رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل التاسع 9 بقلم ملك علي
*** 9 = البارت التاسع أنت ؟
********************************
جفل علي للحظات بسبب المفاجأة , قبل أن يرفع نظره و يجول به في أرجاء المكان ,
فأول ما خطر على باله أنه أخطأ الجناح , بسبب قلة تركيزه و تعبه ,
خاصة أنه لم يكن يحمل البطاقة , و حصل على أخرى جديدة قبل قليل , و هو حتى لم يتذكر أين ترك الأصلية .
لكن بمراقبة المكان تأكد أن هذا جناحه الخاص , كيف يمكن أن يخطأه ؟
ثم هو وجد أغراضه الخاصة و ملابسه هنا ,
اذا السؤال الذي يطرح نفسه هو
" من هذه المرأة و كيف وصلت الى هنا ؟ "
سأل علي نفسه , و عاد للتحديق مجددا الى المرأة النائمة هناك بكل هدوء , و تبادر الى ذهنه ألف سؤال
" كيف دخلت الى هنا ؟
هل يعقل أن أحدهم أرسلها الى هنا كهدية مثلا ؟
من هذا المجنون الذي راهن بحياته و فعل ذلك ؟
هل يعقل أن يكون أحد الذين اجتمعت بهم في الأسفل ؟ "
لطالما سمع علي بالصفقات التي تحصل , باهداء فتيات كعرابين لاتمام الاتفاقات , أو لشراء ود رجال الأعمال ,
لكن الى الآن لم يجرؤ أحد على فعلها معه ,
الكل يعرف أنه لا يتورط في مبادلات مشبوهة كهذه , فهي تخالف مبادئه و دينه , و تنتقص من رجولته و كرامته ,
و لا أحد يجرؤ على التهور و اثارة غضبه , لأنه سيدخل المنطقة المحظورة التي سيدفع ثمنها غاليا .
فما الذي يحصل هنا اذا ؟
وقف علي مكانه دون حراك يفكر بعمق لدقائق , قبل أن ينتبه أخيرا أن عليه أن يوقظ هذه المرأة , اذا أراد اجابة على أسئلته ,
في هذا الوقت كانت ملك تستلقي هناك , بكل هدوء و طمأنينة تغط في نوم عميق ,
لم تشعر حتى بالحركة القوية التي أصدرها علي حينما قفز من السرير ,
كانت تلف نفسها بالغطاء مثل فراشة في شرنقة , تضع وسادة على رأسها بدل توسدها ,
و تحتضن أخرى الى صدرها , مع انسدال شعرها كله على وجهها , وصولا الى الفراش تحتها
و لم يكن يظهر شيء من ملامحها .
" هل هي أجنبية ؟ "
سأل علي نفسه مجددا , حينما لاحظ لون شعرها الكستنائي الفاتح .
بعدها أخذ نفسا عميقا , لمحاولة تهدئة أعصابه التي أصبحت على وشك الانفجار , و قرر ايقاظها بنفسه ,
خطا علي بسرعة الى الجهة الأخرى من سريره , تقدم و حرك الوسادة التي على رأسها دون رفعها
لكن ملك لم تحرك ساكنا , و كأنها دخلت في غيبوبة .
انزعج الرجل المستاء مجددا
" هل هي ثملة أو تحت تأثير مخدر ما ؟ "
فرغ صبره سريعا و مسح وجهه بيديه بسخط , فآخر ما يحتاجه الآن امرأة في غير وعيها ليتعامل معها ,
و هو لن ينتظر الليل كله لتستيقظ براحتها , لذلك دنا منها مجددا أمسك الوسادة و ألقاها جانبا هذه المرة .
انزعجت ملك مما فعله , و قد أيقظتها حركته المفاجئة من أحلامها ,
تمتمت دون فتح عينيها أو التحرك من مكانها
" ماما أريد أن أنام قليلا بعد أرجوك "
قرب علي أذنه ناحيتها
"....."
لم يفهم كل ما قالت , لكن أول كلمة كانت واضحة
" ماما ؟ هل أبدو كسيدة عجوز ؟ "
اقترب علي مرة أخرى مصرا على ايقاظها , شد الغطاء من عليها عنوة و ألقاه جانبا ,
حتى وقع بعضه على الأرض الى جانب السرير , فيما علق الطرف الآخر برجليها
ثم خاطبها بلهجة شديدة
" هاي أنت من تكونين ؟ و كيف دخلت الى هنا ؟
استيقظي هيا أنا أكلمك "
في البداية و بسماع صوته , رفعت ملك جفنيها قليلا , مع عبوس على ملامحها بسبب الازعاج ,
و حدقت دون رد فعل الى الخيال المقابل لها ,
هي كانت تغط في نوم عميق قبل لحظات , و الآن رؤيتها ضبابية و ذهنها مشوش , بعد أن تم ايقاظها بهذه الطريقة العنيفة ,
استغرق منها الأمر دقيقة كاملة , حتى تذكرت أنها في دبي الآن , و تقيم في فندق و أنها في غرفة منفردة ,
فمن يكون هذا الرجل الغريب الواقف هناك , و الذي يتكلم معها بطريقة فظة ؟
بمجرد أن أدركت ملك حقيقة الموقف , و استعادت وعيها كليا حتى تملكها فزع شديد ,
فتحت عينيها عن آخرها بصدمة , صرخت عاليا و قفزت من فوق السرير ,
راكضة بالاتجاه المعاكس لمكان وقوف علي , ثم تراجعت للوراء الى أن التصقت بالحائط .
كانت ملك تقف تحاول التقاط أنفاسها بسبب رعبها , كان شعرها مبعثرا و منسدلا على كتفيها , و وجهها شاحبا بسبب المفاجأة ,
كانت تعدل منامتها بيد , و تضع الأخرى على صدرها , محاولة اغلاق فتحة الياقة .
لم تكن ملك تضع عدساتها , و لكن كان بامكانها رؤية تفاصيل وجه الرجل المقابل لها ,
كان شابا بشعر أسود لامع , تتدلى بعض خصله الرطبة على جبينه , له لحية خفيفة و عينين سوداوين بلون الليل الحالك ,
ببشرة بيضاء و قامة طويلة , بالكاد يصل رأسها الى مستوى صدره , مما يجعلها ترفع رأسها لتحدق الى وجهه ,
لكنها متأكدة من أمر واحد , هي لا تعرف من يكون .
تحت أنظار الرجل الغريب , مدت ملك يدها المرتجفة , و أشاحت شعرها عن وجهها ,
و قد أخرستها الصدمة و كانت تجاهد لتنظيم أنفاسها
بمجرد أن فعلت وقعت ملامحها في عيني علي , صحيح أنه لا يتذكر الكثير من الوجوه التي يقابلها ,
و لكنه لا يمكن أن ينسى هذا الوجه الطفولي , و لا هاتين العينين العسليتين , اللتين أوشك على الانخداع بهما ,
لم يتذكر علي فقط موقفها من جورج ذلك اليوم , و لكنه تذكر أيضا أنها قضت معه الليلة , و كل التفاصيل التي جعلته يومها يشعر بالاشمئزاز ,
بمجرد استرجاعه ما حصل بدأ علي بالغضب فعلا .
" أنت ؟ "
قالها و هو يقطب جبينه , و قد ظهر السخط في عينيه , صرخ في وجهها باستياء شديد جعلها تقفز مكانها
لم تفهم ملك ما قصده
" لم يبدو عليه أنه يعرفها جيدا ؟ فيما هي لا تتذكر حتى أنها رأته في أي مكان سابقا ,
ثم لم هو غاضب هكذا ؟ "
سألت نفسها بحيرة كبيرة , و هي تحدق الى الرجل أمامها , دون أن تجيب عن أسئلته محاولة تذكر أي شيء له علاقة به .
لم تكن ملك تمثل , ففي المرة الأولى لم تحدق الى أحد من الجالسين الى طاولة العشاء ,
حيث كانت مشغولة بتأديب جورج , الذي استفزها بقلة أدبه , و وتر أعصابها و غادرت سريعا ,
أما في المرة الثانية , فقد كانت منشغلة بالتحدث الى والدتها على الهاتف ,
حينما تم التعريف به و ألقى خطابه , و عادت بعدها متأخرة ,
حاولت ملك عصر ذاكرتها دون جدوى , صحيح هي لديها مشكلة مع تذكر الأسماء و الوجوه ,
الا أنها متأكدة أنها لم تر هذا الوجه يوما , لكن هذا الآن غير مهم الأهم هو
" مممن من أنت ؟ و ماذا تفعل في غرفتي ؟ "
سألت أخيرا بصوت مرتجف محاولة اخفاء ارتباكها
بعدما ساد صمت بينهما لثوان , حيث كان كل واحد فيهما , يتفحص الآخر محاولا فهم الموقف .
لمعت عينا علي باستغراب , فلم يكن يتوقع أنها عربية , فملامحها تقول أنها أجنبية , و لأول مرة يسمعها تتحدث بلغته بلكنة مغاربية ,
ظهرت بعدها ابتسامة ساخرة على جانب فمه و قد أدرك ما قالته
" غرفتك ؟ فعلا ؟ "
كان علي يضع يديه على خصره و هو يسألها , ثم خطا خطوتين فجأة الى الأمام مقلصا المسافة بينهما ,
أضاف بجدية بعدما اختفت ابتسامته , و حل محلها تكشيرة سيئة و قد علا صوته فجأة
" هاي أنت هذا جناحي الخاص , أنت من سمح لك بالدخول الى هنا ؟ "
فتحت ملك فمها لاجابته , و لكنها لاحظت الآن فقط أنه نصف عار , مع جسم رياضي مفتول العضلات ,
لا يرتدي غير سروال قصير , و لا شيء يغطي جزءه العلوي ,
من شدة حرجها أشاحت ملك بوجهها , الذي تحول لونه الى الأحمر بعد أن كان شاحبا , و زادت ضربات قلبها لدرجة كانت تسمعها في أذنيها
لاحظ علي ردة فعلها , و انتبه هو الآخر الى حالته .
" تبا "
همس بسخط ثم مد يده ليأخذ قميصه , الذي كان يرتديه من على المشجب و لبسه بسرعة ,
آخر شيء يريده أن يراه أحدهم عاريا , خاصة امرأة لعوب مثلها
لكنه لم يوقف هجومه
" هاي أنت لا تمثلي الخجل و لا تغيري الموضوع , أنا أسألك من أدخلك جناحي ؟ "
قال و هو يزرر قميصه بسرعة , و يعود الى المكان الذي كان يقف فيه قبالتها ,
دون أن يشيح بعينيه عنها , خشية أن تقوم بحركة قذرة اتجاهه , حينها هو لن يمانع أن يكسر رقبتها ,
غضبت ملك من اصراره على أنه جناحه , رفعت رأسها مجددا حدقت مباشرة الى عينيه ,
و وجدت صوتها مع نبرته الحادة أخيرا
" لا تبدأ بالكذب الفندق حجز لي هذا الجناح ؟
أنت من تكون و كيف دخلت الى هنا ؟
هيا اخرج الآن أو سأستدعي رجال الأمن "
و أشارت له بأصبعها ناحية الباب , في محاولة يائسة منها لطرده .
كانت ملك تحاول أن تظهر أنها واثقة من نفسها , رغم الارتجاف الذي طبع كلماتها بسبب ادراكها أنها الطرف الضعيف هنا
لكنها لا تريده أن يعتقد أنها خائفة منه و الا ساء الأمر .
صدم علي لكلامها فلأول مرة في حياته , يجرؤ أحدهم على نعته بالكاذب و لم يجد بما يجيبها , و بقي يحدق ناحيتها بعينين قاتلتين
و فيما كان بصدد التفكير في الرد المناسب على اساءتها ,
كانت ملك قد حملت هاتف الفندق فعلا , و تهم باستدعاء رجال الأمن كما هددته قبل لحظات ,
لكن علي تحرك ناحيتها في ثانية و افتكه من يدها بقوة , مما أرعبها فتركته له و عادت للالتصاق مجددا بالحائط .
بما فعلته ملك الآن , تذكر علي مرة أخرى ما حصل مع جورج سابقا ,
و كيف أن المرأة التي تقف أمامه , مجرد ممثلة مدعية و أكيد خططها القذرة لا تنتهي ,
واضح أنها دخلت هنا لاغوائه أو للحصول على منفعة ما , و هي الآن تهدده برجال الأمن ليرضخ ,
لكنها لا تعرف مع من علقت , هذه المنحطة عديمة الأخلاق
ابتسم علي بسخرية مجددا , و هو يقلب هاتف الفندق بين أصابعه و سألها
" ما رأيك أن اتصل أنا بالشرطة , و أخبرهم أن منحرفة اقتحمت جناحي ؟ "
قال بلهجة مهددة و ردت ملك بغضب مباشرة
" من اقتحم جناحك يا هذا ؟ هل أنت أصم ؟
أنا قلت أنه حجز لي , و أنت من عليه المغادرة ,
ثم احترم نفسك من هو المنحرف بيننا ؟ "
لم يعد علي يتحمل جدالها المستفز , فهذه المرأة فعلا وقحة , لدرجة قول كذبة على أنها حقيقة ,
و الآن تقف بقلة حياء , و تطالبه بالاحترام و تطيل لسانها , فقبل قليل كان كاذبا و الآن أصبح منحرفا و أصما
فما كان منه الا أن رد عليها بنفس درجة اهانتها له
" فعلا ؟ ألست امرأة تعيش على التنقل بين غرف الرجال ؟ " .
********************************
جفل علي للحظات بسبب المفاجأة , قبل أن يرفع نظره و يجول به في أرجاء المكان ,
فأول ما خطر على باله أنه أخطأ الجناح , بسبب قلة تركيزه و تعبه ,
خاصة أنه لم يكن يحمل البطاقة , و حصل على أخرى جديدة قبل قليل , و هو حتى لم يتذكر أين ترك الأصلية .
لكن بمراقبة المكان تأكد أن هذا جناحه الخاص , كيف يمكن أن يخطأه ؟
ثم هو وجد أغراضه الخاصة و ملابسه هنا ,
اذا السؤال الذي يطرح نفسه هو
" من هذه المرأة و كيف وصلت الى هنا ؟ "
سأل علي نفسه , و عاد للتحديق مجددا الى المرأة النائمة هناك بكل هدوء , و تبادر الى ذهنه ألف سؤال
" كيف دخلت الى هنا ؟
هل يعقل أن أحدهم أرسلها الى هنا كهدية مثلا ؟
من هذا المجنون الذي راهن بحياته و فعل ذلك ؟
هل يعقل أن يكون أحد الذين اجتمعت بهم في الأسفل ؟ "
لطالما سمع علي بالصفقات التي تحصل , باهداء فتيات كعرابين لاتمام الاتفاقات , أو لشراء ود رجال الأعمال ,
لكن الى الآن لم يجرؤ أحد على فعلها معه ,
الكل يعرف أنه لا يتورط في مبادلات مشبوهة كهذه , فهي تخالف مبادئه و دينه , و تنتقص من رجولته و كرامته ,
و لا أحد يجرؤ على التهور و اثارة غضبه , لأنه سيدخل المنطقة المحظورة التي سيدفع ثمنها غاليا .
فما الذي يحصل هنا اذا ؟
وقف علي مكانه دون حراك يفكر بعمق لدقائق , قبل أن ينتبه أخيرا أن عليه أن يوقظ هذه المرأة , اذا أراد اجابة على أسئلته ,
في هذا الوقت كانت ملك تستلقي هناك , بكل هدوء و طمأنينة تغط في نوم عميق ,
لم تشعر حتى بالحركة القوية التي أصدرها علي حينما قفز من السرير ,
كانت تلف نفسها بالغطاء مثل فراشة في شرنقة , تضع وسادة على رأسها بدل توسدها ,
و تحتضن أخرى الى صدرها , مع انسدال شعرها كله على وجهها , وصولا الى الفراش تحتها
و لم يكن يظهر شيء من ملامحها .
" هل هي أجنبية ؟ "
سأل علي نفسه مجددا , حينما لاحظ لون شعرها الكستنائي الفاتح .
بعدها أخذ نفسا عميقا , لمحاولة تهدئة أعصابه التي أصبحت على وشك الانفجار , و قرر ايقاظها بنفسه ,
خطا علي بسرعة الى الجهة الأخرى من سريره , تقدم و حرك الوسادة التي على رأسها دون رفعها
لكن ملك لم تحرك ساكنا , و كأنها دخلت في غيبوبة .
انزعج الرجل المستاء مجددا
" هل هي ثملة أو تحت تأثير مخدر ما ؟ "
فرغ صبره سريعا و مسح وجهه بيديه بسخط , فآخر ما يحتاجه الآن امرأة في غير وعيها ليتعامل معها ,
و هو لن ينتظر الليل كله لتستيقظ براحتها , لذلك دنا منها مجددا أمسك الوسادة و ألقاها جانبا هذه المرة .
انزعجت ملك مما فعله , و قد أيقظتها حركته المفاجئة من أحلامها ,
تمتمت دون فتح عينيها أو التحرك من مكانها
" ماما أريد أن أنام قليلا بعد أرجوك "
قرب علي أذنه ناحيتها
"....."
لم يفهم كل ما قالت , لكن أول كلمة كانت واضحة
" ماما ؟ هل أبدو كسيدة عجوز ؟ "
اقترب علي مرة أخرى مصرا على ايقاظها , شد الغطاء من عليها عنوة و ألقاه جانبا ,
حتى وقع بعضه على الأرض الى جانب السرير , فيما علق الطرف الآخر برجليها
ثم خاطبها بلهجة شديدة
" هاي أنت من تكونين ؟ و كيف دخلت الى هنا ؟
استيقظي هيا أنا أكلمك "
في البداية و بسماع صوته , رفعت ملك جفنيها قليلا , مع عبوس على ملامحها بسبب الازعاج ,
و حدقت دون رد فعل الى الخيال المقابل لها ,
هي كانت تغط في نوم عميق قبل لحظات , و الآن رؤيتها ضبابية و ذهنها مشوش , بعد أن تم ايقاظها بهذه الطريقة العنيفة ,
استغرق منها الأمر دقيقة كاملة , حتى تذكرت أنها في دبي الآن , و تقيم في فندق و أنها في غرفة منفردة ,
فمن يكون هذا الرجل الغريب الواقف هناك , و الذي يتكلم معها بطريقة فظة ؟
بمجرد أن أدركت ملك حقيقة الموقف , و استعادت وعيها كليا حتى تملكها فزع شديد ,
فتحت عينيها عن آخرها بصدمة , صرخت عاليا و قفزت من فوق السرير ,
راكضة بالاتجاه المعاكس لمكان وقوف علي , ثم تراجعت للوراء الى أن التصقت بالحائط .
كانت ملك تقف تحاول التقاط أنفاسها بسبب رعبها , كان شعرها مبعثرا و منسدلا على كتفيها , و وجهها شاحبا بسبب المفاجأة ,
كانت تعدل منامتها بيد , و تضع الأخرى على صدرها , محاولة اغلاق فتحة الياقة .
لم تكن ملك تضع عدساتها , و لكن كان بامكانها رؤية تفاصيل وجه الرجل المقابل لها ,
كان شابا بشعر أسود لامع , تتدلى بعض خصله الرطبة على جبينه , له لحية خفيفة و عينين سوداوين بلون الليل الحالك ,
ببشرة بيضاء و قامة طويلة , بالكاد يصل رأسها الى مستوى صدره , مما يجعلها ترفع رأسها لتحدق الى وجهه ,
لكنها متأكدة من أمر واحد , هي لا تعرف من يكون .
تحت أنظار الرجل الغريب , مدت ملك يدها المرتجفة , و أشاحت شعرها عن وجهها ,
و قد أخرستها الصدمة و كانت تجاهد لتنظيم أنفاسها
بمجرد أن فعلت وقعت ملامحها في عيني علي , صحيح أنه لا يتذكر الكثير من الوجوه التي يقابلها ,
و لكنه لا يمكن أن ينسى هذا الوجه الطفولي , و لا هاتين العينين العسليتين , اللتين أوشك على الانخداع بهما ,
لم يتذكر علي فقط موقفها من جورج ذلك اليوم , و لكنه تذكر أيضا أنها قضت معه الليلة , و كل التفاصيل التي جعلته يومها يشعر بالاشمئزاز ,
بمجرد استرجاعه ما حصل بدأ علي بالغضب فعلا .
" أنت ؟ "
قالها و هو يقطب جبينه , و قد ظهر السخط في عينيه , صرخ في وجهها باستياء شديد جعلها تقفز مكانها
لم تفهم ملك ما قصده
" لم يبدو عليه أنه يعرفها جيدا ؟ فيما هي لا تتذكر حتى أنها رأته في أي مكان سابقا ,
ثم لم هو غاضب هكذا ؟ "
سألت نفسها بحيرة كبيرة , و هي تحدق الى الرجل أمامها , دون أن تجيب عن أسئلته محاولة تذكر أي شيء له علاقة به .
لم تكن ملك تمثل , ففي المرة الأولى لم تحدق الى أحد من الجالسين الى طاولة العشاء ,
حيث كانت مشغولة بتأديب جورج , الذي استفزها بقلة أدبه , و وتر أعصابها و غادرت سريعا ,
أما في المرة الثانية , فقد كانت منشغلة بالتحدث الى والدتها على الهاتف ,
حينما تم التعريف به و ألقى خطابه , و عادت بعدها متأخرة ,
حاولت ملك عصر ذاكرتها دون جدوى , صحيح هي لديها مشكلة مع تذكر الأسماء و الوجوه ,
الا أنها متأكدة أنها لم تر هذا الوجه يوما , لكن هذا الآن غير مهم الأهم هو
" مممن من أنت ؟ و ماذا تفعل في غرفتي ؟ "
سألت أخيرا بصوت مرتجف محاولة اخفاء ارتباكها
بعدما ساد صمت بينهما لثوان , حيث كان كل واحد فيهما , يتفحص الآخر محاولا فهم الموقف .
لمعت عينا علي باستغراب , فلم يكن يتوقع أنها عربية , فملامحها تقول أنها أجنبية , و لأول مرة يسمعها تتحدث بلغته بلكنة مغاربية ,
ظهرت بعدها ابتسامة ساخرة على جانب فمه و قد أدرك ما قالته
" غرفتك ؟ فعلا ؟ "
كان علي يضع يديه على خصره و هو يسألها , ثم خطا خطوتين فجأة الى الأمام مقلصا المسافة بينهما ,
أضاف بجدية بعدما اختفت ابتسامته , و حل محلها تكشيرة سيئة و قد علا صوته فجأة
" هاي أنت هذا جناحي الخاص , أنت من سمح لك بالدخول الى هنا ؟ "
فتحت ملك فمها لاجابته , و لكنها لاحظت الآن فقط أنه نصف عار , مع جسم رياضي مفتول العضلات ,
لا يرتدي غير سروال قصير , و لا شيء يغطي جزءه العلوي ,
من شدة حرجها أشاحت ملك بوجهها , الذي تحول لونه الى الأحمر بعد أن كان شاحبا , و زادت ضربات قلبها لدرجة كانت تسمعها في أذنيها
لاحظ علي ردة فعلها , و انتبه هو الآخر الى حالته .
" تبا "
همس بسخط ثم مد يده ليأخذ قميصه , الذي كان يرتديه من على المشجب و لبسه بسرعة ,
آخر شيء يريده أن يراه أحدهم عاريا , خاصة امرأة لعوب مثلها
لكنه لم يوقف هجومه
" هاي أنت لا تمثلي الخجل و لا تغيري الموضوع , أنا أسألك من أدخلك جناحي ؟ "
قال و هو يزرر قميصه بسرعة , و يعود الى المكان الذي كان يقف فيه قبالتها ,
دون أن يشيح بعينيه عنها , خشية أن تقوم بحركة قذرة اتجاهه , حينها هو لن يمانع أن يكسر رقبتها ,
غضبت ملك من اصراره على أنه جناحه , رفعت رأسها مجددا حدقت مباشرة الى عينيه ,
و وجدت صوتها مع نبرته الحادة أخيرا
" لا تبدأ بالكذب الفندق حجز لي هذا الجناح ؟
أنت من تكون و كيف دخلت الى هنا ؟
هيا اخرج الآن أو سأستدعي رجال الأمن "
و أشارت له بأصبعها ناحية الباب , في محاولة يائسة منها لطرده .
كانت ملك تحاول أن تظهر أنها واثقة من نفسها , رغم الارتجاف الذي طبع كلماتها بسبب ادراكها أنها الطرف الضعيف هنا
لكنها لا تريده أن يعتقد أنها خائفة منه و الا ساء الأمر .
صدم علي لكلامها فلأول مرة في حياته , يجرؤ أحدهم على نعته بالكاذب و لم يجد بما يجيبها , و بقي يحدق ناحيتها بعينين قاتلتين
و فيما كان بصدد التفكير في الرد المناسب على اساءتها ,
كانت ملك قد حملت هاتف الفندق فعلا , و تهم باستدعاء رجال الأمن كما هددته قبل لحظات ,
لكن علي تحرك ناحيتها في ثانية و افتكه من يدها بقوة , مما أرعبها فتركته له و عادت للالتصاق مجددا بالحائط .
بما فعلته ملك الآن , تذكر علي مرة أخرى ما حصل مع جورج سابقا ,
و كيف أن المرأة التي تقف أمامه , مجرد ممثلة مدعية و أكيد خططها القذرة لا تنتهي ,
واضح أنها دخلت هنا لاغوائه أو للحصول على منفعة ما , و هي الآن تهدده برجال الأمن ليرضخ ,
لكنها لا تعرف مع من علقت , هذه المنحطة عديمة الأخلاق
ابتسم علي بسخرية مجددا , و هو يقلب هاتف الفندق بين أصابعه و سألها
" ما رأيك أن اتصل أنا بالشرطة , و أخبرهم أن منحرفة اقتحمت جناحي ؟ "
قال بلهجة مهددة و ردت ملك بغضب مباشرة
" من اقتحم جناحك يا هذا ؟ هل أنت أصم ؟
أنا قلت أنه حجز لي , و أنت من عليه المغادرة ,
ثم احترم نفسك من هو المنحرف بيننا ؟ "
لم يعد علي يتحمل جدالها المستفز , فهذه المرأة فعلا وقحة , لدرجة قول كذبة على أنها حقيقة ,
و الآن تقف بقلة حياء , و تطالبه بالاحترام و تطيل لسانها , فقبل قليل كان كاذبا و الآن أصبح منحرفا و أصما
فما كان منه الا أن رد عليها بنفس درجة اهانتها له
" فعلا ؟ ألست امرأة تعيش على التنقل بين غرف الرجال ؟ " .
