رواية عملتان لوجه واحد كامله وحصريه بقلم آية الطري
١- الفخ
في حالة عدم قدرة الإنسان على فعل الأشياء العظيمة، عليه أن يقوم بفعل الأشياء الصغيرة بطريقة عظيمة.🕊
+
نبدأ بالصلاة على حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم. 🕊
+
-----------------
+
بروسيا☆
+
حياته أقل ما يُقال عنها سخيفة، بلا معنى، فاقدة للروح بل والشغف أيضًا، دخل قصره حديث الطراز خاطف الأنفاس قبل الأنظار، لكن هو يعده سجن انفرادي مُفتقد لأهم عنصر وهو البشر، وما أن خطت قدمه لغرفته ذات الأجهزة الغريبة أو المستقبلية بالمعنى الأوضح فهو لا يتعامل سوى مع حداثة العصر،
حتى وقعت عينيه على ذلك الرجل الخمسيني الجالس بهدوء يتابع الأخبار على الشاشة ليتتضح لنا صوت مذيعة تتحدث بالروسية:
_ " "Сегодня утром, после завершения заседания президентского совета около десяти часов, премьер-министр был убит при загадочных обстоятельствах, что поставило правительство в..."
( في صباح اليوم وبعد إنتهاء المجلس الرئاسي في تمام العاشرة تم اغتيال رئيس الوزراء في أجواء غامضة مما جعل الحكومة ال... )
+
أغلق الشاشة بضيق داخلي عاقدًا ملامحه قائلًا بجمود واختصار:
_ "Я не люблю вспоминать о своих достижениях."
(لا أحب تذكر إنجازاتي)
+
وقف الرجل ببطئ مستفز قائلًا بالروسي:
_ " لكن انجازاتك تستحق الذكر {سنايْبَر}، أنت رائع، اختراع لن يُكرر "
+
كتم سنايبر ردًا عنيفًا لينطق ببرود ثلجي:
_ " كل هذا لا يهم، فقط اعطني المقابل "
+
ابتسم الآخر ابتسامة مقيتة قائلًا بتلاعب على أوتار ذلك الواقف أمامه:
_ " المقابل أصبح بحسابك البنكي منذ خرجت روح الهدف "
+
بادله سنايبر بابتسامة متوعدة واقترب قائلًا بفحيح:
_ " لا تتلاعب معي فلاديمير، صدقني لست بمستوايَ في اللعب "
+
نظر له فلاديمير بهدوء مغتاظ وأخرج هاتفه ليصدح صوت هاتف سنايبر برسالة، بينما خرج الآخر قائلًا:
_ " أتركك مع صغيرتك أيها العاطفي، صحيح الزعيم منبهر بسلسلة ابداعاتك الأخيرة يبدو ستوضع قريبًا في قائمة المقربين"
+
تجاهل سنايبر كل هذا الهراء وبكل لهفة فتح هاتفه لتبتسم عيناه بجنون وهو يرى مقطعًا لتلك البريئة الجالسة على أرجوحة في احدى الحدائق التي يجهل مكانها وإلا لكان جوارها الآن،
+
ظل يكرر المقطع القصير عدة مرات يراها من كافة الإتجاهات حتى أشبع روحه بالإطمئنان عليها قائلًا بالعربي:
_ " هانت "
1
قطع خلوته دخول تلك الشقراء التي تقدمت منه بدلال وابتسامة عاهرة وقالت بالروسية:
_ " Скучаю по тебе, дорогой " ( اشتقتك عزيزي)
+
-----------------
+
ربما لحظات الانتظار أصعب من الحدث المُنتظَر لكن لا خيار أمامهم سوى انتظار ذلك المتهور الذي ترك سلاحه ودخل أعزل لإقتناص ما يريد كأنه يضمن الظروف!
+
مرر {راجح} يده في شعره الأشقر كوسيلة واهية لتخفيف توتره ثم نظر لرفيقه {بكر} القابع داخل السيارة يعمل على جهاز الحاسوب بتركيز تام حتى رفع رأسه ناظرًا لراجح بقلة حيلة قائلًا:
_ " المفروض يكون خلص و يخرج حالًا، بس أكيد بيسيب علامته المرعبة على الخزنة "
+
_ " وهو ده وقته؟؟ " صاح بها راجح بحنق
+
تدخل {شريف} المشغول في مراقبة المكان بمنظار يدوي:
_ " اهدى يا راجح انت مالك محسسني أنه داخل وكر زعيم مافيا؟!، لو فيه حاجة كان طلب مساعدة "
+
حرك راجح رأسه يمينًا ويسارًا وعينيه حائرة وقال معلنًا عن مخاوفه:
_ " قلبي مش مطمن يا شريف حاسس بفخ "
+
استغرب شريف من كلمات صديقه ومدى قلقه الغريب والظاهر عليه بوضوح، فراجح يتسم بالعصبية لكن ليس بالقَلوق،
+
تنهد شريف وأردف بهدوئه المعتاد:
_ " ولو ألف فخ يا راجح، العمر واحد والرب واحد، هو بارد شوية وزي ما بكر قالك تلاقيه بيحط بصمته على المكان. "
+
قالها بمرح وضحك مع بكر بينما زفر راجح ببوادر عصبية وهو ينظر في ساعة يده وقال:
_ " هييجي يوم وأولع فيه لحد ما يخلص من بروده ده، لأ والمصيبة سايب سلاحه، البيه فاكر نفسه سوبر مان..... "
+
صمت فجأة بعدما شعر بيد أحدهم على كتفه فاستدار بغتةً بقوة وكأنه سيواجه تهديدًا، قبضته كانت في طريقها للانقضاض، ولكنها توقفت في اللحظة الأخيرة وهو يرى { ڤامبَيَر }واقفًا خلفه يعقب بمزاح:
_ " لأ دراكولا يا رجُّوح "
+
هدأ {راجح} بعدما استدرك وجوده، ثم ابتعد بغضب وملامح ضاجرة كعادته وأردف بحدة:
_ " هتفضل مستهتر لحد امتى ياعم؟.... و ايه اللي بلّ هدومك كدة؟ "
+
هز الآخر شعره بخفة لتتساقط منه قطرات المياة ثم صعد للسيارة قائلًا بإستعجال:
_ " نطيت في البسين، هحكيلكم بعدين، اطلع "
+
صعد شريف جوار بكر بينما اعتلى راجح مقعد القيادة وانطلق سريعًا ليردف {بكر} من الخلف:
_ " يارب ماتكونش الفلاشة اتبلت بس "
+
ابتسمت عيني {ڤامبَيَر} بثقة و أردف بسخرية مرحة:
_ " دا لما أبقى من حارة السقايين يا بكورتي "
+
ضحك {بكر} بشدة فهذا اسم حارته القديمة، بينما ابتسم {راجح} بقلة حيلة مردفًا بجدية:
_ " أنا مستغرب ازاي فلاشة مهمة زي دي تتحط في خزنة بمستوى أمان متدني كدة! "
+
صمت {ڤامبَيَر} فالأمر يشغله هو الآخر لكن أردف {بكر} بإرتياح:
_ " ياعم راجح احمد ربنا انها طلعت مهمة فرايحي عايز أروَّح لأبويا مرة سليم يا عالم "
+
رد شريف مؤكدًا:
_ " حصل دا البت هترميلي الدبلة قُريِّب وربنا، وبقولكم ايه أنا فرحي قدامه أسبوع وصحتي تلزمني، يعني مش نازل تدريب خصوصًا مع مصاص الدماء ده. "
+
قالها مشيرًا نحو {ڤامبَيَر} الذي انشغل في إزالة تنكره ليظهر ليظهر وجهه الحقيقي بعينين مزيج بين العسلي والأخضر تليق بملامحه الحادة ولون بشرته الحنطي،
+
انتبه وشاركهم الضحك بمرح فهم فريق واحد ومؤخرًا يحاولون سويًّا اثبات جدارتهم رغم أعمارهم الصغيرة،
+
أعقب {راجح} على كلام رفيقيه:
_ " على رأيكم، الواحد بقاله شهر ماشافش السرير، لحد ما نوم المكتب جابلي الغضروف "
+
استمروا يتبادلون الحديث لدقائق حتى توقفت السيارة عندما وصلت لنقطة معينة ليهبط شريف قائلًا:
_ " كفارة يا رجالة استمتعوا بالأجازة، نشوف بعض في فرحي ان شاء الله "
+
عندها أخرج ڤامبَيَر الفلاشة وأعطاها له نابسًا:
_ " سلمها لشيكو وبوسهولي، سلمات يا عريس وخلص تصليح العربية بقى بدل ما أنا مذلول لراجح. "
+
ابتسم له شريف بإماءة مؤكدًا:
_ " حاضر يا كبير، أوعدك هبدأ تصليح فيها أول ما أوصل الورشة "
+
ودعهما متجهًا نحو سيارة أخرى مصفوفة بجانب الطريق، ذاهب لأيام مليئة بالتحضيرات السعيدة مع أهله ومحبوبة طفولته وشريكته المستقبلية، بينما انطلق الشباب الثلاثة ليردف بكر بتعب محدثًا راجح:
_ "طب وصلني أنا الأول عشان بيتي قريب واطلع انت على شقتك وسيب العربية للدكتور يروح حارتهم على مهله. "
+
قال جملته الأخيرة بسخرية ضاحكة مشيرًا ل {ڤامبَيَر} مما أضحك راجح فزفر الآخر بمعالم باردة قائلًا:
_" ماله الدكتور يا بتاع صيانة المخروبات!؟ "
+
ثم أدار رأسه لراجح الضاحك برزانة و أكمل بتشفي:
_ "وانت مبسوط أوي وبتضحك ماشاكلك ناسي أني الساعة ٣ الفجر يعني بقينا يوم الخميس يا طِعم"
+
وما أن أنهى كلامه حتى تهجم وجه راجح بصدمة وأغمض عينيه بغل وإرهاق ساببًا أشخاص مجهولة، بينما تعالت ضحكات بكر ليهوى جسده للأمام بقوة بعدما أوقف راجح السيارة بغضب جم ونزل ساحبًا بكر من السيارة راميًا إياه على الطريق وقال بتشفي
_" اضحك للصبح بقى ياخِفة "
+
ثم صعد للسيارة وانطلق، نظر بكر في أثرهم وبصدمة وعدم استيعاب لموضعه فصرخ عليهم ووقف يركض خلفهم لكن دون جدوى، فوضع يديه على رأسه بحيرة شديدة تحولت لضحك هيستيري:
_ " الله يخربيت دماغك يا راجح الكلب"
+
أما بالسيارة أخرج راجع سيجارة وأشعلها ليتأفف الآخر من رائحة الدخان لكنه تجاهل الأمر وبادر سائلًا:
_ " هتروح فين دلوقتي؟ "
+
سحب راجح نفس عميق من السيجار وقال بنبرة حائرة وضاجرة في نفس الوقت:
_ " مش عارف... بس اللي أعرفه كويس أني مش هصبر عليهم أكتر من كدة... "
+
أرخى جسده للكرسي قائلًا بإرهاق:
_ "طب اطلع على الحارة بقى على ما أخطف ساعة نوم "
+
نظر له راجح بعدم فهم ليردف الآخر بتفسير:
_ " يعني أنا مش فايقلك آه، بس مش هسيبك في الشارع ولا تحجز فندق وأنا موجود، "
+
رد راجح بقلة حيلة:
_ "ماشي لما نشوف الحارة النموذجية اللي حضرتك متمسك بيها دي.... ( ثم أخذ نفس عميق حائر) الله يسامحك ياابا على المرمطة اللي أنا فيها"
+
----------------------
+
تألقت الشمس بسماء الصيف الصافية لتصل خطوطها لأرجاء تلك الحارة البسيطة في تداخل رائع مع أصوات الأقدام وفتح أقفال المحلات والوِرش، وبائعي الخضار الطازج وأتم روعة المشهد رائحة الخبز الخارج من الأفران مع الأكلات الشعبية المختلفة...
+
لنصل معًا لتلك الشقة المتوسطة بأثاثها الحديث ورائحة الفطور المعبئة لكل ركنٍ فيها
+
_ " بت يا سلمى... انتِ يابت يا ملحوسة الدماغ "
+
صاحت بتلك الكلمات الحادة سيدة خمسينية عاقدة عباءتها البيتية حول خصرها بينما تقبع بين يديها تلك القماشة المُبتلة وسيلتها لتنظيف أرضية المنزل،
+
بداخل إحدى الغرف وقفت المدعوة سلمى بتأفف وأزالت نظارتها عن عينيها العسلي الصافية واضعة خصلة شعرها الأسود خلف أذنها قائلة بصوتٍ عالٍ:
_ "جاية أهو يا ماما جاية "
+
خرجت للصالة ووقفت مستندة لباب غرفتها عاقدة يديها حول صدرها وقالت بضيق مزيف:
_ "بقى عاملة كل ده يا مجدة عشان ابنك الحيلة؟!"
+
رفعت السيدة حاجبها بنظرة تحذيرية وفضولية في نفس الوقت وتقدمت من ابنتها سائلة بتوجث:
_ " أموت وأعرف ايه اللي مزعلك من أخوكِ المرة دي؟؟، ولا شوفتك مجهزاله حاجة حلوة زي كل مرة ولا جايباله هدية زي العادة، ايه؟ مخبيين عليا ايه يا آخرة صبري؟ "
+
كانت تتحدث وتحرك يدها أمام عيني سلمى مما زاد من توترها فضحكت باصطناع وقالت ببساطة:
_ "أبدًا دا أخويا ده عيوني والنيني وربنا، ييجي بس وأنا أعمله كل اللي نفسه فيه"
+
استنشقت مجدة نفس عميق بطريقة غير مصدقة وقالت بقلة حيلة:
_ " لما نشوف يا ولاد بطني "
+
طرق لاهف على الباب جعلهما تشرعان لفتحه خاصة سلمى التي قالت بلهفة وحماس:
_" سيف وصل "
+
لكن زال حماسها بل وتهجمت ملامحها بعدما فتحت الباب مما جعلها تردف بحدة:
_" أفندم! مصبحانا بوشك ليه يا أبلة منة؟، خير يارب! "
+
لكزتها والدتها بتحذير وابتسمت في وجهة المدعوة منة الواقفة على الباب قائلة بحب:
_" تعالي يا منة يا حبيبتي وحشاني والله، كل ده ماتزوريناش؟"
+
نظرت منة لسلمى بإحراج ثم قالت بابتسامة هادئة:
_" معلش يا خالتي كنت بنزل تدريب صيفي ووقتي ضيق "
+
عادت سلمى تتحدث بشكل هجومي:
_ "طيب عقبال التوظيف يا بنت خالتي، كنتِ محتاجة حاجة؟! "
+
صاحت فيها مجدة بضيق:
_ " ادخلي شوفي الأكل اللي على النار، يلا بدل مابتزقي بالكلام كدة "
+
تأففت سلمى ودخلت تحدث نفسها بقهر وغيظ من رؤية تلك الفتاة خاصة وأخيها على وشك الوصول،
+
بينما ابتسمت مجدة بإحراج في وجه منة قائلة بترحيب:
_ " تعالي يا حبيبتي ادخلي، و الله انتِ بنت حلال، عاملة فطار يستاهل بوقك "
+
نظرت منة ببعض النظرات الغريبة وقالت بنبرة به تلاعب غير ملحوظ:
_ " أمي قالتلي انك بتنضفي النهاردة قولت آجي أساعدك أنا عارفة ان سلمى مشغولة بالكورسات ومجالها صعب "
+
رتبت مجدة بطيبة على كتف الفتاة قائلة بعفوية:
_ " فيكِ الخير والله، أصل سيف قال انه نازل أجازة النهاردة قومت بقى حضرت الأكل اللي بيحبه وروقت البيت كدة عشان قال جايب صاحبه معاه "
+
أردفت منة بلهفة ملحوظة:
_ " يعني هو جاي النهاردة أكيد؟ "
+
لم تبدي مجدة توترها من الموقف وقالت بتلقائية:
_ " ان شاء الله زمانه على وصول، أما أقوم أنشر الغسيل "
+
ابتسمت الأخرى بفرحة داخلية ووقفت قائلة:
_ " خليكِ يا خالتي أنا هنشره، مش في بلكونة أوضة سيف برضو؟ "
+
أومأت لها مجدة بلطف غافلة عن نظرات الخبث الخارجة من تلك الفتاة الغريبة
+
-----------------------
+
في شقة أخرى بنفس الحارة لكنها بسيطة إلى حد ما وصغيرة قليلًا بأثاث جديد الهيئة قديم الطراز،
+
خرج ذلك الرجل الستيني من غرفة نومه ببيجامة نومٍ أخذت أشكال قوس قزح من كثرة الرقعات المختلفة بها كأنما يرتديها بهلوان بسيرك، على كتفه منشفة مهترئة أظنه ورثها عن جده، في هيئة لا توحي بالفقر ( الفخر) بل بالبخل
+
اتجه للحمام الموجود بركن صغير بالشقة، وقبل الدخول سمع صوتًا عاليًا قادم من الغرفة الثانية ليتسرب الخوف لجوفه فابتلع ريقه وهز رأسه بعنف قائلًا:
_ " كبرت وخرفت يا سكر "
+
كاد يتجاهل الأمر ليصدح الصوت مرة أخرى فأردف محدثًا نفسه ببلاهة:
_ " لأ مفيش عفاريت بتشَخَر، منك لله يا فتحي يا موس، صوتك جايلي من التالت، والله لأرفع عليك قضية إزعاج سلطات"
+
ثم تراجع عن الفكرة قائلة:
_ " لأ قضية ايه!، محامي وفلوس؟؟ يفتح الله "
+
دخل المرحاض عدة دقائق وخرج، لتظهر بيده نوتة صغيرة وقلم وأخذ يدون قائلًا:
_ " كدة استهلكت ٤لتر ماية كمان، والصابونة خست النص ( ثم أغلقها قائلًا بعتاب) استهلاكك زاد يا سكر وهتدخل في مرحلة التبذير، أستغفر الله العظيم "
+
عاود الصوت يضرب بأذنيه ليزفر بغضب ويتجه للغرفة الثانية بسرعة ومنها للبلكون ووقف ينظر لأعلى يصيح بصوتٍ مرتفع:
_ " انت يافتحي زفت، اقفل المحطة ياخويا صرعتنا "
+
ردت زوجة فتحي من الطابق الثالث قائلة:
_ " جرى ايه ياعم سكر!، فتحي خرج من بدري محتاج حاجة؟ "
+
تعجبت ملامحه ونطق ببلاهة:
_ خرج؟؟، خرج و سايب صوته هنا؟ "
+
ظل يفكر بغباء ومازال الصوت يزعجه حتى وقعت عيناه على الفراش الموجود في الغرفة الواقف ببلكونها، ليفرك عينيه أملًا في تحسين الرؤية، وبالفعل ظهر معه جسدان ضخمان نائمان بصورة عكسية حيث قدم كلًّا منهما في وجه الآخر وهنا صرخ بكل ما أوتي من قوة:
_ " سرير المرحومة!!!!! شرفي!!! "
+
في لحظة كان الجسدان واقفان في ظهور بعضهما فوق الفراش متخذان وضعية الدفاع حيث أردف أحدهما:
_ " هما كام واحد؟ "
+
رد الآخر بجدية شديدة:
_ " مش شايف غير سخطة لابسة بدلة أرجوز "
+
صرخ سكر مرة أخرى ومازالت رؤيته مشوشة لعدم ارتدائه نظاراته:
_ " أنتم مين؟؟ دا أنا هروح فيكم في حديد، بتتجرأوا على حُرمة بيتي يا كلاب "
+
زفر أحدهما بضيق ونزل مقتربًا من سكر كاتمًا فمه بيده قائلًا بحنق:
_ " حد يصحي حد كدة يا سكر؟؟ "
+
تعجب راجح سائلًا بإستكار:
_ " سكر؟؟ هو ده خالك مدرس التاريخ؟؟ "
+
هز الآخر رأسه بتأكيد وقال بلامبالاة:
_ " اطلع هاتله النضارة من على الترابيزة اللي في الصالة"
+
خرج راجح يضرب كفًّا بكف بينما كان سكر يحاول الإفلات من يد الآخر حتى نجح بعدما تركه بمزاجه،
+
_ " آه يا حرامي سارق صوت سيف ابن أختي يا مجرم." قالها سكر بغضب وهو ممسك تلابيب قميص سيف الذي أبعده قائلًا بيأس:
+
_ " ما أنا زفت ياسكر، وكفاية فضايح بقى معايا ضيف "
+
ظل سكر على وضعيته وصاح بعدم اقتناع:
_ " حرامي وجاي بضيوفه كمان؟! آه يا بجح!، وسيف ابن أختي أصلًا في شغله "
+
شعر بأحد يضع النظارة على عينيه والذي لم يكن سوى راجح قائلًا بضجر:
_ " ياعم هو ابن أختك بقى ماتقرفناش، ماعرفناش ننام ساعتين"
+
نظر سكر لسيف لبرهة وسرعان ما احتضنه وصاح بفرح:
_ "سيف ابني حبيبي، قلبي حس بيك انك جاي ياغالي يا ابن الغالية "
+
رد سيف بسخرية:
_ " قلبك ايه اللي حس بيا يا سكر؟ وربنا ولا البنكرياس حتى، دا أنا كان ناقص أجيبلك شهود عشان تصدق إني سيف "
+
ابتعد عنه سكر بتأفف قائلًا:
_ " ما أنا اتفزعت لما لقيت شحطين نايمين على سرير المرحومة اللي لسة ريحيتها فيه "
+
همس راجح لسيف بتساؤل:
_ " مين المرحومة؟ "
+
نظر له سيف بإبتسامة غير مريحة جعلت راجح يوجِّه سؤاله لذلك الرجل الغريب بتوجث:
_ " المرحومة دي اللي هي مراتك يا حج صح؟ "
+
هز سكر رأسه بنفي وقال بأسى:
_ " كانت أغلى من مراتي، ماكانتش مجرد كلبة لأ، مشمشة كانت أكتر من كدة بكتير "
+
أغمض راجح عينيه ينفي ما سمعه ثم تمتم بدعاء:
_ " منك لله يا أبا على اللي بشوفه بسببك، آخرتها أنام مطرح كلبة واسمها مشمشة! "
+
أضاف سكر بهدوء:
_ " مااتفقناش بقى هتدفعوا كام في الليلة دي؟ "
+
ضحك سيف بتهكم يدَّعي مزاح سكر قائلًا:
_ " طول عمرك نِكَتي ياخالو يا سكر يا كريم يا مِضياف "
+
رتب سكر على صدره بإبتسامة شاكرة قائلًا:
_ " الله يخليك ياحبيب خالك، ماشي يا سيدي هعملكم خصم، حاضر، عايزين تدفعوا كام بقى؟ "
+
رمش سيف عدة مرات ثم أمسك بذراع راجح قائلًا:
_ " يلا يابني شكلي لغبطت في العنوان، هي عيلة تعرّ أصلًا "
+
---------------
+
مراهق لم يتخطى الخامسة عشر يرى احتراق المكان الذي نشأ في أحضانه حتى وان كان يمقته، يصم أذنه صراخ صغيرته الباكية بحرقة وصوتها المرتعب يردد اسمه بزعر تستغيث بملجأها التي لم تعرف سواه، دون ذرة تفكير واحدة اقتحم النيران بجسده الصغير وما كاد يتحرك خطوة أخرى حتى جذبته يدٌ قوية حالت بينه وبينها؛ لتجعله يَلِج في ظلام حالك السواد، أصبح أسلوب حياته فيما بعد،
+
أنفاسه متعالية بلهاثٍ مسموع، بينما تحركت حدقتيه أسفل جفونه قبل أن يفتح عينيه الخضراء الدامعة بإنسيابية بعد رؤية نفس الكابوس الذي يؤرقه منذ زمن، أخذ نفسًا عميقًا علَّه يضبط وتيرة طرقات قلبه، ليشعر بعدها بيدٍ ناعمة توضع على صدره العاري وصوت أنثوى رقيق يردد بالروسي:
+
_ " Доброе утро, мой дорогой." ( صباح الخير حبيبي )
+
أخذ نفسًا آخر ووقف متجهًا للمرحاض ثم أردف بجمود:
_ "наружу" ( للخارج )
+
دون كلمة إضافية سحبت ملابسها سريعًا وخرجت من الغرفة فمن لا يعرف صرامة أوامر "سنايبر"، بينما أتم هو روتينه الصباحي وخرج يُجفف شعره البني الفاتح بمنشفة صغيرة لتُمَد أمامه يدٍ أنثوية أخرى بكوب القهوة المحبب له في بداية يومه، وصوت ثابت يقول بالعربية:
_ " صباح الخير سنايبر "
+
أخذ منها الكوب قائلًا بهدوء :
_ " شكرًا ورد "
+
أمالت رأسها قليلًا وقالت بلهجة شبه مصرية كما يُحدثها عادة:
_ " اليوم عندك اجتماعين في الشركة، اجتماع الساعة عشرة مع الموظفين بخصوص عرض أفكار جديدة لإعلان العطور، والثاني اجتماع مغلق مع مستر (إيفان) الساعة اتنين، وفي الساعة أربعة موعدك مع مدام ( تتانيا ) الصفرا "
+
ابتسم بجانبية وأردف بنبرة شبه مرحة:
_ " عرفتي منين كلمة صفرا ؟ "
+
أجابت بتلقائية:
_ " منك، انت بتقول كدة دائمًا ...."
+
سريعًا وضع القهوة جانبًا والتقطها قبل أن تسقط ثم زفر بضيق وحملها واضعًا إياها على مصدر شحن الطاقة، لإعادة ملئ بطاريتها الداخلية، فهي مجرد انسان آلي لكن التعامل معها يروقه أكثر من تعامل البشر بمراحل،
+
في هذا الوقت صدح صوت هاتفه معلنًا عن بداية مكالمة مقيتة مع المدعو فلاديمير، ليغمض سنايبر عينيه ضاغطًا أسنانه ثم أجاب بالروسي:
_ " ماذا؟ "
+
وصله رد فلاديمير المختصر:
_ " لديك مهمة فجائية مختلفة تمامًا عن كل ما سبق "
+
ضحك بتهكم وقال بسخرية:
_ " لا تقل حان وقت الرئيس الآن "
+
أجاب الآخر بضيق التقطه عقل سنايبر:
_ " بل مهمة ستروق لك كثيرًا أيها المصري "
+
أُغلقت المكالمة فتأفف سنايبر زافرًا الهواء بغضب داخلي، لكن فجأة لمعت عينيه بتفكير عميق جعله يبتسم بخبث.
+
-----------------
+
بمجرد أن دخل الشقة احتضنته والدته بلهفة وحنان أدمع عينيها، بينما ابتسم هو مقبلًا رأسها، وراجح يتابع بإبتسامة باهتة فمن افتقر للحنان يتيم وإن كان له أب وأم،
+
مجدة:
_ " حمدا لله على سلامتك يا نور عيني، اتأخرت كدة ليه؟! "
+
انفرجت ملامح سيف قائلًا بمرح:
_ " جرى ايه يامجدة هو أنا جاي من العراق ماكانش شهر، و بعدين استنى أعرفك على صاحبي "
+
ابتعدت عنه ونظرت خلفه لذلك الشاب الأشقر لتقول بعفوية:
_ " الله! أوعى تقولي الحليوة الأشقر ده دكتور بهايم زيك؟ "
+
ضرب على جبهته قائلًا:
_ " ونعم الدعم يا جوجو، وربنا هبطلها على ايدك، ادخل يا أشقر"
+
حمحم راجح بإبتسامة هادئة وقال بلطف:
_ " ازي حضرتك يا أم سيف "
+
رتبت على كتفه وهي تأخذهما للداخل قائلًا:
_ " بخير ياحبيبي يسلم سؤالك، ألا ماقولتليش اسمك ايه؟ "
+
_ " راجح، راجح الهلالي، وصعيدي أبًّا عن جد على فكرة "
+
أظهرت تعجبها وسألت بعدم تصديق:
_ " طب قول أروبي أبًّا عن جد عشان أعرف أصدقك! "
+
ضحك بود وجلسوا سويًا، لتخرج سلمى بإسدال أسود وملامحها حماسية للقاء أخيها، الذي أخذ منها العصير واحتضنها قائلًا:
_ " ياواقعة سودة، هتفضلي تقصري لامتى يابت؟"
+
زالت ابتسامتها وغرست أسنانها في كتفه بشده جعله يتأوه بتوعد ثم ابتعدا عن بعضها، راسمين ابتسامة مصطنعة لينطق سيف بغيظ داخلي:
_ " دي الباشمهندسة سلمى أختى الصغيرة، جلكوز البيت، باقيلها سنة في حاسبات"
+
هز راجح رأسه بإبتسامة قائلًا:
_ " تشرفت "
+
ثم نظر لسيف بنظرة فهمها ليأخذه للمرحاض قائلًا:
_ " طب جهزولنا الفطار بقى يا ماما "
+
ردت مجدة وهي تسحب سلمى ناحية المطبخ بالجهة الأخرى:
_ " حاضر ياحبيبي دقايق ويجهز "
+
سيف بهدوء:
_" ادخل خد شاور على ما أجيبلك هدوم "
+
رد راجح بإحراج:
_ " مش كنا استنينا عند سكر "
+
فهم سيف مقصده فابتسم ضاربًا على كتفه بخفة:
_ " ياعم أهلي أهلك، خد راحتك واحنا هنفطر ونجهز الايجار ونروح لسكر "
+
ضحك راجح محركًا رأسه بقلة حيلة ودخل للمرحاض بينما اتجه سيف لغرفته ليقابل جزء اعتبره ماضي،
+
-------------------
+
بالمطبخ،
سلمى وهي تسكب الطعام بالأطباق:
_ " هي البت منة لحقت تمشي؟!، كانت جاية ليه أصلًا؟ "
+
سمعت شهقة أمها لتستدير لها بخضة فوجدتها واضعة يدها على فمها وقالت بتذكر:
_ " دي بتنشر الغسيل في أوضة أخوكي "
+
رفعت سلمى جانب فمها بصدمة:
_ " نعم!، طب وربنا لأجيبها من..."
+
أوقفتها أمها قائلة بصرامة:
_ " اتهدي يابت ماتفضحناش، هروح أشوفها وانتِ خلصي الأكل "
+
ظلت سلمى على ضيقها فأضافت مجدة بتحذير:
_ " اخلصي "
+
------------
+
دخل غرفته وهو يصفر بمزاج ويدندن بخفوت، فتح خزانة ملابسه، أخرج طقم لصديقه، وخلع التي_شيرت الخاص به يبدله بآخر، وما أن شرع في ارتداء الآخر حتى شعر بأصابع توضع على مكان معين بظهره، لتصدح بعدها صرخة أنثوية
_ " ااااه، ...دا أنا يا سيف "
+
تركها سيف بعدما كاد يكسر يدها ووقف يطالعها بصدمة استفاق منها سريعًا وارتدى ملابسه قائلة بتعجب:
_" منة!!... انتِ بتعملي ايه هنا؟! "
+
حركت يدها ببعض الألم تجاهلته وابتسمت بحب:
_ " وحشتني ياسيف "
+
ابتسم وسرعان ما ضحك بقوة أقلقتها فأردف بسخرية:
_ " قولي وربنا وحشتك!؟... وحشتك عقربة يا بيبي "
+
قالها بمرح ليتحول بعدها لوجهه الجامد مقتربًا منها بملامح على وشك الفتك بها ونطق بصوت أرجفها:
_ " انتِ بتعملي ايه هنا يابت؟! وايه دخلك أوضتي؟! "
+
هي لم تجرب الوجه الآخر لسيف فدائمًا ما عاملها معاملة المُحب المنتظر للحلال حتى طلبه وأبت هي، أما الآن فدعيني أعرض لكِ بعضًا من أساليب {ڤامبَيَر}.
+
نطقت بأنفاس ثقيلة متوترة:
_ " أنا كنت بنشر الغسيل بدل خالتي و... "
+
_ " وكنت عارفة إني جاي." هكذا أكمل عنها بأعين ماكرة جعلتها تتخلى عن ذلك الوجه الملائكي وتتشدق بلؤم:
+
_ " الحق عليا إني عايزة أشوفك! "
+
عض شفته السفلي ونظر له بأعين مشتعلة:
_ " انتِ بتلفي وتدوري على ايه بالظبط، ما تيجي دوغري يا بت عزة "
+
نظرت له بوله وقالت بخفوت:
_ " طب سيبك من كل ده، ممكن أعرف ايه العلامات اللي في ضهرك دي؟ "
+
لو ظنت أنها بنبرتها تلك ستجعله يميل لها فهي حقًا تجهله، اقترب من أذنها وقال بسخرية:
_ " يهمك في حاجة؟!، متشكرين على الغسيل يامنمون، غسيلكم أولى بيكِ ياختي بطلي تلزيق بقى ماعدش ينفع"
+
ابتلعت غصتها ونظرت داخل عينيه بمشاعر يشوبها الحزن:
_ " ياسيف افهمني بقى كام مرة هقولك مش بإيدي!، صدقني يا سيف أنا بحبك وانت عارف كدة، وأنا كمان متأكدة انك لسة بتحبني "
+
وقبل أن يُفحمها بالرد دخلت والدته التي لاحظت الجو المشحون بينهما فقالت بإبتسامة مزيفة:
_ " سلمتوا على بعض!، معلش يا منة نسيتك خالص، تعالي تعالي ساعدينا في الأكل "
+
تحركت منة نحو خالتها وهي ترمي سيف بنظرات غير مفهومه قابلها هو بملامح جامدة.
+
وما أنا خرجتا حتى ضرب الخزانة بقبضته قائلًا:
_ " لو أعرف اللي في دماغك يا بت ال... أستغفر الله العظيم "
+
---------------
+
بعد فترة كان يأكل مع صديقه في غرفته حتى يأخذ راجح راحته،
+
راجح بنظرات متفحصة:
_ " مش فاهمك برضو، انت ايه مشاعرك يعني؟"
+
رد سيف بحنق وهو يعنف الطعام تحت أسنانه:
_ " متغاظ "
+
ضحك راجح بشدة أتبعه سيف بضحكات صافية ليُطرق الباب سريعًا وتدخل مجدة قائلة بلهفة:
_ " إلحق إلحق ياسيف يابني فيروز بتولد "
+
ابتلع سيف ريقه ونظر بإبتسامة بلهاء بينما رفع راجح حاجبه وهز رأسه بتساؤل فغمز له سيف غمزة أقلقته.
+
بعد دقائق كانا الإثنان في الشارع وتقدما من العمارة المجاورة وقبل أن يدخل سيف من البوابة أوقفه راجح الذي يحاول فهم ما يحدث قائلًا:
_ " جرى ايه ياسيف ما تفهمني فيه ايه؟؟ وحاجات ايه اللي هيشتروهالك من الصيدلية؟! "
+
رد سيف بملامح يحاول جعلها عملية:
_ " فيه ايه يا راجح مش وقت أسألة يا دكتور، نولد فيروز الأول وبعدين ابقى اسأل "
+
بهتت ملامح راجح وسأل بصدمة: " فيروز مين اللي نولدها؟؟ "
+
أشار له سيف بعينيه ليتحكم في كلماته ثم قال بجدية:
_ "هاتي ماية سخنة ياأم سعيد، حصلني يا دكتور راجح "
+
تقدمت منهما أم سعيد ومعها بعض الأدوات الطبية قائلة بإستعجال:
_ " خدوا يا خويا الحاجات اللي طلبتها أهي، على ما أجيب الماية "
+
أخذ منها سيف القفازات الطبية وارتداها ودخل للمكان بينما دلف راجح خلفه بعقل غائب كأنه في حلم سخيف أو ما شابه،
+
اكتمل سخافة المشهد برؤية تلك الواقفة أسفل سلم العمارة تخرج أصوات متعسرة بينما صديقه يفحصها بعملية كبيرة فتمتم راجح بصدمة أكبر: " هي دي فيروز؟؟.... مِعزة؟؟ "
+
رد سيف بسخرية:
_ " دكتور بيطري هولد ايه يعني؟ "
+
ضحك راجح بذهول وتمتم بحسرة:
_ " ياشماتة رأفت الهجان فينا!! "
+
رفع سيف حاجبه بضجر قائلًا بأمر:
_ " يلا يا دكتور ايدك معايا "
+
لطم الآخر خديه بخفة وأردف بإستسلام:
_ " ايدي ايه ياخويا!!! لا دا أنا هروح أسلم نفسي لعيلة وهدان وأخلص"
+
--------------
+
نزل الدرج بكامل أناقته وطلته الرجولية التي تجذب الأنظار نحوه بمجرد الدلوف للمكان، ابتسمت شفتيه فقط بجانبية وهو يرى ذلك الشاب الجالس على مائدة الفطور بينما تقف جواره فتاة شقراء تتسامر معه بحركات مقيتة
+
جلس سنايبر على رأس المائدة ونطق بالروسية:
_ " مرحبًا دانييل، ماذا؟ اشتقتني فأتيت لرؤيتي من الصباح الباكر؟! "
+
قالها سنايبر بسخرية متجاهلًا نظرات الفتاة المقززة نحوه فرد المدعو دانييل قائلًا بنبرته الغير مريحة مدعيًا المرح:
_ " اممم أبي أمر بإحضارك قبل ذهابك للشركة لذا أتيت لأرافقك يا أخي "
+
اتسعت ابتسامة سنايبر التي تُخفي بكاء طفلٍ حُرِم الطعام لأيام فقط بسبب أكاذيب وافتراءات ذلك القابع أمامه، فقال بعدم تقبل:
_ " للأسف ليس بيننا أُخوة عزيزي "
+
رد الآخر بإستفزاز:
_ " جيد أنك تتذكر أصلك، مجرد لقيط عطف أبي عليه ورباه حتى أصبح على ما عليه الآن "
+
ضحك سنايبر وهو يمدغ الطعام ببرود:
_ " نسيت أهم نقطة دانييل، وهي أن فلاديمير أصبح يفضلني عليك أيضًا، وجودي عنده أهم من وجودك بكثير أيها العاهر "
+
ضرب دانييل الطاولة بعنف ونظر للفتاة لتنصرف للسيارة، لكن قبل أن تُنفذ غمز لها سنايبر فابتسمت برخصٍ، وصعدت الدرج غير عابئة بالآخر المحملق في أثرها بصدمة.
+
هز سنايبر رأسه قائلًا بشفقة مزيفة:
_ " حتى العاهرة خاصتك تخلت عنك مقابل نظرة، هيا يا صغير عُد لوالدك وأخبره أنني سألاقيه الليلة، الآن وقت عملي "
+
وقف دانييل وصاح بغضب وحقد:
_ " أعدك سيأتي اليوم الذي تُكسر فيه أنفك وهذا تحت قدمي سنايبر "
+
كاد سنايبر يرميه بجملة أخرى تقتله واقفًا، لكن قاطعه وصول تلك الرسالة المشفرة على هيئة إعلان مزعج فوق شاشة هاتفه، رفع الهاتف بلامبالاة وقرأ الرسالة الخاصة التي لا تأتي دون موعد إلا وهناك كارثة، بعدما فهم مغزاها، أغلق الهاتف بكل برود وثبات أعصاب حتى لايُثير شكوك الغبي أمامه ويراقبه بتمعن،
+
ابتسم بهدوء شديد عكس اللون الأحمر الذي غطى بشرة وجهه فحمحم قائلًا بصوت جاهد جهاد من نار أن يخرج طبيعيًا عبثيًا:
_ " اعذرني دانييل فالفتاة تنتظر بالأعلى "
+
كادت نظرات دانييل تقتله لكنه صعد الدرج بكل ثبات مستفز، مما جعل الآخر يخرج بغضب جحيمي متوعد له ولتلك العاهرة،
+
أما سنايبر ما أن أصبح مخفي في طرقة جانبية حتى ركض كالمجنون ودخل غرفة الرياضة كاتمة الصوت، أغلق الباب وأنفاسه تتسارع كأمواج البحر وقت العاصفة القوية، ثم فتح خزنة سرية في أحد جدران الغرفة وأخرج هاتف مؤمَّن، تحركت أصابعه طالبة رقم مجهول ثم رفع الهاتف على أذنه وسأل برعب:
_ " ايه الجنان ده، انطق "
+
وما أن سمع رد الجهة الأخرى حتى صرخ بعنف:
_" يبقى تتأكد!!!! تتأكد حالًا....بسرعة... "
+
أغلق الهاتف ومازالت أنفاسه مسلوبة وبكل عنف شقَّ قميصه نصفين من احساسه الصعب بالضيق، بعدها بدأ يرتجف لتتحرر دموعه تقبل الأرض كأنما ترجو نفي الأحداث، لحظات صعبة يعيشها قلبه وينفيها عقله الذي كاد يتوقف،
+
أخيرًا انتشله هاتفه مرة أخرى فرد بلهفة لينطق الطرف الآخر كلمات كانت بردًا وسلامًا على قلبه:
_" سوء تفاهم يا باشا اطمن "
+
أغلق الهاتف وأغلق عينيه مستسلمًا لبكاء عنيف كمَيِّت كُتب له عمرًا جديدًا، يبكي بصوتٍ عالٍ وكل خلايا جسده ترتعش بشدة فاحتضن نفسه وسلم جثمانه للأرض ومن ثمَّ للظلام، غير عابئ بأشغاله بل بالحياة كلها.
+
-------------
+
يغسل يده بقوة بينما أسنانه تحتك ببعضها بضجر يكاد يفتك بصديقه الواقف يتناول الشاي جواره ببرود قائلًا:
_ " ما تبطل أڤورة ياعم راجح اللي يشوفك يقول كنا بنسلك مجاري "
+
رد راجح بغضب:
_ " ممكن تسكت وتسيبني في حالي، قال فيروز قال!! "
+
ضحك سيف بشدة وسحب راجح ليجلسا سويًا على أريكة أسفل شرفة مطلة على الشارع:
_ " اشرب الشاي بتاعك بقى عشان ننزل نوجب مع ذكي في تجهيزات شبكته الليلة دي "
+
سأل راجح بسخرية:
_ " وياترى ذكي ده نوعه ايه؟! "
+
غمز له سيف بمرح قائلًا:
_ " ابن عم فيروز "
+
ضحك راجح بقلة حيلة من كل ما رآه في حارة صديقه ذلك الڤامبَيَر صاحب المهام الصعبة، فلأول مرة يرى الجزء التافه من حياته،
+
_ " عمو سيف عمو سيف " صاحت بها طفلة صغيرة دخلت بسرعة كبيرة ومدت يدها أمامه بجواب ورقي جعله يرفع جانب شفتيه بملامح حانقة لم تختلف عن ملامح راجح الذي قال بغموض:
_" ماتقوليش مهمة جديدة، بجد بقى هسلم نفسي لعيلة وهدان "
+
التقط سيف الجواب ورتب على ظهر الطفلة طلبًا منها الخروج للعب، ثم دخل مع راجح لغرفته وأغلق الباب ممزقًا الجواب وأخرج ورقة صغيرة وعلى ملامحه ابتسامة مهمومة:
_ " شكلها ما فيهاش أجازة يا...."
+
فجأة صمت، صمت بشكل يُشكك أنه سيعود يتكلم مرة أخرى، بل غامت عينيه بدموع تكذيبية، وجسده أخذ وضع السكون، ارتخت ملامح راجح برعب من رؤية رد فعل سيف فجذب الورقة من يده بسرعة، يطالعه لعدة ثوانٍ قبل أن يبتسم ثغره بسمة باكية وسأل هاززًا رأسه برفض قاطع ظهر به طبعه العصبي:
_ " بطل مقالب ياسيف، ده خطك صح؟؟... ايوة انتِ اللي بتحب شغل الجوابات المشفرة؟!... بالله عليك قولي ده هزارك البارد، طب .. طب... بكر،... يمكن مقلب من بكر... وربنا ما هرحمه "
+
ظل سيف في واقع صدمته ليهزه راجح بعنف ليستجيب بكلمات بسيطة، كلمات ستبدل كيانه كاملًا:
_ " شريف استُشهِد، كان فخ، أنا اللي كنت مقصود "
+
صُحبة منذ أن وطئت أقدامهم في هذا الطريق متعاهدين على خدمة الوطن والفتك بأعدائه، ولكن الآن حان وقت ظهور الوجه البشع لنفس الطريق، فهاهم يتمررون بطعم الفقدان، فماذا سيكون شكل الانتقام!!!
+
-----------------
يتبع..
+
رأيكم في البارت؟؟
+
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان الله🕊
+
