اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة ام حمدة


الفصل العاشر

تجولت عياناها ساهمة في الرمال المترامية الأطراف في الجزء الجنوبي من مزرعتهم، فهذه المنطقة تركت برمالها ممهدة ومسطحة بصفرتها ونعومتها لم يمسها أحد، فقط مهدتها لتكون مضمار لخيلها، فهي عاشقة للخيول، كانت تمتطيها منذ أن كانت صغيرة، فوالدها هو من علمها وسارت على نهجه ولم تتخلى عن رياضتها المفضلة سوى مجبرة بسبب وزنها الزائد الذي منعها من ممارسة هوايتها المفضلة، كانت تتحسر كلما أتت للمزرعة وترى خيلها وتقف عندها عاجزة راغبة بامتطائها ولو لمرة واحدة، فتلعن حبها للطعام وتجدد نيتها بتخفيف وزنها لكن هيهات... ما أن ترى الطعام حتى يزيد وزنها، فهرمونات الغدة الدرقية لديها تفرز السكريات بكثرة ولا يستطيع جسمها إحراقه بسرعة.
لقد حاولت عدة مرات أن تتبع نظام الحمية ولكنها لم تفلح فيعود وزنها لسابق عهده بل أحيانا يزيد مضاعفا، ولكن هذه المرة تمني نفسها بالنجاح فالطبيبة التي عالجتها عندما أصيبت بحادث السرقة أعطتها برنامجا صحيا عن كيفية تناولها للطعام بما يناسب جسدها ونبهتها بأنها لن تلاحظ الفرق بسرعة، فما أعطته لها هو تخفيف للطعام بنسبة قليلة كي يتأقلم جسدها دون أن يبدي ردة فعل للنقص المفاجئ للطعام فتكون العواقب بزيادة وزنها بصورة كبيرة.
تنهدت بضيق وأشاحت بوجهها عن النافذة المطلة على المضمار وأعادتها لخيلها وأصابعها تمشط شعر حصانها الأشهب، فالضيق يلازمها منذ أيام أو بالأصح منذ حدث ما حدث، فذلك اليوم لم يفارق خيالها ويلاحقها بأحلامها ليست بسعيدة بل كوابيس مخيفة.
سلطان يلاحقها وهي تجري بفستان زفافها المنفوخ وتجري و تجري ولكنها تنتبه بأنها ما تزال تقف بمكانها ولم تتحرك قيد أنمله فقدماها متشبثتان بالأرض.
حاولت مرة أخرى الركض لكن ما أن بدأت تتحرك حتى شعرت بجسدها ينتفخ ويتوسع، شعرت بجلدها يتمزق ويتمدد ويصبح مثل البالون، أصابها الهلع وهي ترى نفسها بهذا الشكل المريع فأسرعت هاربة كي لا يراها أحد ما، وركضت بكل ما تملكه من قوة لكن حجمها يعيقها عن الحركة فتوقفت لاهثة تحاول استجماع أنفاسها الفارة، التفتت حولها وعيونها تدور بالمكان وأسماعها تلتقط وتبحث عن تلك الهمسات التي وصلت لأذنيها فطالعها الفراغ.
لحظات فقط لتنطلق ضحكات بل قهقهات وبصوت عالي فالتفتت خلفها فكاد رأسها يقتلع من مكانه من شدة حركتها العنيفة وجحظت عيناها تكاد تخرج من محجرها وهي ترى سلطان مع سلمى يقفان وينظران إليها ضاحكان شامتان فتراجعت مذعورة وحاولت أن تخفي جسدها المنفوخ عن عيونهم الشامتة، وعندما لم تستطع حماية جسدها من عيونهم رفعت كفيها تصم أذنيها عن سخريتهم لكن الصوت اخترق جدارها وسرى بداخلها يهز أعماق روحها المتألمة، هزت رأسها برفض وهي تصرخ بصوت عالي:
" توقفا أرجوكم، توقفا حبا بالله!! ".
فتسقط على ركبتيها باكية لتستيقظ من نومها شاهقة بعيون حمراء ذاهلة وعرق ينضب من جلدها مخلفا خلفه بقع من الماء، وجسد يرتعش بردا فأحاطته بذراعيها،
هكذا أصبحت لياليها كوابيس لا تنتهي وأرق صار صديقها.
صهيل الخيل أعادها لحاضرها، أخرجت زفرات حارة تندفع من أعماق قلبها وتتساءل.. لما فعل هذا؟!... لما قال ما قاله؟!
استعرت نيران حارقة بجوفها لتسري بشرايينها وتمتد ظاهرة بعينيها ليصهل الحصان شاعرا بالنار تلتهم جلده فابتعد متراجعا خوفا من غضب استشعره قويا نابعا بحرقة من قلب لم يعد له طاقة ليتحمل رجل نصبته حاكم قلبها يتلاعب بها ويحركها كيفما شاء.
تركت حصانها لتسير بخطوات ثابتة خارجة من الإسطبل ووقفت عند عتبة باب الحظيرة تنظر لجدتها التي تعطي أوامرها للعمال وشقيقها محمد إلى جانبها، شردت نظراتها بعتاب لنفسها تتذكر الشجار الذي حدث بينها وبين جدتها، لم تتوقع أن يأتي يوم من الأيام ستصرخ فيه بوجهها والسبب.... هو!!.
" ابن عمها "
كم شعرت بنفسها صغيرة حقيرة لما قذفه لسانها من اتهامات بحق من رعتها وأعطتها حياتها فكافأتها بصوت عالي وغضب تحملته عنها بطيب خاطر!!
كان هذا بعد يومين مما حصل في الحفلة.....

كما كل يوم بعد صلاة العصر تجلس الجدة بقعدتها وأمامها دلة القهوة التي لا تستغني عنها، وطعام من كل ما لذ وطاب فبيتها لا يخلى أبدا من الزوار لهذا كل يوم تعد مريم السفرة وتجهزها بأنواع من الفواكه والطعام كي تكون جاهزة متى ما حضر الضيف .
جلست مريم بجانبها بعد أن أنهت أعمالها المنزلية فبادرتها الجدة بسؤال لم تتوقعه مريم أبدا:
" هل فكرت بالعرض؟؟ ".
انزوى حاجبيها بعقدة عدم الفهم وفكرت للحظات عما تتحدث جدتها فتحت فمها تسألها عن ماذا تتحدث، فقاطعها محمد بخروجه من غرفة الجلوس وجلوسه معهم مقاطعا لعبته المفضلة بعد أن سمع جملة جدته...وبدأ يأكل ما أن جلس.
نظرت إليه بحسد فهو يأكل ويأكل دون أن يزيد وزنه غراما واحدا، وهي ما أن ترى فقط الطعام بعينيها حتى يزيد كيلوغرامين، وما أن هم بالتحدث معها وفمه ممتلئ بالطعام حتى نهرته جدته:
" حمود!!... تناول طعامك ثم تحدث، أنت لم تعد طفلا كي أنبهك دائما!! ".
ابتلع لقمته ثم قال:
" حسنا جدتي ".
ثم التفت موجها حديثه لشقيقته:
" أجل مريوم، هل فكرتي بالموضوع؟؟ ".
تجهم وجهها بشدة هذه المرة وهي مصدومة من نفس السؤال .
" عن ماذا تتحدثان؟!... وعن أي شيء يجب أن أفكر فيه؟! ".
اعتلت المفاجأة وجه جدته وشقيقها، فاقترب منها ورفع كفه ووضعها على جبهتها متحسسا إياها:
" أنت لا تشعرين بالمرض صحيح!!.... هل يؤلمك شيء ما؟!.. هيا تحدثي ".
دفعت يده من على رأسها وقالت ممتعضة من حركاته:
" ماذا دهاك؟!.. هل أنت على ما يرام؟؟ ".
" أتسألينني؟!... أنا من أسألك؟؟ ".
" أنا بخير ولا أشعر بالمرض!! ".
" إذا... لم تردي على سؤالنا، هل فكرتي بالموضوع؟؟ "..
سألتها الجدة لتعود بوجه مستفهم عن أي شيء يتحدثون، وقبل أن تسأل أعطاها شقيقها ما تريد .
" طلب سلطان للزواج منك، ماذا دهاك يا مريم؟؟ ".
نظرت إليهم ببلاهة وبعيون جاحظة وصمت حل بالمكان كأن الأصوات اختفت من حولها، فقط كل ما تسمعه ضربات قلبها القوية التي تصم أذنيها.
ارتجف جسدها على اثر البرودة التي سرت بعظامها، فتحت فمها ثم أغلقته كما السمكة تبحث عن الهواء لم تستطع التنفس، أحست برئتيها تكادان تنفجران من عدم وصول الأكسجين إليها، لحظات... ثواني لم تشعر بهما إلا والظلام يحيط بها.

استيقظت بعدها على صفعات خفيفة على خدها وعطر قوي الرائحة نفذ إلى أنفها فتأففت من رائحته الكريهة، فحركت رأسها للجهة الأخرى مبتعدة عن الرائحة التي قلبت معدتها ما أن عرفت ما هو ( بصل ).
همهمت بكلمات غير مفهومة ثم اعتدلت بجلستها بمساعدة شقيقها ونظرت للوجوه الخائفة، جدتها وقد جف الدم من على وجهها، وشقيقها وعلامات القلق تبدي على وجهه الفتي، أمسكت برأسها والدوار قد عاودها فحاولت مداراته فقالت بخفوت:
" أنا بخير لا تقلقوا ".
" هل أنت متأكدة؟؟ "..
سألتها الجدة بصوت متوجس فمنذ ذلك اليوم وجدتها تراقبها جيدا، وكلما أصيبت بالمرض تأخذها عنوة إلى الطبيب وتخرج من هناك ترغي وتزبد بأنها بخير ولا تشكو من شيء، لكن الجدة لا تهتم فكل ما تريده أن يطمئن قلبها.
" ماذا حدث؟؟ "..
سألت بصوت ضعيف، تقدم محمد وجلس بجانبها يمسك بيدها.
" لا نعرف، فقط أغمي عليك بعد أن كنا نتحدث!! ".
أغمضت عينيها تسترجع حديثهم، فتحت عينيها بغتة وقالت بصوت مرتجف:
" هل ما قلته صحيح أن.... أن... ".
لم تستطع إكمال جملتها فقالها محمد مكملا عنها دون أن يعرف بما كان سيحدث، فهو ما أن سمع بهذا الخبر حتى شعر بالسعادة، فهو يحب ابن عمه وجعله مثله الأعلى بكل شيء، وارتقى أكثر بعد طلبه الزواج من شقيقته مخرسا زوجته الحقود التي كانت تتفنن بتعذيبها بكلامها الجارح، فأوقفها سلطان عند حدها بطلبه يد شقيقته، فهو لن يجد رجل يهتم ويحافظ عليها سواه.
" تقصدين طلب سلطان يدك للزواج!!... ما بك مريوم!!... كان هذا بيوم الحفل وقد طلبك أمام الجميع ".
قهقه بصوت عالي شامتا ومكملا حديثه وابتسامة استهزاء تظهر على شفتيه:
" آه لو شاهدتي ردة فعل زوجته الحقيرة، كان فمها مفتوح وتحولت لتمثال حجري ووالدتها أيضا كانت مثلها، لا أعرف أشعر بأن الاثنتين مثل التوأم تقلدان بعضهما؟؟ ".
" وأين كنت أنا عندما قال ما قاله؟! ".
تحدثت بهمس وعرق رقبتها ينبض بقوة ودماؤها تشعر بها تحرق شرايينها .
" ما بك مريم تبدين غريبة اليوم؟! ".
تساءل بحيرة، فصرخت بوجهه تعيد سؤالها والشرر يقطر من عينيها وتحدثت بأسنان تكاد تطحن ببعضها:
" أين..كنت..أنا..عندما..قال..طلبه؟! "..
تراجع مذهولا من رؤيته لهذا الكم من الغضب .
" كنت...كنت هناك عندما قاله، ثم خرجت بسرعة فأعتقد الجميع أنه من الخجل!! ".
سرحت بذاكرتها تحاول أن تتذكر رؤيتها لسلطان، لكن هي كانت بعالم آخر بعد كلمات سلمى المسمومة، دخلت بقوقعة خاصة فيها ومحت كل ما حولها، فقط تفكر لما تكرهها وتحتقرها، وبعدها رحيلها بسرعة قبل أن تستمع لجنون عقلها بأن تنقض على سلمى وتتخلص منها إلى الأبد ولكنها فضلت المغادرة...

نار، نار تحرق أوردتها، تستعر بداخلها، كيف استطاع اهانتها؟؟.. لقد أذلها هو وزوجته، هي بتحقيرها وهو بطلبه كأنه يرمي إليها بصدقة.
فزت من جلستها ولم تأبه للدوار الذي أصابها ونظرت بغل ناحية جدتها التي تنظر إليها بقوة فتلاقت نظراتهما بتحدي ومعرفة بما يدور بداخل كل منهما.
" وأنت موافقة على ما يريد؟؟ "..
" لا يهم رأي أنا، بل رأيك أنت ما يهم!! "..
" هل كان طلبه حقيقي؟! "..
" مريم!!.. ما هذا السؤال؟!.. بالطبع حقيقي، لقد قاله أمام، الجميع ثم أعاد طلبه مني أنا في اليوم التالي!! ".
" وأنت موافقة بالطبع!! ".
" ولما لا أوافق؟!.. فأنا لن أجد رجل يحافظ عليك مثله ".
" هل أصاب عقلك مس ما!! ".
" مريم... هل جننت؟! ".
صرخ فيها محمد متعجبا من قولها، لكنها لم تهتم وواصلت حديثها مع جدتها:
" لما هذا الطلب؟!... لما يريد الزواج مني؟!... لقد كنت أمامه طوال حياتي ولم ينظر، لم يتحدث، كأنني غير موجودة أبدا، فقط وقت حاجته للطعام ورغبته بالضحك يعلم أين يجدهم!! ".
تحدثت، وتحدثت تخرج كل ما بداخل صدرها تخبر بها جدتها من آلام عدم اهتمامه بها، تحدثت كل ما يختلجها وكتمته بداخلها لسنوات دون أن تشعر بما تقوله، ولكنها لم تهتم فقد طفح كيلها من اهانته المتكررة ناحيتها وبطلبه هذا الأخير قد فتح أبواب جهنم لها.
" ماذا... أيريد أن أكون مهرجته وطوع بنانه؟!... بأن أكون حاضرة بدوام كامل لأسري عن ضيقه هو وزوجته المصون؟! "..
لم تشعر بدموعها المنسكبة على خدها تحرق بشرتها الصافية بدموع تبكي حبها الضائع، بحب لم ولن يكون لها سوى بخيالها، وأحلام نسجتها برأسها الغبي الذي يَتَطلع للأعلى...
" أم يريد طباخة وزوجته لا تستطيع أن تفسد طلاء أظافرها، وليس هناك طريقة سوى الزواج مني لأكون متوفرة لخدمتهم!! ".
اقتربت منها دون أن تشعر بذلك وأمسكت بذراعها تهزها دون إرادة.
" أتحبينه أكثر مني لدرجة أنه لا يهم طلبه الحقير!!.... أتحبينه لدرجة لا يهمك من أنه يسخر مني ويمني علي بالشفقة!!.... قولي... تحدثي!! ".....
هزتها بعيون غشتها دموع القهر، ولوعة القلب الذي تشعر به يتفتت وينصهر بنار حارقة ملتهبة كحمم بركانية سرت فوقه لتحوله لرماد.
يد قوية أبعدتها ودفعتها عن الجدة التي وقفت بهدوء تنظر للانفجار الذي حدث أمامها، أغمضت عينيها بألم وحسرة لابنتها التي كانت تكتم بداخلها حزن لحب رجل اختار غيرها لتكون له زوجة، وهي كانت بالنسبة له ابنة العم الطفلة الصغيرة.
أبعدت محمد عنها واقتربت من حفيدتها ورفعت ذراعها تدعوها إلى أحضانها التي آوتها منذ الصغر ولن تبخل عليها الآن بوقت حاجتها.
شاهدت دعوتها فأغرورقت عيونها بدموع أحرقت قلبها الملتاع بطلب كانت لطارت من الفرح من أجله، لصرخت بصوت عالي لتخبر الجميع عن سعادتها لحصولها على حب حياتها لو كانت الأولى بحياته.. وبقلبه، لكنها كانت الثانية وكم تكره الرقم الثاني...
اندفعت لأحضان جدتها وأدخلت جسدها بين ذراعيها تبحث عن أمانها وحب تعرف بأنه لن ينقطع من هذا الحضن وبكت... عشق أضعفها، وحب قتلها، ووله تملكها بعيون طاقت لصاحبها وقلب أطرق لصوته.
وقف محمد بعيدا ينظر إلى شقيقته الباكية، لم يعرف ماذا يقول من هول ما سمعه...لم يدرك من قبل بأنها تحب سلطان وأنه دائم السخرية منها!!... كانت تحمل الكثير بداخلها ولم يشعر به أحد، وكان طلب سلطان
( كالشعرة التي قسمت ظهر البعير )
وأخرجت كل ما تكتمه، وسأل نفسه بحقيقة كانت غائبة عن الجميع...لما طلبها الآن ولما لم يطلبها من قبل؟!... هل ما قالته شقيقته صحيح عن أنه يشفق عليها؟!
اشتعلت نار الغيرة بداخله وتوهجت الحمية على عائلته...شقيقته الوحيدة...فأبدا لن يسمح لأي مخلوق بأن يشمت بشقيقته، فهي كنز لن يعرف قيمته أحد.

عادت لحاضرها وهي تنظر إليهم بحب، فبعد ثورة غضبها لم يتحدث أحد بالموضوع كأنه لم يكن، وسارت الأمور كما العادة... شقيقها بشقاوته وجدتها كما هي، لن تنسى ما فعلته وما قالته بحق جدتها، ذهبت تبكي عند قدميها تقبلهما تطلب العفو والغفران، فقابلتها الجدة بابتسامة حب وتفهم غفرت لها ذلتها وحماقتها، تنهدت ومشت ناحيتهم ترتجي النسيان فهذا هو قرارها.

عادوا للمنزل وسط الهرج والمرح من شقيقها بنكاته المضحكة والمواقف الطريفة التي قام بها مع أصدقائه...قهقهاتهم وصلت لعنان السماء، وقلوبهم فاضت بالانشراح والابتهاج، كان يوما لطيفا وهادئا، أوقف محمد السيارة عند باب المنزل بهدوء ونظر إليهم نظرة المنتصر، وأخذ يفتل الشعيرات الصغيرة التي بدأت تظهر فوق شفتيه ثم مسد صدره ونفخه برجولة، والتفت إليهم وهو يقول بإعجاب لمهارته بقيادة السيارة:
" كأنني ولدت وبيدي مقود السيارة أليس كذلك؟؟ "..
فأحبطته الجدة بعدم مبالاتها وكلامها الذي سحق انبهاره.
" لا تظهر مهارتك لنا، المهم النجاح عند الشرطي وعودتك مع رخصتك ".
ضرب على صدره بحمية وقال:
" خسئ الشرطي، فرخصتي جاهزة وتنتظر فقط حضوري لأستلمها وأضعها في محفظتي ".
ترجل من السيارة بسرعة واقترب من جدته ممسكا بكفها.
" جدتي ما نوع السيارة التي ستحضرونها لي؟؟... أرجوك فلتكن بوغاتي...لا...لا انتظرِي أريد جاغوار أو...".
وأخذ يعدد السيارات التي يريدها إلى أن أخرسته الجدة بدفعه عن طريقها وسارت مبتعدة عنه، فوقف مصدوما من تهميشها لما يريد.
أخرجه من ذهوله صوت ضحكات شقيقته التي لم تستطع أن تتمالك نفسها وكادت أن تقع على الأرض من فرط ضحكها، فنظر إليها بلوم وغضب واقترب منها مهددا بضربها إن لم تسكت، فتحركت تركض وهي ترفع عباءتها وسبقت جدتها بفتح الباب ترغب بالهرب والاختباء من شقيقها وصوتها الرنان يزدان بالمكان مخلفا صوتا موسيقيا جميلا، لتنقطع تلك الوصلة فجأة وتوقفت عن الحركة ليصطدم بها شقيقها وكادا أن يقعا لولا سرعة بديهية محمد وامساكه بمريم ونهرها.
" لما توقفت فجأة؟!... كدت أن توقعينني ".
أجابه الصمت وتخلل المكان الهدوء وأصبح خاويا من أي صوت، وأصبح الهواء ثقيلا متخللا رائحة قوية نافذة تحمل التعجرف والغرور والسيطرة، وقفت تنظر إليه يجلس بهيبته وغروره، يجلس باسترخاء وابتسامته الساخرة تنزوي على أطراف شفتيه وعينيه الماكرة تجري فوقها ونظرة غريبة تألقت بداخلهما لم تعرف ما هي.
لم تره منذ أسبوع مضى، أي منذ ذلك اليوم النحس...تأملته عينيها تحمل بداخلها شوقا جارفا لطلته، ملامحه، عينيه، أنفه، فمه، خانتها عيناها، وخانها قلبها... تآمروا عليها ونقضوا العهد بالنسيان وبرروا فعلتهم بأنهم لا يقدرون على العيش بدون ابتسامته تلك التي تسرق دقات قلبها، ولا صوته الذي يطرب أذنيها، ولا رائحته التي تنعش روحها.
خذلوها وتركوها لوحدها تجابهه دون درعها ودون سيفها فلسانها أيضا انسحب معلنا انحصاره مع الجميع.

أسبوع مر عليه كالجحيم، الجميع يعاتبه ولكن عيونهم السعيدة تفضحهم، لم يكن يعلم بمدى حبهم ورغبتهم بمريم لتكون بين عائلتهم سوى بدخول والدته لغرفته، فهو لم يتق البقاء ببيته الخاوي من البشر فزوجته سلمى اعتكفت بمنزل والدتها تبكي وتنوح كبريائها السخيفة، وحادثته بجدية عن طلبه بالزواج من مريم، وهل هو واثق مما يقوله وأنه لا يتلاعب بها، كانت تحذره تهدده بأنه إن كانت غايته السخرية منها فعقابه سيكون وخيما منها.
لم يعتقد قط أنه سيأتي ذلك اليوم الذي ستقف والدته بوجهه، وبعد أن أعطاها الأمان احتضنته مهنئة إياه على اختياره الموفق وأنه لن يجد فتاة مثلها لو دار العالم كله، فباغتها بسؤال تعجب لجوابه:
" لما لم تمنعي زواجي من سلمى إن كانت رغبتك بمريم؟! ".
وكان جوابها صادما له.
" لأنك لم تكن تراها سوى ابنة عمك ولم ترها كامرأة!!... فكيف تريدني أن أرميها بيدي إلى التهلكة؟؟.. وبالتأكيد ستؤدي الحياة بينكم إلى طريق مسدود؟!.. وأنا لا أريد أن أتحمل وزر تلك اليتيمة، فتركتك تفعل ما تريد ودعوت لها بأن يسخر الله لها رجلا يستحقها ".
سكتت ثم ناظرته بقوة واستكملت حديثها:
" وأنا أريد أن أرى هذا الرجل الذي يستحق تلك الجوهرة النفيسة ".

عادت عيناه تتجول لصفحة وجهها الذي كان يشع بالسعادة وضحكتها التي اخترقت أسوار قلبه ليخر صريع موسيقاها ويطرب فرحا لسماعها، فقد بخلت فيه وجعلته شحيح يطلب الاستعطاف ويبحث عنها بكل مكان.
كان يتصل كل يوم يمني نفسه بسماع صوتها، فمنذ أن وصله ردها عن طريق جدته بالرفض شعر بالذهول والعجب، لم يتوقع بأنها سترفض بل اعتقد بأنها ستطير من السعادة، وتساءل..
"هل ما شاهده بعينيها من لهفة له كانت خاطئة؟!... "
عاد يستنكر..
" لا أبدا...لست مخطئ، فمشاعرها واضحة.. فعينيها تفضحها, يديها فضحتها، جسدها يفضحها، هي فقط أجادت إخفاءهما عن الأعين" .
عادت عيناه تتجول عليها تنهل من جمالها، نعم هي رائعة الجمال بل فاتنة، اتسعت ابتسامته أكثر وهو يدرك بأن صيده ليس سهلا، ففرسه عنيدة صعبة الميراس، وإمساكها ليس هينا .

" أجل سيدتي.. أنا صياد وأبحث عن فريستي ".
أخطأت وأعترف ولست بنادم، فأنا رجل والجمال يغويني...
كنت أعمى البصيرة, وعيوني انقشعت غشاوتها، ولعبة أصبحت أكثر اثارة...
فالصيد لعبتي، ونساء ترامين تحت أقدامي...
ولم أجد فيهن من تخرج بداخلي رغبة الصياد....
ففرسي مازالت بعمر الزهور, وأنا فهد أبحث بين القطعان فتوافدت الضباع.... تخبرني بأنها لم تعد بريعان الزهور، بل أصبحت مهرة يسعى خلفها الجميع فاستعدي، ففهدك قد عاد وبداخله رغبة بالفوز.

" مرحبا سلطان، أهلا يا بني كيف حالك؟؟ ".
نهض سلطان مقبلا على جدته فمشى بجانبها فاحتكت ذراعه بذراعها قاصدا لمسها، لتسري بهما كهرباء جعلتها تشهق وتبتعد وتقف بجانب شقيقها، أما هو تقدم ناحية جدته وقبل رأسها ويديها وتحدث معها بوجه مبتسم، لكن بداخله كان ينصهر يحترق من مجرد لمسة بسيطة أشعلت نار الرغبة بجسده، أراد أن يأخذها ويسحبها خلفه كما الرجل البدائي يأخذ امرأته ويبتعد بها لمكان قصي فقط هو وهي ليعلمها مبادئ العشق كيف تكون؟!
أجل وهو سيحب تعليمها لكن عليه أن يصبر، فالطريق نحوها مليء بالأشواك
" أنا بخير جدتي، كيف حالك؟؟ ".
" بخير يا بني ".
التفت ناحية محمد الذي اقترب منه مسلما عليه وعلى وجهه ابتسامه هادئة وقال:
" أهلا بابن العم كيف حالك ؟؟ "..
" بخير وأنت ما هي أحوالك؟؟.... هل أنت مستعد للغد؟؟ ".
" أجل أنا بكامل استعدادي ونجاحي مضمون ".
" إن شاء الله ".
التفت ناحيتها وحدجها بنظراته الحادة أرسلت قشعريرة لكامل جسمها، فأخفضت نظراتها تهرب من عينيه، لكن أين المفر؟!.... فصوته الأجش وصلها ليزيد من معاناتها:
" كيف حالك يا مريم؟... لم أرك منذ فترة؟! "..
سألها متهكما من هروبها الدائم منه، وانعزالها بغرفتها متى ما حضر إلى أن يغادر ثم تخرج.
وصله صوتها الهامس ثم انصرافها السريع ملتجئة لغرفتها هاربة منه، لكن ليس اليوم
" أدخل يا بني، أدخل ".
تقدمت الجدة وخلفها سلطان ومحمد وجلست بمكانها وبجانبها سلطان، ومحمد استأذن للذهاب للاستحمام وتغير ملابسه. التفت لجدته وبدأ بالتحدث:
" جدتي.. لقد طال الأمر، هل كلمتها؟؟ "..
" سلطان، لما الاستعجال يا بني؟!... أخبرتك أن تصبر فكما ترى هي لا ترغب برؤيتك، فكيف بإعادة الحديث مرة أخرى؟؟ "..
" لكن جدتي!!... لما لا تفرضين سلطتك عليها؟!... هي ستستمع لكلامك ولن ترفض ".
" سلطان!!.... لن أجبر ابنتي على شيء لا تريده، هل تفهم هذا!! "..
" أعتذر جدتي لم أقصد، أنا فقط ...".
ربتت الجدة على رجله مخففه عنه.
" لا عليك يا بني، اصبر تنل ما تريد ".
" جدتي أريد أن أطلب منك طلبا!! "..
" قل ما تريد يا بني!! "..
" أريد التحدث معها ".
" لكن...".
قاطعها بسرعة:
" هيا جدتي، لا ترفضي. دعيني أتحدث معها وأعرف أسباب رفضها لي!! ".
" أمي... سلطان معه حق، دعيه يتفاهم معها ربما يقنعها بسبب عدم اختياره لها بالمقام الأول؟! "..
إحساس بالراحة انسل بداخله، فوقوف محمد بجانبه سيساعده بإقناع تلك المتمردة بالداخل، فتذكر حديثهما في اليوم التالي عندما اتصل طالبا لقاءه بحديث هام، لم يعرف سبب هذا الطلب المفاجئ...ولا اصراره على مقابلته بسرعة!!... فوافق على طلبه للتحدث.
استقلا السيارة واتجها ناحية أحد المقاهي المنتشرة، وهناك سأله مباغتا إياه دون أن يعطيه فرصة للمراوغة، نظر إليه ووجد التصميم ليعرف السبب.
" لما تريد الزواج من شقيقتي؟؟... هل لأنك تشفق عليها لبدانتها وعدم رغبة أي رجل بالزواج منها؟! "..
" من قال لك هذا؟! "..
سأله سلطانا مستنكرا سؤاله الغير منطقي.
" أرجوك جاوبني وأرح أعصابي!! ".
" من قال لك هذا فهو مخطئ، فمريم الجميع يطلب ودها، وأن تكون زوجة له، وثانيا من قال بأن رغبتي بالزواج منها ما هو إلا شفقة؟! "..
سكت قليلا يفكر ثم توسعت عيناه وقال :
" هل هي من قال هذا الكلام؟! "..
سكوت محمد كان البرهان على أن هذا ما تفكر به تلك الحمقاء، فهدر به صارخا
" منذ متى وسلطان يتزوج من أجل الشفقة؟!... إن كنت أريد امرأة سأحصل عليها وإن لم أردها فأنا لن التفت إليها!! ".
انبهر محمد من حديث ابن عمه، لكن ما زال الشك بداخله، يجب أن يعرف ليرتاح باله:
" إذا لما الآن ولم يكن قبل أن؟! ".
فهم حديثه ولم يحتج ليكمل ما قاله، فاعتدل بجلسته ووضع يديه باسترخاء على الطاولة
" اسمع يا محمد، سأتحدث معك رجل لرجل، فأنت أصبحت كبيرا وصرت تفهم بأمور الرجال ".
أومأ محمد متفهما ما يقوله وموافقا على قوله، أخذ سلطان نفسا كبيرا ثم زفر الهواء الساخن فما سيقوله سيعتمد على موافقة محمد له، يفهم خوفه ورغبته لمعرفة لما يريد أن يتزوج شقيقته وهو متزوج من أخرى!!
مضى يتحدث معه بكل صراحة وأخبره بالأشياء التي يجب أن يعرفها واحتكر الباقي لنفسه.
عاد للحاضر ينظر بفخر لهذا الفتى الذي أظهر الرجولة بسن مبكرة، وامتلك عقل راجح وصبر وعدم التسرع بالأحكام.
وافقت الجدة فلا مفر من حديثهما، فهي كانت تريد سلطان زوجا لابنتها منذ زمن، لكن زواجه من أخرى استحال الأمر، لكن تبريراته أقنعتها وعد بأنه لن يبخل ولن ينقص لابنتها حقوقها.
وقف محمد عند باب غرفة شقيقته وطرق الباب ثم دخل، بحثت عيناه عنها وشاهد وقوفها عند النافذة تتأمل الخارج بشرود، يعلم بأنها تحبه لكنها تكابر ويعلم بأن ما سيفعله سيغضبها، لكن مكانها يجب أن يكون مع سلطان فهو من سيصونها ويحميها من كل شخص يريد إيذائها.
سعل ليلفت انتباهها فالتفتت إليه وابتسمت ببؤس، فابتسم لها بهدوء واقترب من عباءتها المرمية على السرير بإهمال والتقط شيلتها ورفعها ناحيتها وقال:
" ارتدي هذا ".
رفعت حاجبيها بتعجب لكنه لم يمهلها الوقت، فقد رماها على رأسها بسرعة. وباغتها بأمره بأن ترتديها، فسمعت صوته القريب من باب غرفتها ينبههم بوجوده، فتوسعت عيناها بصدمة وتجمد جسدها.
اقترب شقيقها وعدل من شيلتها يعلم بأنها ستغضب، وأنها لن تحدثه وستثور لفعلته لكن هذا اللقاء أمر لا مفر منه ويجب أن يتحدثا.
" أدخل يا سلطان "
رفعت له عينان زائغتان ونظرت له بذهول، وشاهدته يرحل تاركا إياها مع شخص لم ترد رؤيته أو سماع صوته.
" علينا أن نتحدث مريم!! ".
ارتعدت فرائضها لصوته الرخيم ينادي باسمها، فأغمضت عيناها تستدعي قوتها، فأمامها معركة حامية الوطيس ولا تريد أن تخسرها....


*******************


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close