اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثاني 2 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثاني 2 بقلم آية الطري


٢- بداية مهمات خاصة
                                        

                                              
أهدي سلامًا طأطأت حروفه رؤوسها خجلًا وتحيةً تملؤها المحبة والإفتخار بكل شهيدٍ قدم روحه ليحيا الوطن.🕊

+


اللهم صلي وسلم وبارك على حبيبنا محمد 🕊

+


--------------------

+


في غرفة شاسعة بفخامة تليق بقصر السفير الروسي السابق وألمع رجال الأعمال حاليًا، تحركت في نومها ببطء، تتألم من صداع حاد ضرب رأسها فجأة، مما جعلها تتأوه وهي تفتح عينيها الزرقاء بإرهاق، احتاجت بضع ثوانٍ حتى تستوعب وجود ذلك الرجل الخمسيني بملامحه الصارمة جالسًا في مقابلها، يراقبها بعيون غاضبة، ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما هو يكتفي بنبرة حادة مغلفة بالسخرية بلهجة مصرية غير متقنة:

+


_ "صباح الخير مسك هانم، أتمنى يكون النوم في البيت مريح أكتر من النايت كلَب"

+


أخذت نفسًا عميقًا لتجمع شتات أفكارها وتحاول تذكر ما حدث، لكن الغموض كان يحيط بآخر ساعات ليلتها، تمالكت نفسها، وتكلمت بصوت ضعيف:

+


_ "إيه اللي حصل؟ إزاي جيت هنا؟"

+


نهض واقفًا، مشدود الجسم، ووجهه يفيض غضبًا مكبوتًا، وتقدم خطوة نحوها قائلاً بلهجة تحذيرية:

+


_ "المرة الجاية هسفرك روسيا لوحدك مسك، أنا زهقت من تهورك"

+


نظرت إليه بعينين باهتتين، محاولة أن تجد في ذاكرتها ما يُبرر موقفها:

+


_ " بابي، صدقني... أنا مش فاكرة حاجة، كنت مع صحابي في вечеринка на день рождения لارا، ومش عارفة إيه اللي حصل بعد كده "

+


ابتسم بسخرية لاذعة وهو يرمقها بنظرة مفعمة بالاستنكار:
_ "اسألي صاحبة العيد ميلاد يمكن تكون فاكرة! "

+


ثم أكمل بجحود غير عابئ بقسوة كلماته: 
_ " انتِ نقطة ضعف في حياتي، لو هربتي من الحرس مرة تانية أوعدك هسفرك ومش هتشوفي أصحابك تاني " 

+


أدار ظهره وخرج من الغرفة، تاركًا إياها مضطربة بين مشاعر الحيرة والحزن، وضعت يدها على رأسها، محاولة تهدئة الصداع الذي زاد مع توترها، ثم مدت يدها لتلتقط سيجارة من علبة "مارلبورو" الفاخرة، أشعلت واحدة، غير مكترثة بتأثيراتها السلبية، فصحتها بل حياتها بأكملها، تأتي في آخر قائمة أولوياتها.

+


ارتفع صوت هاتفها معلنًا عن مكالمة من أحد أصدقائها
_ " روحي، قلقان عليك من امبارح، انتِ كويسة؟؟ "

+


هزت رأسها بضياع قائلة: 
_ " مالك، ازاي بابي وصل لمكانا؟، وازاي كترت في الشرب أوي كدة؟! أنا مش فاكرة حاجة "

+


ضحك الآخر قائلًا بنبرة عبثية:
_ " نتقابل وأحكيلك، هتخرجي امتى؟ "

+


ابتسمت بتهكم:
_ " لما سعادة السفير يجيله مزاج يسيبلي شوية مساحة "

+



                                      


                
همهم ثم قال ببساطة:
_ " خلاص نسهر عندكم في القصر الليلة دي ايه رأيك؟ "

+


اتسعت ابتسامتها وقالت بحماس:
_ " عجبتني الفكر.. -- صمتت فجأة وتراجعت قائلة -- طب نأجلها يومين يكون بابي سافر للشغل زي ما قال وهيقعد كام يوم، هناخد راحتنا أكتر، كلم باقي الشلة ونتفق ممكن نعمل party بمناسبة بداية مشروعي كمان" 

+


رد الآخر بنبرة متحمسة أيضًا: 
_ " حلو ده، اشطا سيبي البارتي عليا __ثم تغيرت نبرته للغزل__ هتوحشيني لحد ما أشوفك، have a nice time"

+


صمتت ببعض الخجل وأغلقت المكالمة وعلى وجهها شبح ابتسامة فهي لا تنكر مشاعرها اتجاه ذلك المدعو مالك، لكن ما ارتبط الحب يومًا بالأذى، وهي غارقة بكل ماهو مؤذي مع ما يسمون صُحبتها المقربة،

+


سحبت نفسًا آخر من السيجار لتقع حدقتيها على صورة والدتها الموضوع أمام فراشها مباشرة، لتبتلع ريقها بحزن وتطفئ ما بيدها بأسى وخجل مغمضة عينيها بقوة لتضغط على دمعاتها المحبوسة فتتحرر،..
------------

+


دخلوا ثلاثتهم بخطوات مترددة، واهية، بأقدام هلامية، في زيّ أطباء وعلى وجوههم أقنعة طبية، لإخفاء هويتهم فالبتأكيد المشفى محاطة بالجواسيس في محاولة لمعرفة إلى أي هيئة ينتمى ذلك الڤامبَيَر الراقد الآن في ثلاجة الموتى كما اعتقدوا،

+


دخلوا ذلك القبر المؤقت المسمى مشرحة، ليزيل كلا منهم قناعه، وكأنهم أزالوا آخر ذرة صبر وقوة داخلهم، ليقف بكر يرتجف بعنف يهز رأسه يرفض التقدم بل يرفض الواقع كله، أي واقع هذا ليتقبله!!، كيف يتقبل موت صديق عمره وهو الذي كان يتضاحك معهم منذ ساعات؟!، كيف يرى جثمانه المليء بالدماء ورائحة الغدر تفوح من حوله لتخُط اسم شهيد جديد اختُطِف قُبيل زواجه بأيام، 

+


أما راجح فتعالت أنفاسه كأنه يحارب دموعه وهو مُوشك على توديع صديقه البطل، ولِمَ لم يكن بطل وهو الذي صمد أمام وحوشٍ آبيًا إفشاء أسرار فريقه، ليمت بدلًا من رفيقه

+


ذلك الرفيق الصامت بصمود غريب، مشاعر متضاربة تكاد تفتك به، نعم يموت حولهم العشرات كل يوم في حرب الخير والشر المستمرة، لكن فقدان أخ كشريف بالنسبة له صفعة اشتد ألمها مع شعوره بالذنب، ذلك الذنب الذي سيؤرقه والتار الذي سيكون هدف أولي بحياته القادمة،

+


حمحم الطبيب الواقف أمامهم وقال بعملية: 
_" البقاء لله "

+


أنهى كلامه وسحب أحد الأدراج ليسقط بكر منهارًا في بكاء أعنف، بينما توالت دموع راجح واقترب من جثمان صديقه وصوت شهقاته مسموع بإختناق، أما سيف فأغمض عينيه مع تسارع أنفاسه الحارقة، فخرج الطبيب تاركًا اياهم لينفسوا عن مشاعرهم 

+


بدأت تتوالى حروف متقطعة على لسان راجح الباكي قائلًا:
_ " مش كنا متفقين نروح سوا،... طول عمرك سابق ياشريف... أول مرة أزعل انك سبقت يا أحن أخ في الدنيا..."

+



        

          

                
علَى صوت بكائه محتضنًا رأس صديقه الممدد لا حول له ولا قوة تتسارع ذكريات الماضي أمام عينيه ليزداد اختناقه وأزيز حاد بصدره...

+


تقدم سيف منهما بوهن كمِشية عجوز فقد عصاة الساندة، نظر له راجع نظرات منكسرة ومن ثم ترك جثمان صديقهم، واقترب من بكر المنكمش على نفسه أرضًا يرتجف جسده كله يعلن فشل زريع لكافة تمرينات ضبط النفس ويرفع راية الضعف، ضعف أخٍ كُسر ظهره للتو، وليس مجرد ضابط سري فقد أحد زملائه في فخٍ دنيء..

+


_" شريف مات يا راجح، العريس مات قبل ما يفرح، سرقوا فرحته وفرحتنا " 
كانت كلمات باكية على لسان بكر لتصفع سيف صفعة مؤلمة، بينما زادت من بكاء راجح الذي أخذ يهدأ رفيقه....

+


مرر سيف يده على الدماء المتجمدة على وجه شريف، لتسيل دموع الحزن والطرح الساكن قلبه الآن:

+


_ " خلفت بوعدك على فكرة،... انت قولتلي هتصلح العربية،... بس رجعت في كلامك... 

+


ضمه أكثر بعجز ووجع وكل مشاعر القهر التي يحملها قلبه في مثل هذا الإختبار الصعب وأكمل بنبرة خارجة من أعماقه:
_" عارف انه غصب عنك.... خدوك مننا غدر... خلاص يا صاحبي مش هتشوف غدر تاني... احجزلي جنبك يا عريس.... كان نفسي أحضر فرحك بس مكانه اتغير وأهله اتغيروا وهتتزف من غير ما نكون معاك، كان المفروض أنا اللي مكانك وانت تفرح بعروستك وسط أهلك، حقك عليا، ياريتني ما سلمتهالك يا شريف ياريتني...."

+


صمت وانتحب في البكاء رافعًا نظره لأعلى مستغفرًا بوجع ورجفة شديدة سرت داخل أوصاله...

+


شعر بيدٍ توضع على كتفه فإستدار بضياع ليجد اللواء شاكر أمامه بملامح حزينة ونطق بنبرة ثقيلة قائلًا:
_ " شد حيلك ياسيف، مات بطل، وواجبكم تجيبوا حقه وواثق انكم هتجيبوه "

+


حرك سيف حدقتيه الدامعة بضياع أكبر ثم سكن قليلًا وأغمض جفونه معلنًا عن بدء العد التنازلي.

+


----------------- 

+


في صباح يوم مشمس، وتحديدًا داخل إحدى أكبر شركات السياحة التابعة لرجل الأعمال "كمال الصيفي"، دخل رجل ذو هيبة ووجه جامد يحمل في عينيه بريق دهاء، إنه رجل الأعمال الشهير "سلمان منصور"، السفير الروسي السابق لكنه قام بتغيير هويته، خلفه يسير فريق الحراسة الخاص به، من أمهر فرق الحماية، فهم مسئولون عن حماية رجل لديه العديد من الأعداء.

+


بعد استقبال رسمي من موظفي الشركة، وصل سلمان أخيرًا إلى مكتب "كمال الصيفي" الذي كان واقفًا بابتسامة مرحبة، ودخلا المكتب معًا.

+


كمال بضحكة منتصرة: 
_ " دي زيارة احتفالية ولا ايه؟ " 

+


ضحك الآخر بنفس الطريقة مردفًا برضا:
_ " عايز أقولك شابو يا كمال باشا، سنتين كاملين وَقع فيهم ستة من شراكائنا بسبب الشخص المجهول اللي بيسموه 'ڤامبَيَر' اللي لحد دلوقتي مش عارفين هو تابع لمنظمة ايه، انت بقى بحركة واحدة قضيت على اسمه وريحتنا كلنا، بجد مبهور بيك"

+



        
          

                
رفع كمال نظره له بينما يسكب كأسين من المشروب، ثم قدم واحدًا لسلمان قائلًا بدهاء:
_ " دي حاجة بسيطة من اللي بيحصل لأعدائي لما يحبوا يلاعبوني، بس تصدق اتفاجئت انه عيل لسة ٢٨ سنة لو كنت أعرف كنت جبته على حجري، والسلاح اللي يئذيك يا جماله لو بقى بين ايديك "

+


أومأ له الآخر بنظرات اعجاب بطريقة تفكيره ثم وضع الكأس قائلًا بجدية:
_ " سمعت انه كان شغال ميكانيكي يعني صعب نحدد دايرة معارفه، بس ضروري جدًا نوصل للي ورا الواد ده احنا لسة ماضمناش خطرهم "

+


اتجه كمال نحو خزنة جانبية وقام بفتحها مخرجًا ملف مقدمًا اياه لذلك الجالس أمامه
_ " ده كل المعلومات اللي قدرنا نجمعها عنه من يوم ما اتولد لحد دلوقتي، وعندنا ناس مرابطة من امبارح في المستشفى، وفي الجنازة حوالين أهله، ساعات قليلة وهنعرف هو تبع مين بالظبط"

+


تنهد سلمان وهو يتجاوز الحديث عن الموضوع، ثم قال:

+


_"تمام، على العموم، بكرة فيه اجتماع طارئ لكل أعضاء المنظمة، وأنا لازم أسافر، لكن..."

+


تردد للحظة قبل أن ينظر لكمال قائلًا:
_"بصراحة، قلقان على مسك بقت متهورة بشكل مش طبيعي، وقررت أسفرها روسيا علشان أقدر أحميها."

+


كمال بابتسامة مطمئنة:
_" مالوش داعي قلقك ده، بنتك تقدر تكون في أمان هنا"

+


نفى الآخر بحدة ضعيفة:
_ " أمان ازاي يا كمال والزفت اللي اسمه عارف الديب موجود!، و مش هو بس فيه غيره كتير على أتم الاستعداد يلووا دراعي ببنتي "

+


ضيق كمال عينيه ثم ابتسم بهدوء قائلًا:
_ " ايه رأيك في حارس شخصي "

+


نظر له سلمان بغرابة ثم ضحك بسخرية:
_ " أومال جيش البودي جاردات ده بيعمل ايه؟ "

+


هز الآخر رأسه وجلس مقابل سلمان قائلًا:
_ " ما هي بتهرب منهم كتير زي ما بتقول، برأيي لازمها حارس شخصي معاها ٢٤ ساعة، أنا أعرف شركة حراسات خاصة تابعة لرشيد المصري وده معرفة قديمة، بس عنده التدريبات على مستوى عالي قوي، ممكن أوصيه يبعت واحد وجربه"

+


استاء الآخر من الفكرة لأنه يعلم جيدًا بعناد ابنته لكنه قال ببعض الاقتناع:
_ " ماشي، خليه يبعتهولي على الڤيلا أشوفه وأفهمه شغله "

+


--------------------

+


جالس في غرفته بسكينة خارجية منافية للحرب المشتعلة داخله، دخلت بكوب عصير وابتسامة هادئة تقول ببعض المرح:
_ " عملتلك برتقان فريش، عِد الجمايل، أراهن لو فيه أخت في مصر بتعامل أخوها زي ما بعاملك يا سيفو"

+


لم يحدث أي تغيير فهو تقريبًا ليس بعالمنا ليتفاعل معها، وضعت العصير جانبًا وجلست جواره قائلة ببعض الحزن:
_ " هتفضل كدة كتير؟!... أنا عارفة ان حالتك دي سببها احساسك بالذنب، بس انت تعرف منين أن فيه جهاز تتبع في الفلاشة وكل ده فخ "

+



        
          

                
أغمض عينيه بقوة كأنه يطرد الفكرة من رأسه ثم فتحمها ونظر بضياع قائلًا:
_ " كان المفروض أكون مكانه، دموع أمه واخواته وعروسته في الجنازة كانت سكاكين بتنحر فيا، اللي حصل كان تقصير وغباء واستخفاف مني، اللوا شاكر كان معاه حق، ماكانش ينفع أقود فريق "

+


نفت برأسها ونطقت بتحفيز:
_" ده كان رأي اللوا قبل نجاحك في كل المهمات اللي فاتت، انت عملت لنفسك اسم الكل بيخاف منه في أقل من سنتين، نسيت انت خلصت البلد من كام رجل فاسد بينهب فيها؟، اللي حصل مع صاحبك قضاء وقدر يا سيف، حرام اللي انت عامله في روحك ده "

+


صمتت فجأة و تحركت عيناها مع سهم صغير طار من بين أصابع أخيها؛ ليخترق إحدى الصور على الحائط لتقعد حاجبيها بتعجب قائلة:
_ " مين ده؟ "

+


لمعت عيناه بشرر مهيب وتحركت شفتيه بوعيد:
_ " كمال الصيفي، الدور عليه بس مش زي أي واحد قبله، ده بقى بينا دم صاحبي "

+


ضرب الاسم بعقلها مما جعلها في حالة ذهول وقالت بعدم تصديق:
_ " كمال الصيفي صاحب شركات السياحة؟ "

+


أومأ لها بتأكيد فصمتت بخوف شديد لاحظه سيف جيدًا فسأل بجدية:
_ " مالك يا سلمى؟! مخبية عني حاجة؟ "

+


هزت رأسها بنفي ثم نطقت مغيرة الموضوع بغباء جعله يتأكد من وجود خطب ما:
_ " طب ايه بقى ياسيف مش هتوافق؟"

+


تنفس بقوة وقال برفض قاطع ونبرة رخيمة يشوبها التحذير: 
_ " سلمى، مش معنى انك عرفتي حقيقة شغلي، اني أوافق أدخلك فيه، الموضوع مش بالسهولة دي "

+


ردت برجاء وثقة: 
_ " ياسيف انت عارف اني ممكن أكون إضافة قوية جدًا وعارف أنا شاطرة ازاي في شغلي، يا سيدي دربني انتِ على كل أساليبكم الخاصة و... "

+


لم يستمع لباقي حديثها ووقف ساحبًا مفاتيح سيارته وخرج كتعبير صريح عن رفضه التام، تأففت الأخرى بضيق، فهي علمت بعمل أخيها في الاستخبارات على محض الصدفة عندما استطاعت ذات مرة فك أحد شفرات الرسائل الواردة له ومنذ ذلك الحين تلح عليه اقحامها في العمل معه بحكم قدراتها المميزة في التعامل مع أنظمة الأمان والاختراق،

+


فك تهجم وجهها صوت رنين هاتفها لتنظر لصاحب المكالمة بتوتر ثم تنظر لصورة المدعو كمال الصيفي على الحائط لتظهر الحيرة على ملامحها هامسة:
_ " وبعدين بقى في المصيبة دي كمان!! "

+


أما بالخارج كان سيف يركب سيارته وهاتفه على أذنه ثم قال بإستغراب :
_ " آه أنا أعرف ان عنده ابن، بس أول مرة أعرف ان ليه بنت أخ عايشة معاه، مش بيجيب سيرتها في لقاءاته خالص، انت متأكد من المعلومات دي يا فارس؟!"

+


رد المدعو فارس من الجهة الأخرى قائلًا:
_ " يا سيف دا أنا دافع دم قلبي على ما عرفت الحكاية دي من واحد من الحرس المقربين لكمال الصيفي، بس ماقدرتش أوصل لصورة ليها حتى الحرس مايعرفوش شكلها  "

+



        
          

                
،رد سيف بجدية: .
_" تمام كمل في شغلك ووصلني المعلومات أول بأول، بس ركز على البنت عايز أعرف سكتها ايه؟"

+


حمحم فارس وتساءل:
_ " طب مش المفروض اللوا شاكر يكون على علم بالشغل ده؟ "

+


رد سيف بنفي:
_ " لأ، معلش خليه بينا أنا معتبره مشكلة شخصية، سلام "

+


--------------------

+


بِطَلة مهيبة دخل ذلك المكان السري الخاص بجهاز الاستخبارات، يمشي بثقة رغم أعينه الذابلة فما مر سوى يومان على فراق رفيقه،

+


دخل مكتب اللواء شاكر ليقف يرحب به قائلًا بإبتسامة أبوية:
_ " تعالى يا راجح، أخبارك ايه النهاردة؟ "

+


أومأ راجح بهدوء وجلس على الكرسي وهو يقول بعملية:
_ " الحمد لله عايش "

+


طأطأ اللواء جفونه قليلًا ثم قال بهدوء: 
_ " عارف انكم مازلتوا مصدومين وكلنا فعلًا في وضع مش أحسن حاجة، شريف كان ابن وأخ لكل فرد في الجهاز، ربنا يرحمه ويلحقنا بيه"

+


حمحم راجح قليلًا كابتًا تأثره وغصة البكاء التي لاحقته، ثم نطق بجدية واستعداد:
_ " رشيد باشا أخو سعادتك قالي أني مطلوب في مهمة جديدة ليها علاقة بشغلنا مش مجرد شغلي الخاص كفرد أمن "

+


أومأ شاكر مؤكدًا، وأشار لشاب جالس على جهاز كومبيوتر فبدأ الشاب بعرض ملف ما،

+


وبدأ شاكر يشير نحو الصورة المعروضة على الحائط ويشرح بعملية: 
_ " اللي قدامك دي تبقى 'مسك سلمان منصور' أو بمعنى أصح بنت السفير الروسي السابق 'أندريه فيدوروف' قبل ما يدخل الدين الإسلامي ويغير اسمه"

+


تعلقت أعين راجح بصورة الفتاة وعقله يفكر بجدية شديدة ليردف سائلًا:
_ " سلمان منصور شريك كمال الصيفي في شركة البحث والتنقيب عن الأثار اللي أصلًا شركة وهمية تحت غطاء قانوني! "

+


ابتسم له شاكر وتنهد قائلًا:
_ " للأسف كلامك صحيح، سلمان محتاج حارس شخصي مايفارقش بنته خصوصًا أنه مسافر روسيا فترة وعايز يطمن عليها، يعني الفرصة جايلنا على طبق من دهب، وأنت وشطارتك يا حضرة الظابط "

+


وقف راجح ساحبًا الفلاشة من الشاب ووضعها في جيبه قائلًا بأعين مرعبة:
_ " الشغل هيبدأ من امتى؟ "

+


---------------------- 

+


بروسيا تحديدًا بمقر زعيم المافيا الأشهر " دميتري ألكسيفيتش "

+


رجل ستيني بسمات شبابية إلى حدٍ ما نظرًا لإهتمامه بصحته، كان جالسًا في حديقة قصره المحاط بعدد لا نهائي من الحراس الملازم له كظله، يقف جواره شاب ثلاثيني بملامح أوروبية جامدة والذي لم يكن سوى ابنه الأكبر " أليكسي " ، بينما يجلس في مقابله فلاديمير الذي قال بالروسية:

+


_ " أنا لا أحبذ إرسال سنايبر في هذه المهمة، زعيم، أخاف أن يستغل الفرصة ويبحث عن تلك الفتاة المهووس بها "

+



        
          

                
رد دميتري بعمق تفكير:
_ " منذ أن جلبت هذا الفتى إلى هنا وهو يفعل المستحيل ليصل للفتاة ولم يستطع، سيكون تحت أنظارنا لن نترك له الفرصة، سنايبر كنز بشري لن نفقده بسهولة"

+


تقدم أحد الحراس يعلن وصول سنايبر ليأذن الزعيم له ويدخل بكل ثبات وعينيه تمشط المكان بهدوء حتى أصبح أمام أليكسي وقال:
_ " أتعجب من لزوم حضوري إلى هنا فقط لأتولى مهمة جديدة، "

+


ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي دميتري فسنايبر الوحيد الذي لا يهابه أو حتى يحاول التودد له كما يفعل كل من حوله حتى أبنائه :
_ " لأنها ليست كأي مهمة، فهذه العملية تحديدًا ستكون ببلدك الأم سنايبر أتذكرها؟؟ "

+


ابتسامة خفية ظهرت في عيني سنايبر فهذا ما خمنه منذ اتصال فلاديمير به، لكنه أخفى تأثره قائلًا بلامبالاة:
_ " لايهم، الأهم مَن المقصود هذه المرة؟؟ "

+


رد فلاديمير بجدية شارحًا:
_ " عارف الديب تمرد على المنظمة بعدما بنى لنفسه كيانًا خاصًا به، ظنًّا منه أنه بذلك سينافس الزعيم لكن ليس هنا سوى زعيم واحد "

+


قالها مشيرًا نحو دميتري الذي ابتسم بغرور ليردف سنايبر بعدم اهتمام:
_ " المطلوب قتله؟ "

+


هنا تكلم أليكسي ابن الزعيم قائلًا:
_ " لم نستطع الوصول لمكانه، فالوضيع أمّن نفسه جيدًا لذلك يجب أن يخرج من مخبئه ويأتي هو إلينا ذليلًا "

+


عقد سنايبر حاجبية بتفكير ليبتسم فلاديمير قائلًا:
_ " لا تتعب عقلك بالتفكير كثيرًا يا رجل، الأمر بسيط فقط سنستغل ملامحك ولهجتك المصرية في استدراج الهدف الذي سيوصلنا له"

+


----------------------

+


كانت تمشي بالحارة تحمل معها بعض المشتروات الغذائية لتتقدم من أحد المحلات الصغيرة قائلة ببشاشة:
_" صباح الخير يا أبيه "

+


استدار سريعًا حتى أن شعره الكيرلي تحرك معه واستقام ماسحًا يده في ذلك الرداء المطبخي الذي يرتديه بتوتر واقترب قائلًا ببعض التعلثم:
_" س..سلمى، صباح النور، اتفضلي "

+


ردتت بلطافة:
_" شكرًا، كنت عايزة ساندوتشين كبدة كدة من ايدك، بس بسرعة الله يكرمك عشان مجدة ماتفتحليش تحقيق"

+


ضحك ونظر للشاب الذي يعمل معه قائلًا: 
_ " شوف باقي الناس عايزة ايه يا ياسر دقيقة وجاي "

+


أشار لسلمى كي تدخل المحل وبدأ في إعداد طلبها في الداخل بعيدًا عن الحشد أمام المحل، سألها بود:
_" خارجة من بدري بقى؟ "

+


أومأت بتأكيد:
_ " آه واتأخرت في السوق زي العادة، أنا قولتلها ماليش في شرا الخضار وصداع البياعين ده و هي مصممة أكون شاطرة ومحندقة زي بنت فلانة وبنت علانة، مش مراعيين النبغة اللي عايشة معاهم، عايزين يفسدوا مشوار عالمة كبيرة " 

+



        
          

                
كان شادي معها بكامل حواسه وابتسامته لا تفارق وجهه وهو يطالع فتاة أثرته منذ زمن، أنهى إعداد ما بيده ولا أعرف كيف، واقترب منها قائلًا:
_ " أم سيف عايزاكي ست بيت شاطرة عشان تشرفيها يا هندسة"

+


ردتت بغرور مصطنع:
_ " ومين قال لو اتجوزت هنزل السوق؟، لا يا حبيبي ينزل هو وأنا أفضل متستتة في بيتي، يا اما بلاها جواز وأفضل أشاكس في سيف وأمه وأكمل ماجستير ودكتوراه وكل اللي نفسي فيه من غير مشاكل متجوزين "

+


أقسم أيتها الفتاة لم أستمع لشيء بعد كلمة حبيبي فتكرمي عليَّ وأعيديها على مسامعي جزاكِ الله خيرًا،

+


فاق من شروده على يدها الممتدة بالحساب ليعقد حاجبيه كأنه لم يفهم لتقول مسبقًا:
_ " خد الحساب بقى وماتعترضش زي كل مرة يا اما بلاها كبدة النهاردة.... ااه"

+


هكذا تأوهت بعدما ضربها على رأسها ببعض الضيق قائلًا:
_" لو كنتي لسة بشعرك زي زمان، كنت جبتك منه، امشي يابت "

+


عاندت معه قائلة:
_" أبيه شادي مش كل مرة بقى، مش عشان انت ابن عم ماما وفي مقام خالي يبقى ماتاخدش حقك "

+


تأفف بقلة حيلة وحسرة على حاله فما ذنبه أنه ابن عم امها لتعده خالها فالفرق بينهما أقل من عشر سنوات، شادي شاب في الثاني والثلاثين من عمره ذو ملامح رجولية حادة وجسد عضلي بشكل ملحوظ، أما سلمى فعلى وشك اتمام عامها الثالث والعشرون بجمال آثر وخاطف للأنظار رغم بساطة هيئتها، 

+


نطق بنبرة جادة:
_ " روحي يا سلمى مش فاضيلك، اجري الحقي مجدة قبل ما تنزل تدور عليكِ في الشارع "

+


كادت تتكلم بإعتراض لكنه فاجأها عندما رفع عليها السكين فجأة قائلًا بإجرام مزيف:
_ " امشي يا بت بقى هنرش ماية "

+


ضحكت بقوة وخرجت مسرعة قائلة:
_ " طب مش هشتري منك تاني، أصلا شاكة انها كبدة هَوهَو "

+


_ " ماشي يا جزمة، تقعي في ايدي بس " هكذا مازحها، بعدها هز رأسه بوجه كل جزء به يضحك بعشق، ثم تأفف قائلًا في نفسه:

+


_ " اخص على القلب لما يقلّ بصاحبه، مالقيتش غير اللي بتقولك أبيه؟!"

+


_" شادي "

+


كان هذا صوت منة التي جاءت للتو فنظر لها قائلًا بحنق:
_ " شادي حاف؟، اسمي خالو شادي يا محترمة، ابن عم أمك يعني في مقام خالك، المهم عايزة ايه؟ "

5


دخلت وجلست على أحد الكراسي الصغيرة قائلة بسخرية: 
_" خالي اللي هو ازاي دا أنا عندي ٢٢ سنة صباح الخير؟! "

+


رد بعناد واصرار:
_ " برضو ما تقوليليش شادي من غير ألقاب، عيب " 

+


أومأت بلامبالاة ثم قالت بملامح لعوبة:
_ " طيب ياخالي، عايزاك تصالحني على سيف "

+



        
          

                
نظر لها قليلًا ثم رفع حاجبه متسائلًا:
_ " انتِ عايزة ايه بالظبط يا منة؟، اتقدملك ورفضتيه انتِ وأمك، راجعة عايزة ايه؟"

+


وقفت دامعة محاولة اكتساب تعاطفه:
_ " انت عارف ان ده طلب أمي، أنا مش عايزة أتجوز الشاب اللي متقدملي ده، أنا بحب سيف و مش عايزة غيره"

+


قاطعها قائلًا بضيق: 
_ " النقاش ده ماينفعش هنا، هبقى آجي أزوركم ونتفاهم، وبطلي كلامك ده، عيب تقولي بحبه ومش بحبه، روَّحي دلوقتي "

+


تأففت ونهضت متجهة للخارج متشدقة بلؤم:
_" هسيبها على الله وعليك يا أبيه، أما أروح أطُلّ على خالي سكر، عايز حاجة؟ "

+


رد بجدية وقد انشغل بعمله:
_ " سلامتك يا مُنمُن، سلميلي على سكر، وامشي معدولة بطلي دلع "

+


أشاحت برأسها بعدم اكتراث وخرجت تمشي في الطريق بعكس ما أوصاها به، بل والأدهى لن تترك الأمر على الله ثم عليه كما أقرت منذ قليل بل راقبت الطريق حولها بحذر قبل أن تنحدر لأحد المنازل الواقفة أمامها سيدة تنتظرها،

+


توارتا عن أعين المارة القلائل لتُخرِج منة حقيبة بلاستيكية سوداء صغيرة من حقيبة التسوق التي تحملها، فالتقطها السيدة وأخفتها أسفل شالها الأسود،

+


أردفت منة بحنق :
_ " جبتلك طلبك، تيشيرت كان لسة قالعه بعرقه، ياكشي تبطلوا حجج انتِ والشيخ بتاعك "

+


ضربتها السيدة في جنبها ونطقت بشعبية وهي تُمَايِل فكها بالعلكة:
_ " جرى ايه يابت ماكانتش مرة باظت، ما ياختي العمل اللي قابله جابُه على مُلا وشُّه واتقدملك، انتِ وأمك اللي اتعوجتوا "

+


لوت منة فمها بغيظ وأردفت بغل:
_ " جه في وقت غلط، حسرة على حظي، يلا أكلمك في التليفون بدل ما حد يشوفني واقفة معاكِ واتشبه "

+


شهقت السيدة باستنكار وصاحت عاتبة:
_" تتشبهي!!، ده على أساس ان قَدَمك طاهر بالصلاة على النبي، ده انتِ أمك شُبهة لواحدها، الله يرحمه أبوكِ كانت بتجددله بالميعاد "

+


زفرت منة بضيق وأطاحت بيدها مكملة طريقها متجاهلة كلامها، بل وارتسمت ابتسامة متفائلة على وجهها، أخيرًا ستُعيد حبيبها وهذه المرة لن تضيعه، 

+


حقًا عجبًا من أناس اتخذوا الشياطين اخوانًا، ويتوارون من الناس ليعصوا رب الناس، ردَّ الله كيدهم في نحورهم.

+


-------------

+


في مساء ليلة كحيلة اختفى فيها القمر تاركًا الفرصة للظلام يتخلل الأرجاء، مسببًا حزن إضافي لتلك البريئة الواقفة في شرفة غرفتها أو سجنها لن نختلف، اتخذت من النجوم ونيس مؤقت بينما نسمات الهواء تكركر شعرها الأسود الطويل في محاولة لرسم ابتسامة على ملامحها الساكنة بشحوب ينافي جمال تقاسيم وجهها ذو اللون البرونزي، أما عينها الكئيبة فبنية مسحوبة برموش طويلة بصورة مدهشة، 

+



        
          

                
خرج منها صوت الفزع بعدما سمعت أحدهم يفتح باب غرفتها ببطئ يبدو ظنها نائمة في هذا الوقت المتأخر والذي اعتاد أن يصل فيه للمنزل بعدما ينهي سهرته الدنيئة مع أصدقاء السوء الذي يُعتبر هو أسوأهم،

+


التفتت لتجده دخل غرفتها يترنح قليلًا دليلًا على سكره لترتعب فرائسها لاعنة ذاكرتها التي غفلت عن غلق الباب بالمفتاح كالعادة،

+


رفع نظره عليها وابتسم بفجور قائلًا:
_ " أوف، الجميل مستني لواحده!، اخص عليا لو أعرف كنت فركشت القاعدة من بدري وجتلك طيارة "

+


أخذت تهز رأسها بخوف شديد وتخرج منها همهات مفزوعة تنفي ما يقوله، لكنه لم يهتم بتحركاتها واقترب منها سريعًا جاذبًا جسدها الضعيف نحوه بعنف قائلًا:
_" خليكِ حلوة بقى صبرت عليكِ كتير " 

+


قابلته بصراخ مكتوم ومقاومة مستميتة مما جعله يصرخ فيها قائلًا:
_ " ما تطلعي من توب خضرة الشريفة ده يابت، أومال لو ماكنتيش حيالة بنت عمي وعايشة معانا شفقة، دا انتِ أبوكِ قاتل أمك لما قفشها بتخونة "

+


بدأ صراخها يتزايد وبكاؤها أيضًا، بينما هو اغتاظ أكثر من مقاومتها التي توجهها له كل مرة، لينزل على وجهها بكف قوي جعلها تفترش الأرض بدماء قليلة خرجت من شفتيها، نظر لها بإنتصار يتأمل جسدها بأعين مصيرها جهنم وقبل أن يهبط لمستواها في محاولة أخرى لسلب ما يريد، 

+


_ " يا خبر أسود بتعمل ايه يا حسام بيه؟! ابعد عن البت " كان صوت سيدة خمسينية والتي لم تكن سوى مدبرة المنزل 

+


استدار ينظر لها بغضب قائلًا:
_ " غوري من وشي مالكيش دعوة "

+


اقتربت منه السيدة بسرعة قائلة بتحذير متودد:
_ " يا بيه أنا خايفة عليك البت صوتها وصلي تحت، والباشا الكبير في مكتبه يعني ممكن يسمعها هو كمان وييجي ووقتها بقى هينفذ تهديده ويطردك برة البيت "

+


ابتلع الحقير ريقه بخوف ورمى نظرة على الفتاة المنهارة أرضًا ويقول:
_ " مايقدرش يعمل كدة، هيطردني أنا عشان الحقيرة دي،...و... وهي... هي اللي فتحتلي الباب وجابتني هنا "

+


نظرت له السيدة بتقزز لكنها أردفت بتحيز:
_ " يا بيه اتقي شر المشاكل بينك وبين كمال باشا، هتضيع نفسك عشان حتة بت لا راحت ولا جات وكمان خرسة، وأديك شوفت عمل ايه المرة اللي فاتت" 

+


حقًا خوفه من أبيه كان أكبر من رغباته القذرة بل وأكبر من خوفه من ربه، فحرك رأسه في الغرفة بتوتر ثم خرج مسرعًا وهو يهدد:
_ " ماشي يا بنت الكلب مصيرك بين ايدي وبمزاجك، وأنا كاسر عينك "

+


وما أن خرج حتى أغلقت السيدة ميمونة الغرفة واتجهت نحو الفتاة تحتضنها بقوة قائلة بحسرة:
_ " حقك عليا يا بنتي، ربنا يخلصك منهم قادر ياكريم، بس يا حبيبتي بس، أنا الغلطانة أنا اللي نسيت أنبهك تقفلي الباب زي كل ليلة"

+



        
          

                
أما الفتاة فأخذت ترتجف في أحضان ميمونه متشبسة بها تحرك يدها وشفتيها كأنها تشتكي لها دون صوت أو كلمات معبرة عن الأسى الذي تحيا به، فإنها ليست الكَرَّة الأولى التي يحاول فيها ذلك الشيطان الاعتداء عليها، غير تحرشه المستمر بها،

+


لترد ميمونة ببكاء:
_" مصدقاكي يا بتول، عارفة انه كداب وقذر، انتِ تربيتي يا عينيا بنتي اللي مخلفتهاش "

+


رفعت بتول رأسها لتنظر لميمونة وتحرك يدها بهستيريا كأنها تسأل عن شيء لترد ميمونة التي تفهمها جيدًا وتحفظها عن ظهر قلب:
_ " لأ يا بتول لأ ربنا مش هيسيبك في الغلب ده كتير، ربنا كبير وعالم انك شوفتي اللي ماحدش شافه، بكرا يعوضك،... وبعدين انتِ نسيتي عز؟، مش عز وعدك مش هيسيبك "

+


حركت رأسها بيأس كأنها تقول وأين عز؟؟ 

+


ميمونة بثقة وإيمان: 
_ " قلبي بيقولي انه جاي قريب، وقريب أوي كمان، حاسة ان ربنا شايلك خير كتير، بس اصبري "

+


أومأت ببصيص أمل يخرج من بين سيول عينيها، ونظرت للسماء وقلبها يشتكي لخالقه،

+


أما ميمونة تنظر لها متحسرة، أسفًا يا صغيرة، أسفًا يا ذات العشرين ربيعًا، أسفًا على ما ارتكبته الدنيا في حقك، أسفًا على أناسٍ غفلوا عن ' فأمَّا اليتيم فلا تقهر '.

+


--------------

+


إنه اليوم الرابع على فراق صديقه وأخيه الذي اختُطِف منهم فجأة، دخل والده الغرفة وبدأ كالعادة يُخرج كلمات متسائلة عن حالته اليوم، فهو لا يعلم شيء عن عمل ابنه بالمخابرات، أو مدى عمق صداقته برفيقه المتوفي كما أخبره،

+


_" بكر، قوم يلا عشان ننزل نصلي سوا في المسجد وادعي لصاحبك بالرحمة، أنا والله يابني مش عارف اتصاحبت عليه امتى عشان تحزن الحزن ده كله! "

+


كالعادة كان رد بكر هادئ بملامح بعيدة عن مزاحه وضحكه المعتاد:
_ " ماجاتش الفرصة أعرفك عليه يا بابا، بس لو عرفته كنت هتعذرني والله"

+


تنهد والده بأسى قائلًا:
_ " ربنا يرحمه ياحبيبي، قوم بقى قلبي بيتقطع عليك، لازم تفوق لنفسك، وعيب كل الفترة دي ماتكلمش خطيبتك، دي البنت كلمتني كتير وقلقانة عليك، ناقص تجيلك لحد هنا "

+


أغمض بكر عينيه بضيق من نفسه فهو حقا كان يتجاهل مكالماتها طوال الأيام السابقة:
_ " أنا هكلمها وأصالحها "

+


ابتسم صلاح بتفاؤل وقال متذكرًا:

+


_ " صحيح كنت كمان عايز أفاتحك في حاجة ومحتاج رأيك"

+


عقد بكر حاجبيه بتساؤل وأخذ نفس عميق قائلًا بهدوء:
_ " خير يا بابا، اتفضل "

+


اقترب صلاح بكرسيه المتحرك من سرير ابنه نظرًا لعدم قدرته على المشي بسبب حادث قديم، وبدأ يشرح له الأمر:

+


_ " فيه شاب سكن في الشقة الصغيرة اللي قبالنا، أجرها من صاحبها من أسبوعين، المهم جالي مرة وعرض عليا أكل بيتي عامله بنفسه بس حلو أوي، وبقيت أتعامل معاه يطبخلي اللي أنا عايزة ويجيبه متغلف و بياخد حقه، وشغال كدة مع كتير من سكان العمارة ربنا يباركله، ففي قاعدة فهمت أن الشغل ده مش مكفي مصاريفه وبيدور على شغل جانبه، قومت عرضت عليه ياخد الجزء المقفول من المحل بتاعك ويظبطه ويفتح فيه حاجة زي مطعم صغير، أكل شعبي يعني، وهو فرح أوي و... "

+


قاطعه بكر ببعض الحيرة:
_ " طيب يا بابا هو انت تعرف عنه ايه عشان توثق فيه كدة؟! "

+


رد الأب بإبتسامة خبيرة:
_ " يابني دا عيِّل لسة مايكملش عشرين سنة ومن نظرة عينه عارف انه غلبان ويتيم ومالوش حد والدنيا جاية عليه"

+


تنهد بكر ومازال متحيِّر لكنه قال:
_ " ماشي يا بابا، هبقى أقعد معاه وهحاول أساعده وكمان أفهم هو مين وجاي منين"

+


ابتسم صلاح براحة قائلًا:
_ " ربنا يحفظك يابني ويقدرك على فعل الخير، قوم قوم يلا العصر هيأذن، ويمكن تلاقيه في المسجد مع أني مش بشوفه هناك خالص، ربنا يهديه لطريقه " 

+


أومأ بكر ونظر لهاتفه ليجد رسائل كثيرة من راجح و سيف وخطيبته أيضًا فزفر بهَمّ ونهض من فراشه، 

+


الجميع يسعى للانتقام وإطفاء نيران قلبه، لكن لايعلموا أن النيران لم تسكن قلوبهم بعد، وغدًا ستشهد القلوب نيران فريدة من نوعها، تُضيء ولا تحرق أو ربما تحرق، في كلتا الحالتين سيرحبون بها بحرارة.... 

+


-----------------☆☆☆☆

+


يتبع...

+


رأيكم في البارت

+


لسة القادم أحلى، توقعاتكم؟ 

+


لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان 🕊

+


بعد كدة المواعيد كل خميس الساعة ٨ مساءً إن شاء الله وده عشان الدراسة ووقتي ضيق...

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close