رواية عديل الروح كامله وحصريه بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الأول - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
********************
في أحد المناطق السكنية الراقية بمدينة أبو ظبي، نصبت خيمة كبيرة أمام أحد المنازل المكونة من طابق أرضي وقد اكتظت بالرجال ذوي شأن عالي.
نساء متشحين بالسواد يدخلون ويخرجون من المنزل، اجتمعوا اليوم بقلب واحد ينعون فقيدهم خالد عبد الله النعيمي وزوجته فاطمة النعيمي، يدعون لهم بقلب صادق أن يتغمدهم الله بجنات الخلد.
مرت أيام العزاء كئيبة وحزينة لخسارتهم الفادحة برجل كان عظيما بين عائلته و امرأة قديرة ومحترمة.
بعد مرور اسبوع من انتهاء العزاء،اجتمع كبار آل النعيمي في مجلس العائلة يتناقشون بأمر جليل يخص فتاة وصبي، جلسا بركن منزوي وعلامات الحزن ظاهرة على وجوههم الصغيرة لفقد أمانهم وسندهم في هذه الحياة، ينظرون لأعمامهم وهم يتناقشون لتحديد مصيرهم.
أراد عمهم أحمد أخذ محمد البالغ من العمر ثمان سنوات معه لتربيته مع أولاده، والعم علي أراد أخذ شقيقته مريم التي كانت تبلغ من العمر تسع سنوات وتملك عقل راجح يضاهي سنها الصغير.
جلس محمد بجانب شقيقته وعيون الجميع ترميهم بنظرات مشفقة لمصابهم، وفقدهم والديهم بنفس اللحظة.
شعر بيد أخته تحتضنه بعد أن سمعت كلام الكبار بتربية كل واحد منهم ببيت مغاير، فرفع رأسه إليها وشاهد دموعها تترقرق على وجنتيها بصمت آلم قلبه الصغير، وعينيها جامدة تتطلع إلي لا شيء، فقط تنظر بعيون مغشية بدموع القهر والحزن لفراق أحب الناس لقلبها ورحيلهم ليصيبهما اليتم، والآن يريدون تفرقة من بقي لها من رائحة والديها.
تأمل عينيها وهي تحاكي بؤسها وألمها بالرغم من صغر سنه إلا أنه شعر بما تشعر به، وأحس بما تعانيه برغبتها بالوقوف والصراخ بوجههم.
رفع ذراعه الصغيرة واحتضن جسدها بتآزر يؤكد لها بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
عيون حادة اختبرت الحياة بشقائها وأفراحها، وحزن اعتمل عينين شابها الفقد، لفراق أغلى الناس لقلبها، ترصدت كل حركة وكل دمعة للصغيرين والباقون غافلون عما يدور مع هذين الاثنين، فقط يفكرون ويتحاورون فيما بينهم من سيأخذ من، والآخر يرفض بسبب صعوبة إيواء طفل آخر ويكفيه أطفاله ليعينهم.
وقفت ليحل الصمت والهدوء بأرجاء المجلس وتطلعوا لوالدتهم... فوقوفها يعني غضبها.
تجولت عيناها فيما بينهم وتحدثت بنبرة صارمة:
" أندم على اليوم الذي حمل فيه بطني أولاد مثلكم ".
" أمي... ".
" ولا كلمة.. تبعدون الصغار عن بعضهم؟!! أهذه وصية شقيقكم بأولاده قبل موته؟؟! يبدوا أنني لم أربيكم جيدا!! ".
وقف ولدها الكبير أحمد وتحدث معها لعله يهدئ من ثوران أعصابها:
" أمي.. ماذا بدر منا لتقولي لنا مثل هذا الكلام؟؟ ".
" أبعد حديثكم هذا لا تريدني أن أغضب؟؟ ".
اقترب علي ووقف بجانب شقيقه وتحدث:
" أمي لا تغضبي نحن سنأخذهم معنا للمنزل وسنربيهم مع أولادنا، وإذا كان من أجل كل منهم سيكون في منزل مختلف هذا أمر له حل...يستطيعون الالتقاء متى ما أرادوا...فمنازلنا متلاصقة وقريبة، ونحن لن نمنعهم من رؤية بعضهم البعض ".
" أهذا ما استطعتوا الخروج منه من اجتماعكم؟! تفرقتهم!! ألا يكفي موت والديهم ؟! تريدون أيضا بعدهم عن بعض!! ".
" أمي أنت.....".
قاطعته بقوة وتحدثت بنبرة وأمر لا جدل فيها:
" أولاد ابني خالد لن يفترقوا عن بعضهم!! ".
" لكن...".
حدجته بنظراتها الحادة ليبتلع رفضه ثم تابعت.
" مريم ومحمد سيعيشون معي في بيتي, وأنتم لكم الله، ليساعدكم ويسهل عليكم أموركم ".
فالتفتت وتأملت الصغيرين بعيون ملأتها الحنان فهم أبناء الغالي كما تناديه دائما، فهو الابن الحنون والطيب، كان يختلف عن أشقائه برجولته وصلابته، تراه بوقت حاجتك، ويقف بوجه التحدي مهما كان الخطر الذي يحدق به.
وبداخله حنان وعطف يشمل الجميع ولا يبخل على من يحتاجه مهما كانت حاجته هو بها, يبديها لغيره ويحرم نفسه عنها، لكنه رحل...وتركها لوحدها...وخلف خلفه أمانه كبيرة لا تعرف إن كانت ستستطيع المحافظة عليها.
دمعت عيناها دمعة كسيرة تبكي رحيله، تبكي طفليه، تبكي يتم صاغ حياتهما منذ الصغر.
مسحت دمعتها ( بشيلتها ), وعاهدت نفسها بأنها لن ترتاح سوى بعد أن تطمئن لمستقبلهم.
" مريوم، حمود، تعالوا يا أحبائي دعونا نذهب للمنزل ".
لا رد...فعادت بصوت شجي ملأته بالأمومة والحنان الذي طفق على ملامحها:
" يا ابنة الغالي لا تخافي ما دامت أنفاسي تتنفس الهواء ".
رفعت الصغيرة رأسها وتأملتها بعيون ظهر انكسارها ووجعها وخسارتها
"يا ابنة الغالي ارفعي رأسك ولا تخفضيه، وانظري حولك وسترين ثلاث رجال هم عضدك وسندك بهذه الحياة، ارفعي رأسك واتركيه شامخا عاليا دائما ".
تداخلت الأصوات بين الأعمام وكل منهم يضرب على صدره يخبرونها بأنهم موجودون وهم لها دائما، دفعها هذا لذرف المزيد من الدموع إلى أن تحولت لنشيج عالي لم تستطع كتمه بعد كلماتهم التي نفذت لأعماق قلبها الصغير يخبرها بأنها ليست وحيدة.
اقتربت الجدة وانخفضت لمستواهم واحتضنتهم بقوة وتركت العنان لدموعهم تبكي خسارتهم.
بعد عشر سنوات
" مريوم...مريوم أين ذهبت هذه الفتاة؟!!..حمود...حمود هل الولد أصم؟؟.. ألا يسمعني أناديه؟؟ ".
دخلت لغرفة الجلوس وشاهدته مندمجا يلعب بلعبته الإلكترونية ويصرخ أثناء لعبه
" لا حول ولا قوة إلا بالله هذه اللعبة لا فائدة منها، وأمنيتي حملها وكسرها!! ".
" ما الأمر يا أمي ماذا تريدين؟؟ لا أعرف لما تكرهين لعبتي ورغبتك بكسرها؟؟ وإن فعلتِ سأجعلك تشترين أخرى جديدة، وثانيا نحن في الإجازة الصيفية، أين تريدين مني الذهاب والجو شديد الحرارة؟! ".
" حسنا.. حسنا..لسانك هذا يحتاج للقص!! ".
" يا أمي يا حبيبتي، نحن نعيش بديمقراطية وحرية رأي ".
قاطعته والدته وتقدمت ناحيته وأمسكت أذنيه تشدها:
" نعم...ماذا تقول يا قليل الأدب؟؟ هل تشتم؟...ديمو... ديمو لا أعرف حتى كيف أنطقها؟؟ ".
" آه... آه أذني "
تركته ليتراجع للخلف وهو يدلك مكان الألم ويقهقه بصوت عالي:
" أمي... ماذا.. تقولين؟...اسمها ديمقراطية ".
ثم أكمل وصلة ضحكه ولم يستطع التحدث معها:
" آه... معدتي تؤلمني، ههههههه ".
" أقسم بالله يا حمود إن لم تصمت سأقوم بضربك بنعالي على رأسك!! ".
" لا.. لا سأسكت، أرجوك..ولا ترميني بقذائفك النووية ".
فنهرته الجدة بقوة:
" حمود!! ".
" أنظري سأصمت "
رفع كفه ووضعها على فمه, كي يمنع ضحكته من الخروج وينال ضربة من شبشب والدته.
تنهدت والدته وأخذت تهمهم بكلمات غير مفهومة ثم التفتت إليه وحادثته بنبره عالية:
" أين شقيقتك مريوم؟؟ ".
خرج صوته مكتوما وغير مفهوم، فضربت كفوفها ببعضهما وهي تردد:
" لا حول ولا قوة إلا بالله يا مثبت العقل والدين ".
فانخفضت وسحبت نعالها وقذفتها ناحيته، فارتد عنها بحركة اعتادها وأتقنها من كثرة تدربه عليها، فخرج راكضا من غرفة الجلوس وهو يضحك بشدة ويصرخ:
" أهربوا الصواريخ قد وصلت ".
فخرجت والدته على أثره، وهي تحمل شبشبها الآخر بعد أن فقدت الأول بمكان ما بعد أن قذفته ناحيته.
" تعال يا حمود...أقسم على ضربك اليوم!! فقط انتظرني ريثما أمسكك بك "
" اهدئي يا أمي حتى لا يرتفع ضغطك وأقع أنا بالمشكلة ".
" لا يوجد غيرك هنا من يرفع ضغطي....أولاد آخر زمن، أين الأيام الماضية؟! كان الابن يصمت ويحترم والديه، ولا يستطيع التفوه بحرف واحد إلا عندما يطلب منه الحديث، ويخبرهم بكلمة إن شاء الله بعد أن يطلب منه أمر ما، لكن جيل اليوم؟ الخوف منه ومن مشاكلهم التي لا تنتهي ".
جلست الأم بصعوبة لكبر سنها الذي يناهز السبعين من عمرها، وتربعت على فراشها من الجلسات العربية، واتكأت على أحد المخدات، وتنفست بصعوبة فاللحاق خلف حفيدها قد أتعبها.
اقترب منها حمود وركع أمامها وسحب كفها المليء بتجاعيد تحاكي خبرتها بالحياة وقبلها بكل احترام ثم سحب رأسها وطبع قبلة محبة:
" اعتذر يا حبيبة قلبي، أنت تعرفين كم أحب أن أمزح معك؟؟ ".
" لا عليك يا ولدي الله يهديك ويصلحك حالك ".
وأخذت تتمتم بدعوات الحفظ والهداية، سحبت يدها وأمسكت مسبحتها وتراجعت للخلف تسبح وتكبر، واتكأ هو الآخر على أحد المساند وتأمل المرأة التي أمامه بلباسها التقليدي المكون من (المخور ) بلون الأحمر وطبعت عليه دوائر باللون الأبيض، وطرزت بلون ذهبي عند الصدر وعند اليدين، و( شيلتها) السوداء على رأسها لا تزيلها أبدا فقط وقت نومها، وتضع فوق وجهها المليء بتجاعيد الزمن ويظهر كبر سنها ( البرقع ) فالنساء كبيرات بالسن لم يتخلين عن هذه العادات التي تمسكن فيها بقوة كي لا تندثر، فقلدنها بعض الفتيات لكن باختلاف حجم هذا
( البرقع )، فلقد تحول لموضة وتزين بحلي وأشياء أخرى لا يفقهها أبدا، تظهر من خلفه عينيها التي تحمل قسوة الزمن لحدتها ولكن تحت طياتها تحمل الكثير من الحب والحنان فهي الوحيدة التي احتوتهم وضمتهم لصدرها بعد موت والديه في حادث سيارة عندما كانوا صغار بالسن ، حاول أعمامهم التفريق بينهم بأخذ كل واحد فيهم لبيت، ولكن الجدة وقفت وقفة الرجال وبصوتها الآمر والناهي تحدثت والجميع لبى طلبها دون أي جدال.
أخذته ذاكرته لذلك اليوم الكئيب والمحزن لقلبه الصغير, لخسارة فادحة تلقاها دون فهم ودراية بما يحدث حوله، كل ما فهمه من حديثهم أنه لن يرى والديه بعد الآن، كان في الثامنة من العمر لكن ذلك اليوم طبع بعقله والصورة لم تهتز قيد انملة أو تمحى بالرغم من مرور عشرة سنوات.
عاد لحاضره وهو ينظر إليها بكل احترام وحب يكنه لتلك العجوز التي احتوتهم ولم تبخل عليهم بشيء، هو وشقيقته مدينين لهذه الجدة بحياتهم وكلمة شكر لا تفيها حقها.
خرج من تأمله على صوتها بالرغم من مرور السنين إلا أن صوتها مازال صارم وقويا:
" حمود أين شقيقتك مريم فأنا لا أراها في الجوار؟؟ ".
" هل بحثت بالمطبخ؟؟ ".
" لا لم أبحث هناك!! ".
" أنت مخطئة يا أمي، كان عليك البحث في البداية في هذا المكان!! ".
وضحك.
"حمود، إياك والسخرية من شقيقتك!! ".
" أمي ألا ترين بأنها دائما تتواجد بالمطبخ؟! لكن بصراحة عليها نفس يطيب فيه الطعام ويطير العقل "
" حمود لم أعرف بأنك تعد اللقمة على شقيقتك!! ".
" لا لم أقصد فقط...."
" أسكت لا أريد كلمة عنها!! شقيقتك تمتلك صحة جيدة، دعها تأكل ما تريده بالصحة والعافية "
" أمي لكن بطريقتها لن تستطيع الزواج أبدا؟!! ".
" لما تقول هذا؟؟ شقيقتك جوهرة نفيسة ولن يعرف قيمتها سوى صاحب نظرة ثاقبة، وسيكون زوجها هو أسعد رجل بالعالم لزواجه من مريم، فهو مهما بحث فلن يجد من هي مثلها "
" لا أظن هذا يا أمي فهو ما أن يراها سيفر هاربا "
وضحك
" حمود، أقسم بالله إن لم تسكت سأقوم بضربك بالعصا!! هيا اذهب وتحرك من أمامي وناد على شقيقتك ".
" حسنا لا تغضبي،ولا ترميني بقذائفك، سأذهب حالا ".
*****************
بمكانها المفضل والذي تفوح منه الروائح اللذيذة والعطرة، ويشمل كل ما لذ وطاب، صنع بيديها الخبيرتين، وبنفسها الطيب تخرج أكلات تأكلها العيون قبل أن تملئها البطون.
تحمل بيدها قمع الكريمة, وتركز بكل انتباه لرسم الشكل الذي تريده على الكعكة، دخل شقيقها كالصاروخ واتجه مباشرة ناحية الموقد ورفع غطاء القدر, وأخذ أنفاسا طويلة يتلذذ بالرائحة الشهية ويسيل لعابه عليها،وتحدث وعينيه تلتهم شكله المغري:
" مريوم، أنا أشعر بالجوع متى سنتغذى؟!! ".
ركزت على ما بيدها ولم تستدر ناحيته وتحدثت معه كما العادة، فهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها المطبخ ويعلن عن جوعه:
" سنأكل بعد صلاة الظهر ".
ترك القدر واقترب منها يتطلع بشهية ناحية كعكة الشوكولاه المغطاة بالكريمة البيضاء وامتزجت مع ألوان أخرى أظهر شكل الوردة رسمت بفن ومهارة، ثم نظر للفراولة الموضوعة على جنب تنتظر دورها لتزين الكعكة، والشوكولاه المبشورة والسائلة موضوعة هي الأخرى على الجانب، مد يده والتقط حبة فراولة وقذفها بفمه بعد أن غطسها بصحن الشوكولاه السائلة التي لا يعرف أين ستوضع؟! وأغمض عينيه يتذوق طعمها الشهي وأخرج لسانه يلعق شفتيه بما علق فيها وهو يصدر أصوات متلذذة:
" هممم...امممممممم، أختي سأفتح لك مطبخ شعبي وستكونين أنت الطباخة، وسأربح الكثير من المال لتوافد الجميع من أجل طعامك الشهي ".
" لا تكثر من الكلام قل ما تريده وأخرج من المطبخ في الحال، فأنا مشغولة ولا وقت أضيعه في الحديث معك ".
وبحركة مسرحية أمسك بقلبه وسقط على الكرسي يشهق بقوة يسحب الهواء سحبا ويتمتم بكلمات مؤلمة:
" أختي الحبيبة تطردني من المطبخ وأنا شقيقها الصغير الذي يكاد يموت من الجوع يبحث عن لقمة تسد به جوعه إلى أن يحين وقت الوليمة، أهكذا تفعلين بشقيقك؟؟... سأموت....آه...آه...أعطني طعاما وسأشعر بخير ".
" حمود، إن لم تخرج سأضربك بهذه على رأسك ".
رفعت الملعقة للأعلى فنهض عن الكرسي وتحدث وعيونه تركز لشيء ما على الطاولة:
" حسنا اهدئي لا أعرف ما بال الجميع اليوم علي!! اذهبي إلى أمي فهي تريدك في الحال!! ".
" حسنا، سأذهب بعد أن أنهي ما بيدي. وأخرج أنت في الحال كي أنتهي بسرعة ".
" سأخرج لا تقلقي لكن...".
سمع صوت صراخها وهي تزعق بشقيقها الذي خرج بعد أن أخذ كمية من الفراولة وانطلق يعدوا للخارج وهو يسمعها تتوعده، فقهقه بصوت عالي فعادت تكمل ما تفعله وهي تهز رأسها وابتسامة تألقت على شفتيها وحدثت نفسها:
" هو لن يكبر أبدا وصل لعمر 17 عشرة وحركات الصغار لم يتركها بعد ".
اقتربت منها الخادمة لتسألها إن كانت تحتاج لشيء آخر :
" مدام هل تريدين شيء ما؟؟ ".
" نعم، اذهبي واحضري لي بعض الطماطم والخيار سأقوم بصنع سلطة ".
" حاضر مدام ".
أنهت ما بيدها ثم اتجهت إلى جدتها، فرأتها تجلس بمكانها المعتاد بالخارج ودلة القهوة وصحن التمر أمامها، فالتفتت تبحث عن شقيقها فلم تجده، فوصلها صوته المندمج مع لعبته الالكترونية، لا تعرف ما يحبه فيها إنها مضيعة للوقت، وتفسد العقل بعنفها, لكن ماذا تفعل؟! فجميع من بسنه يملكون هذه اللعبة .
" السلام عليكم ".
" وعليكم السلام، أهلا بابنة الغالي، تعالي يا ابنتي واجلسي بجانبي ".
اقتربت مريم منها وطبعة قبلة على قمة رأسها، ثم انخفضت وجلست بقربها
" أمري يا الغالية ".
" ما يأمر عليك عدو يا ابنتي, كنت أريد أن أذكرك بذهابنا بعد صلاة العصر لمنزل موزة أخت زوجة ابني أحمد ".
انكمش وجهها بضيق وتأففت :
"لا تنفخي أمامي!! ".
" أمي حبيبتي، لقد أخبرتك من قبل أنني لا أريد الذهاب إلى هناك!! ".
تأملتها بنظراتها الخبيرة فأشاحت بوجهها، فلا تريد أن تكتشف ضيقها من الذهاب لحفل الخطوبة.
" لم أعتقد يا ابنة الغالي أنك ستستمعين لكلامهم، وأنت العاقلة بينهم؟؟ ".
" أحيانا الكلام يؤلم يا أمي!! ".
قالتها بحزن ظهر جليا بملامح وجهها
" أنت لها يا ابنتي، وبعد الصلاة بإذن الله سنذهب ".
نهضت الجدة من مكانها بعد سماعها للآذان وهي ترتكز على ركبتيها فساعدتها مريم وتوقفت للحظات وهي تردد خلف الآذان، وبعد انتهائها نادت على محمد وأمرته بالذهاب إلى المسجد، والتفتت تتجه للداخل وقبل أن تدخل استدارت وقالت:
" احفظي هذه الكلمتين التي سأقولهما برأسك، وإياك ونسيانها ومهما واجهتك من مصائب تذكريها (ابنة الغالي رأسها دوما مرفوع وقوتها بعقلها) ".
ودخلت لتؤدي صلاتها، ووقفت مريم تنظر للفراغ الذي خلفته والدتها وكلماتها يتردد صداها بعقلها، فزفرت لقلة حيلتها بإجبار جدتها لها بالذهاب ووضعها لواجهة المدفع، تحركت بعد وقت واتجهت لغرفتها لتؤدي صلاتها.
افترشوا الأرض، ووضعوا البساط، وجلسوا يتناولون الغداء بنهم المكون من صحن كبير من البرياني، وحوله سلطة الخضار، وسلطة الروب، والشطة الحارة كما يفضلها شقيقها، فهي لا تستطيع وضع الفلفل الحار بالطعام لصحة جدتها التي لا تحتمله معدتها، فتحدث شقيقها:
" هل فكرتي بموضوعي؟؟ ".
رفعت رأسها وناظرت شقيقها وهي تضيق عينيها وتحاول التذكر بأي موضوع قد تحدثا وينتظر منها الجواب:
" عن أي موضوع تتحدث وأي فكرة؟؟ ".
شهق بصوت عالي ونظر لشقيقته بعيون زائغة:
" سلامتك يا أختي، هل تشعرين بالمرض؟؟ ".
"أنا بخير يا حمود..وكف عن كثرة الكلام وتحدث بسرعة!! ".
" لقد تحدثنا قبل قليل عن الفكرة، كيف نسيت بسرعة؟؟ هل أصابك الزهايمر يا شقيقتي؟؟ إذا أنا لا ألوم والدتي إذا هي نست ما دمت أنت الصغيرة قد أصابك المرض!! ".
" حمود كف عن الثرثرة وتحدث،وإن لم ترد فاصمت ودعنا نأكل بهدوء ".
تحدثت جدته وضحكت مريم وتحدثت إليه بين قهقهاتها:
" تستحق هذا!!.. هيا تحدث بسرعة وأخبرني عن الفكرة العبقرية التي قلتها لي؟؟ ".
" لا لن أقول، وأنت تسخرين مني لأن والدتي قد زجرتني، أنا كنت أريد لك الشهرة وما أن يروني الناس حتى يقولوا هذا شقيق مريم ".
ازدادت حيرتها أكثر مما يقوله شقيقها، واستهجنت الأم من حديثه الذي لم تستغثه
" حمود متى ستعقل وتصبح مثل الرجال؟!! تريد من شقيقتك أن تكون علكة بأفواه الناس؟!! يا خسارة التربية فيك، هيا انهض من أمامي فلا أريد رؤية وجهك!! ".
شهق محمد شهقة كادت روحه تزهق وعيونه خرجت من محجرها:
"أنت من تقولين هذا يا أمي!! أتطردينني من هذا الغداء الطيب؟؟ ماذا سيقول الناس عندما أموت من الجوع؟؟ بنت سلطان العتيبي يموت ولدها من قلة الطعام!! ".
" ستضرب اليوم يا حمود والعصا ستلمس ظهرك لا محال ".
" سأنهض وأخرج لكن سآخذ صحن الطعام معي ".
تحرك من مكانه وحمل معه صحن الغداء، وهو يتكلم:
" كنت أريد لكما الهناء وأموال تدر عليكما بالكثير، وأنتم تحرمونني من الطعام!! كيف يحدث هذا بين القبائل كيف؟! ".
ضحكت مريم بصوت عالي على شقيقها وأمسكت معدتها غير قادرة على المزيد من الضحك.
" هل أعجبك حديث شقيقك وأفعاله؟! يريد من الناس أن يتحدثوا بسيرتك وأنت تضحكين!! ".
ضربت الجدة كفوفها وأرادت النهوض، فأمسكتها مريم بعد أن تمالكت نفسها:
" اجلسي يا أمي وأحلف بالله أن لا تنهضي، دعينا نستمع لما يقوله؟؟ ".
" لا أريد الجلوس مع هذا المجنون ولقد فقدت شهيتي عن الطعام ".
" لا تجعليني أحزن يا أمي، فلقد صنعت الطعام من أجلك أتريدين أن يذهب جهدي هباء؟؟ ".
" ألا تسمعين حديث شقيقك الذي لا يدخل العقل!! ".
" دعينا نستمع إليه ونفهم ما يقوله؟؟ وبعدها لكل حادث حديث ".
نادته مريم:
" حمود....حمود ".
فأطل من عند الباب وتحدث:
" إلى أين رست رئاسة القمة؟؟ هل اتفقتم مع أو ضد؟؟ ".
" تعال يا حمود وأخبرنا ماذا تقصد بموضوعك؟؟ وضع الصحن من يدك ".
تقدم للداخل ولم يضع الصحن بمكانه بل وضعه بمكان بعيد
" أعتذر لا أستطيع أن أقامر بطعام الغداء، سأتركه بعيدا للاحتياط ".
" يا ولد!! هل ستتكلم أم أنهض وأدخل للداخل لأريح رأسي من جنونك؟؟ ".
" لا.. حبيبتي تقول عني أنني مجنون؟؟.. بالعكس أنا بكامل قواي العقلية والجسدية وليس مثل بعض الناس الذين أصابهم الزهايمر".
تحدث وهو ينظر بطرف عينه نحو شقيقته يقصدها بالكلام، أخذ أنفاسا طويلة ثم زفر ثم عاد الحركة مرة أخرى إلى أن زعقت به والدته:
" حمود!! "
" حسنا...حسنا، سأتكلم. لا تريدون مني التنفس حتى....أيها السادة الكرام الموضوع هو أنني أخبرت شقيقتي عن مشروع ناجح سيدر علينا بأموال كثيرة لكن يبدوا أنها لم تنتبه لما أقوله "
أجلى صوته ثم استطرد مكملا حديثه:
" في الحقيقة هو مشروع عن....".
سكت وتطلع إليهم وهم ينظرون إليه باهتمام، فابتلع ريقه بصعوبة وهو يعرف ما سيحدث بعدها فسعل يسلك حنجرته:
" مشروعي هو فتح مطبخ شعبي و.......تكون أختي هي الطباخة ".
" يا ناقص الرجولة، ألا تخجل من نفسك؟؟ تريد من شقيقتك أن تكون خادمة في مطعم؟؟ ".
قذفته بكل ما هو أمامها، وهي تتوعده بالضرب المبرح الذي سيعيده لصوابه، أما هو فقد حمل صحن البرياني وأطلق ساقيه للرياح يحمي نفسه من القذائف التي تلقيها عليه، ويسمع ضحكات شقيقته التي رسمت البسمة على شفتيه، بأنه استطاع أن يجعلها تضحك وهو يعرف على ما هي مقبلة عليه بذهابها لتلك الزيارة.
مرت الساعات سريعة وحلت فترة العصر، احتارت مريم ماذا ستقول لوالدتها عن رفضها للذهاب للحفل؟؟ فهي تعرف ما سيحدث، والحديث الذي سيقال ما أن يرونها من ضحكهم وسخريتهم منها أمامها وخلف ظهرها، تطلعت لنافذتها وتنهدت بضيق اعتمل صدرها هي لا تهتم بما يقال عنها...لكن جزء صغير بداخلها يخبرها بأنها تكذب, بل هي تهتم وتريد أن تكون مثلهم، ويعلم الله أنها حاولت, لكن لم ينفع ما تقوم به لهذا تخلت عما تفعله واقتنعت بما هي عليه.
نهضت من مكانها واستجمعت قوتها التي تبعثرت للحظات وأخذت أنفاسا أخرى تطرد اليأس من داخلها وتدخل الأمل بمكانه، فهي أقوى من أن تلتفت لأحاديثهم السخيفة وهي لا تهتم بما يقال
نعم ستذهب وتريهم من هي مريم بنت خالد النعيمي!!!
خرجت بسرعة من غرفتها بعد أن غيرت ملابسها وارتدت جلابية واسعة بلون عنابي مخططة بخيوط ذهبية، وتركت شعرها مسدلا يتأرجح خلف ظهرها من طوله فهي تنوي رفعه قبل خروجهم.
" أمي... أمي أين أنت؟؟ ".
خرجت للخارج تعرف أين تجدها بهذا الوقت، والتفتت إليها وقد أغمضت عينيها لفترة من أشعة الشمس التي سطعت، ثم فتحتهما وهي تتحدث دون انتباه لما حولها:
" حبيبتي هل أخذت دواءك؟؟ ".
رفعت الجدة رأسها تنظر لابنتها وشهقت بصوت عالي:
" ألا تخجلين يا فتاة؟!! أدخلي للداخل واستري نفسك؟؟ ".
عقدت حاجبيها وهي تنظر لجدتها ثم نظرت لملابسها التي ترتديها:
" لما يا أمي ألم تعجبك الجلابية؟؟ ".
" يا فتاة أدخلي وغطي رأسك فهذا حرام؟؟ ".
" لما يا أمي فنحن وح."....
بترت جملتها بعد أن التقطت عيناها ملابس ناصعة البياض، وشعور غريب يخبرها بأنه ليس شقيقها، فالتفتت ببطء وتوقفت أنفاسها وتوقف الزمن وهي تراه أمامها هو بذاته.
وضعت يدها على فمها تمنع صرختها من الخروج وتراجعت للخلف والتفتت مغادرة دون أن تنتبه لخطواتها فاصطدمت جبهتها بالجدار فتأوهت بألم، لكنها واصلت المسير ودخلت لغرفتها وأغلقت الباب واستندت عليه.
أغمضت عينيها لثواني وصدرها يرتفع وينخفض بسرعة من شدة تنفسها ثم هدأت من روعها و فتحتهما, وتحركت من مكانها وسارت بخطوات حزينة ثقيلة وتوقفت أمام مرآتها وتأملت انعكاس صورتها، لقد شاهدها بهذا الشكل، لا بد وأنه يضحك ويسخر منها كما اعتاد دوما الجميع يسخر منها لأنها....
" لأنها سمينة ".
******************
********************
في أحد المناطق السكنية الراقية بمدينة أبو ظبي، نصبت خيمة كبيرة أمام أحد المنازل المكونة من طابق أرضي وقد اكتظت بالرجال ذوي شأن عالي.
نساء متشحين بالسواد يدخلون ويخرجون من المنزل، اجتمعوا اليوم بقلب واحد ينعون فقيدهم خالد عبد الله النعيمي وزوجته فاطمة النعيمي، يدعون لهم بقلب صادق أن يتغمدهم الله بجنات الخلد.
مرت أيام العزاء كئيبة وحزينة لخسارتهم الفادحة برجل كان عظيما بين عائلته و امرأة قديرة ومحترمة.
بعد مرور اسبوع من انتهاء العزاء،اجتمع كبار آل النعيمي في مجلس العائلة يتناقشون بأمر جليل يخص فتاة وصبي، جلسا بركن منزوي وعلامات الحزن ظاهرة على وجوههم الصغيرة لفقد أمانهم وسندهم في هذه الحياة، ينظرون لأعمامهم وهم يتناقشون لتحديد مصيرهم.
أراد عمهم أحمد أخذ محمد البالغ من العمر ثمان سنوات معه لتربيته مع أولاده، والعم علي أراد أخذ شقيقته مريم التي كانت تبلغ من العمر تسع سنوات وتملك عقل راجح يضاهي سنها الصغير.
جلس محمد بجانب شقيقته وعيون الجميع ترميهم بنظرات مشفقة لمصابهم، وفقدهم والديهم بنفس اللحظة.
شعر بيد أخته تحتضنه بعد أن سمعت كلام الكبار بتربية كل واحد منهم ببيت مغاير، فرفع رأسه إليها وشاهد دموعها تترقرق على وجنتيها بصمت آلم قلبه الصغير، وعينيها جامدة تتطلع إلي لا شيء، فقط تنظر بعيون مغشية بدموع القهر والحزن لفراق أحب الناس لقلبها ورحيلهم ليصيبهما اليتم، والآن يريدون تفرقة من بقي لها من رائحة والديها.
تأمل عينيها وهي تحاكي بؤسها وألمها بالرغم من صغر سنه إلا أنه شعر بما تشعر به، وأحس بما تعانيه برغبتها بالوقوف والصراخ بوجههم.
رفع ذراعه الصغيرة واحتضن جسدها بتآزر يؤكد لها بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
عيون حادة اختبرت الحياة بشقائها وأفراحها، وحزن اعتمل عينين شابها الفقد، لفراق أغلى الناس لقلبها، ترصدت كل حركة وكل دمعة للصغيرين والباقون غافلون عما يدور مع هذين الاثنين، فقط يفكرون ويتحاورون فيما بينهم من سيأخذ من، والآخر يرفض بسبب صعوبة إيواء طفل آخر ويكفيه أطفاله ليعينهم.
وقفت ليحل الصمت والهدوء بأرجاء المجلس وتطلعوا لوالدتهم... فوقوفها يعني غضبها.
تجولت عيناها فيما بينهم وتحدثت بنبرة صارمة:
" أندم على اليوم الذي حمل فيه بطني أولاد مثلكم ".
" أمي... ".
" ولا كلمة.. تبعدون الصغار عن بعضهم؟!! أهذه وصية شقيقكم بأولاده قبل موته؟؟! يبدوا أنني لم أربيكم جيدا!! ".
وقف ولدها الكبير أحمد وتحدث معها لعله يهدئ من ثوران أعصابها:
" أمي.. ماذا بدر منا لتقولي لنا مثل هذا الكلام؟؟ ".
" أبعد حديثكم هذا لا تريدني أن أغضب؟؟ ".
اقترب علي ووقف بجانب شقيقه وتحدث:
" أمي لا تغضبي نحن سنأخذهم معنا للمنزل وسنربيهم مع أولادنا، وإذا كان من أجل كل منهم سيكون في منزل مختلف هذا أمر له حل...يستطيعون الالتقاء متى ما أرادوا...فمنازلنا متلاصقة وقريبة، ونحن لن نمنعهم من رؤية بعضهم البعض ".
" أهذا ما استطعتوا الخروج منه من اجتماعكم؟! تفرقتهم!! ألا يكفي موت والديهم ؟! تريدون أيضا بعدهم عن بعض!! ".
" أمي أنت.....".
قاطعته بقوة وتحدثت بنبرة وأمر لا جدل فيها:
" أولاد ابني خالد لن يفترقوا عن بعضهم!! ".
" لكن...".
حدجته بنظراتها الحادة ليبتلع رفضه ثم تابعت.
" مريم ومحمد سيعيشون معي في بيتي, وأنتم لكم الله، ليساعدكم ويسهل عليكم أموركم ".
فالتفتت وتأملت الصغيرين بعيون ملأتها الحنان فهم أبناء الغالي كما تناديه دائما، فهو الابن الحنون والطيب، كان يختلف عن أشقائه برجولته وصلابته، تراه بوقت حاجتك، ويقف بوجه التحدي مهما كان الخطر الذي يحدق به.
وبداخله حنان وعطف يشمل الجميع ولا يبخل على من يحتاجه مهما كانت حاجته هو بها, يبديها لغيره ويحرم نفسه عنها، لكنه رحل...وتركها لوحدها...وخلف خلفه أمانه كبيرة لا تعرف إن كانت ستستطيع المحافظة عليها.
دمعت عيناها دمعة كسيرة تبكي رحيله، تبكي طفليه، تبكي يتم صاغ حياتهما منذ الصغر.
مسحت دمعتها ( بشيلتها ), وعاهدت نفسها بأنها لن ترتاح سوى بعد أن تطمئن لمستقبلهم.
" مريوم، حمود، تعالوا يا أحبائي دعونا نذهب للمنزل ".
لا رد...فعادت بصوت شجي ملأته بالأمومة والحنان الذي طفق على ملامحها:
" يا ابنة الغالي لا تخافي ما دامت أنفاسي تتنفس الهواء ".
رفعت الصغيرة رأسها وتأملتها بعيون ظهر انكسارها ووجعها وخسارتها
"يا ابنة الغالي ارفعي رأسك ولا تخفضيه، وانظري حولك وسترين ثلاث رجال هم عضدك وسندك بهذه الحياة، ارفعي رأسك واتركيه شامخا عاليا دائما ".
تداخلت الأصوات بين الأعمام وكل منهم يضرب على صدره يخبرونها بأنهم موجودون وهم لها دائما، دفعها هذا لذرف المزيد من الدموع إلى أن تحولت لنشيج عالي لم تستطع كتمه بعد كلماتهم التي نفذت لأعماق قلبها الصغير يخبرها بأنها ليست وحيدة.
اقتربت الجدة وانخفضت لمستواهم واحتضنتهم بقوة وتركت العنان لدموعهم تبكي خسارتهم.
بعد عشر سنوات
" مريوم...مريوم أين ذهبت هذه الفتاة؟!!..حمود...حمود هل الولد أصم؟؟.. ألا يسمعني أناديه؟؟ ".
دخلت لغرفة الجلوس وشاهدته مندمجا يلعب بلعبته الإلكترونية ويصرخ أثناء لعبه
" لا حول ولا قوة إلا بالله هذه اللعبة لا فائدة منها، وأمنيتي حملها وكسرها!! ".
" ما الأمر يا أمي ماذا تريدين؟؟ لا أعرف لما تكرهين لعبتي ورغبتك بكسرها؟؟ وإن فعلتِ سأجعلك تشترين أخرى جديدة، وثانيا نحن في الإجازة الصيفية، أين تريدين مني الذهاب والجو شديد الحرارة؟! ".
" حسنا.. حسنا..لسانك هذا يحتاج للقص!! ".
" يا أمي يا حبيبتي، نحن نعيش بديمقراطية وحرية رأي ".
قاطعته والدته وتقدمت ناحيته وأمسكت أذنيه تشدها:
" نعم...ماذا تقول يا قليل الأدب؟؟ هل تشتم؟...ديمو... ديمو لا أعرف حتى كيف أنطقها؟؟ ".
" آه... آه أذني "
تركته ليتراجع للخلف وهو يدلك مكان الألم ويقهقه بصوت عالي:
" أمي... ماذا.. تقولين؟...اسمها ديمقراطية ".
ثم أكمل وصلة ضحكه ولم يستطع التحدث معها:
" آه... معدتي تؤلمني، ههههههه ".
" أقسم بالله يا حمود إن لم تصمت سأقوم بضربك بنعالي على رأسك!! ".
" لا.. لا سأسكت، أرجوك..ولا ترميني بقذائفك النووية ".
فنهرته الجدة بقوة:
" حمود!! ".
" أنظري سأصمت "
رفع كفه ووضعها على فمه, كي يمنع ضحكته من الخروج وينال ضربة من شبشب والدته.
تنهدت والدته وأخذت تهمهم بكلمات غير مفهومة ثم التفتت إليه وحادثته بنبره عالية:
" أين شقيقتك مريوم؟؟ ".
خرج صوته مكتوما وغير مفهوم، فضربت كفوفها ببعضهما وهي تردد:
" لا حول ولا قوة إلا بالله يا مثبت العقل والدين ".
فانخفضت وسحبت نعالها وقذفتها ناحيته، فارتد عنها بحركة اعتادها وأتقنها من كثرة تدربه عليها، فخرج راكضا من غرفة الجلوس وهو يضحك بشدة ويصرخ:
" أهربوا الصواريخ قد وصلت ".
فخرجت والدته على أثره، وهي تحمل شبشبها الآخر بعد أن فقدت الأول بمكان ما بعد أن قذفته ناحيته.
" تعال يا حمود...أقسم على ضربك اليوم!! فقط انتظرني ريثما أمسكك بك "
" اهدئي يا أمي حتى لا يرتفع ضغطك وأقع أنا بالمشكلة ".
" لا يوجد غيرك هنا من يرفع ضغطي....أولاد آخر زمن، أين الأيام الماضية؟! كان الابن يصمت ويحترم والديه، ولا يستطيع التفوه بحرف واحد إلا عندما يطلب منه الحديث، ويخبرهم بكلمة إن شاء الله بعد أن يطلب منه أمر ما، لكن جيل اليوم؟ الخوف منه ومن مشاكلهم التي لا تنتهي ".
جلست الأم بصعوبة لكبر سنها الذي يناهز السبعين من عمرها، وتربعت على فراشها من الجلسات العربية، واتكأت على أحد المخدات، وتنفست بصعوبة فاللحاق خلف حفيدها قد أتعبها.
اقترب منها حمود وركع أمامها وسحب كفها المليء بتجاعيد تحاكي خبرتها بالحياة وقبلها بكل احترام ثم سحب رأسها وطبع قبلة محبة:
" اعتذر يا حبيبة قلبي، أنت تعرفين كم أحب أن أمزح معك؟؟ ".
" لا عليك يا ولدي الله يهديك ويصلحك حالك ".
وأخذت تتمتم بدعوات الحفظ والهداية، سحبت يدها وأمسكت مسبحتها وتراجعت للخلف تسبح وتكبر، واتكأ هو الآخر على أحد المساند وتأمل المرأة التي أمامه بلباسها التقليدي المكون من (المخور ) بلون الأحمر وطبعت عليه دوائر باللون الأبيض، وطرزت بلون ذهبي عند الصدر وعند اليدين، و( شيلتها) السوداء على رأسها لا تزيلها أبدا فقط وقت نومها، وتضع فوق وجهها المليء بتجاعيد الزمن ويظهر كبر سنها ( البرقع ) فالنساء كبيرات بالسن لم يتخلين عن هذه العادات التي تمسكن فيها بقوة كي لا تندثر، فقلدنها بعض الفتيات لكن باختلاف حجم هذا
( البرقع )، فلقد تحول لموضة وتزين بحلي وأشياء أخرى لا يفقهها أبدا، تظهر من خلفه عينيها التي تحمل قسوة الزمن لحدتها ولكن تحت طياتها تحمل الكثير من الحب والحنان فهي الوحيدة التي احتوتهم وضمتهم لصدرها بعد موت والديه في حادث سيارة عندما كانوا صغار بالسن ، حاول أعمامهم التفريق بينهم بأخذ كل واحد فيهم لبيت، ولكن الجدة وقفت وقفة الرجال وبصوتها الآمر والناهي تحدثت والجميع لبى طلبها دون أي جدال.
أخذته ذاكرته لذلك اليوم الكئيب والمحزن لقلبه الصغير, لخسارة فادحة تلقاها دون فهم ودراية بما يحدث حوله، كل ما فهمه من حديثهم أنه لن يرى والديه بعد الآن، كان في الثامنة من العمر لكن ذلك اليوم طبع بعقله والصورة لم تهتز قيد انملة أو تمحى بالرغم من مرور عشرة سنوات.
عاد لحاضره وهو ينظر إليها بكل احترام وحب يكنه لتلك العجوز التي احتوتهم ولم تبخل عليهم بشيء، هو وشقيقته مدينين لهذه الجدة بحياتهم وكلمة شكر لا تفيها حقها.
خرج من تأمله على صوتها بالرغم من مرور السنين إلا أن صوتها مازال صارم وقويا:
" حمود أين شقيقتك مريم فأنا لا أراها في الجوار؟؟ ".
" هل بحثت بالمطبخ؟؟ ".
" لا لم أبحث هناك!! ".
" أنت مخطئة يا أمي، كان عليك البحث في البداية في هذا المكان!! ".
وضحك.
"حمود، إياك والسخرية من شقيقتك!! ".
" أمي ألا ترين بأنها دائما تتواجد بالمطبخ؟! لكن بصراحة عليها نفس يطيب فيه الطعام ويطير العقل "
" حمود لم أعرف بأنك تعد اللقمة على شقيقتك!! ".
" لا لم أقصد فقط...."
" أسكت لا أريد كلمة عنها!! شقيقتك تمتلك صحة جيدة، دعها تأكل ما تريده بالصحة والعافية "
" أمي لكن بطريقتها لن تستطيع الزواج أبدا؟!! ".
" لما تقول هذا؟؟ شقيقتك جوهرة نفيسة ولن يعرف قيمتها سوى صاحب نظرة ثاقبة، وسيكون زوجها هو أسعد رجل بالعالم لزواجه من مريم، فهو مهما بحث فلن يجد من هي مثلها "
" لا أظن هذا يا أمي فهو ما أن يراها سيفر هاربا "
وضحك
" حمود، أقسم بالله إن لم تسكت سأقوم بضربك بالعصا!! هيا اذهب وتحرك من أمامي وناد على شقيقتك ".
" حسنا لا تغضبي،ولا ترميني بقذائفك، سأذهب حالا ".
*****************
بمكانها المفضل والذي تفوح منه الروائح اللذيذة والعطرة، ويشمل كل ما لذ وطاب، صنع بيديها الخبيرتين، وبنفسها الطيب تخرج أكلات تأكلها العيون قبل أن تملئها البطون.
تحمل بيدها قمع الكريمة, وتركز بكل انتباه لرسم الشكل الذي تريده على الكعكة، دخل شقيقها كالصاروخ واتجه مباشرة ناحية الموقد ورفع غطاء القدر, وأخذ أنفاسا طويلة يتلذذ بالرائحة الشهية ويسيل لعابه عليها،وتحدث وعينيه تلتهم شكله المغري:
" مريوم، أنا أشعر بالجوع متى سنتغذى؟!! ".
ركزت على ما بيدها ولم تستدر ناحيته وتحدثت معه كما العادة، فهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها المطبخ ويعلن عن جوعه:
" سنأكل بعد صلاة الظهر ".
ترك القدر واقترب منها يتطلع بشهية ناحية كعكة الشوكولاه المغطاة بالكريمة البيضاء وامتزجت مع ألوان أخرى أظهر شكل الوردة رسمت بفن ومهارة، ثم نظر للفراولة الموضوعة على جنب تنتظر دورها لتزين الكعكة، والشوكولاه المبشورة والسائلة موضوعة هي الأخرى على الجانب، مد يده والتقط حبة فراولة وقذفها بفمه بعد أن غطسها بصحن الشوكولاه السائلة التي لا يعرف أين ستوضع؟! وأغمض عينيه يتذوق طعمها الشهي وأخرج لسانه يلعق شفتيه بما علق فيها وهو يصدر أصوات متلذذة:
" هممم...امممممممم، أختي سأفتح لك مطبخ شعبي وستكونين أنت الطباخة، وسأربح الكثير من المال لتوافد الجميع من أجل طعامك الشهي ".
" لا تكثر من الكلام قل ما تريده وأخرج من المطبخ في الحال، فأنا مشغولة ولا وقت أضيعه في الحديث معك ".
وبحركة مسرحية أمسك بقلبه وسقط على الكرسي يشهق بقوة يسحب الهواء سحبا ويتمتم بكلمات مؤلمة:
" أختي الحبيبة تطردني من المطبخ وأنا شقيقها الصغير الذي يكاد يموت من الجوع يبحث عن لقمة تسد به جوعه إلى أن يحين وقت الوليمة، أهكذا تفعلين بشقيقك؟؟... سأموت....آه...آه...أعطني طعاما وسأشعر بخير ".
" حمود، إن لم تخرج سأضربك بهذه على رأسك ".
رفعت الملعقة للأعلى فنهض عن الكرسي وتحدث وعيونه تركز لشيء ما على الطاولة:
" حسنا اهدئي لا أعرف ما بال الجميع اليوم علي!! اذهبي إلى أمي فهي تريدك في الحال!! ".
" حسنا، سأذهب بعد أن أنهي ما بيدي. وأخرج أنت في الحال كي أنتهي بسرعة ".
" سأخرج لا تقلقي لكن...".
سمع صوت صراخها وهي تزعق بشقيقها الذي خرج بعد أن أخذ كمية من الفراولة وانطلق يعدوا للخارج وهو يسمعها تتوعده، فقهقه بصوت عالي فعادت تكمل ما تفعله وهي تهز رأسها وابتسامة تألقت على شفتيها وحدثت نفسها:
" هو لن يكبر أبدا وصل لعمر 17 عشرة وحركات الصغار لم يتركها بعد ".
اقتربت منها الخادمة لتسألها إن كانت تحتاج لشيء آخر :
" مدام هل تريدين شيء ما؟؟ ".
" نعم، اذهبي واحضري لي بعض الطماطم والخيار سأقوم بصنع سلطة ".
" حاضر مدام ".
أنهت ما بيدها ثم اتجهت إلى جدتها، فرأتها تجلس بمكانها المعتاد بالخارج ودلة القهوة وصحن التمر أمامها، فالتفتت تبحث عن شقيقها فلم تجده، فوصلها صوته المندمج مع لعبته الالكترونية، لا تعرف ما يحبه فيها إنها مضيعة للوقت، وتفسد العقل بعنفها, لكن ماذا تفعل؟! فجميع من بسنه يملكون هذه اللعبة .
" السلام عليكم ".
" وعليكم السلام، أهلا بابنة الغالي، تعالي يا ابنتي واجلسي بجانبي ".
اقتربت مريم منها وطبعة قبلة على قمة رأسها، ثم انخفضت وجلست بقربها
" أمري يا الغالية ".
" ما يأمر عليك عدو يا ابنتي, كنت أريد أن أذكرك بذهابنا بعد صلاة العصر لمنزل موزة أخت زوجة ابني أحمد ".
انكمش وجهها بضيق وتأففت :
"لا تنفخي أمامي!! ".
" أمي حبيبتي، لقد أخبرتك من قبل أنني لا أريد الذهاب إلى هناك!! ".
تأملتها بنظراتها الخبيرة فأشاحت بوجهها، فلا تريد أن تكتشف ضيقها من الذهاب لحفل الخطوبة.
" لم أعتقد يا ابنة الغالي أنك ستستمعين لكلامهم، وأنت العاقلة بينهم؟؟ ".
" أحيانا الكلام يؤلم يا أمي!! ".
قالتها بحزن ظهر جليا بملامح وجهها
" أنت لها يا ابنتي، وبعد الصلاة بإذن الله سنذهب ".
نهضت الجدة من مكانها بعد سماعها للآذان وهي ترتكز على ركبتيها فساعدتها مريم وتوقفت للحظات وهي تردد خلف الآذان، وبعد انتهائها نادت على محمد وأمرته بالذهاب إلى المسجد، والتفتت تتجه للداخل وقبل أن تدخل استدارت وقالت:
" احفظي هذه الكلمتين التي سأقولهما برأسك، وإياك ونسيانها ومهما واجهتك من مصائب تذكريها (ابنة الغالي رأسها دوما مرفوع وقوتها بعقلها) ".
ودخلت لتؤدي صلاتها، ووقفت مريم تنظر للفراغ الذي خلفته والدتها وكلماتها يتردد صداها بعقلها، فزفرت لقلة حيلتها بإجبار جدتها لها بالذهاب ووضعها لواجهة المدفع، تحركت بعد وقت واتجهت لغرفتها لتؤدي صلاتها.
افترشوا الأرض، ووضعوا البساط، وجلسوا يتناولون الغداء بنهم المكون من صحن كبير من البرياني، وحوله سلطة الخضار، وسلطة الروب، والشطة الحارة كما يفضلها شقيقها، فهي لا تستطيع وضع الفلفل الحار بالطعام لصحة جدتها التي لا تحتمله معدتها، فتحدث شقيقها:
" هل فكرتي بموضوعي؟؟ ".
رفعت رأسها وناظرت شقيقها وهي تضيق عينيها وتحاول التذكر بأي موضوع قد تحدثا وينتظر منها الجواب:
" عن أي موضوع تتحدث وأي فكرة؟؟ ".
شهق بصوت عالي ونظر لشقيقته بعيون زائغة:
" سلامتك يا أختي، هل تشعرين بالمرض؟؟ ".
"أنا بخير يا حمود..وكف عن كثرة الكلام وتحدث بسرعة!! ".
" لقد تحدثنا قبل قليل عن الفكرة، كيف نسيت بسرعة؟؟ هل أصابك الزهايمر يا شقيقتي؟؟ إذا أنا لا ألوم والدتي إذا هي نست ما دمت أنت الصغيرة قد أصابك المرض!! ".
" حمود كف عن الثرثرة وتحدث،وإن لم ترد فاصمت ودعنا نأكل بهدوء ".
تحدثت جدته وضحكت مريم وتحدثت إليه بين قهقهاتها:
" تستحق هذا!!.. هيا تحدث بسرعة وأخبرني عن الفكرة العبقرية التي قلتها لي؟؟ ".
" لا لن أقول، وأنت تسخرين مني لأن والدتي قد زجرتني، أنا كنت أريد لك الشهرة وما أن يروني الناس حتى يقولوا هذا شقيق مريم ".
ازدادت حيرتها أكثر مما يقوله شقيقها، واستهجنت الأم من حديثه الذي لم تستغثه
" حمود متى ستعقل وتصبح مثل الرجال؟!! تريد من شقيقتك أن تكون علكة بأفواه الناس؟!! يا خسارة التربية فيك، هيا انهض من أمامي فلا أريد رؤية وجهك!! ".
شهق محمد شهقة كادت روحه تزهق وعيونه خرجت من محجرها:
"أنت من تقولين هذا يا أمي!! أتطردينني من هذا الغداء الطيب؟؟ ماذا سيقول الناس عندما أموت من الجوع؟؟ بنت سلطان العتيبي يموت ولدها من قلة الطعام!! ".
" ستضرب اليوم يا حمود والعصا ستلمس ظهرك لا محال ".
" سأنهض وأخرج لكن سآخذ صحن الطعام معي ".
تحرك من مكانه وحمل معه صحن الغداء، وهو يتكلم:
" كنت أريد لكما الهناء وأموال تدر عليكما بالكثير، وأنتم تحرمونني من الطعام!! كيف يحدث هذا بين القبائل كيف؟! ".
ضحكت مريم بصوت عالي على شقيقها وأمسكت معدتها غير قادرة على المزيد من الضحك.
" هل أعجبك حديث شقيقك وأفعاله؟! يريد من الناس أن يتحدثوا بسيرتك وأنت تضحكين!! ".
ضربت الجدة كفوفها وأرادت النهوض، فأمسكتها مريم بعد أن تمالكت نفسها:
" اجلسي يا أمي وأحلف بالله أن لا تنهضي، دعينا نستمع لما يقوله؟؟ ".
" لا أريد الجلوس مع هذا المجنون ولقد فقدت شهيتي عن الطعام ".
" لا تجعليني أحزن يا أمي، فلقد صنعت الطعام من أجلك أتريدين أن يذهب جهدي هباء؟؟ ".
" ألا تسمعين حديث شقيقك الذي لا يدخل العقل!! ".
" دعينا نستمع إليه ونفهم ما يقوله؟؟ وبعدها لكل حادث حديث ".
نادته مريم:
" حمود....حمود ".
فأطل من عند الباب وتحدث:
" إلى أين رست رئاسة القمة؟؟ هل اتفقتم مع أو ضد؟؟ ".
" تعال يا حمود وأخبرنا ماذا تقصد بموضوعك؟؟ وضع الصحن من يدك ".
تقدم للداخل ولم يضع الصحن بمكانه بل وضعه بمكان بعيد
" أعتذر لا أستطيع أن أقامر بطعام الغداء، سأتركه بعيدا للاحتياط ".
" يا ولد!! هل ستتكلم أم أنهض وأدخل للداخل لأريح رأسي من جنونك؟؟ ".
" لا.. حبيبتي تقول عني أنني مجنون؟؟.. بالعكس أنا بكامل قواي العقلية والجسدية وليس مثل بعض الناس الذين أصابهم الزهايمر".
تحدث وهو ينظر بطرف عينه نحو شقيقته يقصدها بالكلام، أخذ أنفاسا طويلة ثم زفر ثم عاد الحركة مرة أخرى إلى أن زعقت به والدته:
" حمود!! "
" حسنا...حسنا، سأتكلم. لا تريدون مني التنفس حتى....أيها السادة الكرام الموضوع هو أنني أخبرت شقيقتي عن مشروع ناجح سيدر علينا بأموال كثيرة لكن يبدوا أنها لم تنتبه لما أقوله "
أجلى صوته ثم استطرد مكملا حديثه:
" في الحقيقة هو مشروع عن....".
سكت وتطلع إليهم وهم ينظرون إليه باهتمام، فابتلع ريقه بصعوبة وهو يعرف ما سيحدث بعدها فسعل يسلك حنجرته:
" مشروعي هو فتح مطبخ شعبي و.......تكون أختي هي الطباخة ".
" يا ناقص الرجولة، ألا تخجل من نفسك؟؟ تريد من شقيقتك أن تكون خادمة في مطعم؟؟ ".
قذفته بكل ما هو أمامها، وهي تتوعده بالضرب المبرح الذي سيعيده لصوابه، أما هو فقد حمل صحن البرياني وأطلق ساقيه للرياح يحمي نفسه من القذائف التي تلقيها عليه، ويسمع ضحكات شقيقته التي رسمت البسمة على شفتيه، بأنه استطاع أن يجعلها تضحك وهو يعرف على ما هي مقبلة عليه بذهابها لتلك الزيارة.
مرت الساعات سريعة وحلت فترة العصر، احتارت مريم ماذا ستقول لوالدتها عن رفضها للذهاب للحفل؟؟ فهي تعرف ما سيحدث، والحديث الذي سيقال ما أن يرونها من ضحكهم وسخريتهم منها أمامها وخلف ظهرها، تطلعت لنافذتها وتنهدت بضيق اعتمل صدرها هي لا تهتم بما يقال عنها...لكن جزء صغير بداخلها يخبرها بأنها تكذب, بل هي تهتم وتريد أن تكون مثلهم، ويعلم الله أنها حاولت, لكن لم ينفع ما تقوم به لهذا تخلت عما تفعله واقتنعت بما هي عليه.
نهضت من مكانها واستجمعت قوتها التي تبعثرت للحظات وأخذت أنفاسا أخرى تطرد اليأس من داخلها وتدخل الأمل بمكانه، فهي أقوى من أن تلتفت لأحاديثهم السخيفة وهي لا تهتم بما يقال
نعم ستذهب وتريهم من هي مريم بنت خالد النعيمي!!!
خرجت بسرعة من غرفتها بعد أن غيرت ملابسها وارتدت جلابية واسعة بلون عنابي مخططة بخيوط ذهبية، وتركت شعرها مسدلا يتأرجح خلف ظهرها من طوله فهي تنوي رفعه قبل خروجهم.
" أمي... أمي أين أنت؟؟ ".
خرجت للخارج تعرف أين تجدها بهذا الوقت، والتفتت إليها وقد أغمضت عينيها لفترة من أشعة الشمس التي سطعت، ثم فتحتهما وهي تتحدث دون انتباه لما حولها:
" حبيبتي هل أخذت دواءك؟؟ ".
رفعت الجدة رأسها تنظر لابنتها وشهقت بصوت عالي:
" ألا تخجلين يا فتاة؟!! أدخلي للداخل واستري نفسك؟؟ ".
عقدت حاجبيها وهي تنظر لجدتها ثم نظرت لملابسها التي ترتديها:
" لما يا أمي ألم تعجبك الجلابية؟؟ ".
" يا فتاة أدخلي وغطي رأسك فهذا حرام؟؟ ".
" لما يا أمي فنحن وح."....
بترت جملتها بعد أن التقطت عيناها ملابس ناصعة البياض، وشعور غريب يخبرها بأنه ليس شقيقها، فالتفتت ببطء وتوقفت أنفاسها وتوقف الزمن وهي تراه أمامها هو بذاته.
وضعت يدها على فمها تمنع صرختها من الخروج وتراجعت للخلف والتفتت مغادرة دون أن تنتبه لخطواتها فاصطدمت جبهتها بالجدار فتأوهت بألم، لكنها واصلت المسير ودخلت لغرفتها وأغلقت الباب واستندت عليه.
أغمضت عينيها لثواني وصدرها يرتفع وينخفض بسرعة من شدة تنفسها ثم هدأت من روعها و فتحتهما, وتحركت من مكانها وسارت بخطوات حزينة ثقيلة وتوقفت أمام مرآتها وتأملت انعكاس صورتها، لقد شاهدها بهذا الشكل، لا بد وأنه يضحك ويسخر منها كما اعتاد دوما الجميع يسخر منها لأنها....
" لأنها سمينة ".
******************
