رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثاني 2 بقلم صابرين
2- كاتب الظل
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
5
أصوات النحيب يعلو ولكنها لا تعلو على صوت ملك الموت الذي كان يقبض أرواح من راحت أرواحهم نتيجة تصادم القطارين، حادث يسمع به الكثير ويصنع الضجة في البلاد فعشرات الأرواح تروح ضحايا مثل هذه الحوادث
+
ولكن كانت ربما هذه مختلفة قليلًا إذ كان أحد القطارين أسرع من الآخر فنتج عن هذا تحطم مقدمة كلا القطارين وبعض العربات الأمامية فراح ضحيتها البعض، والبعض أصيب ببعض الجروح والرضوض، والبعض الآخر لا يزال على قيد الحياة
+
وها هم ملقون على المحطة والارصفة وسط المسعفين وصافرات الإسعاف والشرطة، حتى بعض الصحافة قد حضرت فمن سيفوت أول سبق صحفي لحادث قطارين وقع في إحدى محافظات الدلتا
3
ومن ضمن هؤلاء الصحفيين كانت رقية التي تمسك بكاميراتها تدور بها وتلتقط عدة صور للقطار والناس والمسعفين والمصابين حتى تضعها على موقع الجريدة، فما عاد أحدهم يقرأ الجرائد إلا العجزة الذين لا يزالون على قيد الحياة منذ أن تم تحرير مصر من الحملة البريطانية
+
وأثناء التقاطها للصور لاحظت فتاة في أوائل العشرينات تقف حائرة بمفردها وكأنها ضائعة وحيدة وسط مدينة واسعة لا تعلم بها أحدًا، ألتقطت لها صورة هي أيضًا فملامح الحيرة والتخبط هذه مناسبة جدًا لما ستكتب
2
تقدمت للأمام وهي تحدق بالصورة فاستدعتها ملامح الفتاة التي لم ترها بوضوح من بعيد ولكن رأتها في الصورة، هي تعلم هذه الملامح تبدو مألوفة لها كثيرًا، رفعت رقية أنظارها لها تضيق عينيها تحاول تذكر أين رأت هذه الفتاة
+
تقدمت منها بعدما فشلت في تذكر هويتها وقررت أن تسألها لربما تعرفها وعقلها قد نسي فهي ترى الكثير من الأشخاص يوميًا بحكم عملها، وصلت إليها لتتبسم لها بمجاملة :
+
-رقية محمد هواري صحافية، انتي كنتي من ركاب القطر صح؟
+
حدقت بها الأخرى في ضيق فماذا تريد منها هذه الآن، لتتركها في الهم الذي هي به فلا خلق لها بالحديث مع أحد، والأشخاص الوحيدين الذي تريد التحدث معهم لا تستطيع الوصول إليهم بسبب بطاريتها الفارغة، حتى أنها لا تعلم مِن مَن تطلب المساعدة وهي غريبة في هذه البلاد
+
حملت اشيائها وهمت بالابتعاد عنها فسارعت رقية في استوقافها قائلة :
+
-استني بس انا بصراحة حاسة اني اعرفك بس مش فاكرة بالظبط
+
نظرت إليها الأخرى بتفحص من الأعلى الأسفل فتاة نحيفة نوعًا ذات شعر حالك السواد طويل وعيون سوداء وبشرة قمحية مائلة إلى البياض بفعل الكريمات على الأرجح، ترتدي سترة طويلة بنية أسفلها بنطال جينزي واسع
+
هزت رأسها بنفي فمثل هؤلاء الفتيات لا تقابلهم ابدًا إلا خلف شاشة هاتفها أو شاشة التلفاز :
+
-لا معتقدش اني أعرِفك شكلك غلطانة
+
همت بالرحيل من أمامها مرة أخرى ولكن هذه المرة هي من وقفت حينما قالت رقية :
+
-هو انتي بتتكلمي صعيدي؟؟ طب تعرفي واحدة اسمها عائشة أو شروق؟
7
استدارت إليها هاتفة بلهفة فيبدو أن ربها لن يتركها وحيدة فأرسل لها من يساعدها رغم أنها لا تدري من هذه الفتاة وما صلة القرابة التي قد تكون بينهم :
+
-عائشة اختي وشروق بنت عمي
+
-يبقى انتي نور
+
هتفت بها بسعادة لأنها تذكرت فعقدت نور حاجبيها والآن زاد على حيرتها حيرة، فمن هذه الفتاة وكيف تعرفها وتعرف شقيقتها وابنة عمها، بينما الأخرى قالت :
+
-انا رقية يا نور انتي مش فكراني؟ بصراحة عندك حق آخر مرة شوفتك كان من سبع سنين ده حتى عائشة وشروق وبراءة معرفوش انا مين لما شوفتهم عندنا في العمارة
+
حسنًا لقد بدأ رأسها يؤلمها أكثربسبب هذه الحيرة والتخبط، وعندما رأت رقية هذا تحدثت ببعض الهدوء حتى تفهم الأخرى :
1
-مش انتي من كام سنة جيتي انتي والبنات مع عيلتكم من الصعيد علشان فرح رحاب بنت طنط اسماء اللي هي تقريبًا
+
-عمتي أسماء
+
-ايوه ايوه انا بقى بنت اخ زوج عمتك مش عارفة هتفهميها ولا لأ بس المهم يعني اننا قرايب وكنا في الفرح حتى بالأمارة بعد الفرح عمامي عزموكم علشان واجب ضيافة وكده قبل ما ترجعوا تاني الصعيد، واتعرفت عليكي انتي وبراءة هناك فاكرة ولا زي بنات عمك واختك اللي قعدت ساعة افكرهم
5
آماءت نور تتذكر بالفعل الزفاف وهذه الفتاة التي جلسوا معها كثيرًا وصادقتها هي وبراءة في فترة المراهقة، لكن نسوها بالطبع بسبب مرور السنوات :
+
-جدك هواري ابن عم جدي صفوان
8
حدقت بها الأخرى ببلاهة فلم تكن تعلم أن هذه هي القرابة التي تربطهم باقاربهم في الصعيد :
+
-مش عارفة بصراحة انا ورقة بيضة في شجرة العيلة بس لو انتي عارفة Ok
+
خبطت جبينها بيدها هاتفة بإعتذار :
+
-اهو شجرة العيلة اخدتنا في الكلام، انتي كنتي في القطر طب انتي كويسة؟ حصلك جروح أو كسور؟
4
نظرت نور إلى نفسها حسنًا ستكون كاذبة ان قالت انها بخير فهي بالكاد تقف على قدميها رغم أنها لم تصاب بالكثير من الرضوض ولكن الرعب الذي عاشته داخل القطار كفيل بجعلها تعاني حمى من شدة الفزع، فكم هو مخيف أن ترى نفسك على حافة الموت بينك وبينه شعرة
1
تحدثت رقية وهي تنظر إلى القطارين قائلة :
+
-انتي جاية لوحدك فيه حد جه معاكي أو حصله حاجة
+
-لأ جاية لوحدي بس فيه شنط ضاعت مش عارفة اجيبها من القطر بسبب المدعكة دي تلاقيها ضاعت أصلًا
+
-حاجات ايه طب هي مهمة؟
+
-كانت زيارة لعمتي بط وحمام وفريك وكده، بس الحاجات اللي عرفت اطلع بيها اهي شنطة الهدوم والشنطة اللي فيها حاجاتي المهمة
+
عقدت رقية حاجبيها بتساؤل :
+
-انتي كنتي جاية اسكندرية
+
آماءت لها الأخرى هاتفة ببؤس :
+
-ايوه بس الواضح اني هرجع تاني بعد ما تعرف امي اني كنت هموت في حادثة قطر في أول مرة سافرت فيها لوحدي
+
وضعت رقية كاميراتها في حقيبتها هاتفة ببسمة متسعة :
+
-ميهمكيش يا سكر حمد الله على سلامتك انتي بس وأي حاجة تانية تروح في داهية تعالي بقى بما انك كنت رايحة اسكندرية اوصلك لأختك وبنات عمامك
+
-طب قولي والله
+
هتفت بها بعدم تصديق فضحكت الأخرى وهي تتقدمها :
+
-والله تعالي انا معايا عربية جيت بيها
+
حمدت نور ربها جهرًا أنه أرسل لها مساعدة بعدما كادت أن ترتكن إلى أحد الجدران تبكي وحيدة بائسة لا تدري ماذا قد تفعل، حملت حقيبتها الخاصة وحقيبة ظهر ضخمة وأخرى خاصة بالسفر، وهؤلاء من استطاعت أن تخرج بهم حية من القطار
+
استدارت رقية حتى لا تضيع منها وسط هذا الزحام الغير عادي، وما إن رأت معها كل هذه الحقائب حتى سارعت في الحمل معها قائلة :
+
-هاتي واحدة اشيلها معاكي
4
-لا لا شكرًا مش عايزة اتعبك كفاية ربنا بعتك ليا نجدة والله
+
حملت معها حقيبة رفقًا بها لأنها خارجة من حادث صعب كهذا وسبحان من اخرجها حية :
+
-سبحان الله شوفي حكمته جيت اخد كام صورة للخبر علشان انزله لقيتك واقفة وحدك كأني ربنا بعتني ليكي
+
خرجت بها من هذه المحطة الصغيرة التي تعود إلى إحدى مراكز محافظة البحيرة لتتجه إلى سيارتها أو لنقول سيارة أخيها يوسف والذي سرقتها من أمام المشفى حتى تذهب بها إلى البحيرة، وضعت الحقيبة في الخلف وفتحت لها السيارة فقالت نور متعجبة :
3
-هو انتي هنا لوحدك ودي عربيتك
+
-لا بصراحة دي عربية اخويا بس متخافيش بعرف أسوق فضلت ازن على راس إخواتي لحد ما علموني وشوفي جه التعليم بفايدة
+
صعدت نور بجانبها حامدة ربها ألف مرة أنه ارسل لها مساعدة بحكمته وتدابيره...
+
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
+
"وها هو يرى ظلها من بعيد تقف شاددة شالها على وجهها وكأنها تحرمه حتى فرصة أخيرة للنظر إلى وجهها الشرقي الجميل، أخذته بذنب شعبه في حين عشقها هو بشدة، ولكن كان الفراق هو ختام حكايتهم، فهنا في ميناء اسكندرية حيث هذه النقطة الأخيرة لعودة الإنجليز لموطنهم واستقلال مصر كان آخر مرة يرى بها صاحبة الأعين الكحيلة "
7
ضغط على آخر زر في جهازه الحاسوب وهكذا أنهى قصة قصيرة أخرى نشرها على صفحته الإلكترونية في إحدى تطبيقات التواصل الاجتماعي حيث لصفحته ملايين المتابعين فهو" كاتب الظل" صاحب مئات القصص القصيرة المشهورة على موقع الفيس بوك
7
وصاحب الكثير من الكتب الأدبية التي ينزل منها كل عام كتاب يتوافد عليه الآلاف فهو صاحب صيت وشهرة رغم أنه يمتاز بهالة من الغموض الشديد، فلم يسمع أحدهم بأسمه الحقيقي، ولو مر في الشارع لن يعلمه أحد من معجبينه
+
وهذا لأنه لم يحضر قبلًا معرض أو حفل توقيع كتاب من كتبه إلا وظهر متخفي أسفل كمامة وقبعة وكأن هذا الرجل يحب كونه الكاتب الغامض
+
-عارفها انا التنهيدة دي يا حمزة أكيد خلصت قصة جديدة
13
هتف بها يوسف وهو يضع على الطاولة الصغيرة بجانب حاسوب حمزة كوبين من القهوة الذائبة أو ما يسمى "النسكافية"
+
اجابه الآخر وهو يدلك عنقه بسبب انكبابه على الحاسوب حتى ينهي هذه القصة التي استغرقت معه أسبوعين وأكثر :
+
-وانتهت صاحبة الأعين الكحيلة
+
امسك يوسف بكوبه وقربه من فمه متمتمًا ببعض كلمات التشجيع له، ربما هو لا يهوى كثيرًا القراءة خاصةً قراءة النوع الذي يكتبه حمزة لكن الآخر يستحق حقًا التشجيع، فشاب في مثل سنه الذي لم يتعدى الثامنة والعشرون وصل إلى هذه الدرجة من الثقافة حتى أصبح لديه اسم بين جميع الكتَّاب المشهورين يستحق بحق التشجيع والثناء :
3
-ربنا يوفقك يا حمزة لكل أحسن، أي بقى أخبار القضايا ولا هتسبب شغلك وتمسك في شغفك التاني
+
-والله الحال على ما هو عليه إن مسكني مدير المكتب قضية بحلها، وإن لأ اديني قاعد بكتب وبقرأ ايه الجديد
+
-طب اي اخبار المكتب
+
عقد حمزة حاجبيه وعلم عن من يسأل بالضبط فقال بهدوء وهو ينزع نظارته التي لا يرتديها إلا في حين يكتب لحفظ نظره لا أكثر :
+
-يوسف يوسف لو سمحت والله الموضوع اتقفل مش عارف ليه مُصرين تفتحوه، انا اتجهت لحالي وهي راحت لحالها، خلاص يا جماعة ثم الموضوع فات عليه شهرين وانا خلاص نسيت وهي تقريبًا نسيت
3
-مستغرب عليك كنت متمسك بيها يا حمزة وعايزها محدش كان متوقع انه اللي يسيب التاني هو انت
1
وضع الآخر قدم على الأخرى، ساحبًا كوبه الخاص حتى يرتشف منه البعض، هاتفًا بعدم اهتمام فهو من النوع الذي ينسى بسرعة بسبب انشغاله الدائم :
+
-كان عندي انبهار في الأول واختفى وانا مقتنع دايمًا اني النصيب أقوى من أي شعور تاني
2
فُتح باب الشقة وقد دلف شقيقه بعدما فتح بمفتاحه الخاص ليسير بترنح إلى أقرب مقعد ملقيًا بجسده عليه مطلقًا بعض السباب المرتفعة وهو يخلع عنه حذائه
+
-كريم بابا أقلع جوا انت هتقلع في الصالة ثم اقفل الباب ده سبته مفتوح ليه
+
هتف بها يوسف بضيق يبصر الآخر كان على وشك خلع سترته أيضًا، نظر إليه كريم لبرهة ثم سحب من يديه الكوب مرتشفًا منه من ثم همهم بتلذذ وهو يرتخي على مقعد الاريكة :
+
-نسكافية عدالة يعدل الدماغ التعبانة
+
حول نظره إلى يوسف الذي وقف يعد لنفسه كوب آخر فقال ممتنًا :
+
-والله يا يوسف مش عارفين نودي احترامك ده فين، عارف لو انا اخدته من يونس كان كسر المج فوق دماغي وخلاني اعمله غيره حتى لو مشربتش منه حاجة
5
نظر حوله ولم يستمع لأي صوت في البيت فقال متعجبًا :
+
-انتوا قتلتوا اهل البيت ولا ايه، حتى البنات مش سامع صوت من عندهم في الشقة اللي قدامنا كالعادة يعني
+
اجابه حمزة بعد وقت وهو يحدق امامه في الفراغ شاردًا في قصة جديدة كعادته التي يبدو أنه لن يتخلص منها ابدًا :
+
-واحدة من قرايب البنات عملت حادثة في القطرين اللي خبطوا في بعض النهاردة الصبح فابوك وعمك راحوا مع مرات عمك محفوظ اللي هي عمة البنات علشان يستلموا جثتها باين
7
اتسعت أعين الآخر بذهول وهو يبعد الكوب عن شفتيه :
+
-يا ستار يارب وانا اقول عائشة وشروق كانوا بيجروا برا الجامعة أكنه في مصيبة اتاري كان فيه مصيبة فعلًا
3
نظر حمزة إلى شقيقه هاتفًا بتعجب :
+
-شفتهم بيجروا ومسألتهمش مالكم ولا فيه حاجة معاكم
+
-لأ وانا مالي
12
هتف بها ببساطة شديدة رافعًا منكبيه فقال حمزة بغيظ ملقيًا عليه أحد وسادات الاريكة :
+
-وانت مالك ده بتاع ايه، افرض كانوا في مصيبة ومحتاجين مساعدة، مش ابوك وعمك وصوك عليهم علشان انت في الجامعة معاهم يا متخلف
+
ابعد الآخر الوسادة بغيظ بعدما كادت أن تتسبب في قلب الكوب عليه :
+
-وانا مالي هما مش بيحبوا ولد يتكلم معاهم ولا يقرب منهم أأقرب انا ليه، ده النهاردة الصبح اديتهم حاجة بعتتها رقية معايا بعد ما اتحايلت عليا، يدوب حطتها قدامهم ومشيت لقيت شباب الكلية والكليات المجاورة جم يسألوني
4
اعتدل في جلسته يقلد بعض زملائه في حديثهم :
+
-انت تعرفهم يا كريم، طب ليك سكة معاهم يا كريم، طب دول قرايبك يا كريم، ايــــــه هو انا خاطبة ولا هما أول مرة يشوفوا بنات، يا جدع اشحال ما كانت الجامعة كلها مزز
4
أتى يوسف مقهقهًا من الداخل ليقول بنبرة ضاحكة وهو يجلس معهم :
+
-تعرف يا كريم انت شبه غادة اختك أوي، أول مرة آخد بالي من ده
+
لوى كريم شفتيه بعدم رضا لتشبيه بغادة شقيقته الكبيرة والتي تمتاز بالبرود ونقص حاد في هرمون محبة الناس، وضع الكوب الفارغ على الطاولة وسحب الذي في يد يوسف فهو من عشاق القهوة وهذا بسبب سهره الكثير أمام مبايارت كرة القدم :
1
-هو يونس فين؟؟
8
اجابه يوسف وهو يأخذ الكوب الثاني الذي أعده فهو أعد كوبين لعلمه أن كريم سيأخذ كوبه فور أن ينهي ما في يده :
+
-مرجعش لسه، اومال انا قاعد معاكم ليه علشان محدش فوق كلهم برا البيت
+
أبعد كريم الكوب عن فمه سريعًا يقول بذهول :
+
-يونس مرجعش لحد دلوقتي؟ ده بقاله تلات أيام بايت برا البيت وده الرابع، ليكون اتقتل واحنا منعرفش؟؟
8
صاح به يوسف بغيظ فألا يكفي تشاؤم براءة المستمر في العمل فيأتيه هذا الآخر :
1
-أعوذ بالله منك هو معاه قضية صعبة السفاح اللي بقاله سنتين بيقتل في الناس ده، محدش عارف يمسكه، ده يونس الظابط العاشر تقريبًا اللي يمسك القضية دي
9
-انا مستني يونس يقبض عليه ويدلي السفاح ده بأعترافه علشان اعمله كتاب مخصوص يبقى اسمه سفاح إسكندرية
13
وبالطبع المتحدث هنا لم يكن سوى حمزة والذي يعشق أن ينسج من الواقع الذي يراه كتاب أو قصة جديدة مع إضافة بعض التعديلات من خياله الواسع، أكمل حديثه بشغف حقيقي يرى أمامه أحداث مثيرة تريد أن تُكتب داخل أوراق بيضاء بخطوط منمقة :
+
-قاتل محترف لعامين لا يستطيع أحد أن يمسك عليه دليل، فلا الشرطة قادرة ولا الشعب قادر، كان يقتل كل شهر شخص حتى كثرة ضحاياه وبات يقتل كل يوم شخص فتُرى من سيكشفه في النهاية وما ستكون نهاية سفاح إسكندرية
10
اعتدل كريم في جلسته يقول بخوف مبالغ به وكم بدا مصطنع بشدة :
+
-بيقتل كل يوم شخص ده على ما يقبضوا عليه هيكون خلص على إسكندرية كلها، أمانة عليك يا حمزة لما تكتب النهاية تخلي نهايته بشعة علشان تشمت فيه أهالي إسكندرية كلها
1
-انت بتتريق عليا؟؟
+
أوقف يوسف هذا النزاع قبل أن يبدأ هاتفًا بضحك :
+
-بصراحة يا حمزة خيالك واسع أوي، في دقيقة ألفت كتاب وانت قاعد
1
وضع حمزة قدم على الأخرى معيدًا خصلات شعره السوداء شديدة النعومة والطول إلى الخلف، إذ كان يمتاز حمزة بشعر أسود طويل يصل إلى عنقه وهذا بسبب اهتمامه الشديد به، ليهتف بغرور :
9
-محدش يعرف يعني ايه خيال بدون نطاق ولا حدود إلا تلات شخصيات يا إما كاتب يا إما قارئ يا إما محامي وانا بسم الله ما شاء الله عليا التلاتة فوسعوا من قدامي كده علشان اللي زي مش بيقف مع عامة الشعب
15
ختم حديثه مستقيمًا من على الاريكة وقد سحب حاسوبه حتى يستعد لمراجعة قصته قبل نشرها في الموعد المحدد، نظر كريم إلى طيفه بتهكم ليشير ناحية غرفته التي اختفى بها حمزة محدثًا يوسف :
+
-والله ما غايظني إلا شعره الطويل ده شبه الممثلين التركيين اللى غادة كانت بتحضرهم زمان، ده عنده شامبو بـ 300 جنية وانا بكسل اشتري واحد ليا بستين جنية فبغسل شعري بالمياه بس
20
-ما علشان انت معفن يا كريم
4
هتف بها ضاحكًا بشدة وإذ به يستمع إلى صوت شقيقته في الخارج أمام شقة الفتيات فنادى عليها حتى تأتي قائلًا :
+
-تعالي يا رقية مش هتلاقي حد عندك
+
أما في الخارج كانت رقية تطرق على الشقة التي يسكنها الفتيات والتي هي مقابل شقة عمها :
+
-هو مفيش حد جوا؟ غريبة ده الساعة داخلة على تلاتة يعني المفروض براءة رجعت من الشغل على الأقل
+
تنهدت نور بتعب لقد هلك جسدها بسبب كثرة الأحداث اليوم وتريد النوم قبل أن تنام على نفسها، استمعت إلى رجل ينادي من الشقة الأخرى ذات الباب المفتوح، ينادي على رقية بأن تأتي فاتجهت الأخرى دون تردد قائلة :
+
-تعالي يا نور اتفضلي ده بيت عمي تعالي نستنى لحد ما البنات يجوا أو اتصل انا عليهم
+
دلفت إلى الشقة ليقابلها يوسف بحديثه حيث قال بهدوء مريب :
2
-انتي اخدتي العربية من قدام المستشفى يا رقية
+
آماءت الأخرى دون خوف تضع حقيبة نور إلى جانب الباب :
+
-يس اخدتها عندك مانع
+
-آه عندي انا رجعت ماشي على رجليا ثم سوقتيها ازاي من غير مفتاح يا بنت انتي
+
-معايا نسخة ثم ايه ماشي على رجليك، ده بين المستشفى والعمارة خطوة
+
رفع يوسف أصبعه بتحذير قائلًا :
+
-عارفة لو كنتي خبطتيها أو خدشتيها بس، يونس هيعلقك ومش هدافع عنك، ثم ايه الشنطة دي بتاعت مين
+
كادت الأخرى أن تجيبه لكنها لاحظت أن نور لم تدخل خلفها فعادت للخارج بسرعة لتجدها تقف في مكانها تضغط على الحقيبة في يديها بتوتر فقالت رقية بتعجب :
+
-فيه يا ابنتي اتفضلي والله ما هنعملك حاجة
+
نظر كريم ويوسف ناحية الباب لا يعلموا مع من تتحدث رقية، أما نور فكانت مترددة بشدة في الدخول فحتى لو كانوا أقاربهم هي لا لم تعاشرتهم من قبل ولا تضمن شخص هذه الأيام سواءً كان قريب أو بعيد
1
ولكن إن فكرت قليلًا ستجد أن رقية النجدة الوحيدة لها في هذه الغربة على الأقل هي على صلة بأختها وبنات عمها، اقتربت ببطء من الباب وسرعان ما توقفت عندما ابصرت شابين في الداخل فقالت رقية ترفع عنها الحرج :
+
-تعالي ده يوسف اخويا وكريم ابن عمي، حتى هنسيب الباب مفتوح علشان تتطمني
+
قبضت نور على حقيبتها تدلف إلى الداخل وقلبها ينبض بتوتر فهذه أول مرة لها تسافر خارج حدود محافظتها وبمفردها، وسبحان الله يحدث حادث بين قطارين، تتعطل سيارة رقية لساعة في الطريق، يتعطل المصعد بهم
16
هل هناك علامة أخرى على ضرورية عودتها إلى بلدها وعدم الخروج منها مرة أخرى؟؟
4
ابتعد كريم وجلس بجانب يوسف على الاريكة حتى تجلس هي على المقعد وكله تساؤل هو ويوسف عن هوية هذه الفتاة المحجبة ذات الملابس الفضفاضة
+
نظرت رقية حولها هاتفة بتعجب :
+
-ايه الهدوء ده؟ هو مفيش حد غيركم ولا ايه؟؟
+
نفى يوسف برأسه هاتفًا بهدوء :
+
-ابوكي وعمك راحوا مع البنات المحطة تقريبًا في حد من قرايبنا في الصعيد كان في القطر اللي عمل حادثة النهاردة الصبح، والله أعلم حي ولا مات
+
اتسعت عيني نور بذهول ولم تكن رقية أقل ذهولًا منها إذ نظرت إلى الأخرى هاتفة بدهشة :
+
-سبحان الله انا عمري ما شوفت ترتيب قدر أكتر من كده
+
تحدث كريم بنفاذ صبر فلا يطيق شيئًا يدعي انتظار :
+
-مين دي يا رقية؟
3
-دي قريبتنا اللي كانت في قطر الصعيد اللي عمل حادثة
8
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
+
وليس هناك ما أكثر من صوت البكاء الذي يعم المحطة فقطار الصعيد هذا كانت وجهته المحددة هي الإسكندرية وكم من عائلة كانت على انتظار شخصًا في ذلك القطار والآن أصبحت المحطة مقلوبة فلا يوجد مكان واحد تستطيع الوقوف به من كم العدد الذي حضر
+
ووسط كل هذا كانت تجلس عائشة تجلس بجانب براءة محمرة الوجه، تبكي بشدة فلا تصدق أن شقيقتها الآن قد تكون بين يدي الله، رحلت دون حتى أن تودعها
+
وبجانبهم كانت تقف شروق تحاول للمرة المئة الإتصال بهاتف نور وفي كل مرة يأتيها الرد بأنه مغلق، رفعت أنظارها إلى عمتها والتي كانت تجلس على أحد مقاعد المحطة تبكي وتنوح
+
فحتى ان كانت عاشت سنوات طويلة في اسكندرية لم تنسى جذورها الصعيدية وعرق النواح النسائي الذي تجده في غالبية نساء الصعيد :
5
-يا لهوي البت راحت حتى قبل ما تيجي، أقول لأخويا ايه أقوله ماتت ازاي، يا ترى هنلاقوا جثة تتدفن اصلًا ولا لأ
5
صاح بها زوجها محفوظ أن تتوقف عن هذا فلربما تكون الفتاة حية وهي تنوح عليها بلا سبب :
+
-يا أسماء بس بقى هو احنا نعرف حية ولا ميتة، بيقولوا ناس كتير لسه عايشين وناس عندها إصابات وأغلب اللي ماتوا كانوا من الدرجة الأولى وهي أكيد يعني مركبتش في الدرجة الأولى فإهدي بقى
+
نظر إلى أخويه محمد وعثمان اللذان حضرا معه فلا يصح أن يتركاه في مثل هذه الظروف، والتي كانت في القطار أيضًا من أقاربهم :
+
-وبعدين هنفضل مستنين كده
+
اجابه عثمان بقلة حيلة فلا شئ في ايديهم ليفعلوه :
+
-انت سمعت الظابط قال ايه، كل الناس اللي عايشة جايين في قطر تاني والمصابين انتقلوا لمستشفى هناك في البحيرة، لو مكنتش من ضمن اللي في القطر هنروح البحيرة ندور عليها في المستشفى هناك
+
تحدث أخاه محمد قائلًا :
+
-محفوظ هو انت قولت لأهلها في البلد
+
-مقولتش بس مش عارف هما عرفوا ولا لأ، ده مصر كلها عرفت، بس هما لو كانوا عرفوا كانوا اتصلوا عليا أو على أسماء فمعتقدش إنهم عرفوا
+
رن هاتف شروق في يدها لتجد أن المتصل هي رقية، وهنا تذكرت أن رقية ذهبت صباحًا إلى البحيرة في موقع الحادث لربما تعلم شيئًا لذا أجابت سريعًا قائلة :
+
-الو رقية انتي لسه في البحيرة ولا رجعتي
+
-الو يا شروق انا نور انتوا فين؟؟
+
صاحت الأخرى بعدم تصديق تنظر إلى عمتها وإلى عائشة مشيرة إلى هاتفها :
+
-دي نور يا عائشة على التليفون، الو يا نور انتي كويسة؟ انتي اللي فين؟؟
+
اجابتها الأخرى وهي لا تزال تجلس مع رقية في شقة عمها هذه هاتفة بتعب :
+
-انا كويسة وفي الشقة اللي قبال الشقة اللي انتوا قاعدين فيها
+
-انتي في مِيامي؟! جيتي ازاي ده القطر لسه موصلش
+
-رقية جابتني
+
لم تفهم شروق أي شئ لكنها أجلت الحديث الآن لتغلق معها بعدما أخبرتها أنهم آتين إليها، أعطت نور الهاتف لرقية هاتفة بخفوت :
+
-شكرًا تعبتك معايا
+
أخذت منها الأخرى الهاتف ووضعته في جيب سترتها مبتسمة بهدوء :
+
-لا تعب ولا حاجة الحمد لله انكِ كويسة وبخير يا سكر
+
صمتت لبرهة ثم تساءلت بعدما فشلت في لجم روح الصحافية بداخلها :
+
-هو بما انك كنتي جوا القطر حسيتي بأيه أول ما القطريين خبطوا في بعض
2
-يعني انتي شايفة وقت اسئلة يا رغاية هانم سيبني البنت شكلها تعبان أوي، افصلي يا رقية افصلي
+
هتف بها كريم حانقًا من ابنة عمه عاشقة معرفة أي شئ وكل شئ، تحدث يوسف بنبرته الهادئة قائلًا :
+
-تحبي اجيبلك مسكن أكيد مطلعتيش من الحادثة من غير لا خبطة ولا إصابة
+
رفضت الأخرى سريعًا وخيل لها خيالها الواسع انها لن تشرب مسكن وإنما شئ آخر قد تكون نتائجه غير حميدة بالمرة :
4
-لا شكرًا مش عايزة حاجة
+
-كويس يا بنتي انك رفضتي علشان كنا ناويين نديكي مخدر وناخد اعضائك
12
اتسعت عينيها بذهول فور أن قال كريم هذا فنكزه يوسف حتى لا يخيفها لعلمه أنه يمزح لا أكثر، وفي هذه الأثناء خرج حمزة كالثور الهائج من غرفته في يده كتاب مقطوع وفي الأخرى طبق بلاستيكي ناويًا تحطيمه فوق رأس أخيه الذي يشاركه الغرفة :
+
-كـــريــم انا مش قولتلك متقربش على كتبي
4
وكعادة بعض البشر يفعلون قبل أن ينتبهوا لأي شئ ليكتشفوا مؤخرًا أنهم يخطئون الهدف، وقد اكتشف حمزة بعد أن هبط بالطبق على رأس الجالس على المقعد الذي كان يجلس عليه كريم أن كريم يجلس بجانب يوسف ولا يجلس على المقعد
7
وفي الثانية التالية كانت صرخة نور المتألمة ترج الصالة، كانت رأسها تؤلمها بسبب الحادث لكن الآن أصبحت كطاحون يدور بعد هذه الضربة القوية، نظر يوسف وكريم إلى حمزة بذهول تزامنًا من انتفاضة رقية مهرولة إلى تلك المسكينة التي تأن ألمًا وهي تضم رأسها بين يديها :
9
-احيه يا حمزة فتحت راس البنت
+
أما عن حمزة فكان في موقف لا يحسد عليه المرء، إذ تفاجئ مثلهم بما فعل حتى انه لا يعلم من التي ضربها هذه وهذا لأنه يقف خلف المقعد وليس امامه
9
استدار يقف بجانب يوسف وكريم يحدق في هذه الفتاة الغريبة عليهم بالطبع فلا يعتقد أن أحدٌ من فتيات العائلة ترتدي هذه الملابس الواسعة وهذا الخمار الطويل
+
هذا بالطبع إن استثنى الثلاث فتيات اللواتي يسكن الشقة المقابلة لهم وعلى الأرجح هذه واحدة منهن :
+
-مين دي؟؟
3
اقترب منها يوسف يحاول تفحصها فقد تكون اصيبت بجرح أو ما شابه، لكن الأخرى انتفضت واقفة ما إن رأته يهم بلمسها فقال الآخر بهدوء :
+
-اهدي انا دكتور، ممكن يكون حصلك جرح أو ورم ولا انتي كويسة؟؟
+
اجابته الأخرى بأنها بخير تدلك رأسها بتألم وفي الواقع هي ليست بخير فتشعر أن رأسها قد شُطر إلى نصفين، رفعت نظرها تنظر إلى من سأل عن هويتها وبالطبع هو من ضربها
4
حمحم حمزة يرى الأخرى تحدق به بأعين تقدح غضبًا فعلم ما إن رأى ملامحها أنها ليست من الثلاث فتيات :
+
-احم آسف مكنتش اقصد اضربك انتي، اصل كريم كان قاعد مكانك وكنت اقصده هو
+
لوى كريم شفتيه بسخرية ثم قال :
+
-لدرجة دي نظرك اتلحس من الكتب لدرجة مبقتش عارف تفرق اللي قدامك راجل ولا ست
4
نظر إليه الآخر بنظرة مخيفة مشيرًا إلى الكتاب المقطوع في يده فقال كريم يبرئ نفسه :
+
-مش انا والله هو انا أقدر أأقرب من كنوزك الثمينة تلاقيها رحمة أو ولاد غادة
2
وهذا لم يكن مبرر كافي له فأخيه يجن بالمعنى الحرفي إن اقترب أحدهم من كتبه، وما نَجَده هو دخول والدته رفقة زوجة عمه محمد "والدة يوسف" فقالت والدته ولم تلاحظ وقوف نور بسبب وقوف رقية أمامها فالأخرى طويلة بينما نور قصيرة :
+
-ايه يا أولاد عثمان ومحمد جم، عرفوا إذا كانت البنت لسه عايشة ولا لأ
+
أشار كريم إلى نور التي لا تزال تضع يدها رأسها لشعورها بالدوار :
+
-معاكي المرحومة بذات نفسها يا ماما
8
ابتعدت رقية من أمام نور لتتضح للأخرى من تقف خلفها حيث ابصرت فتاة ذات جسد نحيف أسفل هذا الفستان الزهري الواسع بعض الشئ وترتدي خمار منقوش بالأبيض والزهري يحيط بوجهها القمحي المستدير فقالت "عبلة" والدة يوسف ورقية متسائلة :
+
-انتي نورهان بنت علي صفوان؟؟
+
آماءت لها ببطء بسبب ألم رأسها تقاوم هذا الدوار والألم الذي بدأ يتراكم في جسدها، تريد حقًا أن تلقي بثقلها على فراش حتى تريح جسدها المسكين، دارت بعينيها بين الاثنتين لا تدري من منهما "الأستاذة ناهد" والتي هي السبب في مجيئها من الصعيد إلى الإسكندرية
+
اقتربت منها المرأة الأخرى داعية إياها للجلوس :
+
-حمد الله على سلامتك والحمد لله انك طلعتي سليمة من الحادثة ده، اقعدي اقعدي واقفة ليه
1
امتثلت نور لكلامها وجلست فقالت الأخرى مبتسمة :
+
-انتي عارفة انا مين؟ انا ناهد اللي كلمت مامتك
+
-انتي مس ناهد؟!
+
اومأت لها الأخرى فقالت نور صادمة اياها بحديثها حين قالت :
+
-يا ريتك ما قولتيلي آجي دي كانت ساعة سودة لما ركبت القطر اهو عمل حادثة، والعربية اللي جابتني عطلت في طريقة صحراء في الشمس، والاسنسير عطل ربع ساعة، والبني آدم ده ضربني على راسي حاسة إنها ورمت، انا خلاص غيرت رأيي رجعوني البلد أمي كان معاها حق لما رفضت أروح من أساسه
6
توجهت الأبصار ناحية حمزة الذي أشارت إليه نور لتقول ناهد بذهول :
+
-انت ضربتها!؟
+
مسح الآخر وجهه بضيق صائحًا بهم :
+
-والله ما اقصد كنت فاكرها كريم
9
-ليه هو كريم بيقعد بطرحة في البيت
10
هتفت بها والدته بهذه الجملة ساخرة فقال كريم لاويًا شفتيه بسخط وهو يتجه خارج الشقة بأكملها :
+
-ايه قلة القيمة دي، والله لأسيبلكم البيت وامشي ومن غير سلام عليكم
5
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
+
سار بين التجمع متجهًا ناحية هدفه بدقة ولا يحيد ببصره يمينًا أو يسارًا، تكثر الاقاويل حوله من الناس منها ما تلتقطها أذنيه ومنها ما لا تلتقطها، فهذا هو الشعب المصري يمارس عادته المحببة وهو الفضول
+
حتى ولو فضولهم يقودهم لرجل يفجر نفسه بقنبلة، يتجمهرون حينها من حوله حتى يشاهدوا ماذا سيحدث
+
وصل إلى النقطة التي يتجمعون حولها حيث كان هناك سيدة مذبوحة وملقاة بالقرب من البحر وقد زعم بعض الشهود أن هناك من ألقى بجثتها من السيارة وفر ولم يستطع أحد أن يعلم حتى أرقام السيارة
6
تنهد بحيرة يبصر الضحية الرابعة عشر في هذا الشهر فقط وفي كل مرة يجدوا الجثة من مكان مختلف ولا علاقة لها بالأخرى، وهذا يصعب إيجاد القاتل، كما أنه لا يقتل جنس معين ولا يترك خلفه أي بصمات أو دليل يوصلهم لطرف الخيط حتى
+
دار حول الجثة المغطاة بغطاء أبيض ملطخ بالدماء يستمع إلى تقرير الطبيب الشرعي بجانبه :
+
-مساء الخير يا يونس بيه ضحيتنا النهاردة سيدة في الأربعين من عمرها اتقتلت بنحر في رقبتها لدرجة دقيقة جدًا بتبين أنه محترف ومش أول مرة يقتل
+
-طبيعي مش أول مرة يقتل ده قاتل في الشهر ده ١٤ واحد وقبل كده عشرات بقى بس زاد أوي عن حده الأيام دي
4
تساءل الطبيب بحيرة إذ قال :
+
-يونس بيه ليه متأكدين انه واحد اللي بيعمل ده كله ممكن يكونوا أكتر من واحد، حضرتك المخدرات لحست دماغ الشباب، وممكن يوصل الأمر عندهم للقتل علشان يوصلوا للسم بتاعهم ده
+
نفى الآخر وحدسه يقول ان الفاعل شخص واحد، لا يدري أذكر هو أم أنثى لكنه شخص واحد وهذا ما توصل إليه حتى الآن منذ امسك بالقضية :
1
-لأ واحد اللي بيعمل كده علشان بيستهدف طبقة معينة لو اخدت بالك كل اللي اتقتلوا من طبقة السياسين ورجال الحكومة والإدارة، هو مقتلش لحد دلوقتي رجل سياسي أو نائب أو مدير وإنما بيقتل القريبين منهم زوجاتهم، ولادهم، اخواتهم
3
-شكله منفسن منهم وإن جيت للحق يا يونس باشا كتير بيكرهوا السياسين ورجال الدولة علشان ظلمة حتى المذيعين بقوا طبالين ليهم
+
-طب اسكت وكمل شغلك اعرفلي الست دي اسمها ايه وتبع مين المرة دي علشان اتكلم مع أهلها
+
نظر الآخر إلى ملامح يونس المتعبة رغم جدية ملامحه ليقول بإشفاق :
+
-بس يا يونس باشا انت بقالك أربع أيام مطبق محتاج ترتاح
+
رفع الآخر يده يعتصر أعلى أنفه حتى يسكن هذا الصداع ولو قليلًا فهو مستيقظ منذ أربعة أيام بالفعل ولم ينم إلا سويعات قليلة :
+
-ما انت شايف أهو قدامك، هو انا ملاحق على اللي بيقتلهم كل يوم، انا مش عارف بيلحق يختارهم ويخطفهم ويقتلهم امتى
3
استمع إلى صوت مألوف له فاستدار مبصرًا شقيقته تحاول المرور من العساكر فزفر بضيق ساخطًا على من اختار لها الصحافة لتدرسها، أشار يونس للعساكر بأن يدعوها تأتي
+
فدلفت رقية متعدية هذا الشريط الأصفر، رافعة كاميرتها حتى تلتقط عدة صور للجثة من أجل تقريرها الصحفي تزامنًا مع قولها :
1
-اهو دي فايدة أنه الواحد يبقى عنده واسطة
+
همت بإلتقاط عدة صور لكن يد يونس كانت حائل إذ اخفض الكاميرا مانعًا إياها من إلتقاط أي صورة فقالت الأخرى بإعتراض :
+
-ايه يا يونس متقطعش عليا أكل عيشي يا جدع
+
تنهد الآخر بغيظ من أفعالها المجنونة هذه :
+
-انتي بتعملي ايه هنا؟ ونازلة من البيت الساعة عشرة بالليل يا رقية دي أفعال دي؟!
+
-الله ما انت اهو في نفس الساعة بل وبقالك أربع أيام برا البيت
1
-انا ظابط وده شغلي
+
فرقعة الأخرى اصبعيها تكمل جملته بعدما استغلتها لصالحها :
+
-وانا صحافية وده شغلي زي ما انتي بتجري على أكل عيشك انا كمان بجري على أكل عيشي وسع بقى
2
رفع يونس إحدى حاجبيه هاتفًا بعدم رضا :
+
-ايه كلام بياعين الفجل ده!؟ امشي يا بنت روحي البيت وحاولي تقللي قعادك مع البنات اللي جايين من الصعيد دول كلامك بدأ يتغير
2
قهقهت الأخرى تلتقط صورة للجثة رغمًا عنه تزامنًا مع قولها :
+
-مش منهم علفكرة ده بسبب اختلاطي بالناس يوميًا، ده انا لسه كنت في البحيرة النهاردة عند حادثة القطرين اللي حصلت
+
اتسعت عيني الآخر بذهول لا يصدق هذه الأفعال، ألهذه الدرجة وصلت شقيقته بسبب هوسها بالأخبار :
+
-سافرتي البحيرة لوحدك يا رقية!؟
+
-جه الموضوع بفايدة علفكرة جبت البنت نور معايا والله أعلم كان هيجرى للبنت ايه وحدها
+
-انتي بتقولي ايه؟ مين نور دي؟
+
شعر حقًا بالغرابة مما تقول فأجابته رقية وهي تكشف عن وجه الجثة دون خوف أو اشمئزاز قائلة :
1
-دي بنت عم براءة والبنات كانت جاية في قطر الصعيد اللي عمل حادثة وشوفتها هناك، أوه ماي جاد دي حرم السياسي سامح شلبي!!
+
عقد يونس حاجبيه بتعجب :
+
-عرفتيها ازاي؟؟
+
-عيب عليك اختك تعرف نص البلد زي ما عرفت برضو أني السفاح قتل ضحية جديدة، أصل معارفي كتير
1
غطتها كما كانت بعد أن ألتقطت لها صورة فقال يونس بتعب يشعر أنه يرى تشوش والصداع أصبح يدق رأسه كمطرقة وسندان :
+
-طب يلا علشان اروحك وأروح انا كمان حاسس اني الأصوات بدأت تدخل في بعض
3
-طب سؤال أخير بس من صحافية للظابط اللي ماسك القضية تفتكر مسار السفاح ده ايه
+
اجابها الآخر بما يدور في عقله بصراحة مفرطة :
+
-ماشي على خط هيروين بيشمه كل يوم، مستحيل اللي بيعمل كده يبقى شخص عادي اكيد مبرشم، ويلا نروح بقى علشان بدأت أهلوس
21
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
+
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
8
