♧♧☆☆☆
عرفت قدماها السبيل إلى المطبخ و مزيداً من العطش شعرت به فى حلقها ، رأت قنينة بلاستيكية سعتها حوالى اللترين تابعة للمشروبات الغازية و لكنها مفرغة منها و معبئة إلى منتصفها بسائل شفاف يشابه المياة بقدر كبير و بلا أدنى عناء فى التفكير أخذتها "تغريد" بين أصابعها و فتحت غطائها الصغير و رفعتها إلى فمها متجرعة نصفها على دفة واحدة ، و انزلتها و اسندتها على رف مجاور حيث كانت.
تزامنًا مع تنفسها الشاهق لإدخال الهواء إلى رئتيها بعد كتمها لأنفاسها أثناء الشرب ، أحست بحرقة فى كل عضو فى جوفها ، لتشمشم بعمق بعدما اجتاح أنفها رائحة مميزة و قوية ، تألفها و تعرف مهيتها.
تشككت باسترابة من الأمر و عادت تمسك الزجاجة و تفتحها و تقربها من أنفها ، اتسع فمها من هول صدمتها مع شعورها بنغصات فى بطنها ، لتهتف مصعوقة :
_ كلور؟! أنا شربت كلور!
أشتدت وخذات معدتها و لسعات لسانها و فمها ، لتصرخ واقعة على الأرض تكابد آلامًا فتاكة تكاد تذيب جدرانها المعوية :
_ يا إيناااااااااس ، آآآآآه يا بطنيييييي!.......................................
...............................................



الحادي عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close