رواية أحلام فتاة شرقية الفصل العاشر 10 بقلم ماريان بطرس
(١٠) انتفاضة
تفاعل على الفصل وتعليق برأيكم فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت المنزل بهدوء لتجده يقف فى باحته، ابتسامة ساخرة شقت فمها وهى تجده ينتظرها بتلك الوقفة الهجومية وذلك الشكل الهمجى البربرى وازار قميصه المفتوح معظمها وكإنها خارج من معركة مع احدهم.
ابتسامة هازئة شقت فمها وهى تحول نظراتها تجاه حماتها، حتما قد ابلغته خبر خروجها وهو هنا الآن للتحقيق.
ألقت السلام وهى تتحرك صوب غرفتها بلا مبالاة لتجده يهتف بأسمها، التفت تنظر جهته بتساؤل لتجده يسألها بغضب مكتوم:
_كنتِ فين ؟؟
نظرت له ثم حولت نظراتها تجاه حماتها التى تجلس على الأريكة بابتسامة شامته لتجيبه ببرود:
_ما دام انت هنا يبقى اكيد عرفت انا فين ومع مين، فأظن ملوش لازمة التحقيق دة
ثم أكملت بعدها بسخرية لاذعة وهي تحول وجهها جهة حماتها:
_لان اكيد العصفورة قالتلك كل حاجة
اتسعت عينى أمينة بصدمة من وقاحتها المستجدة عليها، ولكن هذا حتمًا تأثير سابين عليها، بينما صرخ قاسم بها بغضب:
_ريم، اتكلمي كويس
ولكنه كان قد طفح بها الكيل لتصرخ به بغضب وهي تشيح بيديها بعشوائية:
_والله انا بتكلم كويس وكل حاجة بس مش عارفة ايه لازمته التحقيق دة، لا وقاعد مستنينى انت ومامتك، ليه دة كله؟ كله ده علشان خرجت!!
بتهيألى اني مش فى سجن للي بتعملوه ده
صرخ بها غاضبا:
_ولما تخرجي من ورايا، وكمان تروحى تقابلي سابين يبقى نقول عنه ايه؟
كان قد فاض بها الكيل من تصرفاتهم تلك لتصرخ باستنكار:
_والله انا مش عارفة مشكلتك ايه بالظبط دلوقتى، مشكلتك انى خرجت بدون اذنك ولا انى خرجت مع سابين بالذات؟
صرخ بها باندفاع غاضب:
_الاتنين، مشكلتى الاتنين يا ريم، انك تخرجى من غير اذنى وانك تقابلى سابين بالذات
ولكن ان كان يظن إنها ستنهار كالعادة، وتحاول مراضاته، وتستغنى عن الكل لاجله كما هو معتاد فهو مخطئ، إنما وجدها عقدت يديها أمام صدرها مجيبة بنبرة باردة تحسد عليها:
_والله انا حرة اقابل مين ما كان مادام مبعملش حاجة غلط، ومظنش انى عبدة لحد علشان يقولي اعمل ايه
صرخ بها بغضب همجى:
_ريم، اتكلمي معايا كويس
جعدت حاجبيها بتعجب، ترى ما كل هذا الغضب وكل تلك الهمجية الغريبة عليه!! أهذا هو قاسم البارد كالجليد!! ترى ماذا حدث لكل هذا؟ وكأنها قد ارتكبت جريمة شنعاء ليقابلها بكل هذا الغضب، ولكنها مع ذلك نظرت له لتجيبه ببرود:
_انا معنديش رد
انهت جملتها لتتحرك صوب غرفتها ببرود متجاهلة كلاهما تمامًا، لينظر قاسم فى اثرها بصدمة وعدم تصديق من اسلوبها الجامد معه وقد تملك من قلبه الرعب
ترى ماذا قالت لها سابين لتتصرف معه هكذا؟
لذا ركض خلفها وهو يصرخ بغضب:
_ ريم استنى هنا
ولكنها لم تستمع له إنما ركضت جهة غرفتها مقررة بأنها لن تسمح له باهانتها امام والدته أبدًا بل وأن تتدخل بحياتها، وبينها وبين زوجها
دخلت غرفتها مغلقة بابها، ولكن سرعان ما وجدته يفتحه بقوة ويطل عليها بطوله الفاره ومنظره الهمجى المستحدث، أما عيناه فكانت حمراء تطلق شرارات نارية.
تراجعت للخلف بخوف وهى تجده يقترب منها ببطئ وهو يقول بهسيس مرعب:
_بقى بتسيبينى وتمشى يا ريم؟ ايه ماليش قيمة خالص قدامك؟ واضح ان أنا اتساهلت معاكِ لدرجة خلتك تقللى من قيمتى.
لا يا ريم مش قاسم الاسيوطى إللى مراته تسيبه وتقل منه قدام اى حد حتى ولو كان امه.
تراجعت ريم للخلف بذعر أمام هجومه المفاجئ ولكنها مع ذلك اجابته بغضب تعجب له:
_يعنى عاوز منى ايه دلوقتى وعامل الخناقة دى كلها ليه وعلى ايه؟ كله دة علشان خرجت من وراك!
صمتت لتلتمع عينيها بدموع القهر، وتعالى صوتها أكثر، وهى تشيح بيديها بعشوائية وقد انفلت زمام صبرها وتغلب ألمها وقهرها عليها وهي تهدر بجنون:
_دة على اساس انك بترد عليا لم برن عليك؟ كام مرة اتصل ومتفكرش ابدًا ترد؟
قولتلك قبل كدة لما اكلمك ترد عليا، ممكن يكون حاصل مصيبة، لكن ازاى قاسم باشا إللى خارج من القطب الشمالي يتنازل ويفك شوية من التلج إللى محاوط قلبه ويرد على مراته ولا ينفذ لها طلب!!
وبعدين ايه هو إللى خرجتى من غير ما اعرف؟؟!!! ما هى مامتك هنا وقولتلها قبل ما اخرج، وبالتأكيد بمجرد ما مشيت اتصلت وبلغتك اني خرجت فين ومع مين وإلا وصلة التحقيق دى ما كنتش حصلت، أو إن سيادتك تيجى قبل ميعادك وفى وضح النهار.
قاسم باشا إللى مش بيجى غير آخر الليل جه بدري بس لانه مراته خرجت ووالدته بلغته!!
يعنى لو حد المفروض يتضايق يكون أنا، ترد على مامتك لكن انا مليش أهمية عندك!!
وبعدين ايه إللى مضايقك اوى كدة نفسى افهم؟ يعنى سابين عملتلك ايه للغضب ده كله!!
ثم اقتربت منه تضرب سبابتها فى صدره بغضب بينما دموعها أغرقت وجنتيها بقهر:
_بلاش تحسسنى إنك مستنيلى على غلطة علشان تتخانق معايا واني انا إللى رامية نفسى عليك اوى كدة.
صمتت لترفع رأسها تكمل بقوة وتوضيح:
_ انت من قبل ما تتجوزنى عارف إن أنا وسابين أصحاب، وعارف أن انا مش بتخلى عن اصحابى ولا بسيبهم، وفوق كدة هى معملتلكش حاجة للكره دة.
انا لحد دلوقتى بتجاهل كل شيء، لكن عمري ما أتجاهل اسلوبك دة وتقليلك لقيمتى قدام حد مين ما كان علشان موضوع تافه زى ده رغم انك عارف كل حاجة من مامتك.
صمتت لتكمل بتحذير:
_ واعرف كويس ان طاقة احتمالي بدأت تنفذ، فاهم ولا لا؟
بهتت ملامحه من جملتها الاخيرة بينما تبطائت دقات قلبه وثقلت انفاسه وهو يسألها بصوت مبهوت مرتعد:
_يعنى ايه؟
نظرت له لتجيبه بصوت جامد ممزوج بالقوة:
_يعنى تعبت من البرود واللا مبالاة دى، تعبت من احساس انى على الهامش وانى مجرد تحصيل حاصل فى حياتك تعبت إن أنا مش شايفة نفسى فى حياتك، لا هدف، ولا غاية، ولا حتى وسيلة.
تعبت من اهمالك ولا مبالاتك عليا وبردود كلامك معايا اني مليش لازمة وتافهة او مليش لازمة لدرجة حتى تتجاهلنى فى مكالمتى وانا ممكن يكون حصلى حاجة.
تعبت من تفضيل والدتك عليا لدرجة تقليل قيمتى... وفوق دة كله النهاردة محسسنى انى مسجونة ومليش حق اقابل اصحابى.. تعبت وجبت أخرى
نظر لها ليقول بصوت مبهوت:
_يعنى ناوية على ايه؟
التفت تنظر له قائلة بألم:
_لحد دلوقتى مش ناوية على حاجة، بس بقولك ان صبرى ابتدى ينفذ، فعلشان كدة متقللش من قيمتى لانى مش قليلة، أنا ريم الكيلاني سواء خدت بالك او لا
ثم ودون كلمة أخرى تركته وذهبت تحت نظراته المتفاجأة والمصدومة والآن بدأ يقر فعليًا، ريم أصبحت تتسرب من بين يديه؛ فهى لم تكلمه بهذه الطريقة من قبل، كما أنه بدأ يفقد أعصابه؛ فهو لم يتصرف بتلك الطريقة ابدا من قبل.
تلك السابين ستهدم حياته، بل وبدأت منذ الآن تقلبها رأسًا على عقب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت لتنام على فراشها وهي تئن بتعب؛ فقد كان اليوم متعب بحق.
تذهب من هنا لهناك ومن مكتب لآخر إلى أن انتهى الأمر بسلام، والفضل يعود لعمها رأفت، فلولا وجوده ما كان انتهى الأمر بهذه السرعة.
فبمعرفة الموظفين لهويته جعلتهم يخشونه حتى لا يكتب مقال ناقد ضدهم ينهى به وظيفتهم وعملهم لذا كانو يسرعون فى إنهاء الأمر.
ألقت بجسدها على الفراش لتنظر للساعة، إبتسامة عاشقة ارتسمت على محياها، حسنًا مروان سيكون متفرغ الآن فقد قارب الوقت على انتهاء عمله لذا....
امسكت الهاتف تحاول الاتصال به، مرة، وأخرى ولكن دون رد.
تعجبت من هذا، لذا أعادت الاتصال ولكن هذه المرة بوالدها، رن الهاتف ليجيبها من الوهلة الأولى.
ضحكت قائلة بمزاح:
_ايه دة؟ انت قاعد على الزرار ولا ايه يا بابتى؟
اجابها بغضب مكبوت:
_اسكتى خالص، يا دوب افتكرتي تكلميني!!
ضحكت لوجين لتجيبه بمرح:
_مش على ما خلصت الأوراق، دة انا طالعة من تسعة الصبح على ماخلصنا ورجعنا الساعة وصلت اربعة وزيادة
ضحك قائلا:
_علشان تعرفى الدنيا عندك مش سهلة
تنهدت تتكئ بجسدها على الفراش خلفها وهي تجيبه بتقرير:
_فيه روتين جامد جدًا فى الأوراق، ده غير الشوارع زحمة جدا،
ايه هي مصر كلها فى الشارع!! ساعتين الطريق قافل!! مشفتش كدة في حياتي
ضحك على طريقتها ليجيبها بمرح:
_ميعاد خروج موظفين
إجابته بتأكيد:
_دة بالظبط إللى قاله انكل رأفت
اجابها جمال بغيظ:
_علشان تعرفى الفرق
هزت لوجين كتفيها تجيبه بلا مبالاة:
_ هعرفه واتعود عليه مع الوقت.
ثم أكملت بتساؤل:
_بابتى مروان فين؟ مش هو أكيد في الشغل دلوقتى ولا يكون خلص بدري ومشي؟ انا عماله ارن عليه مش بيرد
اجابها بهدوء:
_لا اكيد لسة فى الشغل، الساعة لسة تلاتة
صمت لتتسع ابتسامته الماكرة وهو يكمل بخبث:
_لكن مابيردش ليه مش عارف، يمكن يكون بيعاكس بنت انجليزية ولا حاجة
تعالت ضحكات لوجين المرحة لتجيبه بعدها بثقة نابعة من اعماق قلبها:
_ماتحاولش يا بابتى انا بثق فى مروان اكتر من نفسى، وحضرتك كمان بتثق فيه، فبلاش الأسلوب دة معايا
ضحك جمال عليها بمرح، لم يكذب حينما اقر بأنها تشبه والدتها؛ فهي مثلها تثق بمن تحب وهى مغمضة العينين، بل ولا تدع اي حديث من اى احد يؤثر عليها فقط قلبها هو خير دليل على ما تريد.
ابتسم جمال وهو يجيبها بلطف:
_اوكى يا لوجى براحتك
ثم اردف بحنان:
_ انتِ اكيد جاية تعبانة ومرهقة من الطريق ومن اليوم الطويل بتاع النهاردة، علشان كدة اسيبك تنامى ولما تفوقى ابقى كلمينى.
اومأت برأسها وكإنه يراها وهي تجيبه بلطف:
_ اوكي يا بابتى
انهت المكالمة ثم وضعت الهاتف على الكومود بجوارها ولكن...
ظلت تتقلب على الفراش ولم تستطع النوم ابدًا، هناك هاجس مرعب يتعلق بمروان، تخشى ان يكون قد حدث له سوء منعه من الاجابة عليها لذا....
عادت لتتكئ بظهرها على الفراش مرة اخرى ثم أمسكت الهاتف تتصل به، وهذه المرة وفى نهاية الرنين فتح الخط اخيرا لتضع يدها على صدرها تزفر براحه ولكن.....
وقبل أن تفتح فمها بكلمة تعبر له عن قلقها عليه واشتياقها له سمعت صوتًا ناعمًا يجيب عليها بنبرة ناعمة رقيقة بل ومغوية و بالدلال!!..
تجمدت مكانها وشحبت بشرتها حتى اصبحت تحاكي الموتى، وتثاقلت انفاسها داخلها صدرها، لتبتلع بعدها رمقها وقد التمعت الدموع في عيونها، لتضع يدها على قلبها والذى سمعت صوت تحطمه داخلها لتهمس بألم:
_مش معقول
صمتت تنصت الى صوت الفتاة والتى كانت لازالت تحدثها لتنتفض وقتها من مكانها حتى كادت تسقط ارضًا من على الفراش وهي تهدر بجنون وقد احتدت عينيها حتى اصبحت تخرج حممًا ملتهبة تماشيا مع لطمها لخدها
_نهارك اسود يا مروان، بقى بتخونى!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس امام حاسوبه يعمل عليه إلى أن وجدها تهبط جالسة بجواره، نظر لها بطرف عينه من خلف نظارته الطبية بهدوء ليجدها تجلس صامته واضعة كفيها بين ساقيها وتنظر أرضًا.
حسنًا طبقًا لمعرفته بشقيقته والتى يحفظها كباطن يده فهو يعلم بأنها تريد قول شيئًا ما ولكنها متوترة، وبما انها متوترة هكذا إذًا فمؤكد ما سيسمعه سيضايقه أو ربما ييغضبه لذا تنهد سامح بصمت ينتظر ان تفتح فمها وتتكلم، وهو يعلم انه لن ينتظر كثيرا.
بدأت شروق تفرك يديها بتوتر ليمسح هو فى المقابل بلسانه على أسنانه متجاهلًا حركاتها اللا ارادية، ليتنهد بعدها قائلا بصوت مشدود علّه يطرد ذلك التوتر من المكان، ويعلم هو ايضا ماذا حدث والذي بدا يقبض قلبه:
_إللى عندك قوليه ياشروق، ما هو انا مش هفضل مستنى كتير فى الجو دة
نظرت له لتعيد أنظارها أرضًا وهى تجيبه بتلعثم:
_ بصراحة كدة فيه حاجة كدة حصلت وكنت عاوزة احكيهالك
همهم بفمه ويداه مازالت تطرقع على ازرار حاسوبه لتقذف كلماتها بوجهه بسرعة:
_انا قابلت سهيلة النهاردة.
كانت نبرتها سريعة، بل فائقة السرعة لذا توقف عما يفعله وهو يجعد حاجبيه يحاول ان يستوعب ما قالته، وما إن وعى حتى ارتسمت معالم الصدمة على وجهه.
ولكنه أعاد بعدها عينيه جهة حاسوبه متسائلًا بصوت مشدود:
_قابلتيها فين؟
اجابته بحزن:
_ في الشارع، وانا جايبة حور من الحضانة.
_وبعدين؟
سألها بملل ولكنها تعلم يقينًا أن داخله فضول يكاد يقتله لذا أكملت ببساطة:
_ابدا، حاولت اتجاهلها لكن هى سلمت عليّٰ
رفع عينيه أخيرًا عن حاسوبه ينظر جهتها بتعجب متسائلا بعدم فهم:
_طيب وايه فى الموضوع دة يخليكى مستعجبة، لا وكمان جاية تحكيلى
نظرت له لتجيبه بحزن ودموع تلتمع فى مقلتيها:
_أصلها ماتعرفش انك اتجوزت وان حور بنتك، وانك اتجوزت رحمة، والأهم....
صمتت وقد تقطع الكلام فى فمها ثم أكملت بألم:
_ ومتعرفش أن رحمة ماتت
رمش بعينيه يحاول استيعاب ما قالته ليلف بعدها بوجهه ناظرًا جهتها بتعجب وهو يسألها باستنكار لا مبالي:
_وإذا؟
التفت تنظر جهته وهي تجيبه باندفاع غاضب:
_يعنى ايه واذا!! بقولك مش عارفة انك اتجوزت، ومش عارفة ان اعز صحباتها ماتت، هى مش مهتمة بحد، مهتمة بنفسها وبس
_شروق
هدر بصوت حازم يمنعها من الافضاء في هذا الامر اكثر لينظر بعدها داخل بؤبؤى عينيها هاتفا بجدية حازمة:
_ ملناش دعوة بيها، احنا ملناش علاقة بيها اصلا علشان نتدخل فى حياتها او نهتم بيها
صمت ليكمل بعدها بحزم غير قابل للنقاش وهو يضغط على لقبها وكل كلمة تخرج من فمه:
_ انا مدام سهيلة متهمنيش، ومش عاوز اعرف حاجة عنها، ومن الأفضل انها متعرفش حاجة عنى.
هى على ذمة واحد تانى، فحرام وميصحش اى كلام عنها حتى ولو بيني وبين نفسي.
اما اذا كانت قررت تنهى صديقتها من حياتها فدى حاجة تخصها فملناش دعوة
احتدت نبرة شروق وهي تهتف بحرقة بينما التمعت عيونها بدموع الاسى والغضب من تلك الفتاة:
_ صاحبتها وجارتها إللى كانت بتحبك من زمان وبتتحرق بحبك ومع ذلك هى كانت بتستمتع بحرقكم انتو إللى اتنين؛ انت بحبك ليها اللي هى متجاهلاه، والتانية بحبها لواحد مش شايفها وهي عارفة
قضم سامح شفتيه بألم وقد التمعت عيونه بالدموع وتألم قلبه من ذكرى الماضي وكيف انه كان قلبه ومشاعره لعبة في يد احداهن تتدلل عليه ومتى شاءت تدمره، ليهدر بعدها بقهر بعد ان شعر بأن شقيقته عرت مشاعره واحزانه وماضيه الذي يحاول تناسيه حينما تلاعبت احداهن برجولته وذكوريته:
_شروق، الحياة مش دايمًا بتمشى على حسب ما احنا عايزين، كل واحد بياخد نصيبه منها وهي مكانتش نصيبي.
انا نصيبى كانت رحمة، علشان كدة ربنا اراد انها تتجاهلنى وانى احب رحمة.
صمت ليرفع عيونه لعيني شقيقته وهو يكمل بابتسامة راضية وسعيدة:
_ وانا راضى بنصيبى وبشكر ربنا عليه ليل نهار يا شروق، ربنا اداني زوجة ارق مما اتصور، ادتني حب مكنتش احلم بيه، كانت انثى ناعمة، ام بالفطرة دعمتنى لاخر لحظة في حياتها وكانت حنينة على اهلي وحبتهم كإنهم اهلها.
زوجة كانت مثال للحنان، والحب، والاحترام، والتضحية. لو لفيت العالم كله مش هلاقى زيها، ومتأكدة مليون في المية أن الفترة القليلة إللى قضيتها معاها أفضل واسعد مليون مرة من سنين طويلة كنت ممكن اقضيها مع غيرها.
كفاية انها كانت دايما تقابلني بابتسامة ودايما تضحك في وشي، عمرها ما شيلتنى همها حتى وهى تعبانة وبتكون دايما كانت بتضحك، كانت دايمًا بتتفنن فى عشقى، حتى قبل ما تموت قالتلى كلمة مش ممكن انساها، قالتلى يعز عليا اسيبك فى الدنيا وحيد علشان كدة سيبت ايد صغيرة تمسك بايدك، وضحكة بريئة ترسم الضحكة على وشك.
وعايزة انتِ بعد دة كله اقارنها بحد تانى!! والله هيبقى حرام
ثم انتفض واقفا وهو يهتف بصوت جهورى بعد ان شعر بتمزق قلبه من ذكر الماضى:
_حور حور
وفى ثوانى حضرت تلك الحورية الصغيرة ويعلو وجهها تلك الابتسامة البريئة التى تمحو اقصى الحزن ليهمس بحنان:
_يلا نروح على البيت
قالها وهو يمد يده لها لتتمسك باصبعيه وهى تقفز بابتسامة قائلة برقة:
_يلا يا بابا
ثم لوحت بكفها لشروق بابتسامة وهى ذاهبة، ابتسمت لها شروق بحزن وهى تلوح لها ولكنها لم تستطع امساك لسانها وهى تقول بشرود:
_وياترى هتفضل تقول ميهمنيش لو عرفت برضو انها مش سعيدة فى حياتها، والموضوع دة واضح جدا أن زوجها مخليها متدمرة؟
توقف مكانه فجأة معطيها ظهره وقد كان قد وصل إلى باب الغرفة لينطق بهدوء بعد ثوانى من سؤالها دون أن يدير وجهه لها:
_ميهمنيش، كل واحد له حق الاختيار و حل مشاكله، مش سعيدة وعايزة تسيبه.. تسيبه، مليش دعوة، وباباها موجود، وكل واحد حر فى نتيجة اختياره
ثم التف ينظر جهتها بقوة من خلف زجاج نظارته قائلا بنبرة حاسمة:
_وياريت يبقى آخر كلام فى الموضوع دة، الموضوع انتهى، وياريت تركزي في مشاكلك وحياتك
ثم تحرك ممسكا بيد صغيرته حينما اوقفته والدته على باب المنزل هاتفة:
_رايح فين؟ مش كنت قايل هتبات النهاردة!! مش عارفة على ايه التعب والمشورة دى ما تقعد هنا!!
التف يميل على رأسها يقبله بابتسامة قائلا برزانه:
_معلش يا امى سيبيني براحتى،انا مش هرتاح غير فى بيتى، انا هروح انام وبكرة اودى حور على الحضانة واروح شغلى
اومأت برأسها وهى تلمح بعيناه كل ذلك الحزن المجتمع بمقلتيه لتتركه حسب راحته، وبعد ذهابه التفت لتنظر لابنتها هاتفة بوجع وعتاب:
_مش كفاية إللى فيه وبيعانيه، هيبقى انتِ والدنيا عليه؟ ليه كدة؟ ليه تقلبى عليه المواجع؟ هى لعنة وحلت علينا ووجعت الكل هى وعيلتها واخوها ومصدقنا انها غارت، ليه بتوجعيه بذكريات اتدفنت.
كفاية حسرة قلبه على رحمة اللى بتقطعه لحد دلوقتى ليه تزوديها عليه؟، انا نفسي بتوجع لما بفتكر موتها، البنت ماتت فى عز شبابها وكانت زى الوردة مش سايبة مكان إللى وبتنشر ريحتها الحلوة فيها غير ما كانت بتحبه وكانت بتديله من السعادة من غير حساب وبموتها قطمت ضهره.
طيب بلاش، كفاية حتى وجع قلبه على بنته إللى بتكبر من غير ام وبتقطع قلوبنا كمان وهى بتسأل عنها، قلبي بيوجعني عليه وهو بيتعذب من غيرها هتزودى عليه المحروقة التانية؟ حرام عليكى يا شيخة هو ناقص
ثم تحركت وقد تساقطت دموعها على وجنتيها بالم، لتتحرك شروق جهة غرفتها وقد اغرورقت عيناها بالدموع وقد علمت فداحة ما تفوهت به، بل وقد أدركت بأن عينى أخيها لن ترى النوم بل وسيكون اليوم أصعب ايام حياته وهو يتقلب على فراش من نار الوجع والذكريات الحزينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يقف بانتظارها فى ذاك المكان الذى حددته، ليزفر بضيق بين كل دقيقة وأخرى وهو ينظر لساعة يده، تنهد وهو يقر بأنها قد تأخرت جدًا.
رفع ناظريه بضيق ليجدها قادمة إليه
تسمر وليد من فرط انبهاره بها كالعادة هى....
مذهلة
هى مثال للفتاة المصرية الاصلية بكل جمالها وملامحها، فقد كانت تحمل ملامح مصرية فرعونية بحتة، ملامح ناعمة تتميز بقوة وشموخ وكبرياء فطري غير متكلف ممزوج بمرح وشقاوة محببة.
ابتسم بعشق وهو يتطلع لها، دائمًا ما تبهره بطلتها وجمالها وانفتها لتسبيه بمجرد نظرة او ابتسامة منها.
كانت سابين ترتدى قميص مخطط طوليا من اللون الازرق و الابيض أسفله بنطال من الجينز الأزرق وتضع على عينيها إحدى النظارات الشمسية السوداء لتقيها من حرارة الشمس، تسير بشموخ طبيعى غير متكلف، شموخ أنثى لم يستطع أحد أن يكسر كبريائها او عزة نفسها حتى الآن. اما خصلاتها فقد هذبتها بإحدى مكوات الشعر الكهربائية ليظهر ناعما واملس
حينما اقتربت منه واستوضحت ملامحه رفعت نظارتها اعلى رأسها وابتسمت له بثقة وهى تقترب منه بهدوء استطاع حرقه؛ كلما وثقت من نفسها هكذا، كلما شمخت، كلما ازداد كبريائها وثقتها كلما احترق هو من الداخل.
شموخها وقوتها يشعرانه بالضعف وبأنه لا يستطيع السيطرة عليها
سابين تلك التى تشبه فرسة عربية أصيلة وجامحة، وكلما ظن أنه استطاع ترويضها تفاجأه بقوتها الغير معهودة بل وتطرحه بعيدًا.
والان مع تلك النظرات علم انها استرجعت قوتها ثانية تلك التى ظن أنه هدمها ويستطيع ربط لجامها والتحكم بها كيفما يشاء، ولكن خاب ظنه الآن.
اما هي فاقتربت منه بابتسامه ناعمة على شفتيها وهى تحييه:
_ ازيك يا وليد، عامل ايه؟
حك جبهته بضيق، يقر بأن هذه الفتاة خليط غريب من البشر وقتما تشاء تكون مرحة، وشقية.
وحينما تشاء يكون لسانها أشبه بمدافع وصواريخ قاتلة من لذاعته وسلاطته، وحينما تشاء تكون ناعمة مغرية.
تلك الشعلة النارية ستقتله حتمًا، ولكنه حتى مع ذلك رفع عينيه جهتها يجيبها بغضب:
_ايه يا هانم، كله ده تاخير!! انا بقالى ساعة مستنيكى فى عز النار.
رفعت كتفيها وأنزلتهم بلا مبالاة لتقول بنعومة وسلاسة:
_وتستنانى فى عز النار والشمس ليه لما كنت ممكن تستنانى فى العربية فى التكييف؟ وبعدين انا اتأخرت فى المواصلات يعنى مش بمزاجى
تفاجأ من نعومتها وسلاسة ردها وكأنها كانت تتجهز لشئ مثل ذلك.
يعرفها جيدًا، تلك البراءة التى تحاول رسمها هى ابعد ما يكون عنها، فعلى الرغم من برائتها الا ان عينيها تنطق بالمكر، لذا إلى ماذا تخطط؟
من المفترض أن تكون غاضبة منه بعد آخر لقاء بينهم إن كانت قد استعادت قوتها بالفعل، وان لم تكن فهي كانت ستظهر مكسورة غير واثقة بنفسها البتة ولكن....
تلك التصرفات وكأن شيئا لم يكن فهو غريب، لذا أعاد ترتيب أفكاره وهو يجيبها بهدوء:
_ممكن ندخل طيب؟
اومأت برأسها بابتسامة وهى تتقدمه بسلاسة إلى إحدى المقاهي الراقية تاركة إياه متحير.
ابتسمت بخبث، حسنًا هى تعلم انه متعجب مما يحدث، ولكن هو من بدأ تلك اللعبة اللعينة وهى من ستنهيها، ولكنها ستنهيها بعد أن تستعيد كرامتها المهدورة.
جلسا كلاهما على الطاولة لينظر لها بغير رضى بعد أن طلبا مشروباتهم، حسنًا ها قد بدأ
ابتسمت باستخفاف وهى تقول بنبرة ساخرة لم يلاحظها:
_ايه يا وليد فيه حاجة مش عجباك فيا المرة دى كمان؟
نظر لها بتيه، يا الله تلك الفتاة ستقتله، ستخرج قلبه من اضلعه يومًا، ولكنه مع ذلك أجابها بغضب مكبوت:
_هو فيه حاجة بتعمليها متعجبنيش؟ هو حضرتك كنتِ مقعدانى كل دة وانتِ فى الشغل طبعا
اجابته بثقة:
_طبعًا
_وبتقبضى منه كام الشغل دة!! كلام فاضى، حتى انك مش قادرة حتى تخلصى جهازك.
أجابته بقوة:
_وانا قولتلك شغلى دة سعادتي وكياني ومش هسيبه ابدا، وياريت تنهى الموضوع دة، اما بالنسبه للجهاز....
أكملت ساخرة:
_متشغلش بالك بيه انا هتصرف
التف بوجهه جهتها يجيبها بقوة:
_تتصرفى، متتصرفيش، يكون فى علمك انتِ هتسيبى الشغل دة بمجرد ما نتجوز
ظلت تنظر جهته بملامح جامدة لتتكئ بعدها بوجنتها على قبضتها تسأله بابتسامة باردة:
_طيب ممكن توضحلي وجهة نظرك من انك متضايق من شغلي ليه بعيدًا عن موضوع الفلوس اللي انت مش محتاجها
_متضايق انك تشتغلى مع ده وده وفى الاخر ايه ولا واخدة فلوس ولا بتاع، انتِ مبهدلة نفسك فى بيت ابوكى علشان تقدرى تجيبى احتياجاتك، لكن يكون فى علمك أن بعد الجواز مفيش شغل لأنك مش هتكونى محتاجاه اصلا؟
وكيف يعبر لها عن انه يغار... يغار من كل من يقترب منها؟ بل ويخشى أن يسلبها احدهم من يده، يجذبها بإسلوبه اللين وابتسامته الحلوة ووسامته ويسرقها منه، وهو لا يخفى عليه مدى جاذبية محبوبته بمرحها وخفة ظلها وقوتها والتى تجعلها اشبه بنجمة عالية على الجميع
قضمت باطن خدها لتجيبه بعدها بتساؤل جامد:
_وبالنسبة لتحقيق ذاتى وكياني؟
هتف باحتداد:
_تحقيق ذات فى ايه بالظبط؟
شويه حفلات الأطفال ولا طلاب الجامعة دي هيحققولك ذاتك!!
لو كنتِ هتظهرى وتحققى ذاتك كنتِ ظهرتى، لكن خلاص.
ثم اكمل بتصغير متعمد دون ان يهتم بمشاعرها:
_ وبعدين تعالى هنا، انتِ المفروض تكونى سعيدة ده انتِ هتطلعي من حتة منطقة شعبيه معفنة شارعها ما اعرفش اركن فيه عربيتى لمنطقة راقية هتسكنى فيها، من شوية ملاليم بتاخديهم من شغلك لأنك هتكونى مرات مليونير، كل حاجة تحت امرك والفلوس مالية ايديكى
وافتكري اني اتغاضيت عن فرق المستوى الاجتماعى، والمادي، والشكل، وحتى عن طريقة كلامك إللى لا تمت للرقى بصلة واخترت اتجوزك فالمفروض تنفذى إللى بقوله من غير اعتراض بدل ما ازعل واسيبك وساعتها تندمى وتبكى على فرصة عمرك.
نظر لها ليجدها تخفض عينيها تجاه يديها التى تضعها على الطاولة امامها ويتضح على وجهها علامات التفكير ثم بعد ذلك ثم رفعت عينيها ناظرة له بابتسامة باردة وهى تجيبه بتهكم:
_خلاص متزعلش اوي كدة، انا بعفيك من كل التعب ده وببلغك من دلوقتى ان الفرصة دي مش لازماني ومستغنية عنها.
وكإن احدهم سكب عليه دلو ماء بارد فى منتصف شهر ديسمبر ليتجمد مكانه ناظرا جهتها بصدمة وهو يهمس بعدم فهم:
_يعنى ايه مش فاهم؟
ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها حينما لاحظت صدمته من ضياع لعبته منه لتجيبه بتهكم وهي تضغط على كل كلمة:
_اوضحلك، انا مش عاوزة الجوازة دى
ثم أكملت بجحود:
_بمعنى اصح مش عاوزاك يا وليد، ولا عايزة فلوسك، ومكانتك دى اللي بتزلنى بيها كل شوية، مش عاوزة الفرحة إللى جاية من ناحيتك لانها كلها وجع والم، مش عاوزة منك حاجة، فاهم؟
ثم استندت على الطاولة امامها بكفيها مقتربة منه بوضع هجومي وهي تهدر بغضب ضاغطة على كل كلمة خارجة منها:
_مش عايزة حياتك إللى مليانة فلوس ومتبهرجة، مش عاوزة مكانتك لان كل إللى بتقدمهولى وفاكر انه بيسعدنى وبتتفضل عليا بيه ما هو الا فضلات لان انت مش بتقدملى حاجة، مش بتعمل علشانى حاجة.
كل إللى بتعمليه انك بتهد فيا وتهد فى ثقتى بنفسى، انا الحاجة إللى اتذل فيها وتقل من قيمتى ففى داهية هى واللى جايبها، فاهم؟
انهت كلماتها ثم سرعان ما خلعت خاتم خطبتها واضعة اياه على الطاولة ثم وقفت بشموخ قائلة بقوة:
_حاجتك وهدايا عاوز ابعتهالك كان بها، عاوز حد يجي ياخدها يبقى باباك اللي يجي؛ لاني مش عاوزة اشوف وشك تانى، والإحسن انه يكون هو علشان يتمم على كل حاجة بنفسه.
ثم ودون ان تزيد حديث تركته وذهبت تحت نظراته المصدومة لتركض خارجة من المكان بسرعة غير مهتمة بمن تصطدم به فى طريقها الاهم ان تهرب من هذا النرجسي السام وهي تزفر انفاسها براحة وسعادة
اما هو فتصنم مكانه ناظرا موضع جلوسها بصدمة وعدم تصديق وكإنه لم يستطع استيعاب ما حظث للتو وانها بسهولة تسربت من بين يديه. ولكن وبمجرد ان ضرب الادراك وعيه حتى وضع الحساب على الطاولة راكضا خلفها غير مهتم بمن يصطدم به فى طريقه لها انما ركض خلفها ليمسك بيدها فى الشارع صارخا بغضب:
_انتِ اتجنيتى؟ ايه الكلام إللى بتقوليه دة، تسيبينى ازاى يعنى؟ بقى انا مش عاجبك!!
نظرت له باستخفاف لتمط شفتيها تجيبه ببرود:
_والله الجواز قسمة ونصيب واحنا نصيبنا مش مع بعض، والجواز قبول وانت مش متقبلنى؛ يبقى خلاص نفضها سيرة بقى
نظر لها ليهزها من مرفقها بقوة وهو لا يستوعب بأنها ستتسرب من يديه بهذه السهولة بعد ان ظن انه احكم الوثاق حولها:
_ومين اللي قالك انى مش قابلك؟ امال خطبتك ليه!!
"علشان تفضى فيا عقدك"
كادت أن تخرج تلك الكلمات من فمها ولكنها ضغطت على لسانهاملنعة خروجها فى اللحظة الأخيرة لتجيبه بدلا منها ببرود:
_بس إللى انا اعرفه ان الجواز لازم يكون فيه توافق فكرى، وثقافى، واجتماعى.
وبالنسبة لينا فأفكارنا مختلفة خالص لا تكاد تنطبق؛ ودة بناء على كلامك من شوية، والثقافة والحمد لله انا ثقافتي بلدى شوية، اما الاجتماعى فدة بقى فى غنى عنه لأنك كل شوية بتفكرنى بيه.
وبعدين انت متضايق ليه؟!! انت بنفسك قولت ان البنات على قفا من يشيل، وانى مش مميزة عن غيرى.
وبعدين انت قولت انك ممكن تسيبنى وتروح لغيرى خلاص روح انا حررتك من العلاقة الفاشلة دى
نظر لها بغضب منها ومن تصرفاتها هل ستتركه؟؟ لا ابدا، يقسم انه لن يحدث.
سيستخدم جميع أسلحته ويجعلها تعود له لذا اجابها باستخفاف وهو يضغط على نقطة ضعفها:
_وتفتكري أن باباكى هيوافق على حاجة زى كدة؟ هيوافق انه يضيع عريس لقطة زيى؟
ابتسمت، حقا ابتسمت، ولكنها لا تمت الابتسامة بصلة بل هى ابعد ما يكون عنها. فقد كانت ابتسامة متوحشة وكإنها تكشر عن انيابها لتنظر له بعيونها السوداء اللامعة بشر مستطر تجيبه بحقد:
_وكأن فيه حد يقدر يجبرنى على حاجة، إن كنت ناسى فأنا احب افكرك مش سابين إللى تتجبر على شئ ولا سابين إللى حد يكسر شوكتها ويحنيها علشان الفلوس
ثم صرخت به بغضب وهى تدفعه من صدره بعيدا عنها تاركة اياه يقف مبهوتا امامها وقد علم الان ان الامر خرج عن سيطرته وانه اوان الانفجار:
_الحاجة إللى تذلنى بلاش منها وفى داهية، حتى لو كان روحى فيها فانا مش عاوزاها لانها بعدين هتنهى روحى
ثم جاءت لتتحرك تاركة إياه فى وسط الطريق وقد ظنت انه قد تفهم مقصدها ولكنه فاجئها بأن أمسك ساعدها ليعيدها امامه مرة أخرى، نظرت له لتجد بعيناه غضب اعمى يكاد يبتلع العالم أجمع ثم صرخ بها بجنون:
_اوعي.. سامعة؟ اوعي تمشى وانا بكلمك، وبعدين إن كنتِ فاكرة ان الموضوع انتهى بالبساطة دى لأنك قررتى كدة يبقى غلطانة، سبق ووعدتك انى هتجوزك، وانا معملتش كله دة علشان تسيبينى وتنهى الموضوع بالبساطة.
دى الجواز مش لعبة، والوعد إللى اديتهونى لازم تنفذيه، فاهمة؟
بهتت ملامحها وهي تنظر له، هذا الرجل مجنون حتمًا ولكنها نظرت له مجيبة بسخرية:
_وبالنسبة للوعد إللى ادتهونى؟ أنك تتجوزنى معناها انك تكون سندى، وضهرى، وفرحتى مش تكون دايما سبب ألمى وقهرى.
تدينى الثقة فى نفسى واستمد قوتى وثقتى منك مش دايما تحطمنى.
التمعت دموع القهر بعينيها وهي تهدر بالم مشيحة بيديها بعشوائية مقهورة:
_عرفت ان انا مش من ذوقك، وانى مش جميلة وتقدر تلاقى أفضل منى، ومليون بنت تتمناك.
خلاص يبقى نفضها سيرة ودور على المليون بتوعك بقى
ثم نظرت لساعدها المحتجز فى قبضته تنتشله منه بعنف متجاهلة الالم الناتج عنه وهى تهدر بغضب:
_ولو سمحت سيب ايدي بقى علشان اروح الم ليك حاجتك
نفى برأسه قائلا بجنون وهو يعود ليتمسك مرة اخرى بهوس:
لا، مش قبل ماتوعدينى انك اتراجعتى عن إللى فى دماغك
ثم رفع عينيه ينظر جهتها ليجدها تنظر له بملامح جامدة مرعبة اثارت رجفة قوية داخل قلبهوهي تهمس بتحذير:
_قولتلك سيب ايدى
نفى برأسه ليجدها توزع نظراتها بين وجهه ويدها
لترفع بعدها عينيها جهته وهي تهمس بنبرة شيطانية جمدت الدم بعروقه:
_خلاص يبقى انت إللى اخترت.
تفاعل على الفصل وتعليق برأيكم فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت المنزل بهدوء لتجده يقف فى باحته، ابتسامة ساخرة شقت فمها وهى تجده ينتظرها بتلك الوقفة الهجومية وذلك الشكل الهمجى البربرى وازار قميصه المفتوح معظمها وكإنها خارج من معركة مع احدهم.
ابتسامة هازئة شقت فمها وهى تحول نظراتها تجاه حماتها، حتما قد ابلغته خبر خروجها وهو هنا الآن للتحقيق.
ألقت السلام وهى تتحرك صوب غرفتها بلا مبالاة لتجده يهتف بأسمها، التفت تنظر جهته بتساؤل لتجده يسألها بغضب مكتوم:
_كنتِ فين ؟؟
نظرت له ثم حولت نظراتها تجاه حماتها التى تجلس على الأريكة بابتسامة شامته لتجيبه ببرود:
_ما دام انت هنا يبقى اكيد عرفت انا فين ومع مين، فأظن ملوش لازمة التحقيق دة
ثم أكملت بعدها بسخرية لاذعة وهي تحول وجهها جهة حماتها:
_لان اكيد العصفورة قالتلك كل حاجة
اتسعت عينى أمينة بصدمة من وقاحتها المستجدة عليها، ولكن هذا حتمًا تأثير سابين عليها، بينما صرخ قاسم بها بغضب:
_ريم، اتكلمي كويس
ولكنه كان قد طفح بها الكيل لتصرخ به بغضب وهي تشيح بيديها بعشوائية:
_والله انا بتكلم كويس وكل حاجة بس مش عارفة ايه لازمته التحقيق دة، لا وقاعد مستنينى انت ومامتك، ليه دة كله؟ كله ده علشان خرجت!!
بتهيألى اني مش فى سجن للي بتعملوه ده
صرخ بها غاضبا:
_ولما تخرجي من ورايا، وكمان تروحى تقابلي سابين يبقى نقول عنه ايه؟
كان قد فاض بها الكيل من تصرفاتهم تلك لتصرخ باستنكار:
_والله انا مش عارفة مشكلتك ايه بالظبط دلوقتى، مشكلتك انى خرجت بدون اذنك ولا انى خرجت مع سابين بالذات؟
صرخ بها باندفاع غاضب:
_الاتنين، مشكلتى الاتنين يا ريم، انك تخرجى من غير اذنى وانك تقابلى سابين بالذات
ولكن ان كان يظن إنها ستنهار كالعادة، وتحاول مراضاته، وتستغنى عن الكل لاجله كما هو معتاد فهو مخطئ، إنما وجدها عقدت يديها أمام صدرها مجيبة بنبرة باردة تحسد عليها:
_والله انا حرة اقابل مين ما كان مادام مبعملش حاجة غلط، ومظنش انى عبدة لحد علشان يقولي اعمل ايه
صرخ بها بغضب همجى:
_ريم، اتكلمي معايا كويس
جعدت حاجبيها بتعجب، ترى ما كل هذا الغضب وكل تلك الهمجية الغريبة عليه!! أهذا هو قاسم البارد كالجليد!! ترى ماذا حدث لكل هذا؟ وكأنها قد ارتكبت جريمة شنعاء ليقابلها بكل هذا الغضب، ولكنها مع ذلك نظرت له لتجيبه ببرود:
_انا معنديش رد
انهت جملتها لتتحرك صوب غرفتها ببرود متجاهلة كلاهما تمامًا، لينظر قاسم فى اثرها بصدمة وعدم تصديق من اسلوبها الجامد معه وقد تملك من قلبه الرعب
ترى ماذا قالت لها سابين لتتصرف معه هكذا؟
لذا ركض خلفها وهو يصرخ بغضب:
_ ريم استنى هنا
ولكنها لم تستمع له إنما ركضت جهة غرفتها مقررة بأنها لن تسمح له باهانتها امام والدته أبدًا بل وأن تتدخل بحياتها، وبينها وبين زوجها
دخلت غرفتها مغلقة بابها، ولكن سرعان ما وجدته يفتحه بقوة ويطل عليها بطوله الفاره ومنظره الهمجى المستحدث، أما عيناه فكانت حمراء تطلق شرارات نارية.
تراجعت للخلف بخوف وهى تجده يقترب منها ببطئ وهو يقول بهسيس مرعب:
_بقى بتسيبينى وتمشى يا ريم؟ ايه ماليش قيمة خالص قدامك؟ واضح ان أنا اتساهلت معاكِ لدرجة خلتك تقللى من قيمتى.
لا يا ريم مش قاسم الاسيوطى إللى مراته تسيبه وتقل منه قدام اى حد حتى ولو كان امه.
تراجعت ريم للخلف بذعر أمام هجومه المفاجئ ولكنها مع ذلك اجابته بغضب تعجب له:
_يعنى عاوز منى ايه دلوقتى وعامل الخناقة دى كلها ليه وعلى ايه؟ كله دة علشان خرجت من وراك!
صمتت لتلتمع عينيها بدموع القهر، وتعالى صوتها أكثر، وهى تشيح بيديها بعشوائية وقد انفلت زمام صبرها وتغلب ألمها وقهرها عليها وهي تهدر بجنون:
_دة على اساس انك بترد عليا لم برن عليك؟ كام مرة اتصل ومتفكرش ابدًا ترد؟
قولتلك قبل كدة لما اكلمك ترد عليا، ممكن يكون حاصل مصيبة، لكن ازاى قاسم باشا إللى خارج من القطب الشمالي يتنازل ويفك شوية من التلج إللى محاوط قلبه ويرد على مراته ولا ينفذ لها طلب!!
وبعدين ايه هو إللى خرجتى من غير ما اعرف؟؟!!! ما هى مامتك هنا وقولتلها قبل ما اخرج، وبالتأكيد بمجرد ما مشيت اتصلت وبلغتك اني خرجت فين ومع مين وإلا وصلة التحقيق دى ما كنتش حصلت، أو إن سيادتك تيجى قبل ميعادك وفى وضح النهار.
قاسم باشا إللى مش بيجى غير آخر الليل جه بدري بس لانه مراته خرجت ووالدته بلغته!!
يعنى لو حد المفروض يتضايق يكون أنا، ترد على مامتك لكن انا مليش أهمية عندك!!
وبعدين ايه إللى مضايقك اوى كدة نفسى افهم؟ يعنى سابين عملتلك ايه للغضب ده كله!!
ثم اقتربت منه تضرب سبابتها فى صدره بغضب بينما دموعها أغرقت وجنتيها بقهر:
_بلاش تحسسنى إنك مستنيلى على غلطة علشان تتخانق معايا واني انا إللى رامية نفسى عليك اوى كدة.
صمتت لترفع رأسها تكمل بقوة وتوضيح:
_ انت من قبل ما تتجوزنى عارف إن أنا وسابين أصحاب، وعارف أن انا مش بتخلى عن اصحابى ولا بسيبهم، وفوق كدة هى معملتلكش حاجة للكره دة.
انا لحد دلوقتى بتجاهل كل شيء، لكن عمري ما أتجاهل اسلوبك دة وتقليلك لقيمتى قدام حد مين ما كان علشان موضوع تافه زى ده رغم انك عارف كل حاجة من مامتك.
صمتت لتكمل بتحذير:
_ واعرف كويس ان طاقة احتمالي بدأت تنفذ، فاهم ولا لا؟
بهتت ملامحه من جملتها الاخيرة بينما تبطائت دقات قلبه وثقلت انفاسه وهو يسألها بصوت مبهوت مرتعد:
_يعنى ايه؟
نظرت له لتجيبه بصوت جامد ممزوج بالقوة:
_يعنى تعبت من البرود واللا مبالاة دى، تعبت من احساس انى على الهامش وانى مجرد تحصيل حاصل فى حياتك تعبت إن أنا مش شايفة نفسى فى حياتك، لا هدف، ولا غاية، ولا حتى وسيلة.
تعبت من اهمالك ولا مبالاتك عليا وبردود كلامك معايا اني مليش لازمة وتافهة او مليش لازمة لدرجة حتى تتجاهلنى فى مكالمتى وانا ممكن يكون حصلى حاجة.
تعبت من تفضيل والدتك عليا لدرجة تقليل قيمتى... وفوق دة كله النهاردة محسسنى انى مسجونة ومليش حق اقابل اصحابى.. تعبت وجبت أخرى
نظر لها ليقول بصوت مبهوت:
_يعنى ناوية على ايه؟
التفت تنظر له قائلة بألم:
_لحد دلوقتى مش ناوية على حاجة، بس بقولك ان صبرى ابتدى ينفذ، فعلشان كدة متقللش من قيمتى لانى مش قليلة، أنا ريم الكيلاني سواء خدت بالك او لا
ثم ودون كلمة أخرى تركته وذهبت تحت نظراته المتفاجأة والمصدومة والآن بدأ يقر فعليًا، ريم أصبحت تتسرب من بين يديه؛ فهى لم تكلمه بهذه الطريقة من قبل، كما أنه بدأ يفقد أعصابه؛ فهو لم يتصرف بتلك الطريقة ابدا من قبل.
تلك السابين ستهدم حياته، بل وبدأت منذ الآن تقلبها رأسًا على عقب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت لتنام على فراشها وهي تئن بتعب؛ فقد كان اليوم متعب بحق.
تذهب من هنا لهناك ومن مكتب لآخر إلى أن انتهى الأمر بسلام، والفضل يعود لعمها رأفت، فلولا وجوده ما كان انتهى الأمر بهذه السرعة.
فبمعرفة الموظفين لهويته جعلتهم يخشونه حتى لا يكتب مقال ناقد ضدهم ينهى به وظيفتهم وعملهم لذا كانو يسرعون فى إنهاء الأمر.
ألقت بجسدها على الفراش لتنظر للساعة، إبتسامة عاشقة ارتسمت على محياها، حسنًا مروان سيكون متفرغ الآن فقد قارب الوقت على انتهاء عمله لذا....
امسكت الهاتف تحاول الاتصال به، مرة، وأخرى ولكن دون رد.
تعجبت من هذا، لذا أعادت الاتصال ولكن هذه المرة بوالدها، رن الهاتف ليجيبها من الوهلة الأولى.
ضحكت قائلة بمزاح:
_ايه دة؟ انت قاعد على الزرار ولا ايه يا بابتى؟
اجابها بغضب مكبوت:
_اسكتى خالص، يا دوب افتكرتي تكلميني!!
ضحكت لوجين لتجيبه بمرح:
_مش على ما خلصت الأوراق، دة انا طالعة من تسعة الصبح على ماخلصنا ورجعنا الساعة وصلت اربعة وزيادة
ضحك قائلا:
_علشان تعرفى الدنيا عندك مش سهلة
تنهدت تتكئ بجسدها على الفراش خلفها وهي تجيبه بتقرير:
_فيه روتين جامد جدًا فى الأوراق، ده غير الشوارع زحمة جدا،
ايه هي مصر كلها فى الشارع!! ساعتين الطريق قافل!! مشفتش كدة في حياتي
ضحك على طريقتها ليجيبها بمرح:
_ميعاد خروج موظفين
إجابته بتأكيد:
_دة بالظبط إللى قاله انكل رأفت
اجابها جمال بغيظ:
_علشان تعرفى الفرق
هزت لوجين كتفيها تجيبه بلا مبالاة:
_ هعرفه واتعود عليه مع الوقت.
ثم أكملت بتساؤل:
_بابتى مروان فين؟ مش هو أكيد في الشغل دلوقتى ولا يكون خلص بدري ومشي؟ انا عماله ارن عليه مش بيرد
اجابها بهدوء:
_لا اكيد لسة فى الشغل، الساعة لسة تلاتة
صمت لتتسع ابتسامته الماكرة وهو يكمل بخبث:
_لكن مابيردش ليه مش عارف، يمكن يكون بيعاكس بنت انجليزية ولا حاجة
تعالت ضحكات لوجين المرحة لتجيبه بعدها بثقة نابعة من اعماق قلبها:
_ماتحاولش يا بابتى انا بثق فى مروان اكتر من نفسى، وحضرتك كمان بتثق فيه، فبلاش الأسلوب دة معايا
ضحك جمال عليها بمرح، لم يكذب حينما اقر بأنها تشبه والدتها؛ فهي مثلها تثق بمن تحب وهى مغمضة العينين، بل ولا تدع اي حديث من اى احد يؤثر عليها فقط قلبها هو خير دليل على ما تريد.
ابتسم جمال وهو يجيبها بلطف:
_اوكى يا لوجى براحتك
ثم اردف بحنان:
_ انتِ اكيد جاية تعبانة ومرهقة من الطريق ومن اليوم الطويل بتاع النهاردة، علشان كدة اسيبك تنامى ولما تفوقى ابقى كلمينى.
اومأت برأسها وكإنه يراها وهي تجيبه بلطف:
_ اوكي يا بابتى
انهت المكالمة ثم وضعت الهاتف على الكومود بجوارها ولكن...
ظلت تتقلب على الفراش ولم تستطع النوم ابدًا، هناك هاجس مرعب يتعلق بمروان، تخشى ان يكون قد حدث له سوء منعه من الاجابة عليها لذا....
عادت لتتكئ بظهرها على الفراش مرة اخرى ثم أمسكت الهاتف تتصل به، وهذه المرة وفى نهاية الرنين فتح الخط اخيرا لتضع يدها على صدرها تزفر براحه ولكن.....
وقبل أن تفتح فمها بكلمة تعبر له عن قلقها عليه واشتياقها له سمعت صوتًا ناعمًا يجيب عليها بنبرة ناعمة رقيقة بل ومغوية و بالدلال!!..
تجمدت مكانها وشحبت بشرتها حتى اصبحت تحاكي الموتى، وتثاقلت انفاسها داخلها صدرها، لتبتلع بعدها رمقها وقد التمعت الدموع في عيونها، لتضع يدها على قلبها والذى سمعت صوت تحطمه داخلها لتهمس بألم:
_مش معقول
صمتت تنصت الى صوت الفتاة والتى كانت لازالت تحدثها لتنتفض وقتها من مكانها حتى كادت تسقط ارضًا من على الفراش وهي تهدر بجنون وقد احتدت عينيها حتى اصبحت تخرج حممًا ملتهبة تماشيا مع لطمها لخدها
_نهارك اسود يا مروان، بقى بتخونى!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس امام حاسوبه يعمل عليه إلى أن وجدها تهبط جالسة بجواره، نظر لها بطرف عينه من خلف نظارته الطبية بهدوء ليجدها تجلس صامته واضعة كفيها بين ساقيها وتنظر أرضًا.
حسنًا طبقًا لمعرفته بشقيقته والتى يحفظها كباطن يده فهو يعلم بأنها تريد قول شيئًا ما ولكنها متوترة، وبما انها متوترة هكذا إذًا فمؤكد ما سيسمعه سيضايقه أو ربما ييغضبه لذا تنهد سامح بصمت ينتظر ان تفتح فمها وتتكلم، وهو يعلم انه لن ينتظر كثيرا.
بدأت شروق تفرك يديها بتوتر ليمسح هو فى المقابل بلسانه على أسنانه متجاهلًا حركاتها اللا ارادية، ليتنهد بعدها قائلا بصوت مشدود علّه يطرد ذلك التوتر من المكان، ويعلم هو ايضا ماذا حدث والذي بدا يقبض قلبه:
_إللى عندك قوليه ياشروق، ما هو انا مش هفضل مستنى كتير فى الجو دة
نظرت له لتعيد أنظارها أرضًا وهى تجيبه بتلعثم:
_ بصراحة كدة فيه حاجة كدة حصلت وكنت عاوزة احكيهالك
همهم بفمه ويداه مازالت تطرقع على ازرار حاسوبه لتقذف كلماتها بوجهه بسرعة:
_انا قابلت سهيلة النهاردة.
كانت نبرتها سريعة، بل فائقة السرعة لذا توقف عما يفعله وهو يجعد حاجبيه يحاول ان يستوعب ما قالته، وما إن وعى حتى ارتسمت معالم الصدمة على وجهه.
ولكنه أعاد بعدها عينيه جهة حاسوبه متسائلًا بصوت مشدود:
_قابلتيها فين؟
اجابته بحزن:
_ في الشارع، وانا جايبة حور من الحضانة.
_وبعدين؟
سألها بملل ولكنها تعلم يقينًا أن داخله فضول يكاد يقتله لذا أكملت ببساطة:
_ابدا، حاولت اتجاهلها لكن هى سلمت عليّٰ
رفع عينيه أخيرًا عن حاسوبه ينظر جهتها بتعجب متسائلا بعدم فهم:
_طيب وايه فى الموضوع دة يخليكى مستعجبة، لا وكمان جاية تحكيلى
نظرت له لتجيبه بحزن ودموع تلتمع فى مقلتيها:
_أصلها ماتعرفش انك اتجوزت وان حور بنتك، وانك اتجوزت رحمة، والأهم....
صمتت وقد تقطع الكلام فى فمها ثم أكملت بألم:
_ ومتعرفش أن رحمة ماتت
رمش بعينيه يحاول استيعاب ما قالته ليلف بعدها بوجهه ناظرًا جهتها بتعجب وهو يسألها باستنكار لا مبالي:
_وإذا؟
التفت تنظر جهته وهي تجيبه باندفاع غاضب:
_يعنى ايه واذا!! بقولك مش عارفة انك اتجوزت، ومش عارفة ان اعز صحباتها ماتت، هى مش مهتمة بحد، مهتمة بنفسها وبس
_شروق
هدر بصوت حازم يمنعها من الافضاء في هذا الامر اكثر لينظر بعدها داخل بؤبؤى عينيها هاتفا بجدية حازمة:
_ ملناش دعوة بيها، احنا ملناش علاقة بيها اصلا علشان نتدخل فى حياتها او نهتم بيها
صمت ليكمل بعدها بحزم غير قابل للنقاش وهو يضغط على لقبها وكل كلمة تخرج من فمه:
_ انا مدام سهيلة متهمنيش، ومش عاوز اعرف حاجة عنها، ومن الأفضل انها متعرفش حاجة عنى.
هى على ذمة واحد تانى، فحرام وميصحش اى كلام عنها حتى ولو بيني وبين نفسي.
اما اذا كانت قررت تنهى صديقتها من حياتها فدى حاجة تخصها فملناش دعوة
احتدت نبرة شروق وهي تهتف بحرقة بينما التمعت عيونها بدموع الاسى والغضب من تلك الفتاة:
_ صاحبتها وجارتها إللى كانت بتحبك من زمان وبتتحرق بحبك ومع ذلك هى كانت بتستمتع بحرقكم انتو إللى اتنين؛ انت بحبك ليها اللي هى متجاهلاه، والتانية بحبها لواحد مش شايفها وهي عارفة
قضم سامح شفتيه بألم وقد التمعت عيونه بالدموع وتألم قلبه من ذكرى الماضي وكيف انه كان قلبه ومشاعره لعبة في يد احداهن تتدلل عليه ومتى شاءت تدمره، ليهدر بعدها بقهر بعد ان شعر بأن شقيقته عرت مشاعره واحزانه وماضيه الذي يحاول تناسيه حينما تلاعبت احداهن برجولته وذكوريته:
_شروق، الحياة مش دايمًا بتمشى على حسب ما احنا عايزين، كل واحد بياخد نصيبه منها وهي مكانتش نصيبي.
انا نصيبى كانت رحمة، علشان كدة ربنا اراد انها تتجاهلنى وانى احب رحمة.
صمت ليرفع عيونه لعيني شقيقته وهو يكمل بابتسامة راضية وسعيدة:
_ وانا راضى بنصيبى وبشكر ربنا عليه ليل نهار يا شروق، ربنا اداني زوجة ارق مما اتصور، ادتني حب مكنتش احلم بيه، كانت انثى ناعمة، ام بالفطرة دعمتنى لاخر لحظة في حياتها وكانت حنينة على اهلي وحبتهم كإنهم اهلها.
زوجة كانت مثال للحنان، والحب، والاحترام، والتضحية. لو لفيت العالم كله مش هلاقى زيها، ومتأكدة مليون في المية أن الفترة القليلة إللى قضيتها معاها أفضل واسعد مليون مرة من سنين طويلة كنت ممكن اقضيها مع غيرها.
كفاية انها كانت دايما تقابلني بابتسامة ودايما تضحك في وشي، عمرها ما شيلتنى همها حتى وهى تعبانة وبتكون دايما كانت بتضحك، كانت دايمًا بتتفنن فى عشقى، حتى قبل ما تموت قالتلى كلمة مش ممكن انساها، قالتلى يعز عليا اسيبك فى الدنيا وحيد علشان كدة سيبت ايد صغيرة تمسك بايدك، وضحكة بريئة ترسم الضحكة على وشك.
وعايزة انتِ بعد دة كله اقارنها بحد تانى!! والله هيبقى حرام
ثم انتفض واقفا وهو يهتف بصوت جهورى بعد ان شعر بتمزق قلبه من ذكر الماضى:
_حور حور
وفى ثوانى حضرت تلك الحورية الصغيرة ويعلو وجهها تلك الابتسامة البريئة التى تمحو اقصى الحزن ليهمس بحنان:
_يلا نروح على البيت
قالها وهو يمد يده لها لتتمسك باصبعيه وهى تقفز بابتسامة قائلة برقة:
_يلا يا بابا
ثم لوحت بكفها لشروق بابتسامة وهى ذاهبة، ابتسمت لها شروق بحزن وهى تلوح لها ولكنها لم تستطع امساك لسانها وهى تقول بشرود:
_وياترى هتفضل تقول ميهمنيش لو عرفت برضو انها مش سعيدة فى حياتها، والموضوع دة واضح جدا أن زوجها مخليها متدمرة؟
توقف مكانه فجأة معطيها ظهره وقد كان قد وصل إلى باب الغرفة لينطق بهدوء بعد ثوانى من سؤالها دون أن يدير وجهه لها:
_ميهمنيش، كل واحد له حق الاختيار و حل مشاكله، مش سعيدة وعايزة تسيبه.. تسيبه، مليش دعوة، وباباها موجود، وكل واحد حر فى نتيجة اختياره
ثم التف ينظر جهتها بقوة من خلف زجاج نظارته قائلا بنبرة حاسمة:
_وياريت يبقى آخر كلام فى الموضوع دة، الموضوع انتهى، وياريت تركزي في مشاكلك وحياتك
ثم تحرك ممسكا بيد صغيرته حينما اوقفته والدته على باب المنزل هاتفة:
_رايح فين؟ مش كنت قايل هتبات النهاردة!! مش عارفة على ايه التعب والمشورة دى ما تقعد هنا!!
التف يميل على رأسها يقبله بابتسامة قائلا برزانه:
_معلش يا امى سيبيني براحتى،انا مش هرتاح غير فى بيتى، انا هروح انام وبكرة اودى حور على الحضانة واروح شغلى
اومأت برأسها وهى تلمح بعيناه كل ذلك الحزن المجتمع بمقلتيه لتتركه حسب راحته، وبعد ذهابه التفت لتنظر لابنتها هاتفة بوجع وعتاب:
_مش كفاية إللى فيه وبيعانيه، هيبقى انتِ والدنيا عليه؟ ليه كدة؟ ليه تقلبى عليه المواجع؟ هى لعنة وحلت علينا ووجعت الكل هى وعيلتها واخوها ومصدقنا انها غارت، ليه بتوجعيه بذكريات اتدفنت.
كفاية حسرة قلبه على رحمة اللى بتقطعه لحد دلوقتى ليه تزوديها عليه؟، انا نفسي بتوجع لما بفتكر موتها، البنت ماتت فى عز شبابها وكانت زى الوردة مش سايبة مكان إللى وبتنشر ريحتها الحلوة فيها غير ما كانت بتحبه وكانت بتديله من السعادة من غير حساب وبموتها قطمت ضهره.
طيب بلاش، كفاية حتى وجع قلبه على بنته إللى بتكبر من غير ام وبتقطع قلوبنا كمان وهى بتسأل عنها، قلبي بيوجعني عليه وهو بيتعذب من غيرها هتزودى عليه المحروقة التانية؟ حرام عليكى يا شيخة هو ناقص
ثم تحركت وقد تساقطت دموعها على وجنتيها بالم، لتتحرك شروق جهة غرفتها وقد اغرورقت عيناها بالدموع وقد علمت فداحة ما تفوهت به، بل وقد أدركت بأن عينى أخيها لن ترى النوم بل وسيكون اليوم أصعب ايام حياته وهو يتقلب على فراش من نار الوجع والذكريات الحزينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يقف بانتظارها فى ذاك المكان الذى حددته، ليزفر بضيق بين كل دقيقة وأخرى وهو ينظر لساعة يده، تنهد وهو يقر بأنها قد تأخرت جدًا.
رفع ناظريه بضيق ليجدها قادمة إليه
تسمر وليد من فرط انبهاره بها كالعادة هى....
مذهلة
هى مثال للفتاة المصرية الاصلية بكل جمالها وملامحها، فقد كانت تحمل ملامح مصرية فرعونية بحتة، ملامح ناعمة تتميز بقوة وشموخ وكبرياء فطري غير متكلف ممزوج بمرح وشقاوة محببة.
ابتسم بعشق وهو يتطلع لها، دائمًا ما تبهره بطلتها وجمالها وانفتها لتسبيه بمجرد نظرة او ابتسامة منها.
كانت سابين ترتدى قميص مخطط طوليا من اللون الازرق و الابيض أسفله بنطال من الجينز الأزرق وتضع على عينيها إحدى النظارات الشمسية السوداء لتقيها من حرارة الشمس، تسير بشموخ طبيعى غير متكلف، شموخ أنثى لم يستطع أحد أن يكسر كبريائها او عزة نفسها حتى الآن. اما خصلاتها فقد هذبتها بإحدى مكوات الشعر الكهربائية ليظهر ناعما واملس
حينما اقتربت منه واستوضحت ملامحه رفعت نظارتها اعلى رأسها وابتسمت له بثقة وهى تقترب منه بهدوء استطاع حرقه؛ كلما وثقت من نفسها هكذا، كلما شمخت، كلما ازداد كبريائها وثقتها كلما احترق هو من الداخل.
شموخها وقوتها يشعرانه بالضعف وبأنه لا يستطيع السيطرة عليها
سابين تلك التى تشبه فرسة عربية أصيلة وجامحة، وكلما ظن أنه استطاع ترويضها تفاجأه بقوتها الغير معهودة بل وتطرحه بعيدًا.
والان مع تلك النظرات علم انها استرجعت قوتها ثانية تلك التى ظن أنه هدمها ويستطيع ربط لجامها والتحكم بها كيفما يشاء، ولكن خاب ظنه الآن.
اما هي فاقتربت منه بابتسامه ناعمة على شفتيها وهى تحييه:
_ ازيك يا وليد، عامل ايه؟
حك جبهته بضيق، يقر بأن هذه الفتاة خليط غريب من البشر وقتما تشاء تكون مرحة، وشقية.
وحينما تشاء يكون لسانها أشبه بمدافع وصواريخ قاتلة من لذاعته وسلاطته، وحينما تشاء تكون ناعمة مغرية.
تلك الشعلة النارية ستقتله حتمًا، ولكنه حتى مع ذلك رفع عينيه جهتها يجيبها بغضب:
_ايه يا هانم، كله ده تاخير!! انا بقالى ساعة مستنيكى فى عز النار.
رفعت كتفيها وأنزلتهم بلا مبالاة لتقول بنعومة وسلاسة:
_وتستنانى فى عز النار والشمس ليه لما كنت ممكن تستنانى فى العربية فى التكييف؟ وبعدين انا اتأخرت فى المواصلات يعنى مش بمزاجى
تفاجأ من نعومتها وسلاسة ردها وكأنها كانت تتجهز لشئ مثل ذلك.
يعرفها جيدًا، تلك البراءة التى تحاول رسمها هى ابعد ما يكون عنها، فعلى الرغم من برائتها الا ان عينيها تنطق بالمكر، لذا إلى ماذا تخطط؟
من المفترض أن تكون غاضبة منه بعد آخر لقاء بينهم إن كانت قد استعادت قوتها بالفعل، وان لم تكن فهي كانت ستظهر مكسورة غير واثقة بنفسها البتة ولكن....
تلك التصرفات وكأن شيئا لم يكن فهو غريب، لذا أعاد ترتيب أفكاره وهو يجيبها بهدوء:
_ممكن ندخل طيب؟
اومأت برأسها بابتسامة وهى تتقدمه بسلاسة إلى إحدى المقاهي الراقية تاركة إياه متحير.
ابتسمت بخبث، حسنًا هى تعلم انه متعجب مما يحدث، ولكن هو من بدأ تلك اللعبة اللعينة وهى من ستنهيها، ولكنها ستنهيها بعد أن تستعيد كرامتها المهدورة.
جلسا كلاهما على الطاولة لينظر لها بغير رضى بعد أن طلبا مشروباتهم، حسنًا ها قد بدأ
ابتسمت باستخفاف وهى تقول بنبرة ساخرة لم يلاحظها:
_ايه يا وليد فيه حاجة مش عجباك فيا المرة دى كمان؟
نظر لها بتيه، يا الله تلك الفتاة ستقتله، ستخرج قلبه من اضلعه يومًا، ولكنه مع ذلك أجابها بغضب مكبوت:
_هو فيه حاجة بتعمليها متعجبنيش؟ هو حضرتك كنتِ مقعدانى كل دة وانتِ فى الشغل طبعا
اجابته بثقة:
_طبعًا
_وبتقبضى منه كام الشغل دة!! كلام فاضى، حتى انك مش قادرة حتى تخلصى جهازك.
أجابته بقوة:
_وانا قولتلك شغلى دة سعادتي وكياني ومش هسيبه ابدا، وياريت تنهى الموضوع دة، اما بالنسبه للجهاز....
أكملت ساخرة:
_متشغلش بالك بيه انا هتصرف
التف بوجهه جهتها يجيبها بقوة:
_تتصرفى، متتصرفيش، يكون فى علمك انتِ هتسيبى الشغل دة بمجرد ما نتجوز
ظلت تنظر جهته بملامح جامدة لتتكئ بعدها بوجنتها على قبضتها تسأله بابتسامة باردة:
_طيب ممكن توضحلي وجهة نظرك من انك متضايق من شغلي ليه بعيدًا عن موضوع الفلوس اللي انت مش محتاجها
_متضايق انك تشتغلى مع ده وده وفى الاخر ايه ولا واخدة فلوس ولا بتاع، انتِ مبهدلة نفسك فى بيت ابوكى علشان تقدرى تجيبى احتياجاتك، لكن يكون فى علمك أن بعد الجواز مفيش شغل لأنك مش هتكونى محتاجاه اصلا؟
وكيف يعبر لها عن انه يغار... يغار من كل من يقترب منها؟ بل ويخشى أن يسلبها احدهم من يده، يجذبها بإسلوبه اللين وابتسامته الحلوة ووسامته ويسرقها منه، وهو لا يخفى عليه مدى جاذبية محبوبته بمرحها وخفة ظلها وقوتها والتى تجعلها اشبه بنجمة عالية على الجميع
قضمت باطن خدها لتجيبه بعدها بتساؤل جامد:
_وبالنسبة لتحقيق ذاتى وكياني؟
هتف باحتداد:
_تحقيق ذات فى ايه بالظبط؟
شويه حفلات الأطفال ولا طلاب الجامعة دي هيحققولك ذاتك!!
لو كنتِ هتظهرى وتحققى ذاتك كنتِ ظهرتى، لكن خلاص.
ثم اكمل بتصغير متعمد دون ان يهتم بمشاعرها:
_ وبعدين تعالى هنا، انتِ المفروض تكونى سعيدة ده انتِ هتطلعي من حتة منطقة شعبيه معفنة شارعها ما اعرفش اركن فيه عربيتى لمنطقة راقية هتسكنى فيها، من شوية ملاليم بتاخديهم من شغلك لأنك هتكونى مرات مليونير، كل حاجة تحت امرك والفلوس مالية ايديكى
وافتكري اني اتغاضيت عن فرق المستوى الاجتماعى، والمادي، والشكل، وحتى عن طريقة كلامك إللى لا تمت للرقى بصلة واخترت اتجوزك فالمفروض تنفذى إللى بقوله من غير اعتراض بدل ما ازعل واسيبك وساعتها تندمى وتبكى على فرصة عمرك.
نظر لها ليجدها تخفض عينيها تجاه يديها التى تضعها على الطاولة امامها ويتضح على وجهها علامات التفكير ثم بعد ذلك ثم رفعت عينيها ناظرة له بابتسامة باردة وهى تجيبه بتهكم:
_خلاص متزعلش اوي كدة، انا بعفيك من كل التعب ده وببلغك من دلوقتى ان الفرصة دي مش لازماني ومستغنية عنها.
وكإن احدهم سكب عليه دلو ماء بارد فى منتصف شهر ديسمبر ليتجمد مكانه ناظرا جهتها بصدمة وهو يهمس بعدم فهم:
_يعنى ايه مش فاهم؟
ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها حينما لاحظت صدمته من ضياع لعبته منه لتجيبه بتهكم وهي تضغط على كل كلمة:
_اوضحلك، انا مش عاوزة الجوازة دى
ثم أكملت بجحود:
_بمعنى اصح مش عاوزاك يا وليد، ولا عايزة فلوسك، ومكانتك دى اللي بتزلنى بيها كل شوية، مش عاوزة الفرحة إللى جاية من ناحيتك لانها كلها وجع والم، مش عاوزة منك حاجة، فاهم؟
ثم استندت على الطاولة امامها بكفيها مقتربة منه بوضع هجومي وهي تهدر بغضب ضاغطة على كل كلمة خارجة منها:
_مش عايزة حياتك إللى مليانة فلوس ومتبهرجة، مش عاوزة مكانتك لان كل إللى بتقدمهولى وفاكر انه بيسعدنى وبتتفضل عليا بيه ما هو الا فضلات لان انت مش بتقدملى حاجة، مش بتعمل علشانى حاجة.
كل إللى بتعمليه انك بتهد فيا وتهد فى ثقتى بنفسى، انا الحاجة إللى اتذل فيها وتقل من قيمتى ففى داهية هى واللى جايبها، فاهم؟
انهت كلماتها ثم سرعان ما خلعت خاتم خطبتها واضعة اياه على الطاولة ثم وقفت بشموخ قائلة بقوة:
_حاجتك وهدايا عاوز ابعتهالك كان بها، عاوز حد يجي ياخدها يبقى باباك اللي يجي؛ لاني مش عاوزة اشوف وشك تانى، والإحسن انه يكون هو علشان يتمم على كل حاجة بنفسه.
ثم ودون ان تزيد حديث تركته وذهبت تحت نظراته المصدومة لتركض خارجة من المكان بسرعة غير مهتمة بمن تصطدم به فى طريقها الاهم ان تهرب من هذا النرجسي السام وهي تزفر انفاسها براحة وسعادة
اما هو فتصنم مكانه ناظرا موضع جلوسها بصدمة وعدم تصديق وكإنه لم يستطع استيعاب ما حظث للتو وانها بسهولة تسربت من بين يديه. ولكن وبمجرد ان ضرب الادراك وعيه حتى وضع الحساب على الطاولة راكضا خلفها غير مهتم بمن يصطدم به فى طريقه لها انما ركض خلفها ليمسك بيدها فى الشارع صارخا بغضب:
_انتِ اتجنيتى؟ ايه الكلام إللى بتقوليه دة، تسيبينى ازاى يعنى؟ بقى انا مش عاجبك!!
نظرت له باستخفاف لتمط شفتيها تجيبه ببرود:
_والله الجواز قسمة ونصيب واحنا نصيبنا مش مع بعض، والجواز قبول وانت مش متقبلنى؛ يبقى خلاص نفضها سيرة بقى
نظر لها ليهزها من مرفقها بقوة وهو لا يستوعب بأنها ستتسرب من يديه بهذه السهولة بعد ان ظن انه احكم الوثاق حولها:
_ومين اللي قالك انى مش قابلك؟ امال خطبتك ليه!!
"علشان تفضى فيا عقدك"
كادت أن تخرج تلك الكلمات من فمها ولكنها ضغطت على لسانهاملنعة خروجها فى اللحظة الأخيرة لتجيبه بدلا منها ببرود:
_بس إللى انا اعرفه ان الجواز لازم يكون فيه توافق فكرى، وثقافى، واجتماعى.
وبالنسبة لينا فأفكارنا مختلفة خالص لا تكاد تنطبق؛ ودة بناء على كلامك من شوية، والثقافة والحمد لله انا ثقافتي بلدى شوية، اما الاجتماعى فدة بقى فى غنى عنه لأنك كل شوية بتفكرنى بيه.
وبعدين انت متضايق ليه؟!! انت بنفسك قولت ان البنات على قفا من يشيل، وانى مش مميزة عن غيرى.
وبعدين انت قولت انك ممكن تسيبنى وتروح لغيرى خلاص روح انا حررتك من العلاقة الفاشلة دى
نظر لها بغضب منها ومن تصرفاتها هل ستتركه؟؟ لا ابدا، يقسم انه لن يحدث.
سيستخدم جميع أسلحته ويجعلها تعود له لذا اجابها باستخفاف وهو يضغط على نقطة ضعفها:
_وتفتكري أن باباكى هيوافق على حاجة زى كدة؟ هيوافق انه يضيع عريس لقطة زيى؟
ابتسمت، حقا ابتسمت، ولكنها لا تمت الابتسامة بصلة بل هى ابعد ما يكون عنها. فقد كانت ابتسامة متوحشة وكإنها تكشر عن انيابها لتنظر له بعيونها السوداء اللامعة بشر مستطر تجيبه بحقد:
_وكأن فيه حد يقدر يجبرنى على حاجة، إن كنت ناسى فأنا احب افكرك مش سابين إللى تتجبر على شئ ولا سابين إللى حد يكسر شوكتها ويحنيها علشان الفلوس
ثم صرخت به بغضب وهى تدفعه من صدره بعيدا عنها تاركة اياه يقف مبهوتا امامها وقد علم الان ان الامر خرج عن سيطرته وانه اوان الانفجار:
_الحاجة إللى تذلنى بلاش منها وفى داهية، حتى لو كان روحى فيها فانا مش عاوزاها لانها بعدين هتنهى روحى
ثم جاءت لتتحرك تاركة إياه فى وسط الطريق وقد ظنت انه قد تفهم مقصدها ولكنه فاجئها بأن أمسك ساعدها ليعيدها امامه مرة أخرى، نظرت له لتجد بعيناه غضب اعمى يكاد يبتلع العالم أجمع ثم صرخ بها بجنون:
_اوعي.. سامعة؟ اوعي تمشى وانا بكلمك، وبعدين إن كنتِ فاكرة ان الموضوع انتهى بالبساطة دى لأنك قررتى كدة يبقى غلطانة، سبق ووعدتك انى هتجوزك، وانا معملتش كله دة علشان تسيبينى وتنهى الموضوع بالبساطة.
دى الجواز مش لعبة، والوعد إللى اديتهونى لازم تنفذيه، فاهمة؟
بهتت ملامحها وهي تنظر له، هذا الرجل مجنون حتمًا ولكنها نظرت له مجيبة بسخرية:
_وبالنسبة للوعد إللى ادتهونى؟ أنك تتجوزنى معناها انك تكون سندى، وضهرى، وفرحتى مش تكون دايما سبب ألمى وقهرى.
تدينى الثقة فى نفسى واستمد قوتى وثقتى منك مش دايما تحطمنى.
التمعت دموع القهر بعينيها وهي تهدر بالم مشيحة بيديها بعشوائية مقهورة:
_عرفت ان انا مش من ذوقك، وانى مش جميلة وتقدر تلاقى أفضل منى، ومليون بنت تتمناك.
خلاص يبقى نفضها سيرة ودور على المليون بتوعك بقى
ثم نظرت لساعدها المحتجز فى قبضته تنتشله منه بعنف متجاهلة الالم الناتج عنه وهى تهدر بغضب:
_ولو سمحت سيب ايدي بقى علشان اروح الم ليك حاجتك
نفى برأسه قائلا بجنون وهو يعود ليتمسك مرة اخرى بهوس:
لا، مش قبل ماتوعدينى انك اتراجعتى عن إللى فى دماغك
ثم رفع عينيه ينظر جهتها ليجدها تنظر له بملامح جامدة مرعبة اثارت رجفة قوية داخل قلبهوهي تهمس بتحذير:
_قولتلك سيب ايدى
نفى برأسه ليجدها توزع نظراتها بين وجهه ويدها
لترفع بعدها عينيها جهته وهي تهمس بنبرة شيطانية جمدت الدم بعروقه:
_خلاص يبقى انت إللى اخترت.
