اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل الثاني 2 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل الثاني 2 بقلم الكاتبة ام حمدة


الفصل الثاني - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
*****************

تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وعيونها تتطلع للمناظر الخارجية للنافذة، وجدتها تتحدث معه عن المزرعة وشؤونها.
استرقت النظر ناحيته وتأملته، سلطان بن أحمد النعيمي، ابن عمها، شاب وسيم يبلغ من العمر 28، بملامح عربية حادة، عيون عسلية صقرية ورثها عن جده، لحيته محددة ومشذبه بإتقان كنجر السكين عند أطرافها، أنفه حاد، شفتيه ورديتين خالية من النيكوتين، يرتدي ملابس تقليدية من دشداشة بيضاء بل ناصعة البياض، و( الحمدانية ) ملفوفة على رأسه بدقة زادته وسامة، وقلم ذهبي زاد من هيبته موضوع بجيب دشداشته من الأمام, أشاحت بنظراتها وأعادتها للمناظر، وتنهدت بحسرة بداخلها لتذكرها للمواقف الصادمة التي حدث اليوم بينهم...
الأولى: عندما شاهدها عارية الرأس، والثانية: اصطدامها بالجدار أمامه والثالثة: حدثت بعد خروجها من المنزل فحدثت نفسها...
" لا بد بأنه سخر منها كثيرا"
وما زاد الطين بله أنه هو من سيأخذهم لمنزل العروس....
أرادت البكاء والصراخ حينها، وإخبار جدتها بأنها مريضة ولن تستطيع الذهاب، لكنها أعادت النظر بالأمر، فهم يعلمون بأنها ستذهب لاستعدادها فما كان منها سوى أن ترضى بالأمر الواقع والصعود بسيارته وها هي الآن بسيارته الفارهة من نوع الهامر، فتذكرت الموقف الثالث والمخجل الذي حدث أمام عينيه الشامتتين، فبعد خروجها من المنزل ودون أن تلتفت ناحيته خوفا من رؤية السخرية بعينيه سارت بسرعة ناحية السيارة واضطرت لرفع نظراتها للأعلى كي تستطيع الرؤية جيدا....
وقفت مذهولة من رؤيتها لنوع السيارة التي ستقلهم للحفل، وتطلعت للمسافة التي يجب أن تضع بها موضع قدمها للصعود، ظلت واقفة تنظر للسيارة تارة وللأرض تارة أخرى، وكادت دموعها تظفر من مقلتيها من الموقف السمج الذي وضعت فيه، ومن طرف جفنيها شاهدته يستند للسيارة بانتظار ما ستفعله، وابتسامة خبث تألقت بوجهه، فضيقت عينيها ثم توسعت بادراك لما استنتجه عقلها..كان يقصدها بإحضاره هذه السيارة لإحراجها فقط وكان تخمينها صحيحا ما أن شاهدت اتساع ابتسامته لمعرفتها بمقصده.
كادت أن ترد عليه بكلمات لاذعة توقفه عند حده، لكنها تراجعت باللحظة الأخيرة، وارتفع أحد حاجبيها وانزوت شفتيها بمكر وتسلحت بالبرودة واللامبالاة.
أشاحت بوجهها عنه ونظرت للسيارة فتقدمت ناحيتها كفارس همام ينوي شن هجومه على خصمه الفارس الحديدي، توقفت بجانبها تماما وأخذت أنفاسا طويلة فرفعت ذراعيها وأمسكت الباب بإحكام ودعت بداخلها أن لا تزل قدمها وينال هو مراده بالضحك عليها.
تنفست الصعداء، وتهللت أساريرها بعد أن استطاعت الركوب والجلوس بمكانها، رفعت عباءتها وعدلت من هندامها والتفتت تنظر إليه بخبث تفوقه، وأمسكت الباب وعينيها لم تحد عن عينيه التي تنتظر حركتها التالية وما أن فطن لما تريد فعله كان الأوان قد فات، فقد صفقت باب السيارة بقوة وارتجت السيارة على أثرها، شاهدت اختفاء ابتسامته وتبدلت ملامحه والتبست الغضب، وشفتيه تتحركان بهمهمة غير مسموعة، فخمنت أنه يلعن ويشتم، فاعتدلت بجلستها كأنها لم تقم بأي فعل خاطئ.
ركب بمقعد السائق وكان وجهه جامدا وانخرط مع جدته بحوار استقصاها منه متعمدا ولم يوجه لها أي حوار كأنها غير موجودة وهذه هي الحقيقة، فقط متى ما أراد الضحك واللهو أتى لجدته ليضحك على حسابها.

تنهدت بضيق وعادت تختلس النظر إليه من جديد فزجرت نفسها بعتاب ضعيف ومهزوز بأنه لا طائل مما تفعله، فهو أبدا لن ينظر إليها كما ينظر لغيرها من الفتيات، فهي ليست مثلهن جميلات أنيقات و..... رشيقات،بل هي عكسهن تماما.
توقفت السيارة عند باب الفيلا وتأملتها للحظات، منزل يتكون من طابقين ويحيطها سور أبيض عالي يمنع المتطفلين من النظر إلى الداخل، شاهدته يترجل من السيارة ويتقدم ناحية الجدة ويفتح لها الباب، ثم يساعدها على الترجل بحملها وإنزالها على الأرض، رفعت الجدة يدها وداعبت وجنته كطفل صغير فابتسم بسعادة ثم طبع قبلة على رأسها، رفع أنظاره بغتتا ناحيتها فأخفضت عيناها للأسفل وأخذت تعبث بمحتويات حقيبتها، طرقات قوية على النافذة أجفلتها، فوضعت كفها على موضع قلبها وشعرت بها تكاد تخرج من مكانها، فهي كانت بعالم آخر يخصها وحدها بخيالاتها البريئة والحالمة، فتح الباب من ناحيتها وقفزت بمكانها وأطلقت صرخة فزع من فتحه للباب فجأة فتحدث بصوته الخشن والبارد:
" هل ستظلين كثيرا بالسيارة؟؟ أم أن الملكة لم تنتهي بعد من تأنقها واستعدادها؟ أممممم وأنا أرى أنك لا تحتاجين للتأنق ".
حركت رأسها باتجاهه وحدجته بنظرات غاضبة وحانقة من كلامه المهين بحقها، فأغلقت الحقيبة بشدة وقالت له:
" ابتعد.. ".
" بسرعة لا تتأخري وتتركي جدتي تنتظرك كثيرا, فهي لا تريد الدخول من دونك، يبدوا أنك ما تزالين طفلة وتحتاج لمن يمسك بيدها كي لا تخشى شيء ".
شعرت بأعصابها تغلي كغليان الماء على النار، ودمها يسري كحريق ملتهب بشرايينها، احمر وجهها على اثر كلماته، فتحركت من مقعدها واقتربت من الباب الذي ما يزال ممسكا فيه ودون أن تخفض أنظارها نزلت من السيارة وتوقفت بجانبه، فلفحها عطره القوي الذي يشبه شخصيته التي تهيمن على الجميع بقوته وصلابته، وغلاء قيمته كما اختياراته المتأنية والمنتقاة بحرص.
طالعته بنظرات ساحقة أخرسته وأغضبته بآن واحد، ورحلت مبتعدة عنه برأس شامخ وبخطوات متأنية بعد أن نالت ما تريده من رؤية تغير ملامحه، وبقي هو ينظر إليها باستحقار، بأن تلك السمينة استطاعت أن ترميه بنظرات مشمئزة وليس هذا فقط؟؟! بل كانت لها كما العادة الكلمة الأخيرة وتذكر كلماتها.
" أخبروني بأنك تشبه جدي بحكمته،ورجولته، وجبروته لكن ينقصك شيء واحد لتصبح مثله ".
لم تنتظر سؤاله وواصلت الحديث:
" عقلك صغير يا ابن عمي، وأعمى البصيرة ".

" لما تأخرت يا ابنتي؟؟ ".
" لم أتأخر أمي، لما لم تدخلي للداخل؟؟ فأنا أستطيع الدخول لوحدي! ".
قالتها بقوة وهي تكز على أسنانها تكاد تحطمها من غيظها
" ما بك يا ابنتي؟..هل قال ابن عمك شيء ما أزعجك؟؟ ".
" لم أقل لها شيء يزعجها يا جدتي!! ".
"غيرك حاول ولم يقدر! ".
قالتها بقوة.
" ومن يستطيع هز المرأة الحديدية؟؟ ".
وقفا بمواجهة بعضهما وعيونهما تنطق بنظرات التحدي،حاول عدة مرات أن يسبر أغوارها، يريد هدم سور القوة التي لا يعرف من أين تأتي بها؟..
فمن بحالتها يجب أن تكون خجولة، غير مرئية، ضعيفة، ومسيرة، لكن هي مختلفة، عجيبة، تعاكس حالتها، بل ترى نفسها فوق الجميع، تملك من الغرور ما يكفي جميع الفتيات بجمالهن
تأملها قليلا، لا ينكر جمال وجهها الطبيعي دون مساحيق تجميل، وعينيها الشبيهة بعيون الغزلان، برموشها الطويلة من يراها يحسبها رموش مركبة لكنه يعرف بأنها حقيقية، وأنفها الطويل يشبه السيف بحدته، و بشرتها تشبه بياض الثلج ويشوب خديها حمرة طبيعية لا تختفي أبدا، وفمها توقفت أنظاره عند شفتيها الورديتين الخاليتين من أي أحمر شفاه.....
ارتفاع حاجبها قاطع تأمله الغريب لابنة عمه فهو أبدا لم ينظر لها بنظرة أخرى غير نظرة القريب لقريبته، نفض رأسه عن تلك التخيلات وهمس لن يبدأ الآن برؤيتها بشكل مغاير.
" السلام عليكم ".
" وعليكم السلام والرحمة ".
رد عليه الجميع.
اقترب جاسم بن سالم النقبي أكثر وسحب رأس الجدة وطبع قبلة وقال:
" جدتي كيف هي أحوالك وأحوال الدنيا معك؟؟ ".
ردت الجدة معاتبة:
" لو كنت تريد أن تعرف أحوالي فمنزلي ليس ببعيد!! ".
" أعتذر يا جدتي.. فمشاغل الحياة تأخذ كل وقتي, وأنا أعرف بأنني مقصر بحقك ".
" لا عليك يا جاسم أنا أسامحك بشرط أن لا تعيد الكرة، فمشاغل الحياة لا تنتهي أبدا, وصلة الأرحام فرض وواجب علينا يا بني، فلا تقطع أرحامك بسبب شيء لن ينفعك بآخرتك ".
" نعم يا جدتي أنت محقة ".
التفت لابن خالته وحادثه:
" سلطان... كيف حالك؟؟ "
" بخير يا جاسم وأنت كيف أحوالك وأخبار العمل معك؟؟ "
" أنا بخير ولكن لا تحدثني عن العمل أرجوك،فأنا في إجازة وممنوع فيه الحديث عن العمل ".
قهقه الاثنان ثم التفت ناحيتها.
" كيف حالك يا مريم؟؟ ".
قالها برقة وحنان لم يخفى عن من حوله، فازدانت وجنتاها بحمرة الخجل وارتبكت لنغمة الحنان بصوته، فأجابته بنبرة لم تخلوا من القوة وتنبيه لما يقوله:
" أنا بخير يا جاسم شكرا لسؤالك ".
ووجهت باقي حديثها لجدتها..
" أنا سأدخل يا أمي، وسأنتظرك بالداخل ".
وغادرتهم دون انتظار أي إجابة منهم، فأخرج زفرات حارة من أعماق قلبه وهو يشيعها بنظراته، لم يغفل للواقفين بجانبه ما حدث فبادرته الجدة:
" سلامتك يا بني ما هي علتك التي تركتك بهذا الحال؟؟ ".
رفع كفه دون أي خجل ناحية قلبه وقال:
" هذا علتي يا جدة، ودوائي عند صاحبته!! ".
فتقدم وأمسك بكف جدته وهو يحدثها بعشق وهيام ورغبة:
" جدتي.. أنت أعلم بحالي؟؟ لما لا تحدثينها وتخبرينها بأنني أريدها زوجة لي؟؟ ".
" جاسم كف عن التحدث عن هذا الموضوع فقد انتهينا منه منذ زمن!! ".
" جدتي أرجوك!!... أنت تعلمين بأنني أحبها فلما لا تزوجينني إياها؟! ".
" جاسم.. هل تسمع ما تقوله؟! ".
" نعم أنا أعرف ما أقول، وأنتم تعرفون أيضا بحبي لها، لكنكم تغافلتم عما أريده؟؟ ".
" أنا من تغافل يا جاسم أم.....".
" أعرف يا جدتي... أعرف...لكن أنا....".
قاطعته الجدة بصرامة:
" إياك أن تجرؤ عن الحديث عنها يا جاسم!! انسها يا بني واذهب بطريقك، فأنت الآن متزوج ولن أرضى لابنتي بأن تكون الزوجة الثانية! "
" لكن.... ".
" لا... لقد انتهينا من هذه المسألة،ولن نتحدث فيها مجددا هل هذا مفهوم! ".
حل الصمت بالمكان،ولم يسمع سوى صوت صراخ الأطفال وهم يلعبون
وغادرت الجدة مبتعدة ومنهية الحديث بالأمر، فهي وإن وافقت والدته على زواجهما كانت هي من سترفض هذه الزيجة، فجاسم ليس الشخص المناسب ليحافظ على ابنتها، ولا يناسب شخصيتها القوية، مريم تحتاج لمن يحتويها ويروض عنفوانها، والشيء الآخر أنه تخلى عما يريده من الجولة الأولى لرفض والدته ( أم سلمى ) لمريم وتزوج ممن اختارتها له، وانتهى الأمر معها عند هذه النقطة فهو لا ينفع زوجا لها.
*************
توقفت عند باب المدخل لتسحب أنفاسا طويلة ثم زفرتها بهدوء, وقرأت آيات قرآنية وبعض الأدعية التي تبعد الشيطان عنها، ودعت الله أن يعطيها الصبر والعزيمة لما هي مقبلة عليه، ذكرت اسم الله ودخلت بقدمها اليمنى فطالعتها وجوه كثيرة من العائلة وبادلوها التحديق، هي لحظات فقط وكما تعودت حتى سرت همسات الهمز واللمز، فتحركت بآلية اعتادتها وسلمت على الجميع بابتسامة اغتصبتها، اقتربت منها امرأة منمقة بوجه ملأته بمستحضرات التجميل يخالف سنها الكبير، وملابس أو بالأحرى فستان عاري يخالف مكانتها ووضعها كأم كأنها تحاول الاحتيال على الزمن بتصغير سنها وارتدائها ملابس كملابس الفتيات الأصغر سننا، هكذا هي موزة أو كما تسمى بكنية (أم سلمى) لم تتغير ولن تتغير، امرأة حاقدة، مغرورة أنانية، تتباهى بما لديها من مال وأملاك، اقتربت منها تنظر إليها بنفور من الأعلى للأسفل ودون أي سلام وبادرتها.
" هل أتيت لوحدك أم مع جدتك؟؟ ".
اختفت ابتسامتها التي آلمت فكها وتسلحت بسلاحها الذي تأخذه معها أينما خرجت من منزلها أو قابلت أحد أفراد العائلة الغير مرغوب بهم، نظرت إليها بملامح مبهمة وجامدة, فأتاها صوت نسائي ناعم مليء بالدلال والأنوثة، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما فبسماعها هذا الصوت يعني الحرب ستبدأ والمعركة ستشن بالهجوم منذ البداية:
" آه مامي!! بالطبع هي ستأتي، فالحفل كبير, ويعني هذا الكثير من الطعام ويستحيل أن تفوته، لكن حبيبتي أخطأت بالمكان فالطعام ليس هنا بل أنه هناك!! ".
رفعت يدها السمراء والناعمة التي تخمن أنها لم تغسل صحنا بحياتها, وأظافرها المطلية بلون أزرق مثل لون فستانها القصير الذي يصل لركبتيها.
" المطبخ بهذه الجهة يا عزيزتي، لن يمنعك أحد من الأكل، وسأخبر الخدم بأن يخبئوا بعض الطعام بمكان بعيد وعند رحيلك يمكنك أخذه معك ".
فقهقهت بصوت عالي ما أن انتهت من حديثها وهي تضع أصابعها بدلال فوق فمها، ضحكت بعض المدعوات لقولها واستهجنت الأخريات قولها.
كلمات تطعن بالصميم اخترقت أسوارها، وصدر اعتصر غصة لما تفوهت به، تعلم بأنها ستجرحها، سرت البرودة بأوصالها بعد أن كانت تستعر بنيران عاتية لكن هي المرأة الحديدية كما يلقبونها لجمودها ولعدم استطاعة أي شخص كسر هذا الحديد الصلب، فبادرتها بهدوء وبابتسامة انزوت بأطراف شفتيها النديتين:
" شكرا يا عزيزتي لكرم الضيافة، فأنتم أهل الأصل والجود, و تقومون بواجبكم على أحسن وجه، وأنا أقبل بالطعام بكل امتنان لأحمله معي ".
ابتسمت الأم والابنة بتشفي لثوان فقط وبعدها اختفت وتحولت وجوههم الجميلة إلى شكل مريع ومخيف وهم يستمعون لكلماتها التالية.
" ونيابة عن أغنامي وكل الماشية في المزرعة، أشكركم بدلا عنها لإطعامهم من طعامكم ومشاركتهم بأفراحكم ".
شهقات عالية أطربت مسامعها، وابتسامة انتصار تألقت على شفتيها وبوسط المعمعة التي أحدثت جلجلة بين الحضور لتغلبها عليهم، تحركت واتجهت لأحد الكراسي المطلية بلون الذهب ويدل على غلاء ثمنه،جلست ثم رفعت كفها بحركة مفهومة لأحدى العاملات المتخصصة بتقديم القهوة، تقدمت العاملة مبهورة ومجبرة لخدمة تلك الفتاة الصغيرة التي دخلت وأسكتت الجميع بحضورها وهيبتها التي لا تخفى على الأعمى، سكبت القهوة بالفنجان وقدمتها بكل احترام وأخذته مريم وارتشفته دفعة واحدة وهي ساخنة فهذه هي العادات (( فالقهوة تشرب وهي ساخنة )) ثم هزت الفنجان بحركة دائرية عدة مرات دلالة باكتفائها بفنجان واحد فقط.
جميع العيون مبهورة ومأخوذة بفعلتها فهم لطالما سمعوا بقوة هذه الفتاة، بعضهم يعرفها ويعرف ردود أفعالها والآخرون سمع فقط والآن يرون بأم أعينهم بمدى صلابتها وذكائها الحاد.
" السلام عليكم ".
قالتها الجدة بصوت عالي وتأملت الحضور وهي تسمي وتكبر ونطقت ملامحهم المرتبكة بحدوث أمر ما، فتحركت عينيها الحادة تبحث عنها وشاهدتها تجلس بأريحية ووجهها خال من التعبير ففهمت بفطنتها بأنهم قد بدأوا حربهم على غاليتها، ومن وجههم المحمر الذي يقطر حقدا وكرها فهمت بأنها ألقت إليهم بكلمات أخرستهم، أراحها الأمر وابتسمت بداخلها وبفخر وزهو التمعت بها عينيها.
سلمت على الحضور وكأن شيء لم يكن وقبل ذهابها وجلوسها اقتربت من المرأتين وقالت:
" من يلعب بالنار يحرق أصابعه معها ".
وابتعدت عنهما وقد تركتهما يزيدان من الغليان وفهما من قولها أنها خمنت أن شيء ما قد حدث، وهذا زادهما غضبا وكرها لمريم لوقوف الجدة دائما بصفها، وهذا يفسد مصلحتهما فهما يريدانها بصفهما كي ينالا ما يريدانه.

بدأت مراسم الاحتفال من تقديم الطعام والمشروبات، وتوافد النساء ذات الطبقة العالية، وكما كل حفلة بدأ القيل والقال وقول الشائعات وغيرها من الأقوال التي تحدث بمجالس النساء....
تجلس كالصنم, تقف تسلم ثم تعود وتجلس بمكانها، ووجهها جامد بابتسامه باهته، وعينيها كساهما البرود وشيء آخر لم يستطع أحدا رؤيته.
لم تذق الطعام ولم تشرب الماء، فقط تلك القهوة المرة التي تركت مرارتها على لسانها كما حال قلبها الفتي الذي يرغب بالمعرفة لما يكرهها الناس؟ وهي لم تؤذي أحدا بحياتها..لم يسخرون منها؟؟..لما هي بالذات؟!! فلم تكن الوحيدة التي تعاني من البدانة، فهناك في عائلتها الكثير من هن يعانون من السمنة بل أكثر منها بكثير.
مرت عليها الساعات طويلة وبطيئة، وملل تسرب لداخلها، فتململت بجلستها وزفرت عدة مرات، فنهرتها جدتها:
" كفي عن التأفف يا مريم!! ".
" لقد مللت يا أمي، وأريد العودة للمنزل ".
" لكن لم يمضي الكثير من الوقت؟؟ حتى أننا لم نرى العروس؟؟ ".
قاطع حديثهم اقتراب أم سلمى، وابتسامتها تكاد تصل لأذنيها،وعيونها تلمع بنظرة غريبة لم ينتبه لها أحد سوى مريم التي خمنت أن وراها مصيبة.
" أنا سعيدة يا أم أحمد لقدومك لحفلنا المتواضع ".
رفعت مريم حاجبيها بتعجب وعيونها تتجول بين الحضور وهي تتساءل إذا كان هذا التواضع فأين البذخ؟؟؟
شاهدت أم سلمى استنكار مريم لما قالته، فضحكت وهي ترحب وتهلل بأم أحمد ثم قالت:
" عقبال مريم إن شاء الله ".
فأعادت الجدة خلفها بكل براءة:
" إن شاء الله ".
" لكن عليها التخفيف من وزنها إن أرادت الزواج، وهذا خطؤك يا أم أحمد كان عليك منعها من الطعام وضربها إن لزم الأمر لمنعها، انظري إلى أين وصل بها الحال لتساهلك معها، لكن لا عليك فقد جاء من يتزوجها، هو متزوج ولديه أربع أطفال، وهو أحد أقاربنا ويرغب بالزواج مرة أخرى، وأنت تعرفين مريم ما شاء الله بدينة ولن يقبل بها أي رجل وهي بهذا الشكل، لكن هو وافق عليها ويريدها زوجة له كما هي....".
واصلت بحديثها والتغني بفضائل قريبها دون أن تنتبه لما يجري مع البركان الذي يوشك على الانفجار، والذي سيحرق كل ما هو أمامه، والجدة صامتة وتحدجها بنظرات مبهمة وهي تنتظر أن تنتهي المرأة من مديحها للرجل.
وقفت الجدة بسرعة تخالف سنين عمرها.
" مريم أظن أننا قمنا بالواجب وانتهت مهمتنا "
لم تستطع التفوه بحرف واحد وجسدها ينتفض، وقلبها يضرب بقوة بين أضلاعها، تحركت من مكانها وأم سلمى تطالعهم ببلاهة، ثم انتبهت لمغادرتهم، فعلمت بأنها أخطأت، كانت تريد فقط أن تحط من قدر تلك الفتاة ولم تعرف بأنها تحفر القبر بيدها، فسارعت خلفهما توقفهما عن المغادرة:
" أم أحمد...أم أحمد، لما تغادرين فالوقت ما يزال مبكرا؟! ".
رفعت الجدة كفها بعلامة الصمت، فجحظت عينيها للخارج لما فعلته الجدة.
" عندما تكونين أنت من يدفع مصاريف طعام ابنتي، فلك الحق بأن تطلبي منها التخفيف من وزنها!! ".
" أنا... أنا."..
" لم أنهي حديثي بعد!! ".
"وسأخبرك بشيء واحد...ابنتي عندما ستتزوج سيكون سيد الرجال وأحسنهم ونحن لا نقبل بالحسنة نحن من نقدمها ولا نأخذها، وإذا كان قريبك هذا رجل جيد وهو بهذه الصفات لما لا تزوجينه لابنتك سلمى؟!! ".
شهقة عالية ندت منها واستنكرت قول الجدة وقالت بجرأة:
" لكن يا أم أحمد شتان ما بين ابنتي ومريم ".
" أجل أنت محقة شتان بينهما ".
ابتسمت المرأة بحبور لمديح الجدة لابنتها
" فابنتي شيخة البنات، وابنتك لن تطال ظفر واحد من أظفارها، والآن ابتعدي عن طريقنا ".
ابتعدت المرأة دون إرادة وتحركت الجدة وهي تمسك بيد مريم الباردة كبرودة الثلج، تحركتا للخارج ووقفتا عند الباب, فأخرجت الجدة هاتفها لتتصل بأحد أحفادها أو سائقها الخاص لإعادتهم للمنزل فتزامن خروج سلطان وشاهدهما تقفان عند رصيف الشارع، تلامس حاجبيه بتقطيبة واتجه ناحيتهما
" جدتي ما الأمر؟؟ الحفل لم يبدأ بعد؟؟ هل أنت بخير؟؟ ".
" نعم يا بني أنا بخير, لكنك تعرف لا أحب جو الاحتفالات وسني لا يسمح لي بالسهر،لهذا أريد الذهاب للنوم ".
" أجل يا جدتي، لكن لما لم تتركي مريم بالداخل لتشاهد الحفل فهي ليست كبيرة بالسن لتعاني مثلك؟!! ".
أراد استفزازها ومشاكستها والتفت ينظر إليها ليرى وقع كلامه عليها...نظر وللحظات شاهد شيء لم يره فيها سوى مرة واحدة وكان قبل 10 سنوات.
اختفت تلك النظرة وحل مكانها الصقيع والجمود، فاستشعر بفطنته بأن شيء ما قد حدث بالداخل،شيء لم تستطع احتماله الجدة أيضا فخرجتا.
" أنا لا أستطيع النوم ومريم ليست بجواري، وأيضا غدا علينا أن نستيقظ للذهاب للمزرعة وعليها النوم مبكرا ".
" حسنا يا جدتي كما تريدين، انتظريني هنا وسأحضر السيارة ".
هزت الجدة رأسها بالموافقة ويدها ما تزال بيد مريم تضغط عليها، ولم تغفل هذه الحركة لذكي مثل سلطان وساورته الشكوك ورغبة بالمعرفة لتصل لدرجة عدم استطاعة مريم الرد على تهكمه ناحيتها!!
قاد سيارته وتوقف بجانبهما, وترجل منها وتقدم ناحية جدته يفتح لها الباب المجاور لمكانه، لكنها رفضت وقالت له بأنها ترغب بالجلوس مع ابنتها في الخلف.
انتفض شيء ما بداخله فمهما كانت مشاكسته معها فهو أبدا لن يرحم من يتعدى حدوده مع أحد أقاربه، وخصوصا هي وشقيقها فهما يتيمان ولن يسمح لأحد بالتعدي عليهما.
فتح الباب لهما وسمع جدته تهمس لها بشيء ما، لترفع رأسها بشموخ وتوحشت نظراتها بشكل مخيف ولكن أسره.
تقدمت ناحية الباب فانتبهت للسيارة كانت مختلفة عن الأولى صغيرة من نوع ليكزس، فرفعت أنظارها ناحيته وتشابكت عينيهما بحوار واستفهام، فتغلغلت أنظاره الحادة لأعماقها فشعرت بأسوارها تنهد قطعة...قطعة، فكسرت قراءته لأفكارها وأشاحت بوجهها بعيدا خشية أن يفهم ما يدور بداخلها من ألم، فاستقلت السيارة وجلست بهدوء، ركبت الجدة خلفها بعد أن انتهت من محادثتها مع محمد تخبره بعودتهما للمنزل وأن يعود بسرعة وأن لا يتأخر كثيرا.
تحدثت الجدة مع حفيدها عن كل شيء تلهيه عن السؤال الذي رأته بعينيه، لم يمنعه مشاغلة الجدة له بحديث آخر وهو بين الفينة والأخرى ينظر إليها من مرآة سيارته، فهذه المرة الأولى التي تجلس خلف مقعده فدائما ما كانت تجلس في المقعد البعيد، أراد رؤية عينيها فلعله يعرف ما بها، فلم يستطع بسبب ستار الظلام.
وصلوا للمنزل وترجل من سيارته بسرعة واتجه ناحية الجدة وفتح لها الباب ونزلت بمساعدته فانتظر للحظات كي تخرج مريم خلف جدتها، لكنها فتحت الباب الآخر ومشت دون الشعور بما حولها، وأخرجت مفتاح الباب من حقيبتها وفتحته، ودلفت للداخل وأضاءت النور ليضيء المكان.
" أدخل يا سلطان البيت بيتك ولا تخجل "
" شكرا يا جدتي، لكن علي العودة للحفل فأنا لا أستطيع تركهم ".
" نعم يا بني، بارك الله فيك وأعطاك الله الصحة والعافية ".
" شكرا يا جدتي وأكثري من دعواتك لي فهذا ما أريده بهذه الدنيا رضاك, هل ستحتاجان لشيء ما؟؟ ".
" لا يا بني، أشكرك. لقد أتعبناك معنا ".
" ما الذي تقولينه يا جدتي؟!! سأغضب منك، متى ما احتجت لشيء اتصلي وسترينني أمامك تماما ".
" شكرا يا بني، وأطال الله بعمرك وعمري، وأرى ذريتك حولي قبل موتي ".
" لا تقولي هذا أطال الله بعمرك، ربما سترينهم قريبا؟؟ ".
" حقا!! هل هناك مشروع زواج؟؟ ".
" أجل يا جدتي، فأنا قررت إكمال نصف ديني ".
تهلل وجه الجدة بالفرح والسرور واغتمت عيناها بدموع السعادة، فهذا الفتى يذكرها بابنها خالد،فهو طبق الأصل منه بتصرفاته وقوته وعطفه ومن ستكون زوجته أسعد امرأة, وبداخلها أمنية تريد تحقيقها قبل موتها.
اقترب منها ومسح دمعتها:
" لما الدموع يا جدة؟؟ ".
" إنها دموع الفرح يا بني، لا عليك مني، والآن أخبرني من هي سعيدة الحظ هل أعرفها؟؟ ".
" أجل أنت تعرفينها ".
" نعم لا بد وأني أعرفها، فأنت تعرف لا أفضل زواجكم من خارج العائلة ".
" لا عليك هي من العائلة، وأظن أنك رأيتها اليوم في الحفل؟؟ ".
تهدل كتفي الجدة واختفت ابتسامتها، ونظرت إلى حفيدها مليا وكلمته تتردد صداها بعقلها...أظن أنك شاهدتها بالحفل...
" من هي يا سلطان؟؟ ".
" إنها سلمى، ابنة خالتي ".

****************


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close