اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل التاسع 9 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل التاسع 9 بقلم الكاتبة ام حمدة


الفصل التاسع............

رنين المنبه يطغى على سكون الغرفة المظلمة، وينتشل ساكنيها من سباتهم العميق، تململ برقدته وأبعد الرأس المتوسد صدره وأمال جسده قليلا مادا ذراعه ليسكت رنين الساعة ثم عاد مضجعا مكانه.
أغمض عينيه ثم فتحهما عدة مرات يبعد النوم الذي داعب أجفانه، مسح وجهه بكفه وهو يستغفر، وحرك رأسه للجهة الأخرى يتطلع لظهر المرأة العاري الراقدة بجانبه، أسدل أجفانه وهو يتذكر ما حدث عند عودته من منزل جدته.....
فتح الباب ودخل لتواجهه شموع منتشرة بكل مكان بشكل جميل، وورود تناثرت بالأرجاء، تجولت عيناه بكل مكان ثم ثبتت على تلك الأنثى الفاتنة القابعة بشكل مثير على الأريكة، كانت جميلة بل مثيرة ومغوية.
تحركت عيناه تلتهم مفاتنها الظاهرة من خلال غلالة نومها الشفافة التي تظهر أكثر مما هي تستر، فعادت عيناه لصفحة وجهها لتقابله ابتسامتها الوقحة بلونها الأحمر القاني تدعوه بشكل صريح بأن يتقدم ليلتهمها، ظل واقفا ينظر إليها وهرموناته الذكورية تحثه على التقدم لأخذ ما تعرضه، لكنه وقف ينتظر وينظر وفهمت هي مقصده، فنهضت بدلال وبحركات مقصودة تهز بها جسدها تغريه بأنوثتها، اقتربت منه ورفعت ذراعيها وأحاطت رقبته وألصقت جسدها بجسده ثم وقفت على أطراف أصابعها.
تقترب من وجهه قاصدة شفتيه، وأنظاره متعلقة بشفتيها تنتظر بل تتوق للمسها ولم تتأخر، قَبلته وهي تدني رأسه ناحيتها ليحيط هو ذراعيه حول جسدها بتملك وينقض معمقا قبلتها ويرفعها بالهواء حاملا جسدها متوجها ناحية غرفة النوم متقبلا اعتذارها ومحتاجا راغبا بالضياع، وهروبا من مشاعر تقتله ويرغبها، وعواطف أجاشت بصدره وكيانه، يتوق لطفلة!!.. لم يكن يظن بأنه سيكن لها كل تلك الأحاسيس، متى أحبها؟! لا يعرف....
متى تعلق بها؟!..... أيضا لا يعرف...
وتساءل.. هل ما يكنه لها هو الحب؟؟....
وعاد ينغمس بتساؤلاته.. بل ما هو الحب؟؟.... هو لا يعلم ولا يفقه لما يدور به، بل كل ما يعرفه الآن بأنه يريدها.
نهض من رقدته وأولاها ظهره ووضع رأسه بين يديه يفكر ويتفكر لكن لا مجال للتراجع، التف ينظر إليها لثواني ثم أشاح بوجهه ووقف وبعينيه عزم بأنه لن يتراجع عما يريده.
دلف للحمام استحم وتوضأ ثم ارتدى ملابس العمل وخرج للذهاب للصلاة ثم التوجه لمقر عمله.
انخرط بعمله ما أن وصل لمكتبه يبحث عن عصابة السيارات باجتماع مغلق مع باقي المدراء، ووضع كافة الإجراءات الأمنية لمنع حدوث أي عمل إجرامي آخر، وإغلاق جميع المنافذ منعا من هروبهم، فهم يريدون القبض عليهم قبل أن تزداد أعداد ضحاياهم، وما سيسهل عملهم هو قبضهم على أحد أفراد جماعتهم سيستطيعون الآن الإمساك بهم والتخلص نهائيا من هؤلاء المجرمين.
انفض الاجتماع وخرج الجميع وبقي سلطان مع صديقه أحمد يجلسان باسترخاء ويحتسيان القهوة العربية التي تفوح نكهتها القوية بأرجاء المكتب مدغدغة حواسهم لترتخي أعصابهم المشدودة.
كانا يتحدثان عن أمور شتى...السياسة، الاقتصاد، السيارات، كل ما يخص بأمور الرجال وبعدها عم الهدوء المكان، رفع سلطان عينه من على فنجانه وشاهد حديث متردد بعيني صديقه، فقال له سلطان بعد أن وضع فنجانه:
" ما الأمر أحمد!!.. هل هناك ما تود التحدث عنه؟؟ ".
سعل أحمد ليجلي حنجرته ونضبت جبهته بقطرات من العرق فهو مقدم على أمر عسير ولا يعرف كيف ستكون ردة فعل صديقه؟؟
" في الحقيقة...".
اعتدل سلطان في مقعده واتكأ على مكتبه وهو يحث صديقه على الكلام:
" تحدث يا أحمد، فلا حرج بيننا، فأنت صديقي وبمكانة أخي ".
" شكرا سلطان وأنا أشهد بأن مكانتك بقلبي كبيرة وأنا أريد...".
سكت مرة أخرى وأجلى حنجرته ثم قال:
" سلطان أنت تعرفني جيدا، لا أشرب ولا أدخن وأصلي وأصوم وبار بوالدي ".
عيونه مركزة على صديقه وحديثه هذا يؤدي لغرض واحد، بادله أحمد بالتحديق وشاهد التحفز بعينيه والانتظار، فشعر بالتوتر ولأول مرة يشعر بالخوف لا يعرف لما؟؟.. لكن عليه أن يكمل ما بدأه.
" في الحقيقة...أريد أن أكمل نصف ديني ".
تهللت أسارير سلطان بالفرح لصديقه ونهض ضاحكا مقتربا منه واحتضنه وربت على ظهره، فأحمد يوازيه بالعمر ولم يتزوج بعد وكما يذكر بأنه قال لن يتزوج سوى بعد أن يجد فتاة أحلامه التي يعرف بأنها ستكون نعم الزوجة له.
" مبارك يا صديقي وأخيرا قررت أن تتزوج؟؟ ".
ابتعد عنه تاركا مسافة بينهما ثم عاود الحديث بخبث:
" وأخيرا وقعت بالفخ، ووجدت فتاة أحلامك ".
ثم رفع كفيه وقال:
" الحمد الله، والآن أخبرني من هي سعيدة الحظ التي نالت منك؟! هيا لا تخفي عني أي شيء...متى رأيتها؟؟... وكيف هي؟! هيا، هيا تحدث ".
ضحك أحمد بارتباك وفرك رأسه بخجل لا يناسب مكانته فأحمد يمتاز بطول قامته, ونحيل البنية، وملامحه العربية تنطق بالرجولة والتحدي، وعينيه تلمع بالذكاء، يملك بشرة سمراء، ولحية خفيفة تحيط بذقنه أعطته وسامة.
" اهدأ سلطان، فأنا نفسي لا أصدق بأنني نويت الزواج!! ".
" هيا...هيا لا تخجل ".
ولكمه بكتفه ثم أكمل...
" هل هي جميلة؟؟ ".
أغمض أحمد عينيه وقال:
" إنها رائعة الجمال بملامحها الحادة والبريئة بنفس الوقت، وكلامها العميق الذي يخالف سنوات عمرها ".
أكمل حديثه يتغنى بمحاسنها سارحا بخيالها دون أن يشعر بمن حوله، فقد تملكت حواسه ما أن رآها وسمع صوتها ولم يشعر سوى بلسانه ينطق ( بأنها المرأة المطلوبة ) أخرجه من مشاعره الحالمة ضحكة سلطان المجلجلة التي صدح صوتها بأركان الغرفة وقال:
" يا إلهي!! أنت مغرم بها!!.... متى حدث هذا؟؟... يجب أن نزوجك بها بسرعة كبيرة قبل أن ترتكب جريمة ".
فتحدث أحمد بمشاعر منفعلة لم يستطع مداراة بهجته باستعداد سلطان لمساعدته بزواجه.
" أجل سلطان، أتمنى الزواج بها اليوم قبل الغد ".
قهقه سلطان بصوت مزلزل وقال أثناء ضحكه:
" شوقتني لأعرف من هي تلك التي اخترقت عقلك السميك؟!.... هيا قل اسمها وسأذهب للتو واللحظة لأزوجك إياها ".
اقترب منه أحمد وقال بلهفة طفل صغير سيحصل على لعبته الغالية التي طال انتظاره عليها:
" صحيح يا سلطان!!... ستزوجني مريم ابنة عمك ".
" أجل...أجـ...".
بتر جملته وانقشعت ضحكته وحل الصمت...فتحركت تفاحته للأعلى وتوقفت دون أن تعود لمكانها لجفاف فمه الذي حال دون رجوعها، وشعر بقلبه يطرق...ويطرق، فتح فمه يستفهم منه ما سمعته أذنيه، أشواك حادة تغرس ببلعومه تمنعه من إلقاء هذا السؤال، وخوف شديد ينهش أحشاءه من أن ما سمعه صحيح.
تحرك من مكانه وحمل كأس الماء من على مكتبه وتجرعه دفعة واحدة، ثم التفت ناحية صديقه وأعاد سؤاله بشيء من التوتر حمله صوته لكن الآخر لم ينتبه لما حل به:
" أعد ما قلته، ما هو اسمها؟؟ ".
شعر بذبذبات الغرفة تتغير وشحنات سالبة انتشرت بالأرجاء، لكن لا مفر من الحديث الجدي بعد أن انتهى وقت الضحك، فهذه الأمور لا هزار فيها، فاستجمع قواه وقال بهدوء اعتاده الناس منه:
" سلطان، أنا يشرفني أن أطلب يد ابنة عمك مريم على سنة الله ورسوله ".

****************

يومان كاملان لم يستطع فيهما سلطان زيارة منزل جدته، يحادث جدته على الهاتف ويتحجج بأمور تشغله عن زيارتها، وفي اليوم الثالث لم يعد يطيق عدم رؤيتها فاستقل سيارته منطلقا نحوها بعد أن خرج من منزل والديه بزيارة لهما، وأخذت سيارته تنهب عباب الشارع الملتهب بنار الشمس الحارقة فالصيف على أشده والحرارة تشعل النار بأجساد كل من يخرج ويتحداها وهو بسيارته الفارهة والمكيفة يجلس بأعصاب مشدودة وضحت بتصرفاته التي شعر بها الجميع فحاولوا الابتعاد عن طريقه، فسلطان معروف عند غضبه... ابتعد عنه وحاول عدم الرد عليه إلى أن يهدئ.
وصل لمقصده وظل بسيارته يتساءل... هل يخبرهم أم لا وينهي موضوع هذه الزيجة أيضا؟!.. فطلب الدكتور عمر قد رفضه بنفس الوقت بأن لا يوجد عندهم بنات للزواج وانصرف عنه موليا ظهره وطلبه راميا به عرض الحائط، ولم يكن يتوقع أنه حادث جدته بالموضوع وأنها رفضته هي الأخرى، لكن هذا صديق الطفولة لا يستطيع رفض طلبه الوحيد، فطوال حياته لم يطلب منه شيء واحد بخلاف باقي أصدقائه مستغلين منصبه الرفيع، وهو لن يتوانى عن مساعدة شخص محتاج لكن هذا الطلب.....
أخذ أنفاسا طويلة ثم زفر فيها ضيقه، أطفئ محرك سيارته وخرج منها وتقدم ناحية الباب وطرقه ثم دخل مناديا على أهل البيت، فأطلت عليه ببشاشتها المعهودة خارجة من المكان المعتاد أن تتواجد فيه، لا بد وأنها تعد طعام العشاء.
تقدمت منه على استحياء تعوده منها، وفكر بتلك الفتاة الغريبة، هي توليفه عجيبة غريبة من الخجل، والقوة، والحكمة، وأحيانا تتصرف مثل الأطفال كل تلك الصفات شاهدهم عليها.
اقتربت منه وسلمت عليه من بعيد، وقالت:
" مرحبا بابن العم، كيف حالك وأحوال عائلتك؟؟ ".
" بخير يا ابنة العم، كلهم بأحسن حال ويبلغونك تحيتهم ".
" تفضل بالدخول وسأنادي على والدتي ".
تقدمته ورحبت به بغرفة الجلوس ثم استأذنت للحظة ودخلت غرفة الجدة تبلغها بحضوره، دقائق وخرجت مبلغة إياه بأن والدتها تغير ملابسها وستخرج بعد قليل، أومأ برأسه وعيونه ما تزال تنظر إليها تتأملها، لا ينكر جمال وجهها وجسدها...حسنا هي ليست سمينة جدا، فملابسها واسعة تمنعه من معرفة حجم جسدها، فهو يعرف جدته كم تكره تلك الملابس التي تظهر وتحدد الجسم لهذا عودت مريم منذ الصغر بلبس الملابس التقليدية ( المخور والجلابيات و الملابس الواسعة ) لهذا لا يستطيع تحديد وزنها، لكنها لن تواجه صعوبة بإنزال وزنها إن داومت على الرياضة.
ضيق عينه وصفعة الحقيقة تضربه لما لم ينتبه لها من قبل؟! لم اهتم بالبحث عن الجمال والرشاقة ونسي المهم؟!.... أم أن صغر سنها هو ما منعه من النظر إليها؟؟... وسلاطة لسانها!!... فالكلمات التي تخرج من فمها تقع عليهم كحد السيف، ترى هل أنا إنسان سطحي ولا يهتم سوى بالمظاهر؟!!.... تساءل بداخله، لما لم يحذو حذو صديقه عندما سأله سؤال ندم عليه، لا يعرف بالأصل لما قاله فتذكر الحديث الذي دار بينهما:
" كيف تعرف ابنة عمي؟!... وأين شاهدتها؟؟ ".
كان يتحدث معه والشرر يتطاير من عينيه لم يستطع احتواءه، وكلمات الغزل تعاد وتتكرر بأذنه:
" اهدأ يا سلطان ولا تغضب ".
قاطعه بقوة قائلا:
" كيف لا تريدني أن أغضب وأنت تتغزل بها أمامي؟؟ ".
" أنت محق بهذا، وأنا أعتذر. لم يكن من حقي قول ما قلته، فقط أخذتني العاطفة ".
نار تشتعل بين ضلوعه وشعر بحبل يلتف حول عنقه مضيقا عليه أنفاسه، وهو يستمع لرجل يتحدث بمشاعر يكنها لابنة عمه، لما الآن؟! لما ظهر بوقت هو فتح عينيه عليها؟!... هل يعاقبه القدر على عماه واختياره لأخرى؟!...
تحرك متقدما ناحية الأريكة الجلدية وجلس عليها بوجه جامد مبهم ثم رفع عينيه ينظر إليه بحدة وقال:
" تحدث يا أحمد، وأخبرني متى شاهدتها وأين كان هذا؟؟ ".
تنهد صديقه بضيق، كان يعرف بأن طلبه صعب، فهو سيناسب عائلة مرموقة وهو ليس أهلا بنسبهم لتواضع عائلته، تقدم وجلس بجانبه وقال:
" لقد شاهدتها بالمستشفى عندما تعرضت للحادث هي وجدتك، لحقت بك لأطمئن عليك، لقد أخافني خروجك الصاروخي فلحقت بك وشاهدتها هناك، هذا كل شيء "
سكت قليلا يستجمع قواه ثم واصل حديثه:
" هل أنت غاضب لأنني تقدمت لخطبتها، وأني لا أناسب نسبكم العريق؟؟ ".
بادره سلطان نافيا سؤاله:
" لا تكن سخيفا أحمد، فأنت رجل قل أمثالك بهذه الحياة ولو كانت لدي شقيقة ما بخلت عليك فيها، ونسبك يشرفني ويشرف عائلتي، فنحن نشتري الرجال لبناتنا وليس المنصب والمكانة ".
" إذا لما أنت غاضب؟؟ ".
" لم أعهدك غبيا أحمد لكن يبدوا أن الموضوع أكل عقلك!! ".
شاهد الجهل على ملامحه ورحم حاله، وقال:
" غضبي هو لأنك مدحت شكلها، هذا يعني أنك نظرت إليها بالتفصيل ".
" أنا...أنا...".
تنحنح..
" أنا لم أقصد أن أحدق فيها صدقني ".
" أجل أحمد أعرف أخلاقك، ولو كنت رجل آخر لكنت الآن بعداد الأموات ".
أشاح بوجهه عنه وتأمل كريستال على شكل وردة لمسند الأوراق يعرف صاحبة هذه الهدية، فلقد أهدته إياها عندما حصل على منصب عالي في عمله، فقال ساهما دون أن يشعر بما تفوه به:
" إنها سمينة هل يضايقك الأمر؟؟ ".
لم ينظر إليه وشعر باستنكار صديقه على هذا القول، هو نفسه يشعر بالخزي من كلماته لا يعرف لما أخرجها ولما قالها؟!... ربما...ربما تكون...
أغمض عينيه على كلمات صديقه.
" أنا لا أهتم للشكل، وما يهمني هو المضمون، وهي ليست سمينة لدرجة عدم استطاعتها الحركة، بل العكس تعجبني المرأة الممتلئة ولا أحب النساء النحيلات ".
عاد من رحلته يحدق بها شاهدها بعيون رجل لامرأة...يرى جسد متكامل... بصدر كبير وبارز، وأرداف مدورة ومشدودة، هذا ما لاحظته عيناه عندما اشتدت جلابيتها عند جلوسها فأوضحت امتلائها وتصلبها.
ابتلع ريقه وأغمض عيناه لكن هيهات أن يسكت جسده الراغب بتلك الطفلة، استنكر قوله لا هي لم تعد طفلة، هي أنثى يرغبها الرجال وهو بغبائه خسرها باحثا عن شيء تافه يشعر به الآن يخنقه.
صوتها الخائف ينتشله من بحور المشاعر والندم، فرفرف بأجفانه ونظر إليها وشاهد نظرات الخوف واللهفة، وشيء آخر لا يعرفه تألقت بها عينيها وحولتها لشعاع جميل من الشكولاته الفاتحة، رآها تقف وتتحرك ناحيته بتردد وهو كان بعالم آخر لا يتواجد فيه سواهما، قدماها تتقدم وتتأخر، خوفها يقدمها وخجلها يستوقفها، لكن نظرة بمقلتيها لمعت لتقف أمامه حاملة كأس من الماء البارد قدمته إليه تريد منه التقاطه، لكن ذراعيه لا تطيعانه، بل بالأحرى أعجبه رؤية الخوف من أجله وأراد المزيد من قربها فكان له ما يريد.
قربت فوهة الكأس ناحية شفتيه وأمالته قليلا ليصل إليه الماء، ارتوى بظمأ كأنه قادم من صحراء قاحلة خالية من المياه العذبة، أغمض عينيه بتلذذ لهذا الماء الذي لم يذق مثله من قبل والمنعش لجسده، الذي تغلغل لأعماقه وأطرب قلبه الحزين لخسارة يمني فيها نفسه، فتح عينيه لتتشابك مع عينيها، بلغة وحوار لم يفهمها أبدا ثم قطعتها بإشاحة وجهها واعتدالها وتراجعها للخلف، ليشعر بحواسه تعود لعملها فتنحنح وخرج صوته مثقلا بمشاعر عنيفة وقال:
" شكرا لك ".
" العفو...لكن ماذا حدث؟؟ هل...هل أنت بخير؟؟ ".
" نعم، لا تقلقي نفسك فأنا بخير، هي ضغوط العمل ".
فرك صدغه ثم عينيه بإعياء انتبهت إليه للتو، فملامحه حزينة وهالات سوداء تحيط بعينيه لكن هذا لم يخفي وسامته التي تسرق أنفاسها، ابتلعت ريقها وأخفضت أنظارها هربا من عواطف أرادت التخلص منها ورميها خلفها، فهي تتعبها وتقتات من حياتها لأنه بكل بساطة هو صعب الوصول إليه.
عادت للجلوس بمكانها ورفعت الغطاء ليطل من تحته طعام من كل شكل ولون وتحدثت معه تنصحه كما تنصح شقيقها عندما يشعر بأن العالم يضيق حوله:
" اقترب يا ابن العم وكل، واحمد الله على نعمه ولا تنسى أن كلما ضاقت عليك الدنيا استغفر ربك وتوكل على الله، فهو اختبار من رب العالمين وأن ما بعد الضيق إلا الفرج، فقط اشكر الله واستغفره، وهو سيسهل لك أمورك مهما كانت صعبة ".
مبهور، مندهش، من كلامها الرزين الذي شعر به يتغلغل لأعماق صدره ويريحه وهز رأسه بندم وخسارة، وقال يحدث نفسه، محظوظ من يكون زوجك، فتنهد بضيق وقال:
" أتعرفين، أحيانا أراك أكبر من سنك وأحيانا أراك طفلة، كيف تفعلين هذا؟؟ ".
رفعت كتفيها بعلامة عدم المعرفة وقالت:
" لا أعرف أنا هكذا!! ".
باغتها بسؤال آخر لم تتوقعه أبدا:
" مريم، هل تتزوجين من رجل يكون فارق السن بينكما كبيرا؟؟ ".
انتظر جوابها بلهفة، بأن يكون لا أوافق كي يرتاح ضميره المعذب بأنه يخفي أمرا يخص حياتها، لم تعرف ما سبب سؤاله العجيب وخمنت بأنه فقط يسأل
" في الحقيقة...".
صمتت...
" أمممممم...أنا لا يهمني عمر الرجل، ما يهمني هو أن يكون رجل رزين محافظ على فروضه بار بوالديه، حسنا لا أقبل بأن يكون عجوزا ".
قهقهت بخفوت ثم عادت تستكمل:
" أممممم...أن يكون عمره بحدود الثلاثين ".
رفعت عيناها نحوه ثم ضيقتها فقالت بخبث:
" ماذا يا ابن العم، هل أحضرت لي عريسا كبير بالسن وتخشى أن أرفضه؟؟ ".
ماء بارد شعر به ينسكب على جسده هي لا تهتم ولا تفكر به، ولا يهمها إن تزوجت رجل آخر غيره والسن أبدا لم يكن حاجزا لها، فاهتمامها فقط بأن يكون رجل جيد. خرجت الجدة قاطعة حديثهما فنهضت مريم مستأذنه منهما لتتابع أعمالها.
" يا بنتي أرحمِ نفسك، فأنت ما تزالين متعبة ويدك تؤلمك، وثانيا ما فائدة الخادمة فأنا أدفع لها راتبا الضعف كي تعمل، ارتاحي قليلا ".
" أنا بخير أمي، وأنا لا أرهق نفسي والخادمة هي من تعمل ".
أخذت أنفاسا ثم أكملت حديثها..
" أمي، أنت تعرفينني لا أحب الجلوس دون القيام بأي شيء ".
" لا حول ولا قوة إلا بالله، افعلي ما تريدين، فالحديث معك لا طائل منه ".
شقت شفتيها ابتسامة آسرة واقتربت من جدتها وقبلت قمة رأسها، وقالت:
" الله يعطيك الصحة والعافية يا أمي ويطيل بعمرك ".
وقبل خروجها أوقفتها الجدة سائلة:
" أين حمود أنا لا أراه؟؟ ".
" أنه مع أصدقائه بالخارج وسيعود بعد قليل "
وخرجت
دخلت المطبخ واتكأت على الطاولة فاردة كفها عليه ناكسة الرأس ودمعة اخترقت أسوار عينيها تكسر فيهما القوة التي دائما ما تتسلحها بوجوده.
تحدث مع جدته قليلا ثم مع محمد بعد أن عاد للمنزل وسألهم إن كانوا يحتاجون شيء ما، ثم خرج مودعا إياهم على أن يراهم غدا بمنزل عائلته، فهم يقيمون حفل صغير لتهنئة شقيقته بقدوم مولودها.
وقف عند الباب عندما شاهد مريم تقف عند ورودها التي زرعتها تسقيهم وتهتم بهم، التفتت بعد أن شعرت بأن أحدهم يراقبها، التقت نظراتهما وتعجبت ما بداخل تلك العيون البنية من غرابة، نظر إليها بعيون غامضة وخارقة كست وجهها بحمرة الخجل، فتحديقه بها بهذه الطريقة يخيفها ويجعل جسدها مرتعشا لا تعلم لما، هي لا تهابه!!... إذا لما ينتفض جسمها عندما ينظر إليها؟!.
خرج سلطان بعد أن رماها بسهام نظراته، تراجعت للخلف وابتلعت لعابها وأخفضت أنظارها رحمة بقلبها الهائج بأعاصير هوجاء لا تستطيع احتمالها.

................

ارتدت مريم ملابسها وتركت وجهها خاليا من المساحيق، فقط عينيها هي من خطتها بالكحل العربي مما أظهر عيونها الكبيرة و الحادة، ثم خرجت لجدتها التي تنتظرها ليذهبوا معا, استقلا سيارتها الجديدة من نوع تويوتا لند كروزل بعد صراع طويل مع ابن عمها الرافض لقيادتها لأي سيارة بعد عملية السرقة التي حدثت لهم، لكنها رفضت بعناد وتشبثت برأيها بأنها تحتاج لسيارة وأقنعت جدتها بضرورة اقتنائها لسيارة، فرضخت الجدة لطلبها وأشعلت الغضب عند سلطان عندما أسرت إليه كما العادة أخرسته تماما.
" بأن سلطته ليست عليها، ولا يحق له التدخل بحياتها، هو فقط ابن عمها ".
انطلقت تنهب الأرض ولم تخلى رحلتهما من مرح شقيقها وشقاوته مع جدته، وصلا لمنزل عمها وترجلا من السيارة وساعد محمد جدته بالنزول دخلا للبيت واستقبلوهم بحفاوة والترحاب، سلمت على الجميع بمحبة واحترام فالجميع يحبها ويعزها، باركت على ابنة عمها وباركت لها بالمولود الجديد وقدمت لها هدية عينية ثم انتقلت للباقين من الحضور، وعندما وصلت لزوجة سلطان تباطأت ونظرت إليها شزرا، كانت جميلة جدا وابن عمها كان محقا باختياره لها، فجمالها لا يقاوم، مدت يدها مرحبة بها لكن الأخرى نظرت إليها بنظرات مستحقرة لها ثم ليدها، وتطلعت حولها لتراهم يحدقون بها فمدت وسلمت عليها على أطراف أصابعها لتسحبها بسرعة قبل أن تلمسها أصابع مريم، لم تهتم مريم فهذا حالهم دوما ولم يتغير شيء، اقتربت من والدة سلمى فقابلها نفس الجفاء، ابتعدت عنهم وجلست بجانب بنات عمها تستمع لأخبارهم وتتحدث معهم إلى أن بدأت سلمى بالتحدث وتبث سمومها:
" سمعت بأنك رفضت الدكتور لما؟!... كان عليك التمسك به بيديك وأسنانك فليس كل مرة يصادفك حظ جيد برجل مثله وسيم ومن عائلة، حسنا هي لا تقارن بعائلتنا المرموقة لكن كان عليك أن ترضي بنصيبك وتتزوجيه، فليس كل الرجال سيرضون بشكلك!! ".
" سلمى.. ما هذا الكلام الذي تقولينه؟! ".
نهرتها خالتها أم سلطان وعيونها تنظر إليها بحدة، صحيح أن سلمى ابنة شقيقتها وزوجة سلطان لكن هي لا تحب أسلوبها الفظ مع مريم، ولن ترضى أن تهان بمنزلها فمكانة مريم بمثل بناتها.
" لكن خالتي أنا لم أقـ "......
" سلمى أنت ببيتي ويجب أن تحترمي ضيوفي، وإن لم تستطيعي غادري فورا!! ".
" ما بك شقيقتي؟!.... سلمى فقط أرادت أن تنصحها بأن لا تترك الرجل من يدها، فهو رجل جيد وراض بها كما هي!! ".
اهانات بشعة تتقاذف لأذنيها، طرقات قلبها تصم أذنيها، فهذه المرة لم يكونا لوحدهما بل بزقوا كلماتهم المسمومة أمام الجميع, احمر وجهها وأسدلت رموشها منعا من ظهور تلك الدموع الأبية التي وقفت تطل على مشارف جفونها تنتظر اللحظة المناسبة لتنساب على خديها المخضبة باللون الأحمر الذي دل على غضبها وألمها وكبتها لدموع القهر والعجز من وضع خلقه الله بها، ارتضت هي بحالها لما لا يقنع الجميع بشكلها.
لم تسمع صوته الجهوري الصارخ بوجه زوجته, لم تستمع للسكون الذي حل بالمكان، فروحها شعرت بها تزهق تحت أيديهم تكاد تخرج من جسدها المتشبث بها تقاوم خروجها، ولم تنصت لتلك الكلمات التي قذفها بوجه الجميع، ولم تسمع تلك الشهقات الصادرة من أفواههم المصدومة لما قاله...
" أنا سأتزوج مريم ابنة عمي ".

**************************


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close