اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية كامله وحصريه بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية كامله وحصريه بقلم صابرين



"الـمـقـدمـة"

                                              
الإسكندرية والصعيد 
بين الاثنين تضاد يراه الأعمى والمبصر 

+


إن تحدثنا عن مدينة الإسكندرية سيطرأ على خيالنا صورة حية للشاطئ والبحر حيث تستمع بنسمات الهواء الباردة، وصوت البحر يخترق اذنيك يبعث للمرء راحة نفسية 

12


الكثير يحب هذه المدينة الشهيرة المطلة على البحر المتوسط، وما لها أهمية اقتصادية وسياحية حيث الكثير من الناس يحبون قضاء الصيف هناك 

+


والبعض بالطبع جرب أكلاتها الشهيرة وزار معالمها وأهم المناطق الراقي بها أو الشعبي 

+


وإن تحدثنا عن الصعيد سيطرأ الكثير والكثير من الأشياء في عقلك منها ما يحدث ومنها ما اعتمده عقلك من خلال المسلسلات التي أعطت عن الصعيد طابع غير صحيح بالمرة 

+


ليقفز إلى مخيلة المرء ما إن تأتي سيرة الصعيد الثأر المنتشر والذي قد تضيع عائلات ونساء بسببه، ضياع حقوق المرأة قبل الزواج وبعد الزواج، اللهجة التي انتهت منذ عصر الملك فاروق، الجهل المتفشي كالوباء سواءً كان في التعليم أو التصرفات 

+


وهنا سوف أغير منظوركم تمامًا عن الصعيد وأهله فما عاد ما يسمى ثأر إلا في اضيق المناطق 

+


وما عاد هناك شئ يدعي زواج بالإجبار 

+


وما عاد هناك جهل فأهم الأطباء والمثقفين المعروفين من أبناء الصعيد 

22


وما عادت لهجة الصعيد كما تسمعوها في المسلسلات، ربما هناك اختلاف واضح بينهم وبين المدن والاختلاف هذا يكمن في تفخيم بعض الكلمات وفي النهاية لكل منطقة لهجة تعتمدها 

2


لن أطول الشرح كثيرًا في الفرق بين الإسكندرية والصعيد فروايتنا ستتحدث عن الفرق بين الاثنين وما قد يقابله المرء حين ينتقل من الصعيد إلى الإسكندرية من أجل الدراسة أو العمل بعد أن كان لا يخرج عن حدود محافظته إلا في اضيق الحدود 

2


ليعش هناك حياة جديدة خارج التقاليد، ويرى كل ما هو جديد وغريب، ويجرب الفارق بين حياة الصعيد المنغلقة نسبيًا وحياة المدن الواسعة 

+


فحتى انت أيها القارئ سترى الفارق وكأنك تعيش معهم داخل الرواية ونعيش مع أشخاص تجسدوا من الواقع سواءً من الصعيد أو من الإسكندرية ونتوغل بهما وكأننا من سكانهم 

+


في مدينة الإسكندرية 
|الواقع والتقاليد|

+


لا أقول لك أحداث الرواية من خيالي وإنما هي مقتبسة من الواقع والحياة التي نحياها في كل دقيقة بها سعادة وحزن، وكل دقيقة بها خزلان وانتصار وكل دقيقة فقد أحدهم ووُلد لأحدهم أمل، فستجد بين هذه السطور شخصية حية لك بإسم مختلف 

2


لذا اقرأ عزيزي القارئ فستجد نفسك بالداخل... 

+



1- قطار الصعيد

                                              
بسم الله والحمد والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ تجربة جديدة ومغامرة جديدة مع ناس جداد ونبدأ دايمًا بالصلاة على النبي 

11


صلي على من قال أمتي أمتي ❤️

3


تحرك إلى داخل قسم المباحث بخطوات سريعة وخلفه ابن عمه الذي أبى الجلوس مكتوف الأيدي ونورهان تجلس الآن في القسم متهمة بقضية لم تفعلها وهذا بعدما قلب عليها والد ذلك الحقير المدلل الطاولة وأصبحت هي المتهمة بدل المجني عليها 

9


وخلفهم بالطبع والده وعمِّيه وبالكاد جعلوا شقيقتها وبنات عمها وعمتهم أسماء يبقَين ولا يأتين، اتجه مباشرةً إلى مكتب الضابط الذي ألقى القبض عليها، وقد ساعده منصبه على تخطى العسكري، ليسبقه حمزة ابن عمه في قوله إذ هتف بجدية شديدة لم تستطع أن تخفي القلق الذي ظهر متخفيًا في كلماته :

+


-نورهان علي صفوان انا المحامي الخاص بيها هى فين 

+


اجابه الآخر بهدوء يحسد عليه وسط هذا الجو المشحون :

+


-في الحجز 

+


اتسعت عيني الآخر هاتفًا بغضب :

+


-حجز ايه من غير تحقيق ومحامي؟! ازاي يحصل كده يا يونس؟؟ 

+


أنهى حديثه موجهًا هذا السؤال الي ابن عمه فقال الآخر ماسحًا وجهه بضيق فقد اوقعت نور نفسها في ورطة بعد تورطها مع سعيد غانم وابنه :

4


-طبيعي يا حمزة يحصل كده دي السوشيال ميديا مقلوبة بسببها، انت شوفت الفيديوهات بنفسك وتعليقات الناس وهجومها عليها، ده البعض بيتهمها إنها إرهابية 

+


تحدث حمزة بإنفعال شديد بسبب الباطل الذي يلقى على تلك المسكينة الذي كل ما فعلته أنها لم تصمت على حقها ودافعت عنه في زمن أصبح الحق يدفنه صاحبه خوفًا من المجتمع :

+


-بس هي معملتش حاجة الناس متعرفش الحقيقة متعاطفين مع ابن سعيد غانم ومشافوش النص التاني للحقيقة 

5


وهنا تحدث الضابط وقد استفز الواقفين بشدة بسبب بروده هذا :

+


-والله هي هتبات النهاردة في الحجز وهتتعرض بكرة على النيابة، ونشوف بقى مين الظالم ومين المظلوم 

+


نظر والد يونس إليه يعترض أن تبات نورهان في الحجز مع أدنى فئة من النساء فوالله لن تتحمل الفتاة الجلوس هناك لساعة، ويبدو أنه محق في تفكيره إذ دلف العسكري اللي مكتب الضابط هاتفًا بتوتر :

+


-محمود باشا البنت اللي لسه داخلة الحجز من ربع ساعة، الستات عدموها العافية والبنت شبه قاطعة النفس 

20


انتفض المدعو محمود بغضب متجهًا إلى حجز النساء وقد لحق به يونس وحمزة فمن ستكون التي دلفت إلى الحجز من ربع ساعة إلا نورهان، ورغم أن هذه كانت الحقيقة لكن حمزة تمنى أن يخالف القدر توقعاته ولكن يبدو أنه لن يفعل هذه المرة 

1



توقف ولم يدخل مع يونس والضابط الآخر بل ظل متصنمًا أمام الباب يبصر جسدها ملقى أرضًا وكأنها جثة هامدة، قاطعة النفس كما زعم العسكري، ارتفع صوت يونس في الجميع أن يحضر أحدهم سيارة إسعاف 

+


وهو تحرك إلى الداخل ببطء وعينيه لم تفارقها وكلما اقترب يتضح له ما حدث لها، يبدو أنها تعرضت للضرب الوحشي من أولئك المدعون نساءً، فقد كان وجهها متورم وتنساب الدماء من انفها 

+


بينما ذراعها ليس على وضعه الطبيعي فيبدو أنه كُسر، بل وهناك بقعة دماء كبيرة على ثيابها ومن الواضح أنه من أثر طعن بنصل حاد 

3


وقف محمود صارخًا في النساء على ما فعلوه الفتاة المسكينة :

+


-انتوا مــجــانـيـن عملتوا في البنت ايه حتى مفيش احترام لحجابها شلتوه ومقطعين شعرها ده انتوا هتروحوا في داهــيــة 

3


تهاوت قدمي حمزة بجانبها لكن سحبه يونس بعيدًا عنها حتى لا يزيد أصابتها سوءًا فقد لا يكون ذراعها وحده المكسور :

+


-حمزة 

+


تحدث الآخر وقد كان خوفه عليها واضحًا بشدة :

+


-نور يا يونس... عملوا... بص عملوا فيها ايه 

7


وجه يونس حديثه إلى الضابط محمود هاتفًا بغضب :

+


-مش هينفع نستنى الإسعاف تيجي دمها كده هيتصفى، ثم ازاي يا حضرت الظابط يبقى فيه أداة حادة جوا الحجز دول ضاربنها في جنبها بسكينة 

+


ترك حمزة الاثنين يتناوشان واقترب منها واضعًا كفه على وجهها الذي لم تعد ملامحه ظاهرة مناديًا عليها بصوت مختنق :

8


-نور يا نور 

15


لم يتلقى منها إجابة ولن يتلقى فكانت الأخرى فاقدة للوعي بعد كم الضرب الذي تلقته منهن وهذا بالطبع لم يكن سوى تهديد مباشر من سعيد من أجل أن تتنازل عن القضية التي رفعتها على ابنه الفاسد 

13


وهكذا هو المجتمع اليد العليا هي الأقوى حتى ولو كانت فاسدة 

3


لم تفق نورهان إلا على آلام شديدة تجتاحها فلا يوجد منطقة في جسدها لا تصرخ متألمة، لم تستطع حتى فتح عينيها رغم كل الأصوات التي تدور حولها وقد استطاعت تمييز صوت والديها واعمامها المرتفع 

+


مرحى لقد علمت عائلتها بما حدث والآن هنيئًا لكِ نورهان على الكارثة التي اوقعتي نفسكِ بها، وكل هذا لأنها لم تصمت على حقها وإنما أخذته بيديها في نفس ذات اللحظة أمام مرأى ومسمع الناس حتي يكون عبرة لغيره 

+


وفي الحقيقة يوجد غيره الكثير فما عاد هناك من يحترم المرأة ويتذكر ربه قبل أن ينظر إليها 

+


أصبحت الآن هي المتهمة بل وستصبح قضيتها قضية رأي عام بعد أن أصبحت البلاد كلها على علم بما فعلت، والكارثة أنهم لا يعلمون لما فعلت هذا بذلك الطالب المسكين من وجهة نظرهم، فآخٍ لو يعلموا ماذا فعل هو 

+



        

          

                
لو يعلموا الحقيقة التي اخفاها من نشر ذلك الفيديو واظهرها خلف الشاشة أستاذة متجبرة ظالمة تضرب طالب مسكين بوحشية شديدة أمام مرأى جميع زملائه في منتصف المدرسة دون شفقة أو رحمة 

+


حتى أن البعض اتهمها بالتخلف والرجعية والإرهاب، كل هذا لأنها لم تصمت عن حقها مثل كل أنثى تتعرض بشكل يومي للتحرش من قبل كائن يدِّعي الرجولة وهو غلبت شهوته على عقله كالحيوانات 

12


ليتها لم تطأ اسكندرية، ليتها لم تقبل الوظيفة، ليت والدتها صفعتها كفين على وجهها عندما ألحت عليها أسبوعًا حتى تأتي إلى الإسكندرية وتبقى مع اختها وبنات عمها 

+


ليت قريبتها تلك لم تخبرها بحاجة مدرستهم إلى معلمة، تلك المدرسة التي كانت السبب في كل ما هى به الآن 

+


انفصل عقلها حتى ينسى الألم والأصوات وعادت تتذكر كم كانت متحمسة سعيدة لدرجة البلاهة عندما كانت في القطار المتجه إلى الإسكندرية عروس البحر المتوسط والتي لم تقربها سوى مرتين من قبل أو ثلاث، وكانت حينها مراهقة صغيرة وليست ناضجة مثل الآن 

+


"قبل القضية بثلاثة أشهر" 

+


اتصلت حينها وهي في القطار على بنات عمها حتى يأتوا لإستقبالها من المحطة لكن لا يوجد حقيرة بهم ترد فنفخت بضجر واضطرت للإتصال على عمتها وإفساد المفاجأة لكنها مضطرة الآن 

+


فمن إذًا سيأتي ويساعدها في نقل كل هذا فقد كانت والدتها وزوجات اعمامها من الكرم الشديد الذي جعلهن يرسلن معها كل هذه الزيارة من أجلها عمتها التي تعيش في مدينة الإسكندرية رفقة زوجها وأبنائها 

+


وايضًا شقيقتها الصغرى وبنات عمها الذين انتقلوا إلى الإسكندرية وهذا من أجل العمل الإجباري والدراسة فقد ألقى التكليف بابنة عمها التي تصغرها بأشهر في الإسكندرية حتى تتم أشهُر التدريب ولحظها عملت في مشفى هناك، لا تدري اسمه لكنها تعلم أنه في منطقة راقية في الإسكندرية 

1


أما عن ابنة عمها الأخرى فمجموع الشهادة الثانوية لم يتناسب إلا في جامعة الإسكندرية حيث الآن هي في عامها الثاني في كلية علم النفس، وشقيقتها نفس الأمر رغم أن كان هناك محافظة أخرى تقبل بمجموعها أقرب من الإسكندرية لكنها أصرت على الذهاب إلى هناك مثل ابنة عمها 

+


اجابت عمتها على الهاتف فقالت بسعادة وصوت مرتفع نسبيًا بسبب الضوضاء المحيطة بها وصوت القطار :

+


-الو يا عمتي عاملة ايه 

+


-الو مين معايا صفية ولا نور 

+


-وهي يعني امي هتقولك يا عمتي ليه انا نور 

+


-عاملة ايه يا نور اخبارك؟؟ ايه صوت الدوشة دي!؟ 

+


اجابتها الأخرى بسعادة شديدة قائلة :

+


-انا في القطر وجاية عندكم 

+


-جاية عندنا فين؟؟ 

+


-جاية الصومال يعني جاية إسكندرية عندكم 

+



        
          

                
هتفت بها بمزاح ساخر فقالت الأخرى بتعجب :

+


-حتى انتي كمان!؟ طب جاية زيارة أسبوع وتمشي ولا ايه؟؟ 

+


-لأ إقامة بقى زي الباقي 

+


-انا مش فاهمة حاجة 

+


نظرت نور إلى بطارية هاتفها وقد كانت على وشك النفاذ بسبب لهوها به طوال الطريق لطول وقت السفر :

+


-طب بصي هقولك لما اجي التليفون هيفصل مني انا في الطريق وعديت القاهرة من ساعة كده ابعتي حد يجيبني من المحطة علشان معايا حاجات كتير وشوفي البنات مفيش كلبة فيهم بترد 

+


-ماشي ماشي سلام خلي بالك من نفسك 

+


أغلقت معها وبعدها تمامًا انطفأ هاتفها فألقت به داخل حقيبتها وعادت تنظر إلى النافذة بحماس، نسمات الهواء العليلة تصطدم في وجهها وتجعل حجابها الطويل يتطاير من خلفها 

+


لقد كانت في أسعد لحظات حياتها فهي من عشاق السفر لكن للأسف لا تسافر أبدًا إلى أي مكان خارج حدود قريتها بشكل خاص، ومحافظتها بشكل عام 

+


كم اعجبتها حقول القطن والمصانع التي لم ترى مثلها من قبل فهذه أول مرة تسافر صباحًا فآخر مرة لها أتت الإسكندرية منذ ما يقارب السبع سنوات مع العائلة من أجل زفاف ابنة عمتها كان الجو حينها ليلًا ولم تتمتع بمثل هذه المناظر 

+


تنفست بسعادة مغمضة العينين تريح رأسها على مقعد القطار الضخم هذا، تستمع بهذه اللحظات القصيرة التي لن تدوم، وإذ بصوت صافرة قطار تعلو بشدة بشكل مزعج ولكنها لم تهتم فيبدو أنه على الأرجح قطار آخر يمر من بجانبهم 

+


ولكنه لم يمر من جانبهم هذه المرة ففي ثواني اصطدم القطارين ببعضهما ولتشهد مصر عن حادثة قطارٍ أخرى... 

27


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


خطت إلى داخل المدرج بخطوات رزينة، تقبض على كتف حقيبة الظهر خاصتها ووجهها جامد لا يقصه السيف، فهذه هي عادتها منذ كانت صغيرة عندما تسير في الطريق خاصةً إن كانت بمفردها، لا تتلف يمينًا أو يسارًا 

1


أو حتى تتحدث في الهاتف كأغلب فتيات سنها اللواتي يسرن وعلى أذنهن الهاتف أو سماعة بلوتوث متصلة بالهاتف إما تحدث أحدهم عليها أو تسمع الأغاني 

+


جذبت أنظار البعض فتيات وفتيان وليس لشدة جمالها أو ما شابه فهي فتاة قصيرة تمتلك ملامح عادية بجمال بسيط وبشرة بيضاء، وأعين بندقية بل وذات جسد ممتلئ قليلًا 

5


لكن ما كان يجذب انتباههم أنها ورغم حضورها الذي لم يكمل الشهر ونصف إلا أنها جذبت اهتمام جميع المعلمين والدكاترة في الكلية فهذه هي "عائشة" 

+


الفتاة الذكية المجتهدة التي اثبتت من أول شهر فقط في كلية الصيدلة مدى تفوقها العلمي حتى أن بعض الدكاترة يطلقن عليها مندليف المصري لشدة ذكاءها في الكيمياء بكل أنواعها 

11



        
          

                
ولم يكن هذا الشئ الغريب الوحيد في عائشة أي من الغير طبيعي الذي قد يحب مادة الكيمياء، بالإضافة إلى ذلك هي الفتاة الوحيدة في الدفعة بأكملها من تنحدر من الصعيد 

5


ليس وكأنها الوحيدة في صيدلية من تنحدر من الصعيد ولكن هي الوحيدة التي لا تزال متمسكة بلهجتها عكس البقية من اعتادت ألسنتهم على الحديث الاسكندراني وترقيق الكلمات 

1


جلست عائشة في مكانها المفضل من الأمام وعلى الحرف كما يقولون لتستمع إلى صوت إحدى الفتيات اللواتي يجلسن في الخلف تقول ممازحة إياها :

+


-ايه يا عايشة مذاكرة للامتحان النظري ده الدكتور فهمي امتحاناته صعبة 

+


-ايوه مذاكرة اتمنى تكونوا انتوا مذاكرين 

+


-والله يا عايشة نص ونص كده بالله عليكي يا مندليف مصر خليكي معانا 

+


نظرت إليهن عائشة بنظرة غاضبة لتجيبها بقوة ونبرة ساخرة :

+


-وانا سهرت الليل كله اذاكر عشان اديكم إجابات على الجاهز؟! 

7


رد قوي اصمتهن فهذا المعتاد من عائشة لسان قوي يضرب أي أحد لا يعجبها حديثه لكن للحق هي ليست وقحة وإنما تتحدث برزانة غريبة على عمرها وكأنها تمتلك عقل امرأة أربعينية في جسد فتاة لم تبدأ في عقدها الثاني بعد 

1


دلف المعيد فاعتدل الجميع ودقت القلوب وتوعكت البطون كأي طالب على وشك خوض اختبار فمن منا لم يجرب هذا الشعور؟! 

+


نادي المعيد على الأسماء بالكشف الذي معه حتى يسجل الحضور وعندما وصل إلى اسم عائشة نظر إلى مكانها المعتاد مبتسمًا :

+


-ايه يا مندليف مستعدة للإمتحان 

+


-الأول أي الأخبار مع المدام 

+


عقد الآخر حاجبيه بدهشة مرددًا :

+


-وده ايه علاقته بالامتحان؟؟ 

+


-ما هو لو هي الأمور كده فل ومبسوط ومفيش نكد هيبقى الامتحان حلو اما لو اتنكد عليك هتنكد علينا احنا كمان 

10


تعالت الضحكات في المدرج حتى المعيد بنفسه ظل يقهقه ولو أحدًا مكانه لحسابها على هذا الكلام الغير لائق لكنه يعلم أنها تمزح لا أكثر :

+


-لا حلو وبعدين انا عايزة اشوف قدراتك فيه ابهريني زي ما ابهرتي دكتور سامح ده قال فيكي شعر 

+


-آه وانا أقول عشية نفسي كانت مسدودة عن المذاكرة اتاريني كنت محسودة 

+


تحدثت بها بصوت منخفض فبدأ بتوزيع الورق عليهم بعدما جعل مسافة بين كل طالب والآخر وساعد غياب البعض على صنع مسافة فقد تغيب عدد كبير خوفًا من الإختبار 

+


بدأت عائشة في اختبارها وكعادتها التي لن تتركها، تفر بالسؤال حتى قبل أن تكمله وكم ساهم هذا في جعلها تخطئ في سنواتها السابقة فوالله لولا هذه العادة السيئة لأتت بمجموع الطب لكنها تحمد ربها ففي النهاية هي تعشق الكيمياء والعلوم 

7



        
          

                
وها هي عادة سيئة أخرى لها أنها تنهي الاختبار مبكرًا ولا تراجعه إلا مرة واحدة وقد لا تفعلها في بعض الأحيان، أقترب منها المعيد عندما أغلقت ورقتها ووضعتها أمامها ظنًا منه أن هناك ما توقف أمامها :

6


-لا متقوليش خلصتي؟؟ 

+


-لا خلصت فعلًا هو ينفع أسلم وأمشي اعتبرني زي بنتك مفطرتش لحد دلوقتي والله 

+


-طب راجعي الأول يمكن ناسية حاجة 

+


-راجعت هتاخدها ولا 

+


مد يده وأخذ ورقتها متحمسًا لرؤية اجاباتها بينما أخذت عائشة تلملم أشيائها ومنهم أنها فتحت هاتفها بعدما اغلقته قبل الاختبار وما إن انفتح حتى انهال سيل من الرسائل منهم عدة مكالمات فائتة من شقيقتها الكبيرة "نورهان" 

2


وكعادة شباب الشعب المصري اجمع لا يمتلكون رصيدًا في هواتفهم، ربما يمتلكون إنترنت لكن لا رصيد لذا ارسلت لها رسالة تستفهم منها لما اتصلت كثيرًا هكذا 

5


اتجهت الي كافتريا الجامعة حيث ستقابل ابنة عمها هناك وفي أثناء الطريق شعرت بأعين تتابعها فهكذا نحن الفتيات لدينا حس أمني بأن هناك من أعين مسلطة علينا حتى ولو لم ننظر نحن له، لكنها لا تبالي ولن تبالي 

4


أتت هذه الجامعة في هذه المحافظة البعيدة عن مسكنها من أجل أن تتعلم لا لأن تقيم علاقات والتي من الأساس ممنوعًا منعًا باتًا عندهم في عرف الصعيد ومن المفترض في نفس أي شخص مسلم، لقد وضع والديها بها ثقة وهي لن تخذلهما ابدًا 

8


جلست على أحد مقاعد الكافتيريا ولم تطلب شيئًا بل أخرجت كيس طعام من حقيبتها به بعض الشطائر والتي اعدتها لها في الصباح من أجل هذه اللحظة تزامنًا مع إخراجها لمذكرة المادة حتى تراجع ما كتبت في الاختبار 

+


خُطفت إحدى الشطائر من أمامها ولم تكن بحاجة لمعرفة هويته بل سحبت الشطيرة من بين انامل ابنة عمها التي تكبرها بعام هاتفة بغيظ :

+


-سرقة عيني عينك كده وفي صباح ربنا طب استأذني الأول 

3


سحبت الأخرى منها شطيرة غيرها تقطم منها وكانت ملامحها متهكمة ضائقة بشدة من الكلام الغريب اللي سمعته في المحاضرة :

+


-مش عارفة هو عقلي كان جوا حلة مكرونة لما اصريت وعاندت ادخل علم نفس حتى ولو في اسكندرية، انا اتغربت علشان كلية السحرة دي؟؟ 

4


قطمت عائشة من شطيرتها متمتمة بنفس حديث الأخرى يوم علمت أن علم النفس في جامعة الإسكندرية يقبل بمجموعها :

+


-مش مهم علم نفس علم نفس المهم هيبقى برضو اسمي الدكتورة شروق حسين صفوان 

12


زمت الأخرى شفتيها ببؤس وندم على أنها دلفت إلى هذه الكلية رافضة أن تجلس بجانب والدتها في المنزل مرددة أغنية التحفيز النسائي "اللي قادرة على التحدي والمواجهة" :

1



        
          

                
-مكنتش عارفة اني هتمرمط قوي كده ده انا اتسحلت يا عائشة ولسه اهو في بداية سنة تانية قدامي تلات سنين مش عارفة هيعدوا ازاي من غير ما يجيني دربوكة في دماغي 

2


نظرت إلى عائشة التي كانت تنظر إلى مذكرتها بتركيز شديد فعدلت نظارتها الطبية هاتفة بغيظ :

+


-ما تركزي معايا مش بشكيلك همي  

+


أشارت الأخرى إلى مذكرتها هاتفة بنفس النبرة :

+


-وانا بشوف عملت اي في الامتحان اصبري شوية لأحسن أكون غلطانة والله هتشل فيها علشان سهرت لحد الساعة واحدة بالليل علشان اخلص المادة المكلكعة دي 

+


امسكت شروق بهاتفها وظلت تعبث به إلى أن تنتهي الأخرى لكن ما إن تذكرت أن ابنة عمها نورهان اتصلت كثيرًا وهي بداخل المحاضرة حتى عاودت الإتصال بها فهي لم تستطع الإجابة عليها في وسط المحاضرة واضطرت لتفعيل الوضع الصامت للهاتف 

+


وها هي تستمع إلى صوت تلك المرأة التي يحفظ الشعب المصري نبرتها جيدًا تقول بلغة عربية فصحى :

+


-الرقم المطلوب مغلق أو غير متاح 

7


ذمت شفتيها وقامت بوضع الهاتف أمامها، ليست من عادة نور أن يكون هاتفها مغلقًا فهي من النوع الذي لا يجعل بطارية هاتفها تنفد ابدًا، رفعت نظرها لتجدها تحدق في اتجاه آخر وملامح وجهها مقلوبة 

4


استدارت حتى ترى ما الذي تنظر إليه وإذ بها ترى ذلك الشاب الذي يقطن في الشقة التي أمامهم، والذي هو بالمناسبة ابن صاحب البناية بأكملها والذي لا تطيقه عائشة "لله فلله" كما يقولون 

+


عادت بنظرها إلى عائشة هاتفة بابتسامة ضاحكة :

+


-خفي ايه، حتة وتقومي تاكلي الواد بقلمين 

+


زفرت الأخرى حانقة تبعد عينيها عن ذلك المدلل الطائش _من وجهة نظرها _ والذي يزعجها بسبب صوت تلفازه المرتفع كل ليل وكأنه يعيش في منتجعه الخاص وليس هناك بشر من حوله يريدون النوم والدراسة 

2


ولسوء حظها غرفتها في ظهر غرفته تمامًا وهي من النوع الذي لا ينام بسهولة إن كان هناك ضوضاء ولو قليلة من حوله :

+


-يا اخي الناس كلها تصحى الصبح تنام الليل إلا الكائن ده، ده حتى الوطاويط معروفة بتنام امتى، مش عارفة بقى ده جنسه ايه 

8


نظرت إليه شروق بنظرة متفحصة ليس وكأنها لم تره من قبل لكنها معجبة بتنسيق ملابسه وتصفيفة شعره، هي ليست معجبة به كشخصية لكنها تعجب بهذا النوع من الرجال الذي يهتم بملابسه وشكله 

+


حيث كان "كريم" من هذا النوع الذي يهتم بملابسه وشكله الخارجي ويعشق الضوضاء والسرعة وشئ يدعي كرة القدم فهو يبات كل ليلة يشاهد مبارايات لأشهر اللاعبين المحترفين داخل مصر وخارجها حتى أنه في يوم من الايام كان يحلم بأن يكون لاعب كرة قدم 

5



        
          

                
ولكن حلمه هذا تبخر في الهواء كما معظم أحلام الشباب في مثل سنه ليفيق من غفلة متأخرة أن لا شئ أهم من شهادته العلمية، أما الباقي عبارة عن شكليات حتى ولو كانت تعجب المعظم لذا ألتحق بكلية الصيدلية كوالده، ولكن في النهاية لم يستطع التخلص من إدمانه لكرة القدم 

2


أبصر شروق وعائشة تجلسان في إحدى الطاولات في الكافتيريا فاتجه إليهما بخطوات مسرعة ثم وضع أمامها كيس طعام هاتفًا باختصار :

+


-صباح الخير رقية بعتته معايا ليكم علشان انتوا طلعتوا بدري الصبح 

1


أنهى جملته ورحل فلا يريد الاحتكاك كثيرًا بهما لعلمه أنهما من النوع المتحفظ الذي لا يخالط الرجال، بالإضافة إلى ذلك هو لا يعلم عنهما الكثير فقط يعلم أن اثنتيهما بالإضافة إلى أخرى ثالثة سكنوا في الشقة الفارغة التي تقابلهم 

7


لا يعلم لما قبل والده وعمه بهذا واللذان يمتلكان هذه البناية الراقية التي تطل مباشرةً على البحر في "مِيامي" واحدة من أرقى المناطق في الإسكندرية وكانت إجابة والده متعقلة هادئة 

2


-الشقة بتاعت حمزة وكان هيتجوز فيها وبقالها سنة مركونة ومش بنأجرها لحد علشان حمزة كان رافض، فيها ايه لما نخليهم يقعدوا فيها بدال ما يروحوا آخر الدنيا، وهما قرايبنا يبقى عيب في حقنا ومش أصول نخلي بنات زيهم يتغربوا في إسكندرية وياخدوا إيجار غالي واحنا معانا عمارة طويلة عريضة وفيها كذا شقة فاضية 

6


ابتعد كريم عنهما متجهًا إلى مدرجه وهو بالطبع متأخر عن المحاضرة بسبب سهره أمام إحدى المباريات، امسكت شروق بكيس الطعام وفتحته لتصطدم انفها بأجمل رائحة للمخبوزات الجاهزة 

+


تحدثت عائشة مازحة تشير إلى الكيس بقلمها :

+


-اوعي تكون رقية خزوقتنا وبعتت مخدرات نوزعها في الجامعة، الرهان كان على أكلة حلوة 

+


ردت لها الأخرى المزاح قائلة :

+


-لو كانت جابت كنا هنكسبوا كتير علفكرة هو فيه حاجة بتكسب أكتر من المخدرات اليومين دول 

+


-وتجارة الأعضاء برضو بفكر أبيع كليتك ونقب على وش الدنيا 

+


هتفت بها بجدية مضحكة فرفعت الأخرى أنظارها لها تحدق بها بوجه جامد لتطرق على الطاولة هاتفة بذهول :

+


-وما نبيعوا كليتك يا اختي ولا انتوا تقبوا على قفايا 

+


-ما انا هحتاج كليتي!؟ 

+


-ده على اساس اني أخطبوط وعندي وحدة احتياطي 

2


هتفت بها متهكمة لتسحب هاتفها تأتي برقم رقية تلك الفتاة الاجتماعية الودودة ابنة عم كريم والتي كانت أول شخص يقوموا بمصادقته منذ أن انتقلوا إلى العيش في بنايتهم 

+


اجابت الأخرى وقد كان صوت انفاسها مرتفع فقالت شروق عاقدة حاجبيها باستغراب :

+


-بترمحي ليه 

1



        
          

                
كادت أن تجيبها الأخرى لولا أنها لم تفهم هذه الكلمة العجيبة فقالت مرددة الكلمة الأولى :

+


-يعني ايه ترمحي!؟ 

+


-تجري يا رقية بتجري ايه 

+


اجابتها رقية بلهفة وسعادة غير مبررة تجري في محطة إسكندرية التي يعم بها الهرج والمرج تلتقط بكاميرتها الحديثة بعض الصور للضباط وبعض مسؤولين المحافظة دون أن يلاحظ أحدهم :

+


-فيه قطر كان جاي اسكندرية وعمل حادثة في البحيرة وانا رايحة هناك 

9


-ورايحة تعمل ايه؟ هو أي تنطيط وخلاص يا بنتي ياربي لو معايا نص الطاقة دي كنت هبقي في حتة عاشرة خالص 

+


لم تقل هذا شروق من فراغ إذ كانت رقية تعمل صحافية ومن عادة الصحافيين الصغار هو الفضول والحماس لأي خبر جديد أو غير جديد يطرأ على البلاد ورقية بالذات كان لديها طاقة شديدة لمعرفة اخبار البلاد المعروفة والغير معروفة :

+


-كفاية حسد لأحسن موصلش زي القطر اللي موصلش ده، يلا سلام علشان ألحق اروح ويبقى أول سبق صحفي من نصيبي انا 

+


اغلقت دون أن تسمع اجابتها فوضعت شروق الهاتف في حقيبتها متمتمة بخفوت :

2


-سبحان الله اللي يشوفها ميشوفش خلقة اخوها المقلوبة ١٨٠٪ ناحية زواية القرف ولا اخوها التاني اللي مطلع عين براءة ومخلي البت تتحسبن عليه ليل نهار 

2


-كفاية تنمر على خلق الله هتخشي جهنم 

+


-اسمعي مني انا علم نفس وأعرف الناس من ملامحهم والتلاتة دول مش شبه بعض، الصراحة رقية عسل في نفسها كده بس رغاية قوي ومحدش ينكر، وأخواتها الكبار التوأم اللي شبه بعض دول واحد محترم ذوق بس براءة بتقول ابو جهل في نفسه وهي طبعًا أعلم علشان طول الوقت معاه في المستشفى وياما ناس محترمة من برا طلعت معاقة متخلفة، والتاني غضب ربنا على وشه، ماشي مش طايق اللي حواليه اكنه أبوه رستم باشا ملك مصر 

9


حدقت بها عائشة ولتوها لاحظت أنهم يتنمرون على سكان هذه المدينة للمرة التي لا تعلم عددها فما إن تجتمع مع شروق أو يجتمع كلاهما مع براءة يذكرن جميع من يعرفن فحتى الناس الذين يستضفنهن في بنايتهم في منطقة لم يحلمن في المرور منها لم يسلموا منهن 

1


تتساءل هل بهن عيب أم جميع البشر على هذه الشاكلة والنساء على وجه الخصوص... 

2


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


صوت صافرة الإسعاف يصدح في المكان جعل الهرج يعم والمسعفين ينطلقوا إلى خارج المشفى حتى يستقبلوا المصابين وفي هذا الوقت كانت هناك ممرضة من ضمن الممرضات تهرول في الإتجاه المعاكس لركض الجميع تضم إليها حقيبتها وكأنها تهرب 

+


وهي بالفعل كانت كذلك إذ كانت تعلم أن وصول هذه السيارة يترتب عليه مصاب قد يحتاج إلى جراحة، والجراحة تحتاج إلى طبيب جراح، وهذا الجراح لن يكون سوى الطبيب يوسف محمد هواري 

+



        
          

                
تتساءلون ما دخلها هي في هذا كله؟ ولما تهرب؟ وهذا لأنها وبغير بساطة مساعدة يوسف الذي يجرها خلفه في أي جراحة وأي عملية، حتى ولو سيجري كشف بسيط على طفل يجرها معه وهي الآن تريد تناول إفطارها الذي لم تتناوله منذ الصباح  

+


على الأقل تتناول شطيرة واحدة قبل أن تدلف إلى عملية قد تستغرق ساعات بدلًا من أن تسقط بينهم في منتصف العملية 

+


وها هو ما كانت تخشاه إذ استمعت إلى صوت أحد الأطباء ينادي في الممرضات أن يجهزن غرفة العمليات فورًا ويبلغوا الطبيب يوسف حتى يجهز لجراحة متعجلة 

+


حدقت بهم بشفتين مذمومتين ساببة الجميع دون تفرقة فمنذ وطأت قدمها هذا المشفى وهي تعمل الست ساعات دون راحة :

+


-يا اولاد ال طب اكل سندوتش طيب هموت من الجوع 

1


دلفت إلى غرفة الممرضات وأخرجت شطيرة من حقيبتها ووضعت جزء منها في فمها تزامنًا مع خلعها للزي التمريض العادي وارتداء آخر يناسب غرفة العمليات 

+


أجل أصبح هذا حالها مؤخرًا تتناول طعامها وهي واقفة أو وهي تمر مع يوسف علي المرضى أو قد لا تتناوله من الأساس، إنها حياة شديدة البؤس وهي تعلم 

2


انفتح الباب مسببًا لها الفزع لتجد إحدى زميلاتها تصيح بها مذهولة :

+


-انتي لسه مدخلتيش العمليات يا براءة ده الدكتور يوسف قالب عليكي المستشفى 

+


قطمت المدعوة براءة قطمة من الشطيرة هاتفة بعض الكلمات المتذمرة وهي تلوك الطعام في فمها فأصبح كلامها غير مفهوم البتة بل وهناك بعض الكلمات التي لا يفهمها من في المشفى منها بسبب لهجتها الصعيدية وهذا ما يزيد أيضًا من حنقها 

1


هرولت إلى غرفة العمليات بخطوات سريعة لا راكضة ولا بطيئة ووالله لو كانت على عهدها القديم لأخذت الطريق ببطئ سلحفاة تسير في الرمال فهي بطبعها كائن شديد الكسل ولكن ما إن تعرفت على عدو الراحة المدعو يوسف وهي أصبحت مثل الأرنب تقفز وتركض من هنا لهنا 

2


توقفت أمام غرفة العمليات لتقطم آخر قطمة من الشطيرة من ثم رفعت الكمامة على وجهها متكلة على ربها مستعدة لأن تقف على قدمها ساعات داخل هذه الغرفة الكئيبة التي يطوف ملك الموت حولها بإستمرار، فمن يدري من سيتوقف قلبه بداخلها 

1


دلفت متسللة وقد ساعدها الضجيج الذي ينتشر لإستعدادهم لبدء العملية، عقمت يديها جيدًا لترفع أنظارها سريعًا لذلك الشاب الطويل والذي يبدو في نهاية العشرينات يرتدي كمامة تخفي جزء من ملامحه، فقط عينيه البنية هي ما تظهر :

+


-هي براءة فين؟؟ كل شوية أدور عليها مش معقول كده! 

+


-انا هنا 

+


هتفت بها بهدوء كاظمة غيظها فهو ورغم أنه شخص محترم هادئ ذو عقلية رزينة ولكن ما ان يدلف إلى هذه الغرفة يصبح شخص آخر وكأن غرفة العمليات يسكنها مارد يتلبسه فور دخوله فيصبح على شعرة من الانفجار في أحد لا ينفذ أمر واحد قد يصدر منه 

+



        
          

                
وقفت بجانب زميلتها ينتظران طبيب التخدير ينهي عمله حتى يبدأ يوسف في الجراحة لتحاول هي صب تركيزها كله معه حتى لا تخطئ في شئ أو تغفل فينتهي بها الأمر واقفة أمامه تتلقى محاضرة في كم الكوارث التي قد تحدث في غرفة العمليات بسبب أخطاء صغيرة 

+


لم تعتد بعد على هذه الأجواء فهي بدأت في العمل كمساعدته منذ أقل من شهر ونصف وهذا بعد أن ألقى بها تكليفها إلى محافظة الإسكندرية في منطقة لا تعلم بها شيئًا تدعي مِيامي ثم ألقى بها الحظ مساعدة لهذا الرجل عديم الراحة 

+


اتسعت عينيها تحدق فيما يفعل يوسف وترى كيف يشق بالمشرط جسد الرجل دون خوف وبشجاعة شديدة فمهنة الجراح تتطلب حقًا الكثير من الشجاعة فبين يديه روح عليه إنقاذها بأي طريقة ممكنة 

+


-ضربات القلب كام 

+


اجابته الممرضة الأخرى المتواجدة معهم في غرفة العمليات فقال الآخر ذون دون أن يحيد بعينيه عما يفعل :

+


-براءة ارفعي الأكسجين 

+


لم يحدث أي تغير فقامت الممرضة الأخرى بفعل هذا وعندما لاحظ يوسف أن براءة لا تتحرك هتف بشدة :

+


-مش انا قولت ارفعي الأكسجين 

+


-ما وفاء زودته 

+


-ضغطه كام 

+


نظرت براءة إلى جهاز الضغط لكن مهلًا... ويلي هي لا ترى بوضوح لقد نسيت ارتداء نظارتها، نظرت إلى صديقتها بإستنجاد في حين صاح يوسف ما إن رأي تأخيرها :

+


-الضغط كـــام 

+


اقتربت بسرعة من جهاز الضغط ثم قالت :

+


-١٣٠ 

+


-عقمي قطنة وأمسحي الدم حوالين الجرح وبسرعة 

+


وبسبب هذه العجلة كادت زجاجة المعقم أن تسقط من بين يديها ولكن عالجت الأمر واسرعت تمسح الدماء من حول الجرح فقال يوسف متسع الأعين :

+


-انتي مش لابسة جوانتي!؟ 

+


حدقت به الأخرى ببلاهة فمال بال رأسها مدار اليوم :

+


-نسيت 

+


-نسيتي ايه؟ دي أرواح ناس، أقل غلطة نروح في مصيبة 

+


-ايديا متعقمة كمل بدل ما الراجل يموت في ايديك 

+


-هيموت بسببك انتي 

+


-طب يارب يموت 

3


هتفت بها بصوت منخفض سمعه يوسف ولكن لم يعلق الآن فليس الوقت المناسب ابدًا، اكمل جراحته وحاولت براءة تفادي الأخطاء على قدر استطاعتها حتى تمر هذه الساعات على خير 

+


وبالفعل لم يمر الكثير هذه المرة فمعروف عن يوسف جديته وصرامته أثناء ساعات الجراحة وهذا بالرغم من صغر سنه ولكنه تتدرب على يد واحد من أهم أساتذة الجراحة لذا هو ماهر في عمله 

5



        
          

                
تم نقل المريض لغرفة أخرى لتسرع براءة في خطواتها للخارج حتى تكمل إفطارها وهذا بالطبع بعد أن تغسل يديها مئة مرة بالصابون من رائحة الدماء هذه فهي من مهووسي النظافة 

+


ولكن دائمًا ما نتمناه لا يكتمل إذ استمعت إلى صوت يوسف يخرج خلفها هاتفًا بغضب :

+


-بتدعي الراجل يموت! يارب تموتي انتي قبل ما تموتيني انا 

5


استدارت إليه نازعة الكمامة ليكمل الآخر مستشيطًا منها فأكثر ما يكرهه هو الإهمال وهي تهمل ولا تهتم :

+


-داخلة عملية من غير جوانتي هتجيبي للراجل تلوث حرام عليكي 

+


-والله حرام عليك انت يا دكتور، طب انت مش تعبان وعايز ترتاح واقف بقالك كتير على رجليك ما تروح ترتاح وتسيبني انا كمان ارتاح 

6


اغمض الآخر عينيه بضيق فمن يحادث من الأساس فتلك الفتاة بكسلها هذا لن تكمل تدريبها على خير حال ولولا أن والده اوصاه عليها لأنها كانت قريبتهم ومتغربة لا تعلم أحد لكان ألقى بتدريبها إلى شخص آخر فلا طاقة له بتحمل كسولة مثلها :

+


-روحي يا براءة روحي 

+


ولم تكذب خبرًا تركته وذهبت ببساطة شديدة لتدلف إلى غرفة الممرضات حيث تركت حقيبتها هناك ومنها دلفت إلى المرحاض مباشرةً لتبدأ حملة النظافة فلن تمث الطعام وهذه الرائحة التي تشبه غرفة العمليات تفوح من يديها 

+


خرجت من المرحاض لتجد زميلتها وفاء التي تتواجد في الغالب معهم في غرفة العمليات كمساعدة أخرى، نظرت إليها براءة وقد كانت يدها ترتعش كبوادر جلطة لظنها أنها أتت لتنادي عليها من أجل جراحة أخرى :

+


-هو لحق يبدأ عملية تانية لا كده كَتير 

+


قهقهت الأخرى بصوت مرتفع ترفع أمامها شطيرة أو كما نقول عليه نحن المصريين "ساندوتش طعمية" :

5


-جاية افطر انا كمان ما انا مفطرتش زيك 

+


جلست الأخرى بجانبها تسحب حقيبتها بحثًا عن طعامها متمتمة ببعض الكلمات الحانقة :

+


-أحسابي جاية تنادي عليا علشان عملية جديدة كنت هصوت وألم عليكم المستشفى وأقول اعتقوني لوجه الله مش مشترين عبدة من سوق العبيد 

+


أخذت تأكل بينما وفاء كانت تحدق بهاتفها وملامح وجهها مقبوضة فقالت براءة متسائلة :

+


-ايه حد بعتلك صورة لجوزك وهو بيخونك 

+


حدقت بها الأخرى ولا تدري اتشعر بالسوء من أجل ما رأت أم اتضحك على حديث براءة المتشائم فهذه عادتها لها تمازح بالتشاؤم، فلا تنفك عن تحليل الموقف أمامها إلى أن ينتهي بالبؤس وحادثة متشائمة حتى ولو لم يكن هذا واقع ما سيحدث :

+


-لأ ده بيقولك قطر جاي من الصعيد خبط في قطر جاي من مطروح من ساعتين والحادثة في البحيرة باين 

+


-أعوذ بالله ايه يا ربي البلد اللي كل أسبوع حاجة تحصل فيها، علشان كده عايزة أسافر الكويت واسيب البلد دي بس يبقى معايا فلوس الأول 

1


استمعت إلى رنين هاتفها لتجد عمتها هي المتصل لذا أجابت بعدما ابتلعت ما في فمها هاتفة ببعض الكلمات التي تقال في العادة :

+


-صباح الخير يا عمتي عاملة ايه 

+


-الحمد لله بخير بقولك لو فاضية تعالي معايا المحطة علشان نجيبوا بنت عمك، اتصلت على عائشة وشروق وباين وراهم محاضرات مش هيقدروا يجوا دلوقتي 

+


-بنتي عمي مين؟؟ 

1


هتفت بها بتوجس ما ان سمعت كلمة محطة في بداية الحديث فأجابت الأخرى :

+


-يا بنتي نور جاية من الصعيد وتلاقيها قربت على المحطة ده متصلة عليا من ساعتين أو من ساعة ونص كده، عايزة ألحق اروحلها بدل ما تستنى هناك دي معاها حاجات كتير 

2


ابتلعت براءة لعابها برعب شديد تسحب الهاتف من يد وفاة تحدق في مشهد لقطارين قد اصطدما ببعضهما ومتهشمين من الأمام :

+


-نور جاية في قطر جاي من الصعيد وآخر مرة كلمتيها كان من ساعتين؟! 

12


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


المواعيد زي ما قولت كل يوم سبت الساعة ٨ مساءً بتوقيت مصر 

+




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close