رواية في شباك العنكبوت الفصل العاشر 10 بقلم رحاب حلمي
الفصل العاشر
صديق قديم
يدخل عمر القصر مهرولا ويصعد الدرج وكأن الرياح تقوده أو أن هناك من يلاحقه حتى وصل إلى حيث تقف ملك وأخته مع شخص آخر ربما قد تجاوز الخمسين وفي يده حقيبة تشبه تلك التي يقتنيها الأطباء, فسأله عمر متناسيا آداء التحية المفروضة وآثار اللهاث تطغي على صوته: خير يا دكتور! ماما مالها؟
فرد ذلك الرجل الذي يبدو وكأنه طبيب العائلة وذلك اتضح حين استعمل اسم عمر وهو يحدثه: اطمن يا عمر, نجوان هانم بخير, كل الموضوع ان الضغط علي عليها شوية ودة يمكن بسبب الحزن اللي هية عايشة فيه يمكن يكون موت عمرو الله يرحمه لسة مأثر عليها.
فسأل عمر الذي بدأ تنفسه ينتظم بعض الشيء: طب والحل ايه؟
الطبيب مقترحا: انا شايف انها لازم تغير جو اليومين دول, يعني لو تسافر أي مكان بعيد عن هنا ممكن دة يساعدها شوية, وكمان انا كتبتلها على مهدىء تستخدمه عند الضرورة, بس أفضل علاج ليها انها تبعد عن أي توتر أو زعل.
فقال عمر بيقين: ان شاء الله مفيش زعل تاني يا دكتور.
الدكتور مؤمنا على كلامه: ان شاء الله, عن اذنكم.
عمر: اتفضل.
ورحل الطبيب, واتجهت مرام إلى حجرة والدتها بغرض الاطمئنان عليها, ولكن أوقفها صوت عمر الآمر بلهجة رزينة: استني يا مرام, انا اللي هدخلها.
وبما أن لهجته كانت لا تقبل الجدال فتنحت مرام جانبا لتفسح المجال له كي يتقدم ويفتح الباب ليجد نجوان ذات الملامح التي أصبحت هزيلة مستلقية على السرير ويبدو عليها الاعياء مما جعل قلبه ينقبض لحالها حيث لم يراها هكذا من قبل, وتقدم نحوها راسما ابتسامة باهتة على محياه على تخفي ذلك الألم الذي يشعر به في الحقيقة: عاملة ايه دلوقت يا ماما؟
خرج صوته رغما عنه حزينا, فردت نجوان بصوت واهن بعض الشيء ولكنه لم يفتقد كثيرا إلى تلك القوة التي تتمتع بها شخصيتها العنيدة التي ترفض الاستسلام حتى للمرض: الحمد لله تمام.
وجلس عمرو بجوارها على السرير, ثم أخذ يدها مقبلا اياها وهو يقول داعيا: يارب دايما تكوني بخير.
واتسعت ابتسامته وهو يشير لها باصبعه محذرا بغرض ملاطفتها: عشان تبطلي بقا تخضينا عليكي.
ثم أضاف وقد غلب الشجن على صوته: ليه يا ماما بتعملي في نفسك كدة؟
فأجابت نجوان وهي تغالب دموعها: عمرو مات يا عمر, حتة مني ماتت خلاص.
باتت دموعه هو الآخر تهدد بهجر محبسها وهو يقول: ادعيله يا أمي بان ربنا يسامحه ويغفرله.
فرمقته نجوان بنظرة خاصة وهي تقول له بلهجة ذات معنى لم يخف عليه: ماهو عشان ربنا يغفرله لازم احنا كمان نسامحه, مسامحه يا عمر؟
طوال تلك السنوات الثلاثة السابقة كان يسأل نفسه هذا السؤال, فهل هو بالفعل مستعد لمسامحة شقيقه ونسيان ما حدث؟, وعندما طال صمته, فهزت نجوان رأسها بأسى وهي تقول له معلقة: لسة بردو يا عمر, انا مش عارفة ايه اللي أسى قلبك على توأمك بالشكل دة.
وعندما لاحظت شفتيه يتحركان أشارت بيدها لتضيف بحسم: ومش عاوزة أعرف.
ثم أكملت وهي تنظر إلى صورة التوأم عمر و عمرو التي بجوارها على المنضدة بجانب السرير: زمان, بعد ما سافرت وعمرو حب يفهمني اللي حصل رفضت أسمعله لأني كنت خايفة ليتجنى عليك وانت غايب ومش هتقدر تدافع عنك.
ثم عادت تنظر إلى الصورة الحية التي تجلس أمامها وهي تضيف: ودلوقت أنا برفض أسمعلك لنفس السبب, ومسير الأيام تبينلك ان كل اللي حصل دة ماكنش أكتر من سوء تفاهم.
رأت في عينيه كلمات احتجاج لم ينطق بها لسانها, ولكنه عوضا عن ذلك قرر تغيير دفة الحديث إلى موضوع آخر حيث قال لها مبتسما: خلينا في المهم يا ست الكل, الدكتور لسة قايلي انك لازم تغيري جو, فإيه رأيك لو روحنا العزبة قعدنا يومين بس بعد ما ارجع من حفل افتتاح المصنع.
بدا القلق يلون وجهها لتقول معترضة: لا يا عمر ما تسافرش.
فقال عمر الذي كان لا يزال محافظا على ابتسامته: ازاي بس, يعني أكون صاحب المصنع وعاوزاني ما احضرش حفل الافتتاح بتاعه؟
فقالت نجوان باصرار: ايوة يا عمر, انا مش عاوزة المصنع دة, كفاية اللي عندنا, بيعه أحسن وكفاية اللي جرالنا منه لحد كدة؟
علم عمر أنها تشير إلى تلك الحادثة التي أودت بحياة شقيقه, فسألها باستنكار: يا ماما, ايه بس علاقة المصنع باللي حصل.
نجوان: مش عارفة, بس انا بدأت اتشائم منه وخلاص.
فرفع عمر يدها يقبلها مرة أخرى وهو يقول ليبث الاسكينة والاطمئنان بداخلها: يا ماما, احنا طول عمرنا بنحلم بالمصنع دة عشان يكون عندنا مجموعة مكتملة تبدأ من زرع القطن وتنتهي ببيع الملابس الجاهزة, عشان كدة صعب اني أفرط في المصنع دة اللي انا متأكد انه ان شاء الله هيكون فتحة خير علينا, وياريت تشيلي الكلام دة من دماغك.
فقالت نجوان وهي تمسح على رأسه بلطف وحنان: كنوز الدنيا كلها ما تسواش عندي ضفر أي حد فيكم.
كانت ابتسامته الواثقة هي أيلغ رد عليها ليؤكدها بكلامه: هما ان شاء الله يومين بالكتير يا ماما وراجع.
******************************
غادر عمر في صباح اليوم التالي تاركا قلب نجوان ينبض قلقا, أما ملك ومرام فقد شرعتا في تنفيذ أوامره وألحتا على نجوان للخروج معهما والذهاب إلى النادي للقاء صديقاتها اللاتي لم تراهن منذ فترة طويلة, وعندما لم تجد ملاذا من إلحاحهما وافقت على مضض, وبالفعل ذهبت الثلاثة إلى النادي ترافقهم عربة أطفال صغيرة وضعت فيها ملك يوسف وتدفعها أمامها, ثم استقر ثلاثتهم أمام طاولة تطل على حمام السباحة و تحميها من أشعة الشمس مظلة كبيرة, وبين حين وآخر تأتي امرأة مسنة تسلم على نجوان ورفيقتيها ثم ترحل, وظل الوضع هكذا إلى أن جاءت تلك المرأة وهي صديقة قديمة لنجوان, فقالت وهي تكاد لا تصدق ما تراه: نجوان! مش معقولة, فينك من زمان؟
فصافحتها نجوان بحرارة وقد غزت الابتسامة الودودة وجهها: ازيك سوسن, فينك انتي؟ من ساعة ما سافرتي ومحدش سمع صوتك حتى.
فقالت تلك المدعوة سوسن بعد أن جلس على الكرسي بجوارها: والله يا نجوان, كان غصب عني, انتي عارفة الدنيا بقا ومشاغلها, بس خلاص جوزي قرر يصفي كل حاجة ونرجع نستقر في مصر بقا.
نجوان مستحسنة الفكرة: أحسن, والله عمل خير, الواحد مهما سافر واتغرب بردو مسيره يرجع بلده.
وأخيرا لاحظت سوسن وجود رفقة لدى نجوان, فنظرت إلى مرام محيية بابتسامة واسعة: ايه دة, معقول, مش دي مرام! بسم الله ما شاء الله, والله كبرت واحلوت, ياترى فاكراني ولا لا؟
فقالت مرام مجاملة بابتسامة رقيقة: أكيد طبعا يا طنط.
واتجه نظرها إلى تلك الشابة التي بدت غريبة على ذاكرتها فسألت نجوان مستفسرة: مين دي يا نجوان؟
فقالت نجوان مجيبة: دي مراة عمرو الله يرحمه.
فشهقت سوسن من هول الخبر وهي تقول معلقة: ايه؟ انتي بتقولي ايه؟ عمرو مات؟ معقول! امتى دة حصل؟
فردت نجوان بأسى وقد عاد الحزن يكسو وجهها من جديد: من حوالي شهرين, في حادثة.
سوسن مواسية: البقاء لله يا حبيبتي, والله ما كنت أعرف, الله يرحمه.
فهزت نجوان رأسها وهي تأبى أن تعود إلى البكاء مجددا, ثم أشارت سوسن ناحية يوسف حيث كانت تحمله ملك بين ذراعيها: والأمور دة, يبقا ابنه؟
فأومأت نجوان برأسها وهي تقول مقرة: أيوة.
فقالت سوسن والابتسامة تشع من عينيها وهي تتفرس في وجه الصغير: بسم الله ما شاء الله, حقيقي اللي خلف ما ماتش, ربنا يخليه ويجعله عوض عن أبوه ان شاء الله.
فأمنت نجوان على دعائها في نفسها, ثم قالت متفادية المزيد في خوض ذلك الموضوع الذي لا يسبب لها سوى الألم والحزن: المهم, احنا هنطلب غدا دلوقت وانتي لازم تتغدي معانا.
فرفضت سوسن عرضها بلطف مبررة: معلش يا نجوان خليها مرة تانية, أصل انا متفقة مع زياد ابني انه هيعدي عليا ونتغدى مع بعض.
فقالت نجوان: طب وفيها ايه؟ ماهو ييجي يتغدى معانا بردو, مفيش مشكلة, وأهو بالمرة أشوفه, أكيد كبر دلوقت واتجوز طبعا, ماهو زي مانا فاكرة اصغر من عمر وعمرو بسنتين بس.
فقالت سوسن مؤكدة: حقيقي يا نجوان, هو بقا بسم الله ما شاء الله هو اللي بيدير الشغل مع باباه, وعشان كدة محمود جوزي خلاه ينزل هو الأول يشوف سوق السياحة عامل ايه هنا قبل ما يصفي هو هناك, لأنهم ناويين ان شاء الله يفتحوا شركة سياحة في مصر.
نجوان: ربنا يوفقهم.
ثم نظرت سوسن إلى بعيد وهي تلوح بيدها: وأدي زياد وصل أهوه.
رأوا شابا متوسط الطول يتقدم نحوهم ذو شعر فاحم ويضع نظارة سوداء فوق عينيه, وعندما اقترب منهم قال محييا: مساء الخير.
فردو تحيته: مساء النور.
ثم قالت له سوسن مشيرة إلى نجوان: طبعا فاكر طنط نجوان يا زياد.
فقال زياد وجها ابتسامته ناحية نجوان: آكيد طبعا.
ثم مد يده لمصافحتها وهو يقول: ازيك يا طنط, عاملة ايه؟
نجوان وهي تصافحه مبدية إعجابها: ازيك انت يا حبيبي.
ثم أشارت سوسن ناحية مرام وهي تكمل التعريف بطريقتها: شوفت بقا مرام كبرت وبقت عروسة ازاي؟
فاتجه نظر زياد ناحية عمر وهو يقول بلهجة مرحة: معقول دي مرام اللي كانت بتتخانق معانا انا واخواتها عشان نركبها العجلة.
فعبس وجه مرام وهي تضيف إلى ما قاله: آه, وانتم ما كنتوش بترضوا تركبوني معاكم.
فقال زياد مبررا: يابنتي ماحنا غلبنا نفهمك ان العجل دة مش بيركبه غير الولاد.
مرام وهي تضع يدها في وسطها متذمرة: بس دي بقا عنصرية.
فقال زياد مازحا: لسة بردو غلباوية زي مانتي, المهم عمر وعمرو ايه أخبارهم.
تجهم وجه الجميع بعد أن كانوا يتابعون ذلك النقاش الحاد بينهما والابتسامة تعلو وجوههم, وقد تولت سوسن الرد وهي تنظر إلى نجوان بحرج: عمرو تعيش انت يا حبيبي.
ظل لحظات صامتا وكأنه يحاول أن يستوعب الخبر, ثم قال في غير تصديق: ايه؟! ازاي دة حصل؟ وامتى؟ دة كان لسة معايا في لندن من أقل من سنة.
فقالت سوسن متفادية مزيدا من الألم لصديقتها قد يسببه كلامهما: هبقا أقولك بعدين, المهم طنط نجوان عزمانا ع الغدا النهاردة, قولت ايه؟
فقال زياد راسما بصعوبة ابتسامة على شفتيه وهو يحاول أن يساير والدته: اللي تشوفيه يا ماما, انا عن نفسي معنديش مانع.
فقالت مرام بغرض مضايقته: دة بدل ما تقول خلي عنكم, وانا اللي عازمكم, واضح ان بلاد الفرنجة غيرتك خالص.
فقال زياد مستجيبا لمزاحها: والله لو بالشكل دة وهنمشي على نظام بلاد الفرنجة زي ما بتقولي, يبقا كل واحد يدفع حسابه.
استطاع الاثنان إعادة البسمة من جديد إلى الوجوه, وخلال ذلك قد جذب زياد رؤية تلك الشابة التي تجلس برفقتهم دون أن تتفوه بشيء, بل تكتفي بالمشاهدة وكأنها تخشى أدوار البطولة.
********************************
عاد زياد وسوسن إلى شقتهما, وقد جلست تلك الأخيرة على أول كرسي في طريقهما وقد بدت مرهقة ولكن سعيدة وعلقت على ذلك وهي تقول: هو كان يوم متعب صحيح بعد ما لفينا على أكتر من فيللا وفي الآخر ما عجبتناش حاجة, لكن بدايته كانت جميلة بصراحة.
فقال زياد موافقا: معاكي حق يا ماما, بس انا لحد دلوقت مش مصدق ان عمرو مات, الله يرحمه.
فقالت سوسن بحزن: ولا انا والله يا بني, الله يرحمه فعلا.
ثم حولت مسار الحديث حيث قالت بنبرة خاصة: بس انت شوفت مرام أد ايه كبرت وبقت عروسة؟
أما زياد فقد تجاهل ما تشير إليه أمه ولم يعلق على كلامها, بل عوضا عن ذلك قال وهو يشرد بفكره قليلا: اللي انا لاحظته فعلا, هي مدام ملك, مين كان يتصور ان عمرو نصار يتجوز؟ لا وكمان واحدة زي دي.
فسألته سوسن وقد بدت عليها الحيرة: قصدك ايه يعني بواحدة زي دي؟
زياد موضحا: قصدي انها مختلفة كليا عن شخصية عمرو وكل اللي كان يعرفهم.
ثم أضاف وصوته ممتلء بالإعجاب: بس بصراحة, يمكن يكون المرادي أحسن الاختيار.
******************************
لم يمر سوى يومين كما وعدها عمر حتى عاد من سفره مجددا, وبالطبع كانت سعادة نجوان بعودته لا توصف, ثم بدأ الاستعداد للسفر إلى العذبة كما كان مخطط سلفا, وخلال ذلك بدأت نجوان تتردد بصورة يومية على النادي لتعود إلى الحياة مرة أخرى بشخصيتها القوية والحيوية, وفي الليلة التي تسبق سفرهما, اتجهت نجوان إلى غرفة المكتب لإخبار عمر أمرا.
قال عمر والدهشة تعلو وجهه: معقول! زياد الصياد رجع, يااااااه, والله الواد دة كان واحشني من زمان.
نجوان مضيفة على حديث سابق: انا شوفته من كام يوم في النادي واتغدى معانا هو ومامته, وتقريبا كل يوم بتقابل على سوسن هناك.
فقال عمر: وانا كمان ان شاء الله لما نرجع, هبقا أكلمه وأقابله.
جاءت اللحظة التي كانت تنتظرها نجوان, ولكن من أين تبدأ, ثم عزمت أمرها وقالت بشيء من التردد: لا مفيش داعي, أصلي عزمته هو ومامته انهم ييجووا يقضوا اليومين الجايين معانا في العزبة.
نظرة ارتياب وجهها إليها عمر الذي سألها وقد بدا عليه الضيق: وليه يا ماما ما قولتليش قبل ما تعملي كدة.
فقالت نجوان ونظرة تحدي انطلقت من عينيها: وهو انت كنت قولتلي قبل ما تعزم حازم وفريال؟
عمر معللا موقفه: بس دول مراة عمي وولادها, فمفيهاش حاجة لما اعزمهم, لكن زياد صحيح صاحبي, بس هو في الأول والآخر يعتبر راجل غريب وما كنش يصح انك تعزميه وانتي عارفة اننا معانا بنات في سن الشباب.
أقرت نجوان في داخله صحة كلامه, وهي بالفعل قد لامت نفسها على ذلك ولكن بعد فوات الأوان وقد قبلت صديقتها الدعوة, ولكنها رفضت الاعتراف بخطئها, بل قالت بعناد: زياد من صغره وهو متربي في وسطينا, وكلنا نعرف أخلاقه كويس, وانا شايفة انها مفيهاش حاجة يعني.
ثم أضافت بلهجة ذات مغزى: ومين عارف؟ مش جايز بعد الفسحة دي يبقا فعلا واحد مننا.
فسألها عمر بشك: قصدك ايه يعني يا ماما.
فقالت نجوان وهي تهم بالرحيل: مش قصدي حاجة, ع العموم انا قولتلك عشان ما تتفاجئش لما تلاقيه جاي معانا, ياللا تصبح على خير.
فرد عمر محاولا كظم غيظه وقد علم أن نجوان هانم تخطط لشيء ما ولا تريد الكشف عنه في الوقت الحالي وهذا ما يقلقه: وانتي من أهله يا ماما.
