اخر الروايات

رواية دوبلير كامله وحصريه بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير كامله وحصريه بقلم فاطمة علي



الفصل الأول.

غرفة نوم متوسطة المستوى كما المساحة الكلية لها تحوى بين جنباتها بعض الأثاث القديم الطراز من تخت كبير، وخزانة ملابس ضخمة وطاولة للزينة، وأريكة وثيرة جانبية، ومقعد مخملي أسود عملاق يوازي تلك الفقاعة البلاستيكية الشفافة الكبيرة التي تحاوط ذلك الشاب الثلاثيني المستلقي على مقعد خشبي صغير بسكون تام، سكون غامض، سكون كاملًا لجسده الذي تغزوه حبات العرق وبغزارة، وأحداقه المذعورة تجوب الفراغ أمامه بهلع قوي، وتوسل أقوى، وتلك الشمعة التي تتراقص نيرانها تناغمًا مع دقات قلبه الصارخة كأبواق استغاثة مدوية، تضاءلت نيرانها مع اهتزازتها الضعيفة، كما قتم وجهه وشفتيه وهو يسعى لسحب أنفاسه بمجهودٍ كبير، يحارب به كي يبقى على قيد الحياة.
أما هو فكان يحتل مقعده الضخم بكبرياء وغرور وهو يراقب المشهد أمامه محتسيًا شرابه باستمتاع وزهو بالانتصار، نظرات لذة ونشوة تلهو بأحداقه وأنامله تداعب طرف كأسه بحرية قبل أن يتجرعها كاملةً وهو يهب من مقعده مطلقًا ضحكات نصر وتشفٍ مدوية بأرجاء الغرفة.
- Stop.
كانت هذه الكلمة التي علت أرجاء المكان كفيلة بأن تقطع تلك الضحكات المدوية وتئدها بحلقه، ليقترب بعدها "مروان قاسم" شاب أشعث الشعر واللحية، مدبب الأنف، وبني الأحداق، نحيف بشكل يتناسب مع طول قامته، ببداية العقد الرابع من عمره وهو يعدل من وضعية منظاره الطبي على وجهه بحنق شديد ملوحًا بأوراقه التي يقبض عليها بيده الأخرى في الهواء هاتفًا بنفاذ صبر :
- يا أستاذ إحساسك فيه فتور، فين نظرة اللذة اللي في عينيك، المفروض إنك قاتل يستلذ بموت ضحيته، مش راجل بيتأمل ست عجباه، أرجوك يا أستاذ تديني الإحساس اللي محتاجه، المشهد ده بينطق على الورق من غير أي حاجة.
قطع الرجل المسافة الفاصلة بينهما، ليتوقف أمامه تمامًا زافرًا زفرة قوية وهو يمسح على وجهه بضيق صدر مرددًا :
- حضرتك أنا بحاول أنفذ كل اللي قولتلي عليه، لكن مشهد الراجل وهو بيموت قدامي مش قادر غير إني أخاف عليه وأتعاطف معاه.
سحب "مروان" نفسًا عميقًا مُسدلًا أجفانه بضيق أقوى وهو يفرغ هواء رئتيه بزفرة قوية مرددًا باستنكار :
- تخاف على مين حضرتك؟!.. البالونة اللي الراجل فيها بتسرب هوا عادي.. يعني هو بيتنفس زينا، وبرضه بيمثل إنه بيتخنق وبيموت عادي جدًا... أبوس ايدك تديني إحساس، اليوم هيتضرب مني والمنتج هيزعل ويزعلنا كلنا.
تنهد الرجل بهدوء مومأ برأسه بعدما استشعر خطأه وتقصيره، ليردد بأسف صاحبه وعد إلزامي: - أسف.. آخر مرة هنعيد فيها، اتفضل حضرتك على المونيتور.

كاد "مروان" أن يفرق شفاهه محررًا بضع من كلماته حتى وجد من يربت على كتفه بقوة، ليستدير نحوه تلقائيًا وهو يحرك رأسه بعتاب مرددًا :
- كل ده تأخير يا "أمجد"؟
("أمجد الصواف" كاتب روائي مخضرم في أدب الجريمة والألغاز يبلغ من العمر ثمانية وثلاثون عامًا، وسيم إلى حد كبير، فسمرة بشرته التي تعزف معزوفة بديعة مع خصلات شعره السوداء الناعمة، وأحداقه البنية زادته جمالًا ووسامه، أما طوله الفارع المناسب مع بنيته القوية وعضلاته المفتولة جعلته محط إعجاب لنساء كُثر تبحثن عن فرصة معه لتحويل خانته بالهوية من أعزب لمتزوج).
انفرجت ابتسامة ساحرة من ثغره وهو يُزيل عنه منظاره الشمسي مرددًا ببعض التعالي :
- أعمل إيه للمعجبات؟! اللي مجرد ما شافوني جريوا عليا وعايزين يتصوروا معايا.
واسترسل بكلماته بنبرة خبيثة وهو يغمز له بإحدى عينه :
- وأنت عارف إني مبعرفش أكسف حد.
مطّ "مروان" فمه بتهكم وهو يعقد ساعديه أمام صدره مرددًا بسخرية كبيرة:
- انت هتقولي!.. خلينا في المهم دلوقتي.
حرك "أمجد" رأسه بتساؤل مستحثًا "مروان" على استكمال حديثه الذي استطرده بتنهيدة خفيفة وهو يشير نحو الممثل أمامه:
- عايزك تقعد مع الأستاذ وتديله إحساس مشهد الفقاعة، مش قادر يوصلي اللي على الورق، يا ريت تساعدنا يا "أمجد".
ربتَّ أمجد بيده على كتف صديقه "مروان" وهو يحاوط بذراعه الآخر كتف الممثل مرددًا بتحفيز جادي :
- هيمثله.. وأحسن من الورق مليون مرة.. إدينا انت بس ربع ساعة.
والتفت بأنظاره نحوه مغمغمًا : - ولا إيه يا فنان؟
أومأ الرجل برأسه بتأييد وهو يزدرد ريقه براحة كبيرة، ليهتف "مروان" غير مباليًا قبل أن يتركهما :
- اعملوا اللي إنتوا عايزينه.. ربع ساعة وهدور الكاميرا.
رفع "أمجد" أحد حاجبيه مستنكرًا وهو يمط فمه متعجبًا حدة صديقه قبل أن يردد بهدوء :
- تعالى معايا يا نجم.
****************
مبنى أحد المجلات الشهيرة والتي تحظى بصيت كبير عربيًا كمجلة ورقية وإلكترونية يرتاد موقعها ملايين الزوار يوميًا. تحديدًا غرفة المحررات الواسعة إلى حد كبير والمُقسمة بفواصل زجاجية قصيرة تفصل كل طاولة عن الأخرى.

كانت "داليدا الشهاوي" (صديقة المشاهير كما يلقبها زملائها بالعمل فهي حقًا تنال حب وإعجاب من يلقاها بروحها المرحة وجمالها المريح للأعين فبشرتها البيضاء الناعمة التي تتنزين بأحداقٍ قاتمة مُحاطة بغابة كثيفة من الأهداب الطويلة وكل هذا محاط بحاجبين كثيفين يلتقيان عند أنف صغير مدبب، يدنوه فم مكتظ الشفاه، خصلاتها البنية المموجة تحاوط كل هذا في صورة لإبداع الخالق عز وجل، أما جسدها فمتوسط الوزن كطولها المتوسط) تسترخي بمقعدها بأريحية كبيرة وهي تلقى ظهرها خلفًا، متصفحة الموقع الإلكتروني للجريدة بلامبالاة لاهية بخصلاتها التي تحاوطها لسبابتها بلهو، تدور بمقعدها الدوار خفيفًا وهي تُمعن النظر على شاشة جوالها قبل أن ينتفض جسدها بصدمة متأهبًا بجميع حواسه لهذا المقطع الدموي الذي بثه زميلها لأحد الأفراد من محافظة الإسماعيلية وهو يذبح آخر في وضح النهار وأمام أعين المارة بلا رحمة أو شفقة، لتكتم شهقتها بكفها الذي لامسته عبراتها المنسدلة قبل أن تُلقي جوالها على سطح المكتب هاتفةً باستنكار قوي :
- إيه الإجرام والوحشية اللي وصلناها دي؟!.. وإيه اللامبالاة والبرود اللي بقينا فيه ده؟!.. الناس واقفة تتفرج عليه وهو بيدبح الراجل، قد كده بقى عادي؟.. نشوف الدم عادي!.. ندبح بعض عادي!
قاطعها "إياد" ذاك الشاب ذو الأربع وعشرون عامًا، ممتلئ القوام نوعًا ما، متوسط الطول، مجعد الشعر، مدبب الأنف، بني الأحداق، وحنطي البشرة؛ زميلها بالعمل ومحرر قسم الحوادث وهو يهتف بسعادة لسبقه الصحفي مهللًا:
- شوفتي الڨيديو يا "داليدا"؟.. إحنا أول موقع نزلناه بعد الواقعة بخمس دقايق بالظبط، شوفتي إنك تكوني من عامة الشعب بينفع ازاي.
حدجته بغضب مستعر وأحداقها تطفو بين عبراتها المنهمرة صارخة به وهي تلوح بيدها في الفضاء الفاصل بينهما :
- انت إيه يا بني آدم انت!.. كل اللي فارق لك السبق الصحفي، ومش فارق معاك حياة الراجل اللي ادبح ده؟.. مش فارق معاك إنه يخسر حياته بالطريقة البشعة دي؟!
تلاشت ابتسامة "إياد" تدريجيًا وهو يحمحم بخجل بعض الشيء مغمغمًا بحزن صاحب نبرته :
- لا طبعًا فارقلي، وانصدمت، واتوجعت لما شفت الڨيديو، بس يمكن من كتر ما شفت حوادث وجرايم اتعودت واكتسبت مناعة.. الناس اتغيرت يا "داليدا" الأب بقا بيقتل عياله، والأخ بيقتل أخوه، بقينا نشوف حاجات أبعد من خيالنا بكتير قوي.. ربنا يتولانا برحمته.
واستدار بكامل جسده مغادرًا المكتب تاركًا خلفه تلك التي سحبت حقيبة يدها مغادرةً المكتب هي الأخرى وهي تُزيل عبراتها العالقة بأهدابها والتي تشوش رؤيتها للأشياء.

****************

إحدى مشافي التجميل الخاصة.
- برجاء توجه دكتورة "هيا سمير " إلى غرفة العمليات.
كانت تلك الكلمات التي دوت بأرجاء المشفى بواسطة المذياع الداخلي لها قبل أن تخطو برواقها تلك الشابة الممشوقة القوام، وهي تعقص خصلاتها الذهبية عاليًا قبل أن تدلف إلى غرفة العمليات بابتسامتها التي قليلًا ما تفارقها مرددة بنبرة حانية وأنظارها تغدق طاولة العمليات التي يتوسطها جسد طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها متخذة من وضع الجنين مستقرًا لها وشهقاتها تعلو وتهبط في تقطع مُدمي :
- "لي لي" زعلانة ليه؟
ما أن رمقتها "ليان" حتى مدَّت ساقيها مستقيمة بجسدها تنهض من موضعها، لتركض نحوها "هيا" بلهفة محتضنة إياها قبل أن تهبط أرضًا وهي تربت على ظهرها بحنو متمتمةً برفق :
- اهدي يا حبيبتي أنا هنا جنبك.
تشبثت "ليان" بمعطف "هيا" الطبي بقوة وهي تدفن رأسها بصدرها مرددة بتقطع من أثر البكاء : - مش عايزة أعمل العملية.. خوديني معاكي.
رفعت "هيا" أنظارها نحو الطبيب بتوسل استجاب له سريعًا، ليغادر الغرفة متنهدًا بأسى ويتبعه طاقمه الطبي حتى خلت الغرفة بهما تمامًا. سحبت "هيا" مقعدًا من جوارها بهدوء وجلست على طرفه ممسده على القبعة الطبية التي تغطي شعر "ليان" مرددة بحنو بالغ :
- ليه مش عايزة تعملي العملية؟.. مش إحنا اتفقنا على كل حاجة.
حركت الطفلة رأسها بنفي وهي تتمتم بتلعثم قليل :
- مش عايزة أعمل العملية.
التقطت "هيا" يد "ليان" بين راحتيها وهي تغدق وجهها المشوه من أثر حريق منزلي قاسٍ بحنان هامسة :
- مش انتي قولتي إنك عايزة ترجعي حلوة زي ما كنتي قبل الحادثة... وكمان قولتي إن "چومانا" صاحبتك وحشتك وعايزة ترجعي تشوفيها تاني وتلعبي معاها؟
أماءت "ليان" إيماءة خفيفة برأسها دون أن تطلق سراح حرف واحد من فمها، لتجاوبها "هيا" بحنو شديد :
- طب هي العملية دي اللي هترجع كل حاجة حلوة لـ "ليان".. بس لازم الأول ندعي ربنا أنه يشفينا، وأنا هكون معاكِ ومش هسيبك.. أوك.
أومأت لها "ليان" برأسها عدة مرات قبل أن تنهض "هيا" و تساعدها بالاسترخاء ثانية وهي تدنو من رأسها دامغة قبلة أموية على جبينها، ليدخل الطبيب و طاقمه الطبي الذين طوفوا "هيا" بكثير من الامتنان والعرفان



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close