رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل العاشر 10 بقلم ملك علي
=البارت العاشر يقف وسط حقل ياسمين
" فعلا ؟ ألست امرأة تعيش على التنقل بين غرف الرجال ؟ "
فتحت ملك فمها و عينيها و قد صدمها ما قاله , الا أن علي شعر بالرضا لأته تمكن من استفزازها
و أضاف مع ابتسامة ساخرة
" ماذا ألم يعجبك التعبير , تريدين سماع كلمات منحطة تناسب ذوقك و مستواك ؟ "
عبست ملك بشدة و قد تحولت ملامحها الى الغضب و احتقن وجهها ,
هي لا تفهم فعلا لم يهينها هذا الرجل , و هي لا تعرف حتى من يكون ؟
و لكنها وصلت حد التحمل , و لم تعد تطيق الأخذ و الرد مع قليل التهذيب هذا , و قررت انهاء الموقف
" هاي أنت أنا لا أسمح لك باهانتي ,
هيا اخرج فورا أو سأبدأ بالصراخ , و أقول أنك اقتحمت غرفتي و حاولت الاعتداء علي "
بعدما صادر علي الهاتف منها , لم يبق أمامها الا الصراخ عل أحدا ينجدها ,
هي الآن تشعر بخوف كبير , و لا تعرف ما ينوي هذا الرجل فعله معها , خصوصا أنه يعتقد أنها بائعة هوى
و لكنها كانت تحاول الظهور بمظهر المتماسكة , حتى لا يستغل هذا الرجل المهتاج ضعفها .
لكن علي جن جنونه من تهديدها , فهو لن يسمح لها بتوريطه مع امرأة مشبوهة مثلها , في فضيحة أخلاقية داخل فندقه ,
لم يدر بنفسه الا و هو يتجه ناحيتها , و يضع يدا على فمها لمنعها من الصراخ , و الأخرى على الحائط خلفها بغية تثبيتها
ارتعبت ملك أكثر مما فعله , و قد فاجأتها ردة فعله العنيفة على ما قالته
كانت ترتجف بأكملها كورقة في مهب الريح , و كان قلبها يكاد يتوقف عن النبض ,
أغرق عرق بارد ظهرها , و تجمدت يداها و رجلاها ,
و كأنها تحت تأثير مخدر قوي , فلم يسبق أن عاملها أحد هكذا .
لم تجد ملك الا أن أغلقت عينيها بشدة , و تبللت رموشها ببعض الدموع التي لم تنزل بعد ,
و هي تدعو في سرها ألا يحصل لها , أمر مفجع هنا في هذه الليلة المشؤومة .
كانت تضع يديها الصغيرتين على صدره , لمنعه من التقدم و تخليص نفسها ,
لكن الأمر كان كمن يدفع حائطا من أمامه , فالرجل لم يتحرك انشا واحدا ,
بالعكس كان مصرا على الوقوف هناك , محدقا الى ملامحها عن قرب , محاولا استبيان صدقها من تمثيلها .
لم يكن علي يضغط بشدة على فمها , و لكن وقوفه ككتلة من العضلات أمامها , كان كافيا لارعابها و اخراسها ,
فحتى الرجال يجبنون أمام هيبته و تسلطه , ما بالك بفتاة نصف حجمه ,
للحظات تجولت عيناه السوداوان المتواريتان تحت خصلات شعره الرطب على ملامحها الرقيقة ,
مدققا في كل تفصيل فيها ,
عيناها المغمضتان و رموشها الطويلة , أنفها الدقيق و شفتيها الورديتين المكتنزتين , و التي كانت تمنع ارتجافهما , بالعض على شفتها السفلى بكل قوة حتى كادت تدميها ,
و شعرها الكستنائي الذي يتناثر في كل اتجاه , كانت بشرتها ناعمة وردية , كبشرة الأطفال دون أية شوائب ,
و رقبتها تغري أي انسان أن يغرس وجهه هناك و يستمتع بعبيرها ,
لم تكن ملك تضع أية مساحيق , و كانت رائحة الياسمين تفوح من شعرها و جسدها , دون أثر لأية عطور أخرى ,
كان علي و كأنه يقف وسط حقل زهور في فصل الربيع ,
كان جسدها المرتجف صغيرا جدا بين يديه , لدرجة أنه أشفق على حالها لوهلة من الزمن .
سرح علي للحظات حتى كاد ينسى ما الذي يجري , فالمنظر أمامه مغر جدا و هو رجل في النهاية , و لا يمكنه ألا يتأثر
و لكن أخرجه من شروده عيناها العسليتان , اللتين كانتا تحدقان اليه و هو لا يعلم حتى متى فتحتهما .
و هما تعكسان رعبها و قلة حيلتها ,
استمر الاثنان في تبادل نظرات الشك , فهي لا تصدق أنها تتعرض للاعتداء من طرف رجل غريب ,
و هو لا يصدق أنها خائفة منه فعلا .
تجاهل علي ردة فعلها , بلع ريقه و استعاد رباطة جأشه , ثم حدق اليها قليلا بعد ,
لكنه لم يطل الأمر فما لبث أن اقترب من أذنها , لفحتها أنفاسه الحارة مرسلة تيارا سرى على كل جسدها
ثم قال بصوت هامس , لكنه مخيف كأنه قادم من الجحيم
" لديك ثلاث ثوان اما أن تخرجي من هذا الباب , أو سيحصل معك ما لن تنسيه طوال حياتك "
و أشار برأسه الى باب الجناح بحركة خفيفة
كان تهديدا واضحا و جادا بالاعتداء , لذلك و بمجرد أن افلت يده ,
لم تدر ملك بنفسها الا و هي تركض ناحية الباب تفتحه و تخرج الى الرواق ,
و دون أن تلتفت وراءها , سمعت دوي اغلاق باب الغرفة بكل قوة , و للحظة شكرت الله أنه لا يفكر في مطاردتها
مشت ملك بضعة خطوات , قبل أن تدرك أنها لا ترتدي غير منامة خفيفة و قدميها حافيتين , و كل أغراضها مصادرة في الداخل ,
وقفت مكانها لبضع لحظات محاولة استعادة أنفاسها , و ترتيب أفكارها لاستيعاب ما حصل قبل قليل ,
فردة فعلها كانت دون أي تفكير , و بدأت تحدق في الأرجاء بحثا عن مخرج .
أرادت ملك النزول الى الاستقبال لاستدعاء رجال الأمن , لكنها أدركت أنها لا يمكنها التنقل بحالها هذه ,
ما الذي يضمن لها أنها لن تتعرض للاعتداء مجددا , من منحرف آخر في طريقها الى أسفل في هذا الوقت المتأخر ,
كما لا يمكنها أن تعود الى الغرفة لطلب أغراضها , و الا فان ذلك المجنون سينفذ تهديده و يعتدي عليها
" أية ورطة وقعت فيها يا ملك ؟ "
حدثت نفسها بتوتر و لم يكن منها أخيرا الا أن اتكأت على الحائط خلفها ,
جلست القرفصاء على الأرض , حيث لم تعد رجلاها قادرتان على حملها ,
ثم غرست رأسها بين يديها , اعلانا عن يأسها في ايجاد حل لوضعها ,
فهي فعلا لا تعرف أين تذهب , و كانت تريد فقط أن يهدأ خوفها قليلا قبل أن تطلب المساعدة .
في غرفة المراقبة كان حارس الأمن يتسامر مع عامل الاستقبال محمد , حول كأسي شاي و لعبة ورق ,
توقفت الحركة منذ بعض الوقت , فاستغلا الأمر للدردشة و تمضية الليلة ,
فيما هما مشغولين بالحديث , انتبه الحارس الى حركة غريبة على الشاشة أمامه
" انظر محمد هناك امرأة ترتدي منامة تجلس في الرواق "
هز محمد رأسه موافقا و هو يحدق الى الشاشة
" أجل حتى أنها حافية "
عبس الحارس بتشوش
" أتدري لم انتبه من أية غرفة خرجت ؟ "
" لكنها تكتفي بالجلوس فقط لا تفعل شيئا "
حاول محمد طمأنته
" أجل لكن سأنتظر لبضعة دقائق , ان لم يحصل شيء سأصعد لتقصي الموضوع ,
في النهاية الرئيس يقيم في هذا الطابق , لا أريد مشاكل معه "
وافقه محمد مباشرة
" أجل تريث قليلا , قد تكون خصومة ثنائي عادية لا داعي للتسرع "
كلمات محمد لم تكن من فراغ , فهذا فندق سبع نجوم ,
معظم المقيمين هنا أجانب , و العمال تعودوا على بعض التصرفات , كالسكر و الخلافات بين الثنائيات ,
و التنقل بين الغرف خاصة السياح الذين يتنقلون في مجموعات .
لذلك قوانين الفندق تمنع تدخلهم في تصرفات المقيمين , الا اذا كانت جانحة أو مشينة ,
كارتداء ملابس غير ملائمة , أو الدخول في عراك و ازعاج بقية النزلاء ,
فما كان من الرجلين الا التزام مكانيهما و انتظار أية تطورات .
في الجناح بعد مغادرة ملك , و اغلاقه الباب خلفها حتى لا تفكر في العودة ثانية ,
ظل علي واقفا خلف الباب , يضع يديه على خصره مغمضا عينيه بشدة , يحاول تمالك نفسه بأخذ أنفاس عميقة , لاستيعاب الحنون الذي حصل قبل قليل
لطالما توددت اليه الكثير من النساء , و لكن لأول مرة تجرؤ احداهن , على اقتحام غرفته و الوصول الى سريره ,
هو فعلا مندهش من جرأتها , لكنه فضولي أكثر عن كيفية وصولها الى هنا ,
تنهد بعدها بعمق ثم استغفر الله , و عاد أدراجه الى الغرفة أخيرا
لكن بمجرد أن وقعت عيناه على حالة الفوضى التي تسودها , امتعض بشدة و عبس وجهه و تجدد غضبه ,
فالملاءات على السرير مبعثرة , الوسائد ملقاة على الأرض ,
خصلات من شعر تلك المرأة , عالقة على الوسادة التي كانت تحتضنها ,
و الآن فقط انتبه الى الحقيبة الصغيرة , و بعض أغراضها على المنضدة الى جانب السرير .
" كيف لم انتبه حين دخولي ؟ "
سأل نفسه باستياء
فجأة تذكر حالة الحمام المزرية قبل قليل
" هل يعقل أنها هي من استخدمته ؟
و الرائحة التي تعبق في أرجاء الغرفة , تعود لصابون الحمام خاصتها , و الذي كان برائحة الياسمين "
شعر علي بالقرف فجأة , و تحول لون وجهه الى الأسود ,
خطا بغضب ناحية الهاتف و اتصل بالاستقبال
" أرسل أحدهم لتنظيف جناحي فورا , و افتح باب الغرفة المقابلة "
هو لن يستطيع استخدام الغرفة و هي ملوثة هكذا , فجسمه بدأ يحكه بالفعل .
لم يحتج محمد أن يتعرف على رقم المتصل , فلا أحد يملك هذه النبرة المتسلطة غير الرئيس ,
خاصة أنه أغلق مباشرة دون انتظار الرد ,
بعد ثوان تذكر علي شيئا آخر فعاود الاتصال
" و أرسل من يتخلص من كيس القمامة الموجود أمام باب الجناح "
و أغلق مجددا دون أي تردد
لم يفهم محمد عن أي كيس قمامة يتحدث , فلا يوجد شيء في الرواق ,
لكنه تذكر فجأة المرأة التي رآها على الشاشة
" هل يعقل أن تلك المرأة أزعجته ؟
هل خرجت من عنده ؟ "
الكل هنا يعرف صعوبة التعامل مع هذا الرجل , سيء المزاج صعب الارضاء , لن تجرؤ امرأة على التقرب منه ان لم يسمح لها
" هل يعقل أنه اصطحبها معه ثم غير رأيه ؟ "
لم يعرف محمد فيما يجب أن يفكر , و لكنه سارع لتنفيذ الأوامر ,
فتح حاسوبه بسرعة بيد , و بدأ في فتح الغرفة التي طلبها علي الكترونيا ,
و بيد أخرى اتصل على غرفة مناوبة المنظفات , ليطلب من العاملتين الاتجاه الى الطابق للتنظيف , دون أن ينسى أن يخبرهن أن الرئيس من طلب ذلك بنفسه ,
لم يطل الأمر كثيرا فقط عشرة دقائق , و وصلت عاملتي التنظيف الى الطابق ,
بمجرد أن رأتهما ملك , حتى لاح لها بصيص أمل , في امكانية تلقي المساعدة منهما ,
لكنهما تخطيتاها بسرعة دون أن تلقيا لها بالا متجهتين ناحية الجناح , دون اعطائها فرصة لقول كلمة واحدة ,
فتح الباب و دخلت العاملتان الى هناك , و بعدها بدقيقتين خرج علي الغاضب باتجاه الغرفة المقابلة , و قد عاود ارتداء ملابسه
بمجرد أن وقعت عيناه على ملك , تأجج غضبه مجددا و رمقها بنظرة اشمئزاز و احتقار ,
أشعرتها بقشعريرة من رأسها الى اخمص قدمها , و كأن تيارا كهربائيا مر عليها .
هي فعلا لا تعرف ما الذي فعلته لهذا الرجل , حتى ينظر اليها بكل هذا الازدراء ؟
أليس من المفروض أن تكون هي الغاضبة , بما أنه هو من اقتحم غرفتها ؟
ألا يعقل مثلا أن يكون مجرد خطأ من الفندق لا ذنب لها فيه ؟
لم يبدو اذا كمن أمسك بها متلبسة بجريمة شنعاء , لم يبدو واثقا من صحة موقفه ؟
لم تدم النظرة أكثر من ثلاث ثوان , أشاح علي بعدها بوجهه و دخل الغرفة المقابلة , متجها مباشرة الى الحمام ,
أكثر شيء يرغب به الآن , أن يمسك هذه المرأة المنحرفة من ذراعها , و يلقي بها في قسم الشرطة ,
لكنه لا يريد أن يرتبط اسمه مع اسم امرأة مشبوهة مثلها , في فضيحة سيكون الوحيد الخاسر فيها , لن يحقق مرادها مما فعلته
لذلك قرر التصرف بعقلانية , مادامت لم تنجح في مسعاها فسيكتفي بما فعله ,
لن تسول لها نفسها تكرار ما حدث أبدا .
.
.
" فعلا ؟ ألست امرأة تعيش على التنقل بين غرف الرجال ؟ "
فتحت ملك فمها و عينيها و قد صدمها ما قاله , الا أن علي شعر بالرضا لأته تمكن من استفزازها
و أضاف مع ابتسامة ساخرة
" ماذا ألم يعجبك التعبير , تريدين سماع كلمات منحطة تناسب ذوقك و مستواك ؟ "
عبست ملك بشدة و قد تحولت ملامحها الى الغضب و احتقن وجهها ,
هي لا تفهم فعلا لم يهينها هذا الرجل , و هي لا تعرف حتى من يكون ؟
و لكنها وصلت حد التحمل , و لم تعد تطيق الأخذ و الرد مع قليل التهذيب هذا , و قررت انهاء الموقف
" هاي أنت أنا لا أسمح لك باهانتي ,
هيا اخرج فورا أو سأبدأ بالصراخ , و أقول أنك اقتحمت غرفتي و حاولت الاعتداء علي "
بعدما صادر علي الهاتف منها , لم يبق أمامها الا الصراخ عل أحدا ينجدها ,
هي الآن تشعر بخوف كبير , و لا تعرف ما ينوي هذا الرجل فعله معها , خصوصا أنه يعتقد أنها بائعة هوى
و لكنها كانت تحاول الظهور بمظهر المتماسكة , حتى لا يستغل هذا الرجل المهتاج ضعفها .
لكن علي جن جنونه من تهديدها , فهو لن يسمح لها بتوريطه مع امرأة مشبوهة مثلها , في فضيحة أخلاقية داخل فندقه ,
لم يدر بنفسه الا و هو يتجه ناحيتها , و يضع يدا على فمها لمنعها من الصراخ , و الأخرى على الحائط خلفها بغية تثبيتها
ارتعبت ملك أكثر مما فعله , و قد فاجأتها ردة فعله العنيفة على ما قالته
كانت ترتجف بأكملها كورقة في مهب الريح , و كان قلبها يكاد يتوقف عن النبض ,
أغرق عرق بارد ظهرها , و تجمدت يداها و رجلاها ,
و كأنها تحت تأثير مخدر قوي , فلم يسبق أن عاملها أحد هكذا .
لم تجد ملك الا أن أغلقت عينيها بشدة , و تبللت رموشها ببعض الدموع التي لم تنزل بعد ,
و هي تدعو في سرها ألا يحصل لها , أمر مفجع هنا في هذه الليلة المشؤومة .
كانت تضع يديها الصغيرتين على صدره , لمنعه من التقدم و تخليص نفسها ,
لكن الأمر كان كمن يدفع حائطا من أمامه , فالرجل لم يتحرك انشا واحدا ,
بالعكس كان مصرا على الوقوف هناك , محدقا الى ملامحها عن قرب , محاولا استبيان صدقها من تمثيلها .
لم يكن علي يضغط بشدة على فمها , و لكن وقوفه ككتلة من العضلات أمامها , كان كافيا لارعابها و اخراسها ,
فحتى الرجال يجبنون أمام هيبته و تسلطه , ما بالك بفتاة نصف حجمه ,
للحظات تجولت عيناه السوداوان المتواريتان تحت خصلات شعره الرطب على ملامحها الرقيقة ,
مدققا في كل تفصيل فيها ,
عيناها المغمضتان و رموشها الطويلة , أنفها الدقيق و شفتيها الورديتين المكتنزتين , و التي كانت تمنع ارتجافهما , بالعض على شفتها السفلى بكل قوة حتى كادت تدميها ,
و شعرها الكستنائي الذي يتناثر في كل اتجاه , كانت بشرتها ناعمة وردية , كبشرة الأطفال دون أية شوائب ,
و رقبتها تغري أي انسان أن يغرس وجهه هناك و يستمتع بعبيرها ,
لم تكن ملك تضع أية مساحيق , و كانت رائحة الياسمين تفوح من شعرها و جسدها , دون أثر لأية عطور أخرى ,
كان علي و كأنه يقف وسط حقل زهور في فصل الربيع ,
كان جسدها المرتجف صغيرا جدا بين يديه , لدرجة أنه أشفق على حالها لوهلة من الزمن .
سرح علي للحظات حتى كاد ينسى ما الذي يجري , فالمنظر أمامه مغر جدا و هو رجل في النهاية , و لا يمكنه ألا يتأثر
و لكن أخرجه من شروده عيناها العسليتان , اللتين كانتا تحدقان اليه و هو لا يعلم حتى متى فتحتهما .
و هما تعكسان رعبها و قلة حيلتها ,
استمر الاثنان في تبادل نظرات الشك , فهي لا تصدق أنها تتعرض للاعتداء من طرف رجل غريب ,
و هو لا يصدق أنها خائفة منه فعلا .
تجاهل علي ردة فعلها , بلع ريقه و استعاد رباطة جأشه , ثم حدق اليها قليلا بعد ,
لكنه لم يطل الأمر فما لبث أن اقترب من أذنها , لفحتها أنفاسه الحارة مرسلة تيارا سرى على كل جسدها
ثم قال بصوت هامس , لكنه مخيف كأنه قادم من الجحيم
" لديك ثلاث ثوان اما أن تخرجي من هذا الباب , أو سيحصل معك ما لن تنسيه طوال حياتك "
و أشار برأسه الى باب الجناح بحركة خفيفة
كان تهديدا واضحا و جادا بالاعتداء , لذلك و بمجرد أن افلت يده ,
لم تدر ملك بنفسها الا و هي تركض ناحية الباب تفتحه و تخرج الى الرواق ,
و دون أن تلتفت وراءها , سمعت دوي اغلاق باب الغرفة بكل قوة , و للحظة شكرت الله أنه لا يفكر في مطاردتها
مشت ملك بضعة خطوات , قبل أن تدرك أنها لا ترتدي غير منامة خفيفة و قدميها حافيتين , و كل أغراضها مصادرة في الداخل ,
وقفت مكانها لبضع لحظات محاولة استعادة أنفاسها , و ترتيب أفكارها لاستيعاب ما حصل قبل قليل ,
فردة فعلها كانت دون أي تفكير , و بدأت تحدق في الأرجاء بحثا عن مخرج .
أرادت ملك النزول الى الاستقبال لاستدعاء رجال الأمن , لكنها أدركت أنها لا يمكنها التنقل بحالها هذه ,
ما الذي يضمن لها أنها لن تتعرض للاعتداء مجددا , من منحرف آخر في طريقها الى أسفل في هذا الوقت المتأخر ,
كما لا يمكنها أن تعود الى الغرفة لطلب أغراضها , و الا فان ذلك المجنون سينفذ تهديده و يعتدي عليها
" أية ورطة وقعت فيها يا ملك ؟ "
حدثت نفسها بتوتر و لم يكن منها أخيرا الا أن اتكأت على الحائط خلفها ,
جلست القرفصاء على الأرض , حيث لم تعد رجلاها قادرتان على حملها ,
ثم غرست رأسها بين يديها , اعلانا عن يأسها في ايجاد حل لوضعها ,
فهي فعلا لا تعرف أين تذهب , و كانت تريد فقط أن يهدأ خوفها قليلا قبل أن تطلب المساعدة .
في غرفة المراقبة كان حارس الأمن يتسامر مع عامل الاستقبال محمد , حول كأسي شاي و لعبة ورق ,
توقفت الحركة منذ بعض الوقت , فاستغلا الأمر للدردشة و تمضية الليلة ,
فيما هما مشغولين بالحديث , انتبه الحارس الى حركة غريبة على الشاشة أمامه
" انظر محمد هناك امرأة ترتدي منامة تجلس في الرواق "
هز محمد رأسه موافقا و هو يحدق الى الشاشة
" أجل حتى أنها حافية "
عبس الحارس بتشوش
" أتدري لم انتبه من أية غرفة خرجت ؟ "
" لكنها تكتفي بالجلوس فقط لا تفعل شيئا "
حاول محمد طمأنته
" أجل لكن سأنتظر لبضعة دقائق , ان لم يحصل شيء سأصعد لتقصي الموضوع ,
في النهاية الرئيس يقيم في هذا الطابق , لا أريد مشاكل معه "
وافقه محمد مباشرة
" أجل تريث قليلا , قد تكون خصومة ثنائي عادية لا داعي للتسرع "
كلمات محمد لم تكن من فراغ , فهذا فندق سبع نجوم ,
معظم المقيمين هنا أجانب , و العمال تعودوا على بعض التصرفات , كالسكر و الخلافات بين الثنائيات ,
و التنقل بين الغرف خاصة السياح الذين يتنقلون في مجموعات .
لذلك قوانين الفندق تمنع تدخلهم في تصرفات المقيمين , الا اذا كانت جانحة أو مشينة ,
كارتداء ملابس غير ملائمة , أو الدخول في عراك و ازعاج بقية النزلاء ,
فما كان من الرجلين الا التزام مكانيهما و انتظار أية تطورات .
في الجناح بعد مغادرة ملك , و اغلاقه الباب خلفها حتى لا تفكر في العودة ثانية ,
ظل علي واقفا خلف الباب , يضع يديه على خصره مغمضا عينيه بشدة , يحاول تمالك نفسه بأخذ أنفاس عميقة , لاستيعاب الحنون الذي حصل قبل قليل
لطالما توددت اليه الكثير من النساء , و لكن لأول مرة تجرؤ احداهن , على اقتحام غرفته و الوصول الى سريره ,
هو فعلا مندهش من جرأتها , لكنه فضولي أكثر عن كيفية وصولها الى هنا ,
تنهد بعدها بعمق ثم استغفر الله , و عاد أدراجه الى الغرفة أخيرا
لكن بمجرد أن وقعت عيناه على حالة الفوضى التي تسودها , امتعض بشدة و عبس وجهه و تجدد غضبه ,
فالملاءات على السرير مبعثرة , الوسائد ملقاة على الأرض ,
خصلات من شعر تلك المرأة , عالقة على الوسادة التي كانت تحتضنها ,
و الآن فقط انتبه الى الحقيبة الصغيرة , و بعض أغراضها على المنضدة الى جانب السرير .
" كيف لم انتبه حين دخولي ؟ "
سأل نفسه باستياء
فجأة تذكر حالة الحمام المزرية قبل قليل
" هل يعقل أنها هي من استخدمته ؟
و الرائحة التي تعبق في أرجاء الغرفة , تعود لصابون الحمام خاصتها , و الذي كان برائحة الياسمين "
شعر علي بالقرف فجأة , و تحول لون وجهه الى الأسود ,
خطا بغضب ناحية الهاتف و اتصل بالاستقبال
" أرسل أحدهم لتنظيف جناحي فورا , و افتح باب الغرفة المقابلة "
هو لن يستطيع استخدام الغرفة و هي ملوثة هكذا , فجسمه بدأ يحكه بالفعل .
لم يحتج محمد أن يتعرف على رقم المتصل , فلا أحد يملك هذه النبرة المتسلطة غير الرئيس ,
خاصة أنه أغلق مباشرة دون انتظار الرد ,
بعد ثوان تذكر علي شيئا آخر فعاود الاتصال
" و أرسل من يتخلص من كيس القمامة الموجود أمام باب الجناح "
و أغلق مجددا دون أي تردد
لم يفهم محمد عن أي كيس قمامة يتحدث , فلا يوجد شيء في الرواق ,
لكنه تذكر فجأة المرأة التي رآها على الشاشة
" هل يعقل أن تلك المرأة أزعجته ؟
هل خرجت من عنده ؟ "
الكل هنا يعرف صعوبة التعامل مع هذا الرجل , سيء المزاج صعب الارضاء , لن تجرؤ امرأة على التقرب منه ان لم يسمح لها
" هل يعقل أنه اصطحبها معه ثم غير رأيه ؟ "
لم يعرف محمد فيما يجب أن يفكر , و لكنه سارع لتنفيذ الأوامر ,
فتح حاسوبه بسرعة بيد , و بدأ في فتح الغرفة التي طلبها علي الكترونيا ,
و بيد أخرى اتصل على غرفة مناوبة المنظفات , ليطلب من العاملتين الاتجاه الى الطابق للتنظيف , دون أن ينسى أن يخبرهن أن الرئيس من طلب ذلك بنفسه ,
لم يطل الأمر كثيرا فقط عشرة دقائق , و وصلت عاملتي التنظيف الى الطابق ,
بمجرد أن رأتهما ملك , حتى لاح لها بصيص أمل , في امكانية تلقي المساعدة منهما ,
لكنهما تخطيتاها بسرعة دون أن تلقيا لها بالا متجهتين ناحية الجناح , دون اعطائها فرصة لقول كلمة واحدة ,
فتح الباب و دخلت العاملتان الى هناك , و بعدها بدقيقتين خرج علي الغاضب باتجاه الغرفة المقابلة , و قد عاود ارتداء ملابسه
بمجرد أن وقعت عيناه على ملك , تأجج غضبه مجددا و رمقها بنظرة اشمئزاز و احتقار ,
أشعرتها بقشعريرة من رأسها الى اخمص قدمها , و كأن تيارا كهربائيا مر عليها .
هي فعلا لا تعرف ما الذي فعلته لهذا الرجل , حتى ينظر اليها بكل هذا الازدراء ؟
أليس من المفروض أن تكون هي الغاضبة , بما أنه هو من اقتحم غرفتها ؟
ألا يعقل مثلا أن يكون مجرد خطأ من الفندق لا ذنب لها فيه ؟
لم يبدو اذا كمن أمسك بها متلبسة بجريمة شنعاء , لم يبدو واثقا من صحة موقفه ؟
لم تدم النظرة أكثر من ثلاث ثوان , أشاح علي بعدها بوجهه و دخل الغرفة المقابلة , متجها مباشرة الى الحمام ,
أكثر شيء يرغب به الآن , أن يمسك هذه المرأة المنحرفة من ذراعها , و يلقي بها في قسم الشرطة ,
لكنه لا يريد أن يرتبط اسمه مع اسم امرأة مشبوهة مثلها , في فضيحة سيكون الوحيد الخاسر فيها , لن يحقق مرادها مما فعلته
لذلك قرر التصرف بعقلانية , مادامت لم تنجح في مسعاها فسيكتفي بما فعله ,
لن تسول لها نفسها تكرار ما حدث أبدا .
.
.
