اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل الثاني 2 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل الثاني 2 بقلم فاطمة علي


الفصل الثاني.
غادرت "داليدا" الجريدة بصدر ضيق وأنفاسٍ ثقيلة من أثر هذا المشهد الذي لن تفقده ذاكرتها بسهولة. توقفت أمام سيارتها تستند على بابها بيدها المرتجفة من فرط العصبية وهي ترفع رأسها نحو السماء علّها تثلج صدرها بتلك النسمة الخفيفة. أنفاس تسحبها إلى صدرها عنوة ومن ثم تدفعها إلى الخارج ببطيء بعض الشيء في محاولة منها لتنظيمها، دقائق قليلة وكانت قد زفرت زفرة قوية بآخرها وهي تسحب باب سيارتها للخارج قبل أن تستقلها منطلقة إلى وجهتها.
دفعت "هيا" باب شقتها الحديثة الطراز تدلف إليها بتنهيدة مُثقلة وهي توصده خلفها مستندة عليه بكامل جسدها للحظات قليلة كمن تخلع عنها ثوب الحزن لأجل الصغيرة "ليان" مرتدية ثوب السعادة والامتنان لأجل توأمها "كادي" و "كريم" اللذان أتما عامهما السابع منذ أيام قليلة، واللذان ما أن استشعرا وصول والدتهما حتى ركضا نحوها مُهللين بسعادة يحتضنا ساقيها بتسابق ومشاكسة : - مامي.
انفرجت ابتسامة واسعة تزين محياها لتهبط بجذعها قليلًا نحوهما وهي تضمهما إلى صدرها بقوة مستنشقةً رائحتهما التي بثت روح الاطمئنان إلى قلبها وهي تردد بسعادة :
- قلب مامي.. وحشتوني قوي.
أزاح "كريم" "كادي" قليلًا بجسده وهو يتعلق بعنق والدته هاتفًا بتذمر طفولي :
-أنا بس اللي وحشتك.. "كادي" لأ.. عشان مش رضيت تديني التاب بتاعها.
ارتسمت معالم الجدية بقسمات وجهها وهي تُخرجه من أحضانها بعتاب مرددة :
-"كادي" أختك اللي مينفعش نزقها كده يا "كريم".. وبعدين فين التاب بتاعك؟
قلب "كريم" شفته لأسفل بحزن وهو يرمقها بعتاب مرددًا :
-فصل شحن.. وبعدين ما هي زقتني قوي، وكنت هقع.
التفتت "هيا" برأسها نحو "كادي" ترمقها بنظراتها اللائمة لتفرك كلتا يديها ببعضها البعض في محاولة لحبس دمعاتها التي سرعان ما تجمعت في مُقلتيها وهي تمط شفتيها بشهقة متقطعة نخرت قلب توأمها الذي حاوط كتفيها بذراعيه يحتضنها بقوة مرددًا بأسف :
- متعيطيش.. أنا أسف.
وأخذ يربت على ظهرها بحنان وعطف لتكتم هي شهقاتها المتقطعة بكتفه، تابعت "هيا" هذا المشهد المتكرر بشكل يومي فدائمًا ما يشكو "كريم" من "كادي"، ودائماً ما تنهار حصونه أمام بكائها، وطوفتهما بأعين متضرعة للمولى بالحماية والبركة قبل أن تبتسم برضا وهي تتركهما والجة إلى غرفتها.

************

مكتب "أمجد الصواف" والذي يقتطعه من مسكنه بأحد أحياء القاهرة الراقية.
مكتب عتيق إلى حد كبير بألوان حوائطه الدافئة المرتفعة السقف والتي تتزين بالعديد من اللوحات السريالية العريقة، أما طاولة مكتبه البنية الضخمة والتي يتوسطها أحد الحواسيب النقالة وإلى جانبه بعض الدفاتر الورقية والأقلام الجافة، أما خلف هذا المكتب يقع مقعد جلدي ضخم من اللون البني القاتم يتناسب من المقعدين الصغيرين أمام المكتب والتي تتوسطهما منضدة زجاجية صغيرة مقابلة لتلك الأريكة الجلدية الكبيرة.
كان "أمجد" يحتل مقعده منكبًا على أوراقه بتركيز كبير يضع الخطوط الأولية لروايته القادمة. يُسراه تنساب على الأوراق أمامه باحترافية، ومهارة وسرعة كمن يرغب في فض جميع ما بعقله من معلومات يخشى تلاشيها. انتهى من خريطته المبدئية وهو يطالع الدفتر أمامه بابتسامة واسعة قبل أن يعود بجسده مسترخيًا إلى ظهر مقعده وهو يحرر من صدره تنهيدة حارة مرددًا بانتصار : - هو ده الكلام.
بدأ يحرك مقعده يمينًا ويسارًا بتركيز عميق بنقطة في الفضاء أمامه وهو ينزلق داخله باسترخاء تام عاقدًا كفيه أعلى رأسه مترنمًا بلحن غامض قطعته تلك الدقات الخفيفة على باب مكتبه.
اعتدل بجلسته مستقيمًا بجذعه قبل أن ينهض متجهًا صوب الباب وهو يرفع ساعده الأيمن أمام وجهه مستكشفًا ساعته قبل أن يُدير مقبض الباب مرددًا بابتسامة خفيفة :
- في ميعادك بالظبط.
وتنحى جانبًا سامحًا لها بالمرور مسترسلًا : - نورتي مكتبي المتواضع أستاذة "داليدا".
رهبة غامضة سيطرت على كامل حواسها، قيدت أقدامها للحظات كما عقدت لسانها وهي تطوف الغرفة أمامها بأعين متأذية ربما كان هذا لبُغضها للألوان الداكنة التي دائمًا ما تُشعرها بانقباضه قلب وربما لسبب آخر . تنهدت بقوة تطرد هذه الفكرة المسيطرة عليها وهي تتقدم قليلًا للأمام مرددة بابتسامة باهتة :
- منور بحضرتك يا فندم.. يا ريت نبتدي الإنترڨيو على طول، وكمان نص ساعة مصور الجريدة هيتواصل مع حضرتك عشان الفوتوسيشن اللي هينزل مع اللقاء.
أشار "أمجد" بيده نحو أحد المقاعد مردفًا بتعجب؛ -
طب اتفضلي اقعدي الأول وبعدين نتكلم في كل اللي انتي عايزاه.
انفرجت ابتسامتها قليلًا وهي تتجه نحو المقعد المُشار إليه وتحتله بهدوء ملتقطة جوالها تضغط شاشته للحظات قبل أن تضعه أعلى سطح المكتب أمامها مرددة بجدية :
-الحوار كله هيكون مُسجل.. ممكن نبتدي؟
تعالت ضحكة خفيفة بجوف "أمجد" وهو يتجه صوب ماكينة القهوة خاصته يضع بها إحدى كبسولات القهوة المستوردة مرددًا بثبات :
- اسبريسو؟
استشعرت "داليدا" الخجل الذي جاهدت لتواريه بحمحمة خفيفة منها وهي تجمع خصلاتها المتمردة خلف أذنها مرددة بعرفان : - اسبريسو.
أماء "أمجد" برأسه بموافقة وما زالت ابتسامته تغازل ثغره، ليستدير بكامل جسده نحو الماكينة متناولًا فنجانين القهوة قد امتلئا وهو يتجه نحوها مرددًا بود مناولًا إياها أحدهما : -
اتفضلي. تناولته منه بإيماءة خفيفة من رأسها وهي ترسل له ابتسامة امتنان مغمغمة بصوت خفيض : شكراً.
تنهد "أمجد" بارتياح وهو يستدير حول طاولة مكتبه ويجلس بمقعده مستقيمًا بجذعه للأمام مرتشفًا رشفة خفيفة من قهوته الساخنة، ليردد بعدها بترحيب حافٍ :
- تحت أمرك.. تقدري تسألي أي سؤال في دماغك.
ابتلعت القهوة التي كانت بجوفها وهي تضع الفنجان أعلى المنضدة الصغيرة أمامها ملتفتةً نحوه بجذعها قليلًا وهي تردد بجدية :
- تمام.. طبعًا حضرتك عارف السؤال التقليدي.. يا ريت تعرف جمهورك مين هو "أمجد الصواف".
حرك "أمجد" رأسه بإيماءة خفيفة وهو يردد بابتسامة عذبة:
"أمجد الصواف".. روائي مصري.. تمانية وتلاتين سنة.. أعزب.
ضيقت أحداقها بدهشة مرددة :
- أعزب؟!.. مش غريبة شوية إن كاتب بشهرتك ونجاحك ووسامتك ولسه أعزب؟
اتسعت ابتسامة "أمجد" وهو يردد ببعض المكر :
- ميرسي على الأخيرة.
ارتبكت "داليدا" كثيرًا، لتتحرك في مقعدها في محاولة للسيطرة على هذا الوضع مرددة بثبات جاهدت للحفاظ عليه :
- مقصدش على فكرة.. أنا بس استغربت إنك قربت من الأربعين ولسه أعزب.
ابتسامته الماكرة ضاعفت ارتباكها لتهتف بتسرع حاد :
-انت مش شايف إنك عنيف ودموي في رواياتك، وللأسف رواياتك دي اتحولت لأفلام.. يعني دخلت كل البيوت العربية تقريبًا.
غزت علامات الاستنكار قسمات وجهه للحظات قبل أن يرتدي قناع اللامبالاة وهو يباغتها متسائلًا :
-الروايات دي نجحت ولا منجحتش؟.. أخدت جوايز عالمية وشرفت اسم مصر بره ولا لأ؟
احتدت نبرتها بعض الشيء وهي تشير نحوه بكفها حانقة :
- بلاش حكاية الجوايز العالمية دي، كلنا عارفين إيه النوعية اللي الناس دي بتدعمها.
رفع "أمجد" أحد حاجبيه بدهشة وهو يردد باستنكار أقوى :
- هي النوعية اللي بتدعمها بقا؟.. يا ريت تفيديني بخبراتك العظيمة يا أستاذة "داليدا".

اشتعلت أعينها غضبًا وهي تهب من مقعدها صارخة به بقوة :
-أنا مش هقبل نبرة السخرية اللي في كلامك دي.. وأه هفيدك بخبراتي اللي يمكن مش عندك.. هقولك إن رواياتك الدموية اللي نجحت نجاح باهر زي ما حضرتك بتقول واللي للأسف اتحولت لأفلام قدرت تخرج لنا الآلاف زي أبطالك.. خرجت لنا سفاح الإسماعيلية اللي دبح راجل بريء في وسط الشارع..وغيره كتير وكتير.. سواء عرفنا بجرايمهم دي أو ما عرفناش.. الكتاب أمثالك هما السبب في اللي إحنا وصلناله.. وأنا غلطانة إن ضيعت وقتي معاك.. عن إذنك.
كان يتابعها بثبات تام، ولم يُصدر أي ردة فعل ، استمرت أحداقه تتابعها بجمود حتى التقطت جوالها وحقيبتها وغادرت المكتب صافعة الباب خلفها بقوة، ليلتقط فنجان قهوته يستنشق رائحته بتلذذ وكأن شيء لم يكن



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close