رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل التاسع 9 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل التاسع
دخل شامل بعد أن حرك السيارة ليأخذ هاتفه استعدادا للخروج مرة أخرى ففاجأه كامل بسؤاله " أصدقني القول يا شامل كيف هو شعورك نحوها "
تصلب ظهر شامل وقد شعر بجدية ما يحدث في رأس أخيه وبأن الأمر معه يتخذ منحنى خرج عن طور الإعجاب العادي .. فاستدار إليه يسأله باستهبال" نحو من ؟"
قال كامل بهدوء" تعرف من أقصد فلا تستهبل .. بسمة .. كيف تشعر تجاهها .. كيف تراها بعينيك ؟"
ناظره شامل مسدلا ستارا غير مرئيا على أفكاره حتى لا يخترقها الأخر بينما وقف كامل أمامه بترقب وذلك الشبح القديم المرعب يخيم فوقه ..
الخوف من أن يقعا في حب امرأة واحدة..
فكانت ثوان..
تجمدت فيها أطراف كامل وتوقف قلبه عن الخفقان في انتظار حكما بالحياة أو الموت ..
ثوان ..
هاله فيها ما يشعر به وأدهشه ذلك الخوف الذي سيطر عليه ..
ثوان ..
تساءل فيها ألهذه الدرجة قد تورط في الأمر؟!"
ثوان ..
اتخذ فيها شامل قراره ورفع إليه أنظاره يجيب" اشعر تجاهها كما تشعر أنت بالضبط .. هل وصلتك الإجابة !"
ثوان ..
وكان قلب كامل يسقط بين قدميه..
أيقول الصدق ؟!
لماذا يحجب ذلك المستفز عنه أفكاره ؟!
سأله بحشرجة "أمتأكد مما تقول؟"
رد شامل ساخرا وهو يوليه ظهره ليغادر "مثلما أنت متأكدمن أن ما تشعر به نحوها هو مجرد فضول ..(وأكمل بلا مبالاة ) أنا ذاهب لمركز المحافظة لأبتاع بعض الأشياء من المركز التجاري"
قبل أن يصل للباب كان كامل يمسك به ويلصقه بالحائط بعنف ممسكا بتلابيبه قائلا بحدة "تعالى هنا .. أنت تكذب أليس كذلك؟"
بانزعاج صاح شامل فيه "بل أنت من فقدت التمييز يا كامل"
حدقا في بعضهما لثوان بتحدٍ فبديا كشخص يمسك بتلابيب صورته في المرآة .. حتى تغيرت ملامح كامل حين قال بترجي "قلها يا شامل ..لا أريد أن أشعر بها وأخمنها .. أريدها صريحة من فمك .."
اعترف شامل لنفسه بفشل خطته حين قال مشفقا "يا بني ..أأنت غبي !.. بالطبع لا"
اغمض كامل عينيه ملقيا رأسه للخلف براحة قبل أن يعود للنظر لتوأمه وترتفع قبضته في أقل من ثانية نحو وجه أخيه هادرا "أيها الكاذب ..كدت أن تقتلني بكذبتك"
لكن شامل كان قد قرأ أفكاره فأخفض رأسه قبل أن يصل إليه .. ثم قام بليّ ذراع كامل بقوة خلف ظهره قائلا من بين أسنانه" من منا الكاذب يا كامل؟ .. أنت مصر على قولك بأنه مجرد فضول .. مجرد اعجاب "
قال كامل معترفا" أنا لا أنكر بأني واقع في فخ وأحاول أن أخرج نفسي منه .. لكني أنوي أن تكون هذه آخر مرة سآتي فيها إلى هنا "
قال شامل يواجهه بما ينكر كمرآة له " كلها أكاذيب .. أنا وأنت نعرف بأنك تكذب على نفسك "
حاول كامل بكل قوته أن يفلت ذراعه الذي يؤلمه بشدة لكن الأخر كان مساويا له في القوة فصعبت عليه مهمته ليهدر بصوت غاضب "أترك ذراعي يا شامل وإلا…"
ترك شامل ذراعه وأداره نحوه يقول بتحدٍ وهو يدفعه في كتفه بظهر يده باستفزاز "وإلا ماذا ؟.. أريني ماذا ستفعل"
أمسك كامل بتلابيب الأخر ووقفا يتناطحان كديكين شرسين ليصيح الأول في وجهه " ما مشكلتك يا شامل ؟؟.. أخبرني ما مشكلتك .. لماذا حاولت الكذب ؟.. لمَ أنت قلق ومتحسس من هذا الأمر بهذه الطريقة ؟"
دفعه شامل بقوة ثم عدل من ملابسه بعد أن أفلت منه وهو يقول" مشكلتي أنت يا كامل .. أنت كالعادة لا تفكر إلا في نفسك ..في ذاتك .. فيما تريده أنت .. أنت الآن تعترف صراحة بأنك واقع في حب بسمة الوديدي وبأنك لم تتخلص من انجذابك لها .. كل هذا رائع وجميل ومبهر ..لكن السؤال الذي عليك الإجابة عليه هو .. ماذا بعد؟ .. ماذا بعد الاعجاب والحبيا كامل ؟.. هل أنت مستعد للزواج منها؟ .. فنحن لسنا في المدينة ستراقبها من بعيد وتتبعها وقد تقابلها في نادي أو في مناسبة ودمتم .. أنت هنا في قرية صغيرة أهلها مثل أي مجتمع صغير يراقبون خطوات الرائح والغادي وما استشعرناه من الاحاديث الجانبية للناس خلال يومي الفرح أن وضع بسمة هنا حساس جدا .. ليس فقط لأنها مطلقة ولكنها من جميلات القرية والعيون مسلطة عليها والنفوس تضمر لها من خير وشر وطمع وغيرة الكثير .. ماذا بعد يا كامل ؟ .. أنا أسأل هذا السؤال لأني أعرفك وأعرف رأيك من الارتباط بمطلقة .. فهل أنت مستعد لتغيير نظرتك والزواج منها أم أنك تلهو وتتسلى وتشغل وقتك قبل السفر .. لو أخبرتني بأن نيتك جادة في الارتباط بها .. سأطير من الفرح وسأشعر أخيرا بأنك ستنال السعادة بالزواج عن حب ووجدت أخيرا رفيقة لدربك المرأة التي ستكون لك وطنا بعد أن لفظتنا الأوطان .. لكن لأني أعرفك أكثر حتى مما تعرف نفسك ..أنا قلق جدا من ازدياد ارتباطك بها مع عدم تغير الصورة الذهنية في رأسك عن وضعها كمطلقة .. قلق من أن تُدخلك هذه المشاعر في دوامات من الألم والعذاب .. قلق من تصرفات متهورة منك ستفعلها تحت وطأة هذه المشاعر قد تُغضب منا مفرح .. وأنا لا أريد أن أخسره وأعرف بأنك كذلك يا أخي.."
ظل كامل يحدق فيه بنظرات فارغة .. يعترف في داخله بكل ما يقوله شامل ولا يجد ما يستطيع أن يجزم به فيجهر به بشكل قاطع .. بينما استمر شامل في تفسير مخاوفه " ومع هذا سأكون متفائلا وسأفترض بأن الحب يصنع المعجزات ..وبأنك ستُغيّر نظرتك منها كمطلقة وستسعى بجدية للفوز بها .. السؤال الأهم .. هل أنت مستعد للعودة بها للعاصمة ومواجهة الجميع بها وهي زوجة سابقة لسيد صبرة؟ .. طبعا الأمر يبدو عاديا في عرف الكثيرين وهو بالفعل عاديا إن سألتني عن رأيي أنا كشامل .. لكني أتحدث عنك عن كامل بكل ترفعه وطاووسيته وعنجهيته وأنانيته .. هل أنت قادر على تخطي الأمر مع نفسك ومواجهة الناس ببسمة كزوجة لك؟"
من جديد وقف كامل وكأنه أمام مرآته التي تعكس له دواخله ..عُقَده ومخاوفه .. نقاط ضعفه وحدود تطرفه ..وكان شامل يدرك جيدا ما يدور في عقل توأمه فقال" أرأيت كم أن الأمر معقد يا أخي؟ .. أرأيت كم أني قلق منك وعليك؟.. هذا هو السبب في محاولة كذبي عليك منذ قليل .. ويا ليتني استطعت التمادي فيه للنهاية .. لكن بعيدا عن صعوبة تنفيذ ذلك بيننا فكما تقول دوما نحن متطفلان متلصصان على بعضنا .. فهيئتك وملامح وجهك (وضرب على قلبه ) وقلبك يا كامل الذي سقط بين قدميك والذي احسست به جعلني اتراجع بسرعة"
وتحرك نحو الباب مغادرا بعد أن قال" هأنذا اخبرتك بالأمر تفصيليا ووضعت أمامك كل الاسئلة المحيرة والمخاوف .. أما الإجابات .. فأنت وحدك الذي تملكها .. أنا ذاهب سلام"
قالها وأغلق الباب خلفه تاركا كامل كتمثال من الحجر يتطلع أمامه في أثر أخيه .. تتملكه الحيرة .. والغضب وهو يحاول البحث عن إجابات.
××××
خرج مفرح من مجلس العمدة بعد أن تباحث معه بشأن آخر المستجدات في البلدة وتحرك نحو باب البيت فقابله عويس محييا " حمدا لله على سلامتك يا باشا .. قالوا لي أن سعادتك سألت عني حين وصلت"
قال مفرح وهو يتحرك وعويس يهرول بجواره "أين كنت يا عويس؟"
رد عويس موضحا "كنت في مشوار يخص جناب العمدة"
سأله مفرح "هل من جديد؟"
قال عويس بسرعة" الأمن مستتب يا باشا"
توقف مفرح عند باب البيت واستدار إليه يعقب متهكما" يا رجل .. قل كلاما غير هذا .. والحريق الذي حدث في حقل أولاد الجهيني!"
قال عويس موضحا" تم السيطرة عليه سعادتك بعد دقائق معدودة وما حدث لم يحرق إلا جزءا بسيطا جدا"
مسد مفرح على لحيته عدة مرات مفكرا ثم سأله" ومن يتوقع أهل البلد أنه الجاني"
تكلم عويس بثقة "لا يوجد غيره يا باشا ..زهير عبد النبي الفار من العدالة"
ابتسم له مفرح ابتسامة صفراء ساخرة وقال" وما علاقة ما حدث لزهير الفااااااار من العدالة بأولاد الجهيني يا فالح؟!"
هرش عويس في رأسه مفكرا .. فقال مفرح وهو يستدير ليدخل البيت"افتحوا أعينكم جيدا"
قال عويس بلهجة عسكرية "علم وينفذ سعادتك"
دخل مفرح محييا والدته ثم سألها "كيف حالك يا أم مفرح"
ردت نحمده "بخير يا حبيبي"
سألها وهو يصعد السلم للطابق العلوي" هل راجعتِ الأشياء التي احضرتها لك من العاصمة؟.. أهي كل ما طلبتيه أم نسيت شيئا؟"
غمغمت أمه بسعادة" سلمت يدك يا حبيبي كلها تمام"
تمتم مفرح بالحمد لله وهو يصعد فسألته "هل آمرهم بتجهيز الغداء؟"
رد مفرح " سأطلب من مليكة أن تعد شيئا خفيفا في شقتي.. لأني سآكل آخر النهار مع صديقاي فقد حضرا معي من العاصمة .. ومليكة أعدت لهما وليمة"
قالت نحمده " أجل كانت تجهزها منذ أمس مع المساعدات (واكملت في سرها)وتحججت بذلك السنيورة فلم تفعل أي شيء آخر سواه طوال اليوم"
سألها مفرح " مليكة بالأعلى أليس كذلك؟"
لم ينتظر مفرح ردها بل أكمل صعوده بينما غمغمت أمه في سرها "ما بك ملهوفا بهذا الشكل وكأنها ستطير !"
رن هاتفها فأسرعت بالرد "أجل يا مهجة .. كيف حالك وحال وليد ؟.. طمئنيني يا حبيبتي"
××××
دخلت ونس من بوابة مشروع بسمة تتبختر وتنظر حولها بفضول تدقق فيما يحدث .. فتوقفتا بسمة وأم هاشم عن الكلام تتطلعان فيها بابتسامة قبل أن تخرج ونس الدفتر وترفعه إلى بسمة بما كتبته مسبقا .. فضيقت بسمة عينيها تقرأ " جئت لأعمل معكن "
رفعت بسمة حاجبيها وتبادلت النظرات مع أم هاشم ثم ابتسمت لونس وقالت" أهلا بك"
كتبت ونس ورفعت الدفتر "هل هذه موافقة؟"
أومأت بسمة برأسها تقول" أجل موافقة"
فرفعت ونس ذراعيها عاليا بالدفتر والقلم وبدأت في القفز بسعادة .. لتقول بسمة باستدراك" ولكن هل أخذت موافقة العم عيد؟"
أظلم وجه ونس وانزلت ذراعيها واجمة ..فقالت بسمة بلطف وهي ترفع سبابتها "أنا لا مانع عندي لكن عليك الحصول على موافقة العم عيد أولا لا أريد اغضابه"
زمت ونس شفتيها وحدجتها بنظرة جانبيه ممتعضة فضحكت بسمة وقالت" لكن يمكنك الانضمام للفتيات اليوم إن أردتِ على سبيل التجربة"
عادت ونس لترفع ذراعيها في الهواء مجددا بسعادة فقالت أم هاشم مبتسمة" هيا أريني همتك ( ثم تصنعت الحزم تقول بلهجة متوعدة ) أنا أُطلق عفاريتي الصغار على من يتمرقع هنا "
صفت ونس قدما بجوار الأخرى ورفعت كفها إلى رأسها بتحية عسكرية تتصنع الجدية وكأنها تقول " حاضر يا فندم"
ثم اسرعت نحو الطاولات الخشبية الكبيرة التي يعمل عليها الفتيات فطالعتها نصرة مبتسمة وقالت مهللة " تعالي هنا بجانبي"
ابتهجت ونس لرؤية نصرة فأسرعت إليها تحشر نفسها بين الفتيات حتى تكون بجوارها .. لتبدأ نصرة في اعطائها التعليمات .. فقالت بسمة وهي تراقبهما" انظري لنصرة كيف تعاملها بمعاملة خاصة.. أتعتقدين بأنه قد خُلق رباط بينهما منذ أن كانت ونس طفلة؟"
ردت أم هاشم "مؤكد .. فنصرة التي رعتها للعم عيد في الأشهر الأولى من عمرها بعد أن وقع الرجل أسيرا للحزن على موت أمها .. وبعدها كانا يتبادلان رعايتها خلال اليوم الواحد فربتها نصرة مع اسراء"
قالت بسمة مفكرة " أعتقد بأن نصرة تقرب لهم أليس كذلك"
ردت أم هاشم "قرابة من بعيد "
على الطاولات التقطت سماعة ونس حديث الفتيات عن البيت المجاور وعن الشابين الموجودين فيه ..لكنه كان حديثا بعيدا لم تلتقط تفاصيله بالإضافة لأن السماعة في أذنها تخذلها كالعادة ولا تلتقط بعض الاحاديث أحيانا .. كل ما فهمته أن هناك شابين في المنزل المجاور وبأن بسمة يبدو عليها عدم ترحيبها بهم .. مخمنين أن يكون والدها هو من وقع معهم عقد الإيجار وهذا هو سبب إقامة السور الفاصل بين المكانين.."
لم تستطع ونس الصبر .. فحقيقة وجود شخص في البيت المجاور أحيا عندها الأمل في عودة الأمير الوسيم فتركت الطاولة مبتعدة لتصيح نصرة "إلى أين؟"
أشارت لها ونس بما يعني سأعود بعد قليل وخرجت تبحث عن السيارة التي تعرفها حق المعرفة كعلامة مميزة لوجوده لكنها لم تجدها ..فعاد إليها الاحباط وبدأت تنظر للبوابة بغيظ وهي تتذكر ما قالته البنات أن بسمة لا تريدهما في المكان ..
تملك الفضول منها فاقتربت من البوابة المواربة وحاولت التلصص للداخل قبل أن تقفز للخلف مرتعبة وباب البوابة يُفتح فجأة ويطل منه كامل بقامته الطويلة يرفع الهاتف على أذنه.
بلعت ريقها وهي ترتد أكثر للخلف .. ولم تدر هل تفرح لوجوده أم تعبس لملامحه التي كشرت في وجهها.
قال كامل في الهاتف "حسنا يا حاج سليمان سآتي أنا لأرى كل شيء على الطبيعة .. لا ..لا داعي لإرسال سيارة استطيع الحضور سيرا أنا احفظ الطريق سلام"
أغلق الخط وأدار وجهه لونس يقول بمزاج عكر لم يتخلص منه بعد منذ مواجهته مع أخيه من ساعة مضت " نعم .. أفندم .. لا توجد سيارة هنا لتخربيها الحمد لله"
ناظرته ونس تقوس فمها لأسفل بحزن شديد ..فهب فيها يقول بعصبية ليقاوم شعورا بالشفقة عليها لا يحبه" أنا لست هو هل تفهمين ؟.. أنا شيء وهو شيء وأعتقد بأنك شعرت بذلك المرة السابقة "
لم تفهم ونس ماذا يعني بكلامه لكنها حولت الحزن والاحباط بداخلها لطاقة غل جعلتها تقلب مقلتيها وتناظره بغيظ ليكمل كامل عصبيته معها والتي لم تكن تخصها من الاساس لكنها قابلته في وقت خاطئ "وإن أردتِ انتظاره فانتظريه بعيداً عن بيتي .. (وأشار بيده لتبتعد وأكمل بصبيانية) هيا ..هِش هِش من هنا"
ظلت ونس ترفع له مقلتين مقلوبتين فوقف متخصرا يمنع نفسه من التمادي في سخافته مع هذه المستفزة .. في الوقت الذي وقفت بسمة على البوابة الأخرى تقول" ماذا يحدث هنا ؟"
استدار إليها كامل وقد تعرف على صوتها قبل أن يراها .. فقلبه السخيف الذي يصر على أن يقلب موازين أفكاره وقناعاته وكل شيء ارتعش لذلك الصوت ذو البحة فرد ببرود "لا شيء أتحدث في أمر يخص بيتي "
هتفت باستنكار وقد نجح في استفزاها "بيتك!"
ببرود ثلجي رد مغيظا" أجل بيتي حتى ثلاثة أشهر قادمة ومعي عقد يؤكد ذلك "
تقبضت بسمة على جانبي جسدها بغيظ وعيناها الفيروزيتين تطالعانه بغضب فحانت منها عضة عفوية مغتاظة على شفتها السفلى تفكر في رد مناسب ..أشعلت بها دون أن تدري النار في أعصاب ذلك الواقف أمامها يدعي البرود قبل أن تقول بتحدٍ "إذن عليك باحترام الجيرة يا أستاذ وركن سيارتك أمام بوابتك "
رفع ذقنه وقال بنفس البرود وهو يضع النظارة الشمسية ويتحرك مغادرا " ابني سورا في الشارع أيضا ليفصل بيننا "
تطلعت فيه وهو يبتعد .. ثم جزت على أسنانها ونظرت لونس المتسمرة هي الأخرى تراقب ابتعاده وقد عاد إليها ذلك الحزن الذي يعتصر قلبها .. في الوقت الذي أطلت فيه أم هاشم تقول "هل حدث شيء؟.. ماذا كان يقول؟"
لم ترد بسمة وإنما نظرت لونس تشير إليها لأن تقترب قائلة "هل فعل لك شيئا هذا المتعجرف ؟"
بوجه عابس حركت ونس رأسها بلا ..فقالت بسمة وهي تشير للداخل "هيا ادخلي ولا تضايقي نفسك إنه هكذا فظ وغليظ فلا تحتكي به "
تركتها ودخلت فأسرعت خلفها أم هاشم تسألها بفضول "ذلك الفظ الغليظ المنفعل الوسيم هو كامل أم شامل؟ "
بينما عادت ونس لتتطلع في صورته البعيدة بغضب ثم نظرت لبوابة البيت تفكر قليلا والشرر يتطاير من نظراتها.. قبل أن تدس يدها في جيبها وتخرج منه طباشير ملون .
صاح مفرح بقوة "كلاااااااب ..سأنتقم منكم يا كلاااااب"
صدرت قهقهات من الجانبين حيث يجلس بين ولديه أمام شاشة كبيرة ويمسك في يديه متحكم الألعاب الالكتروني في الوقت الذي ابتسمت مليكة وهي تخرج من المطبخ حاملة صينية تحتوي على عدد من السندوتشات .. فنظر إليها مفرح نظرة سريعة قبل أن يعود للشاشة قائلا" الكلاب يفعلان ما يفعله معي توأميّ غنيم ..لكني لن استسلم"
قالت مليكة بلهجة حازمة لثلاثتهم وهي تضع الصينية أمامهم على المنضدة الصغيرة" أوقفوا اللعب قليلا حتى تأكلوا أولا"
ترك إياد ما في يده وقال مناغشا وهو يلتقط سندوتشا "أحبك يا موكا ..أحبك"
هدر فيه مفرح بتوبيخ زائف " اسكت يا ولد لا تتحدث بهذه الطريقة (ونظر إليها يقول بلهجة مغازلة ) أنا فقط من يخبرها بهذا الكلام .. أحبك يا موكا أحبك"
ابتسمت مليكة ابتسامة واسعة بينما ضحك إياد وقال" إذن فلنقولها سويا"
في صوت واحد كرر مفرح وابنه العبارة بينما ظل أدهم يتابعهما بابتسامة هادئة كعادته وهو يأكل ..فقالت مليكة وهي تجلس على يد مقعد مجاور لمقعد مفرح "كلوا إذن إن كنتم تحبونني"
همس مفرح وهو يمسك بكم ردائها البيتي الأنيق المكون من بنطال وبلوزة" ما رأيك أن تجلسي على حجري بدلا من يد المقعد"
نظرت له مليكة بتوبيخ تشير بمقلتيها على الولدين ..فأمسك مفرح بسندوتش وقضم منه بغيظ.. لتبتسم وهي تراقبه يأكل .. فقد اشتاقت إليه في اليومين اللذين بات فيهما في العاصمة.
بعد قليل لاحظها مفرح تتشمم ملابسها .. فنظر إليها متسائلا لتسأله بدورها "هل تبدو رائحتي غريبة؟"
رفع مفرح حاجبا ورد بلهجة ذات مغزي" لا أظن أنك قد غيرت عطرك وكريمات ما بعد الاستحمام وما بعد الاستيقاظ والخ الخ من قائمة الروائح عندك.. فرائحتك كما هي..(وهمس) أم أن هذه دعوة لشيء ما؟!"
تخضبت وجنتيها وغمغمت "لا تتأمل في شيء فهناك موانع نسائية"
لوى شفتيه ممتعضا فاتسعت ابتسامتها ثم عادت لتتشمم ذراعيها بالتبادل ليقرب مفرح رأسه منها يتشممها هو الأخر بشقاوة فأسرعت مليكة بإبعاده باعتراض هامس "مفرح!.. الأولاد"
بمجرد أن أنهت كلامها سأل إياد" ماذا تفعلان؟"
تجمد مفرح لثانية قبل أن يعتدل ويمسك بسندوتش ويحشر طرفه في فم إياد قائلا" لا يخصك ..كُل"
كتم أدهم الضحك .. فأشار له مفرح بعينيه هو الآخر.. وقال "وأنت أيضا ..ركز في طعامك"
عاد يرفع نظراته لمليكة الجالسة على يد المقعد المجاور فتأمل شعرها الذي عقدته في ضفيرة واسعة مرتخية على جانب واحد و الخصلات المسدلة على جانبي وجهها المليح ..
لتتلاقى عينيهما .. ويسألها بحنان "هل كل شيء على ما يرام؟"
أومأت برأسها بالإيجاب.. فقال" أنا سعيد بأن نومك قد اصبح أكثر انتظاما"
غمغمت بخفوت "اضطررت للجوء للحبوب المنومة كما قلت لك"
رد مفرح متعاطفا" حتى لو كان .. فمن الجيد أن تنامي .. ألا تريدين أن نذهب لطبيب ؟.. تكلمت مع الدكتور أكرم وأخبرني بأنه فشل في اقناعك"
ردت مليكة بهدوء" الأمر بسيط ولا يستحق كل هذا .. واضطرابات النوم نصف الشعب يعاني منها"
تردد قليلا ثم قال بحذر "لربما أردتِ أن تتحدثي معه عن أمور أخرى"
قالت بسرعة " لا أريد أن اتحدث في أي شيء مع أي أحد"
صمت مفرح غير راغب في الضغط عليها ..ثم تعمد أن يغير الموضوع فسألها" وكيف حال الحاج عبد الغني؟.. اتصلت به أمس لأطمئن عليه"
ردت بابتسامة" أبي بخير والحمد لله"
عاد ليسألها " وهل تصالح زوجتيّ بشر وعليّ أم أن الخلاف لا يزال قائما"
قالت مليكة " تصالحتا الحمد لله .. كان مجرد سوء فهم من الجانبين"
غمغم بالحمد لله قبل أن يعود ليلتقط ساندويشا فقالت مليكة" الطعام جاهز لتأخذه .. جزء منه غلفته ليأخذهصاحباك معهما إلى العاصمة .. عليهما فقط وضعه في الثلاجة فور استلامه .. والباقي سيكون من أجل طعامكما الليلة"
أمسك مفرح بيدها وقبلها ثم رفع وجهه إليها قائلا "سلمت يداك"
ربتت على يده بحب يطل من عينيها له .. فاعترف لنفسه بأنها هذه اللحظة أكثر استرخاء لأنها في أيام المانع الشرعي .. وكأن وصالهما هما ثقيلا عليها .. هذه الحقيقة وحدها كانت كفيلة لأن تحزنه مدى الحياة ..لأن تضعه بين شقي رحا .. ما بين حبه واشتياقه لوصالها وحاجته الملحة لها كرجل من جهة.. وبين حبه لها وعدم رغبته في الضغط عليها بما يزعجها من جهة أخرى.. ناهيك عن أن فكرة نفورها منه وحدها هي بمثابة خنجر مسموم مغروس في قلبه منذ سنين اعتاد على وجوده.. قاطعت مليكة أفكاره حين سألته "متى تريدون أن أرسل الطعام؟"
بلع غصة مُرة وأجابها بهدوء " سآخذه أنا إليهما معي في السيارة آخر النهار .. فسنشاهد ثلاثتنا المباراة في بيت الجد صالح .. أخبرني شامل بأنه سيشتري شاشة اليوم وسنقوم بتركيب الطبق وضبطه قبل موعد المباراة مساء "
صمتت مليكة ولم تعقب بينما ظلت نظرات مفرح معلقة بها قبل أن يقول شاردا في ملامحها التي تبهج روحه من مجرد النظر "كثيرا ما تمنيت أن يكون التوأم متزوجين وأن تكوني على علاقة بزوجتيهما.. وتجتمع الثلاث أسر في لقاءات جماعية .. "
ابتسمت مليكة فغمغم باستدراك" أعلم بأنه مجرد حلم .. وبأن كامل سيغادر قريبا وقد يلحق به شامل"
تطلعت فيه بشفقة ثم مدت يدها تمشط له شعره الأسود وهي تسأله" ألا يزال كامل مصرا على السفر؟"
أومأ برأسه بأسف وكل خلية من جسده تتجاوب مع لمسة يدها بشوق بينما غمغمت مليكة مشجعة" فليكتب لهما الله الخير ويلهمهما بالقرار السليم "
أمن على دعائها ثم قال ينفض عنه المشاعر السلبية "أتعلمين بم أخطط إن شاء الله ؟"
ناظرته بتساؤل فأوضح" أن نقضي عطلة الصيف كلها خارج القرية .. أعلم أن أبي سيعارض وبأنك لا تحبين الابتعاد عن القرية لفترات طويلة لكني سأحاول اقناع أبي إن شاء الله.. واقناعك أنت أيضا .. فأنا وأنت بحاجة ماسة لتغيير الأجواء.. فلنقضي شهور الصيف بين شقتي في العاصمة وأحد المدن الساحلية .. أنا حتى غير قادر على البدء حتى الآن في رسالة الدكتوراه .. أشعر بأني مستنزف كليا"
غمغمت مليكة وقد أحست بالذنب لمعاناته بسببها " لن تحتاج لإقناعي أنا معك في أي مكان يريحك إن شاء الله"
قهقهة من أدهم جعلتهما ينتبهان .. فوجدا إياد يقف بجوار أخيه يمسك بقلبه ويمشط على شعر أخيه باليد الأخرى وهو يقول بطريقة مسرحية متنهدا" سلمت يداك يا مليكة .. أنا معك في أي مكان يريحك يا مفرح"
احمر وجه مليكة وضغطت شفتيها ببعضهما بحرج وهي تبعد يدها عن رأس مفرح بينما هتف مفرح وهو يستقيم واقفا ويهم بالهجوم عليه" أتتنصت على حواري مع المُزّة خاصتي يا كلب!"
شهقت مليكة تضع يديها على خديها هاتفة باستنكار "مفرح !!!"
انفجر أدهم وإياد في الضحك والأخير يسرع هاربا من أمام والده بينما نظر مفرح لمليكة قائلا بصبيانية" هما من علماني الكلمة يا مليكة لست أنا"
تطلعت فيه متسعة العينان ويدها على فمها بينما اسرع مفرح خلف ابنه الذي أخذ يتحرك هنا وهناك وهو يتراقص أمامه سعيدا بالإفلات منه ..فتبادل أدهم ومليكة الابتسام قبل أن تترك مكانها مقتربة منهما وهي تصيح "ثواني يا مفرح من فضلك ثواني"
توقف الاثنان عن المطاردة والضحك فنظرت إليهما مليكة بملامح متسلطة قبل أن تقول بحزم" من أين أتت هذه الكلمة الوضيعة؟"
رد مفرح مدعيا البراءة" أنا مؤدب يا مليكة ابنك من قالها"
شهق إياد وقال بسرعة" ألم تسمعيها منه بأذنيك منذ دقيقة!"
ناظرت مليكة زوجها بتوبيخ قبل أن تقول "أتمزح يا مفرح!.. (وتطلعت إلى إياد تقول محذرة ) هذه الكلمة غير لائقة يا إياد"
رد إياد بثقة" أعرف يا أمي ..لكننا نستخدمها فيما بيننا نحن الذكور"
اتسعت عيني مليكة متفاجئة فكتم مفرح الضحك وهو ينظر لوقفتها تسند يد على خصرها قبل أن تسأل بصدمة "من تقصد بـ ..نحن الذكور ؟!"
قال إياد ببساطة يرفع كتفيه" أنا واصحابي"
قالت وهي ترمش بعينيها عدة مرات " أنت وأصحابك تتحدثون عن أي شيء بالضبط لتستخدموا هذه الكلمة؟!!!"
قبل أن يندفع إياد في الإجابة كان مفرح قد لف ذراعه حول كتفي ابنه وكتم باليد الأخرى فمه قائلا شفقة بها "دعي أمر البحث في عالم الذكور لي أنا يا مليكة"
سألته بعدم استيعاب" ماذا يقولون فيما بينهم يا مفرح؟"
قال وهو يرفع إياد ليلقي به خلف رقبته بشكل أفقي ممسكا ذراعيه بيد وساقيه بيد أخرى كما تُحمل الجديان* " قلت دعي الأمر لي مليكتي فأعصابك لن تتحمل الغرف المغلقة لحياة الذكور"
شهقت ورددت بصدمة "يا الهي الغرف المغلقة !.. لهذين؟! "
قالتها وأشارت على إياد ثم على أدهم الجالس يراقب ما يحدث من بعيد بابتسامة هادئة فانفجر إياد ضاحكا من فوق كتفي والده وهو يردد" الغرفة المغلقة"
قال مفرح وهو يتحرك به نحو غرفة الصبيان قبل أن يعض على ذراع ابنه "حسابك معي عسير "
صرخ إياد ضاحكا "انجدني يا أدهم ..انجدني يا أخي"
اتسعت ابتسامة أدهم وهو يترك مقعده ويذهب ليلحق بهما مارا بمليكة التي وقفت تحدث نفسها "يا الهي .. مُزّة! .. وغرف مغلقة لعالم الذكور !.. هل كبرا إلى هذه الدرجة!!"
××××
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
* جِدْيان : جمع جَدْي وهو ذكر الماعز
غارقا في افكاره وتائها وسط لُجة مشاعره كانت خطوات كامل شاردة في طريق العودة من مزرعة الوديدي للمواشي .. يمشي في ذلك الطريق الطويل الخالي إلا من بيت واحد هو بيت الجد صالح ومزرعة العمدة في مواجهته وسط سجادة خضراء من الحقول على الجانبين .
أفاق من شروده بمجرد أن لمحها عند البوابة .. فكشرت ملامحه وأسرع الخطى ليعرف ماذا تفعل بالضبط.
كانت ونس قد انتهت بالفعل من آخر الخطوط التي رسمتها على سور البيت الخارجي فاقترب كامل محدقا بعينين متسعتين قبل أن يصرخ بغيظ "ماذا تفعلين يا أنتِ؟"
انتفضت بمجرد أن اخترق صوته سماعتيها .. وعلى الرغم من شعورها بالخوف من مظهره المخيف وملامحه المرعبة إلا أنها قبضت على الطباشير في يدها بقوة ووقفت بحاجبين معقودين ترفع إليه وجها عابسا متحديا جعل كامل يجز على أسنانه بقوة وهو يحاول التماسك حتى لا ينطحها برأسه في رأسها المرفوع إليه بهذا التحدي الساذج غير المتكافئ في أي شيء وهدر بعصبية "أقسم بربي أنا أمسك أعصابي بقوة حتى لا أرتكب جريمة"
خرجت بسمة وأم هاشم من الباب الأخر وخلفهما بعض الفتيات على صوته العالي ..فهتفت الأولى باندهاش "ماذا حدث مجددا؟"
نظر إليها كامل يقول بعصبية مشيرا على الحائط" أنا من يسأل يا باشمهندسة"
تحركت بعض الفتيات لمشاهدة ما فعلته ونس قبل أن يكتمن الضحك .. فزمجر كامل بعصبية جعلت أم هاشم تصيح فيهن وهي تحاول ألا يظهر على وجهها الضحك هي الأخرى" هيا عدن للعمل فوراً.. من سمح لكن بتركه "
حين تلكأن تحركت نحوهن تشيح بيدها فاضطرت الفتيات التراجع للداخل ضاحكات بينما أم هاشم خلفهن للتأكد من عودتهن للعمل في الوقت الذي وقفت بسمة تحاول بكل قوتها الثبات على جدية ملامحها لكن الابتسام تسلل إلى وجهها البارد ليضيئه أمام عيني كامل المدققتان فيها رغم شعوره بالغيظ .. فغمغمت وهي تتحرك نحو ونس "تعالي يا ونس ..قلت لك لا تحتكي به"
بخطوات ثقيلة تحركت معها ونس خطوتين وهي لا تزال تتطلع في كامل تبحث في عينيه عن ذلك الأمير الوسيم بنفس الملامح الذي قابلته من قبل فازداد غيظ كامل ووقف متخصرا يطالع بسمة بنظرات نارية ثم قال باستنكار وهو يرفع حاجبا "أهذا هو كل ما ستفعلينه؟.. تسحبينها من أمامي حتى لا تحتك بي!!"
بشفتين مزمومتين بصعوبة وملامح ضاحكة رفعت إليه بسمة وجهها ترد ببرود متعمد "وماذا تريدني أن أفعل؟ .. البنت كانت ترسم وتلون في الشارع .. والشارع ملك الناس "
مستمتعا بتلك الدقائق للحديث بينهما ومتمنيا أن تستمر لساعات مع هذا الكائن الأنثوي ذو العينين الفيروزيتين قال كامل باستهجان " في الشارع !! تقولين ترسم في الشارع !! .. هذا بيتي باشمهندسة باسمة"
تنحنحت بسمة وقالت "حضرتك أجرت البيت من الداخل أما ما يحدث على سوره الخارجي فأنا مالكة البيت وليس لدي مشكلة فيه"
غمغم ساخرا "حقا !"
أومأت بسمة برأسها مؤكدة ببرود فتدخلت أم هاشم العائدة من عند البوابة الأخرى تقول بلهجة حازمة لتنهي الأمر "حصل خير يا استاذ"
ناظرها كامل بجانب عينيه قائلا بعناد" لا لم يحصل خير يا استاذة"
ضربت أم هاشم يدا فوق الأخرى مغمغمة وهي ترفع نظراتها للسماء" اللهم طولك يا روح !.. هل تريد الشجار يا أستاذ؟"
رد عليها كامل وهو ينظر لبسمة التي وقفت تحدق فيه " أنا لن أطيل في الحديث معكن لأنكن نساء .. لكن لي كلاما مستفيضا مع الحاج سليمان"
غمغمت أم هاشم " هذا أفضل .. هيا يا ونس .. هيا يا بسمة "
كانت الرغبة في مشاكسته تزداد بداخلها فاندفعت بسمة تقول " انتظري يا أم هاشم .. ما معنى لأنكن نساء .. ما بهن النساء ها؟!"
بنظرة لئيمة من جانب عينيه قال مغيظا "لأن الحاج سليمان هو من وقع العقد معي"
ناظرته تعض على شفتها بغيظ فأشاح كامل وجهه هاربا مما يعتريه لتصطدم نظراته بنظرات ونس المتفحصة وذلك الحزن الذي سيطر عليها .. ليس فقط لأنها لم تجد أميرها فيه ولكن لما استشعرته بأن هذا الشاب يصب جل اهتمامه اثناء الحديث على بسمة .. أما الأخيرة فاختلست النظرات نحو الرسوم من جديد وعادت إليها الرغبة في الضحك ..فأسرعت بسحب ونس المتسمرة للابتعاد قبل أن يتفاجأوا بالسيارة التي اقتربت من الناحية الأخرى وركنت بالقرب من البيت.
دققت ونس في ذلك الشاب الذي خرج من السيارة بنفس ملابس وملامح ذلك الواقف أمامها بينما قال شامل وهو يتطلع في الواقفين وخاصة ونس" ماذا يحدث يا كامل؟"
شهقت ونس ورفعت يديها تمسك برأسها وهي تمرر نظراتها بين الاثنين بفك متدلي .. بينما صاح كامل فيه" تعال يا بك ..يا سبب المشاكل كلها"
لم يفهم شامل ولم يعره اهتماما فهيئة ونس المتفاجئة وهي تحدق فيه جعلته يبتسم ويقول لها بلطف يرفع أصبعيه السبابة والوسطى "نحن اثنان.. لم أكن أعرف بأنك لا تعرفين هذه المعلومة"
كانت الصدمة عليها قوية وضربات قلبها تضرب بقوة في صدرها فتراجعت للخلف عدة خطوات وهي تمرر نظراتها بينهما قبل أن تستدير وتهرول نحو البوابة الأخرى لتختفي بالداخل تتابعها نظرات شامل بقلق بينما تحركت بسمة مغمغمة بلهجة مغيظة "هيا يا أم هاشم لدينا عمل ولسنا متفرغات للتفاهات"
بوقفته متخصرا هتف كامل في ظهر بسمة المغادر ووجه أم هاشم التي تتابع صاحبتها "تفاهات !!.. هل هذا الكلام موجها لي يا باشمهندسة ؟!"
لم ترد بسمة بل اختفت في داخل البوابة المجاورة ولحقت بها أم هاشم قبل أن يقترب شامل من الحائط مدققا في الرسوم ويسأل توأمه" ماذا فعلت لها بالضبط؟"
استدار إليه كامل يقول بوجه مقلوب "لا شيء غير أني أخبرتها أنني لست أنت وأن عليها ألا تقف أمام بيتي ..وحينما عدت من مزرعة الوديدي وجدت هذا على الحائط"
اتسعت ابتسامة شامل وهو يتطلع في الرسم بينما أكمل كامل بغيظ" والمعصب والمستفز هو تحديها لي وهي لن تحتمل نفخة مني فتطير .."
انفجر شامل في الضحك فصرخ كامل فيه "إنها هبلاء صدقني ..هبلاااااء (وضرب بسبابته ووسطاه على جانب رأسه مضيفا بعصبية ) لديها مشكلة في رأسها"
جلجلت ضحكات شامل عاليا فصرخ كامل فيه "أنت تضحك يا شامل!! .. أتجد الأمر مثيرا للضحك!"
خرج رأس بسمة مائلا للخلف من البوابة تتابع ما يحدث بين التوأمين بفضول واصابتها عدوى الضحك من مكانها بينما هتف كامل مشيرا على الحائط وهو يقول بغيظ وإنكار" أنا أصلا لا أفهم من هم هؤلاء الناس المرسومين على الحائط"
من وسط ضحكاته قال شامل" انهما شخصان يا غبي ( وأشار على الرسم ) انظر هذه الفتاة الصغيرة ذات الشعر الطويل حتى الأرض هي ونس .. "
ضيق كامل عينيه ورفع زاوية شفته العليا بينما أكمل شامل من وسط ضحكاته "وهذا الطويل الضخم ذو العضلات والشعر الطائر على جانبي رأسه من يا ترى؟"
بإنكار سأله كامل ممتعضا "من؟"
ربت شامل على صدر أخيه قائلا من بين ضحكاته "أنت يا حبيبي"
حدجه كامل بنظرة نارية .. فأكمل شامل من بين ضحكاته يكمل التفسير" هذه صور متتابعة يا غبي بنظام قصصي .. هنا الفتاة تضرب الضخم بحجر .. وهنا الضخم سقط على الأرض ..وهنا الفتاة تمسك بسكين (وانفجر ضاحكا ) والضخم يتوسل إليها.. أنظر يا كامل كيف يتوسل إليها "
طالعه كامل بمقلتين مقلوبتين يطحن ضروسه بينما وضعت بسمة يدها على فمها تكتم أنفاسها حتى لا تنفجر ضاحكة مستمتعة بحالة كامل المغتاظة ليكمل شامل " هنا غرزت السكين في قلب الرجل (وأمسك بقلبه يقول بطريقة تمثيلية ) آي .. وهنا مشهد رائع للنهاية .. كما ترى الضخم .. الذي هو أنت بالطبع معلقا من رقبته ومشنوقا بينما السكين لا يزال مغروزا في قلبه.. النهاية .. وبالطبع تستطيع قراءة الجملة المكتوبة إلا إذا كنت قد نسيت اللغة العربية"
مرر كامل أنظاره المشتعلة بالغضب بين توأمه والعبارة المكتوبة بخط كبير ( ارحل من هنا ) ..فمد شامل يده وسحب يد أخيه يسلم عليه وهو يكمل بتهكم " ألف مبروك عليك المشنقة يا كيمو سعدت من أجلك"
في لمح البصر كان كامل يلوي ذراع أخيه خلف ظهره متمتما من بين أسنانه" إن كنت لن استطيع أن أهشم رأسها فسأهشم رأسك أنت بدلا منها"
كان منظرهما ممتعا أمام أنظار بسمة المختلسة من طرف البوابة المجاورة .. في الوقت الذي قال شامل مستنكرا ومتألما "نحن في الشارع عيب على طولك هذه الأفعال يا أبا نخل "
استمر كامل في لي ذراع توأمه وهو يقول "ستقوم أنت بنفسك بمسح هذا الزفت أو دهانه هل سمعت؟"
قال شامل من بين ضحكاته "حاضر .. أمرك.. اترك ذراعي"
ترك كامل ذراعه فأسرع شامل بإخراج هاتفه من جيبه وبدأ في تصوير الحائط .. لينقض عليه كامل يقول بغيظ "ماذا تصور ؟"
حاول شامل الافلات منه وتركيز الكاميرا بصعوبة على الحائط والتقاط صور متعددة وذراعه الأخر يقاوم أخيه ضاحكا .. حتى طوقه كامل من الخلف ليشل حركته فهتف شامل من وسط ضحكاته" والله عيب عليك أن ترانا الناس بهذا الشكل"
استدار به كامل وهو لا يزال يكبله بذراعيه من الخلف قبل أن تتقابل عيناه بعيني بسمة ويرى ملامحها لأول مرة ضاحكة رغم فمها الذي تغطيه بكفها .. فتنحنحت هي واعتدلت في وقفتها المائلة ترسم الجدية على وجهها بسرعة ولم تجد ما تبرر به وقفتها تلك ولا تداري حرجها إلا أن تسرع برفع الهاتف على أذنها تقول بتأتأة وارتباك "آآ..آلو ..أمي .. هل اتصلت بي؟ .."
أرخى كامل ذراعيه عن أخيه في الوقت الذي اقتربت فيه أم هاشم تسألها باندهاش "لماذا تقفين هنا يا بسمة؟"
بارتباك أجابت بصوت عال وكأنها توصل رسالة ما "الهاتف لا يلتقط شبكة آلو .. آلو"
بوجنتين مشتعلتين وارتباك مراهقة اسرعت بسمة للداخل تشتِم نفسها على تخليها عن وقارها وتحفظها وعلى ذلك البله الذي أصابها بينما وقف كامل محدقا في أثرها بكتفين مسترخيين يديه في جيبي بنطاله والابتسامة تتراقص على شفتيه .
فانتهز شامل الفرصة واسرع بالتقاط الكثير من الصور قبل أن ينتبه لحالة أخيه الساكنة تماما فجاء دوره ليكشر عن أنيابه قائلا وهو يدفعه لبوابة البيت "هيا أمامي لا تقف بهذا الشكل .. هيا يا بني آدم"
بجسد متصلب استجاب كامل أخيرا لدفعات أخيه في الوقت الذي لمحا فيها سيارة مفرح قادمة من بعيد .. فوقفا ينظران إليها حتى استقرت خلف سيارة التوأمين وترجل منها مفرح ملقيا السلام ثم سألهما " ماذا تفعلان في الشارع يا ( نخلتين في العلالي ) ؟"
لم يرد كامل .. كان مسترخيا شاردا يستعيد ملامحها المبتسمة في خياله وعينيها اللتين قبض عليهما منذ ثوان تراقبانه يتساءل في سره أكانت تراقبه هو؟ .. أهي مهتمة بمتابعته؟ .. بينما اسرع شامل بالرد" وصلت منذ قليل واحضرت أشياء كثيرة كنا سننقلها للداخل "
قال مفرح "أهم شيء اشتريت الشاشة؟.. أنا احضرت طبقا هوائيا صغيرا كان لدينا لا نحتاجه "
أجاب شامل "نعم كله في السيارة"
توقف مفرح ينظر للرسوم على الحائط قائلا بتعجب" هل فعلتما شيئا جديدا لونس بنت عيد ؟"
رد شامل بعد أن حدج توأمه بنظرة مهددة حتى يخرس ولا يتفوه بشيء " لا شيء مجرد سوء فهم بسيط (وضرب بخشونة على كتف أخيه وقال ) هيا لننقل الأشياء من السيارة .. هيا تحرك يا بني آدم"
××××
وقفت تفرك كفيها بتردد وهي تتطلع في واجهة المعرض الضخم للأجهزة المنزلية فيمركز المحافظة والذي يطل على شارعين ويحمل اسم (دبور)كبيرا في الواجهة .
لقدفضلت أن تأتي بنفسها لمفاتحته فلن يكون الوقوف معه في البلدة مناسبا خاصة وأنها لم تنجح في اقناع هلال بعد .. لكنها تريد أن ترتب لهذا الموضوع وتحسب الحسبة وعدد الأقساط وإلى آخره لأن مهلة شهر ين ستنتهي سريعا .
لا تعرفما الذي أصاب هلال وجعله يتحسس بهذا الشكل من جابر.. وللأمانة هو يتعامل مع الأمر بحساسية منذ أن عاد جابر واستقر وتغيرت احواله لكنها انقلبت لحساسية مفرطة بعد أن ترك هلال عمله بالمصنع.
عادت لتشعر بالشفقة على زوجها فهو مكسور ومكتئب منذ ذلك الحين .
اعتلت نصرة درجات السلم الثلاث أمام المعرض الرئيسي لمحلات دبور للأجهزة المنزلية تشجع نفسها بأن جابر شهم ولن يخذلها وبأنها فقط ستعرف الأسعار وتتفق معه على التقسيط ..
قابلها أحد العمال ببشاشة فقالت وهي تعدل وشاحها فوق رأسها"أريدالمعلم جابر لو سمحت"
نادى العامل على عصفور"ياعصفور الحاجةتريد المعلم"
وقفت نصرة تتطلع حولها بانبهار وهي تتمتم بما شاء الله فالأجهزة المنزلية أمامها كانت مغرية ولامعة وحديثة ومن كل الماركات.. في الوقت الذي اقترب عصفور يقول"أهلاخالةنصرة"
قالت نصرة ببشاشة "كيف حالك يا عصفور وحال أمك؟"
غمغم الأخير"بخير والحمد لله"
قالت نصرة وهي تفرك كفيها "أريد المعلم جابر"
أشار لها لتتقدمه قائلا"سأريك الطريق"
بعد دقيقة كانت نصرة تدخل مكتب جابر بينما وقف عصفور ملتصقا بالحائط جوار الباب المفتوح يتسمع وعيناه تدوران في المكان ليتأكد من أن أحدا لن يلحظه.
في المكتب هلل جابر مُرَحِباً "مَرحبا بأم كريم أنرت المعرض"
غمغمت نصرةبحرج"المكان منير بأصحابه يا أبا ميس"
قال جابر بلهجة معجبة "الحقيقة أن العشاء ليلة أمس كان رائعا جدا يا أم كريم .. لم آكل أطيب منه في حياتي سلمت أيدكن"
غمغمت نصرة بالهناء والشفاء ثم اسرعت بقول ما يدور في ذهنها قبل أن تجبن على قوله "الحقيقة يا معلم جابر أناجئتك طامعة في كرمك"
غمغم جابر بحرج "استغفر الله ما هذا الكلام أنت تأمرين"
اسلوبه المتواضع أثر فيها بشدة خاصة مع الأزمة التي تعيشها حاليا والأفكار التي تعصف بها بشأن كيفية تدبير مصاريف جهاز اسراء .
قال جابر"ماذا تشربين أولا؟"
اسرعت بالقول "لالا أرجوك لاوقت لدي لقد خرجت من عند أبلة بسمة واسرعت إليك قبل أن أعود للبيت ولم أخبر أحد"
لم يحتاج الأمر لذكاء ليخمن سبب مجيئها لكنه قالبهدوء" تفضلي يا أم كريم طلباتك أوامر"
عادت لفرك يديها في بعضهما وقالت "الحقيقة أنت تعرف أننا قد بدأنا في تجهيز حاجيات اسراء..وطلال متعجل لإتمام الزواج .. فكنت أرغب في معرفة نظام التقسيط عندك في المعرض و..."
قبل أن تكمل كان جابر يشير بسبابته لعين تلو الأخرى قائلا "من هذه العين قبل هذه العين وهل لدينا أعز من الاستاذة اسراء"
قالت نصرة بسعادة"جزاك الله خيرا يامعلم جابر هذا هو عشمي فيك ولم تخيب ظني"
قال جابر"إذن تعالي لأريك المعروض وتختاري ما تريدين"
هتفت نصرة غير مصدقة "الآن!..أنا فقط أردت أن أعرف نظام التقسيط"
قال جابر وهو يخرج من خلف المكتب ويتوجه نحو الباب فأسرع عصفور بالاختباء "ما دمتِ موجودة فسأريك الموجود أم أنك تريدين إحضارالعروس لتختار بنفسها؟"
قالت نصرة وهي تلحق به بمجرد أن خرج من المكتب "لا اسراء وكلتني لأختار ما أريده فقط اشترطت عليّ ألا أبالغ في العدد وأن أختار الضروريات .. وبيني وبينك أنا لا أريدها أن تختار لأنها ستختار الأقل سعراً وأنا لا أريدها أن تشعر بأنها أقل من أي عروس أخرى"
قال جابر"تعالي إذن لأخذك في جولة في المعرض"
بعينين مبهورتين تفقدت نصرة ما حولها في الدقائق التالية..ثم وقفت أمام أحدى الثلاجات وفتحتها متفحصة ثم نظرت للأخرى قبل أن ترفع نظراتها لجابر فقال "لو تسأليني عن خبرتي سأقول لك اختاري تلك التي على اليمين.. ربما ليست مبهرة في الشكل كالأخرى لكنها من ماركة مشهود لها بالجودة العالية والعمر الطويل كما أنها أوسع وأكثر راحة (وفتح باب الثلاجة يضيف) انظري أيضا بالداخل تقسيمها أكثر راحة"
قالت نصرة"أنااثق في رأيك يامعلم جابر"
قال جابر مبتسما"إذن هي لك"
احمر وجه نصرة من الحرج بينما نادى جابر" يا عصفور تعال الصق هنا بطاقة بأن هذه الثلاجة محجوزة باسم هلال جمعة وتُنقل للمخزن فوراً هي وكل ما ستختاره أم كريم"
بامتعاض مخفي أومأ عصفور برأسه بينما أكمل جابر جولته مع نصرة التي كانت ساعتها كمن تخطو فوق السحاب.. وهي تدقق وتختار كمايحلو لها.. رغم شعورها بثقل الحمل أكثر فأكثر..
بعد بعض الوقت قالت نصرة "أريد أن أعرف إجمالي التكاليف وقيمة القسط يا معلم جابر"
قال جابر" هذا الامر لا تشغلي بالك به سأسويه أنا مع هلال"
اسرعت نصرة بالقول "هلال لا يعرف..أقصد لم أخبره بأني سأمر عليك"
رد جابر ببساطة "لا بأس الأجهزة التي اخترتِها موجودة.. وستظل بالمخزن حتى تطلبونها أو تخبروني فأوصلها حتى باب البيت"
فركت نصرة كفيها ثم قالت "الحقيقة أردت أن أعرف المبلغ والاقساط لأقنع هلال لأنه.. لأنه متحرج من الطلب منك"
فهم جابر بأن هلال يأخذ هذا الامر أيضا على كرامته فقال مطمئنا "لا تشغلي بالك يا أم كريم وخذي وقتك وأزيحي هم الأجهزة الكهربائية من رأسك .. هي لكم من الآن لو تريدين أن أرسلها بسيارة في أي وقت فقط أخبريني.. عموما هي عندي في المخازن حتى تطلبوها"
قالت نصرة متأثرة" جزاك الله خيرا يا معلم جابر ورزقك السعادة وراحة البال ..سأذهب أنا الآن"
رد جابر"في أمان الله "
استدار ينظر للثلاجة التي اختارتها نصرة ثم صاح بغضب " عصفور .. أين البطاقة التي طلبت أن تلصق عليها ؟"
بارتباك قال عصفور" حالا ..حالا"
بمجرد أن اقترب أشار له جابر بيده بنفاذ صبر أن يسرع الخطى .. ثم أخذها منه وكتب عليها بنفسه وألصقها على الثلاجة قبل أن يقول" يا شعبان تعال هنا ومعك الرجال وحركوا هذه إلى المخازن في ركن وحدها هي وكل ما سيأتيك باسم هلال جمعة "
تحرك شعبان بسرعة بينما قال جابر لعصفور بعبوس " وأنت تعال يا فالح لألصق بنفسي على الأجهزة التي اختارتها أم كريم وكف عن المرقعة "
××××
راقبها تقترب من بعيد .. ساهمة شاردة .. ليست على حالتها الطبيعية .. فجز على أسنانه وسأل نفسه بقنوط.. أيضربها ..أم يحبسها ويغلق الباب بالجنازير حتى لا تخرج وتغيب دون أن يعرف عنها أي شيء ؟..
لولا أنها جعلت أم هاشم تتصل به وتخبره بأنها معهم في مشروع بسمة لكان يدور باحثا عنها في البلدة كلها منذ ساعات فقال بغيظ "هل شرفت يا ست هانم ؟"
انتبهت ونس من شرودها وأسرعت بإحاطة عنقه بذراعيها تطبع على خده قبلة تلو الأخرى بمزاج رائق ..فاتسعت عيني عيد وتنحنح بحرج قائلا " احتشمي يا بنت عيد .. ماذا تفعلين! "
ابتعدت ونس قليلا ثم شكلت أمامه بأصابع السبابة والوسطى قلبا وهي تتطلع فيه بسعادة فاندهش لحالتها قائلا " ألهذه الدرجة أعجبك وجودك مع الفتيات هناك؟!"
أسرعت ونس بإخراج الدفتر من جيبها وكتبت بحماس" أحببت وجودي هناك والعمل مع البنات .. أريد أن أكون معهم كل يوم "
عقد عيد حاجبيه يقرب عينيه مما كتبت ثم قال مرددا "تعملين معهم؟"
أمسكت ونس بجلبابه وأخذت تتقافز على قدميها أمامه كطفلة مترجية .. فهرش عيد في رأسه قبل أن تكتب ونس "أرجوك يا أبي.. أرجوك ..أرجوك"
فكر عيد قليلا .. أيتركها لتبقى معهن طوال النهار خاصة وأنه علم أن نصرة أيضا تعمل هناك وبهذا يطمئن على وجودها في مكان آمن وأنها ستشغل نفسها بشيء بدلا من توريط نفسها في مشكلة بسبب اندفاعها ؟.
اقتربت ونس لتقبّله من جديد فأبعدها قائلا " احتشمي قلت يا بنت ما هذه الميوعة !"
قوست فمها للأسفل لاستعطافه مترجية فعبس في وجهها ليبدو حازما أمامها حتى لا يشعرها بأنها نجحت في استدرار عاطفته .. فهي محتالة في السيطرة عليه وعلى قلبه وبدلالها عليه هذا تضعفه فقال بغموض "هيا فقد اعددت الغداء يا ست هانم اذهبي واغرفيه لنا.. ودعيني أفكر في الأمر"
اقتربت لتقبله من جديد فرفع سبابته لها محذرا من الاقتراب .. لتتسع ابتسامتها الساحرة التي تسرق قلبه ثم أسرعت تسبقه للبيت بكل همة ونشاط وطاقة سعادة كبيرة تملأها منذ أن اكتشفت أن أميرها موجود ولم يتبدل .. وأنه عاد .. وستراه كل يوم .
أما عيد فتلفت حوله بتوجس شاعرا بأن هناك من يراقبه لكنه لم يرى أحدا في ضوء شمس الغروب المنعكسة على حقول الذرة أمامه فاستدار يدخل البيت لكن تلك القشعريرة الخفية ظلت تسيطر على جسده وتشعره بالقلق .
××××
في المساء
قهقهت مليكة وقالت " ونس هذه مجرمة .. احببت ما فعلت بالتوأمين "
قالت بسمة وهي تجاورها في المطبخ تساعدها في إعداد صنفا من الحلوى" هي فعلت ذلك انتقاما من كامل .. يا إلهي لو ترينه كيف كان يتفتت من الغيظ "
تأملتها مليكة بنظرة متفحصة .. إن مزاجها اليوم رائق ومفعمة بطاقة غريبة لم ترها عليها منذ سنين طويلة حتى وهي مخطوبة لزوجها السابق .. فقالت بلهجة ذات مغزى وهي تراقبها تفتح الثلاجة وتلتقط منها حبة جوافة " أنا أيضا مندهشة مثل أم هاشم من أنك تستطيعين التفرقة بين الاثنين ..وحده مفرح من البلدة كلها من يستطيع .. أنا مثلا حينما قابلتهما شعرت بأنني أمام شخصين متطابقين في كل شيء يصعب عليّ التفريق بينهما "
انتهت بسمة من غسل حبة الجوافة وردت على مليكة ببساطة" بصراحة أنا متعجبة مما تقولان حتى البنات في مشروعي مثلكما .. لكني في الحقيقة أراهما مختلفين صحيح نفس الملامح بالضبط لكنهما مختلفان صدقيني "
وضعت مليكة الصينية في الفرن وأشارت لبسمة ليخرجا من المطبخ فسبقتها الأخيرة وهي تضيف موضحة "شامل يبدو بسيطا ودافئا ومتواضعا .. أما كامل .. يا ستار يا رب .. انسان متعجرف مغرور يشعر بأنه لا يوجد رجلا وسيما غيره على الأرض"
بمكر قالت مليكة وهي تجلس على الأريكة في الصالة تطوي ساقيها تحتها "ألا تلاحظين بأنك تتحدثين عن كامل أكثر من شامل بل تتحدثين عن كامل منذ أن حضرت؟ "
بارتباك قالت بسمة مبررة "أنا فقط كنت اشرح لك ما فعله هذا الغليظ المتعجرف اليوم منذ وصوله.. صدقيني يستفزني ويعصبني من مجرد النظر إليه"
بنظرة شك تطلعت فيها مليكة فقالت بسمة بغيظ" لماذا تنظرين إليّ بهذا الشكل ؟"
مطت مليكة شفتيها تشيح بنظراتها بعيدا عن نظرات بسمة النارية فقالت الأخيرة "أشعر بأنه يتعمد استفزازي أنا بالذات .. ولا أعرف إن كان ذلك لارتباطي السابق بسيد صبرة .. أم أنه لا يذكرني ولا يذكر صلتي به .. ( صمتت لثوان تفكر ثم غمغمت ) مؤكد لا يذكرني فلم يرني إلا لبضع ثوان "
نظرت إليها مليكة متسعة العينان قبل أن تسألها بذهول "ماذا قلت؟ .. توقعت أنك تتحدثين عن ظهورك مع سيد في المجلات الالكترونية لكن أنت تقولين لم يرني سوى بضع ثوان !!..ما معنى هذا الكلام؟!!"
عضت بسمة على شفتها تناظر مليكة ببراءة مصطنعة وترمش بعينيها عدة مرات .. فتحفزت الأخيرة وهتفت بوعيد" ليلتك سوداء يا بسمة .. هل هناك ما لا أعرفه يا بنت الوديدي؟!"
غمغمت بسمة بملامح طفلة مذنبة" كنت سأخبرك لكن حدثت أمور شغلتني يا موكا "
شهقت مليكة وقالت بتوبيخ "قلت ليلتك سوداء انطقي بسرعة"
خلال الدقائق التالية قصت عليها بسمة عن المشاجرة التي حدثت منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف ..فظلت مليكة تناظرها بعينين متسعتين حتى انتهت من سرد ما حدث في المشاجرة التي شاهدتها بين أحمد وسيد من جانب وكامل من جانب أخر لتختم حديثها قائلة "للحظة شعرت على البوابة بأنه سيهجم عليّ .. كان ينظر لي بنظرات مدققة غريبة قبل أن يستدير ويركب سيارته ويغادر "
بشرود غمغمت مليكة " حقا إن هذه الدنيا صغيرة جدا .. غريبة هذه الصدفة.. والأغرب أنك لا زلت تذكرينها"
وضعت بسمة حبة الجوافة على الطاولة الصغيرة أمامها وأمسكت بإحدى الوسائد من فوق الأريكة وحضنتها تقول "بالتأكيد كونهما توأمين متطابقين ومن جنسية أخرى هو ما لفت انتباهي "
تساءلت مليكة "وهل مفرح يعرف هذه المعلومة؟"
حركت بسمة كتفيها وردت" بالتأكيد لا يعرف فلا أظن بأن كامل يذكرني"
هزت مليكة رأسها شاردة تحاول استيعاب الأمر ثم غمغمت "صدفة غريبة أيضا أن يتعرفا على مفرح بعدها ويحضرا إلى هنا (وعادت تسألها ) هل أنت متأكدة بأنه هو .. أقصد ربما اختلط عليك الأمر بتوأمين أخرين"
جادلتها بسمة " اختلط عليّ الأمر مع توأمين من نفس البلد العربي وبنفس التطابق وبنفس الملامح .. هما فقط فقدا وزنا كبيرا عن ذلك اليوم .. (وصمتت قليلا تفكر ثم عادت تقول بثقة )صدقيني هما .. وكامل هذا هو من تشاجر مع سيد وشامل من جاء مسرعا مع والدهما لفض الاشتباك (واسرعت بالقول وقد تذكرت شيئا ) آه نسيت وكانا يمتلكان مطعما بجوار الفيلا "
ردت مليكة مفكرة "هما بالفعل مطعمهما بجوار الفيلا كما أخبرني مفرح ..وبالفعل فقدا وزنا كبيرا كما أخبرني أيضا (وضربت كفيها ببعضهما تقول وكأنها تذكرت شيئا ) انتظري أنا لدي صور تخص مفرح في صالة الألعاب الرياضية على اللابتوب واعتقد بأن لهم صورا قديمة عند بداية تعارفه معهما"
عقدت بسمة حاجبيها وراقبتها تنتفض واقفة وتسرع للاختفاء بالداخل لعدة دقائق كانت بسمة فيها قد أكلت حبة الجوافة بشرود .. لتعود مليكة تحمل اللابتوب وتجلس بجوارها تطوي ساقا تحتها وتفتحه وهي تقول "لن أنام الليلة إلا إذا وجدت لهما صورة قديمة قبل أن يفقدا الوزن لأتأكد من قصتك الغريبة هذه"
سألتها بسمة" هل تحتفظين بصور مفرح كلها هنا؟"
ردت مليكة متنهدة وهي تبحث في صور كثيرة وتختار ملفات قديمة التاريخ " أفرغ هاتف مفرح من الصور أولا بأول وأنسخ له كل فترة نسخة من قوائم الاسماء وأرقام الهواتف لأنه كما تعلمين لا يكف عن إضاعة هاتفه .. ولولا التقنيات الحديثة في الاحتفاظ على حسابك على الانترنت بنسخة من قوائم الاتصال لتعطل عمله وفقد أرقام عملائه في كل مرة يضيع فيها الهاتف "
ضحكت بسمة قبل أن تهتف مليكة بانتصار "وجدت ملف الصور التي تخصهما "
اقتربت بسمة لتحشر رأسها بلهفة غير مبررة أمام شاشة اللابتوب مدققة بعينيها الفيروزيتين ثم صاحت بانتصار هي الأخرى "هما .. ألم أقل لك"
ناظرتها مليكة باندهاش فأسرعت بسمة بالإشارة لكامل في الصورة "هذا هو المتعجرف كامل وهذا شامل"
تطلعت فيها مليكة باندهاش ثم عادت لتدقق في الشخصين اللذان يبدوان متماثلان ثم سألتها بارتباك "كيف عرفتِ وتكلمتِ بهذه الثقة؟"
عقدت بسمة حاجبيها وقالت باستنكار "لماذا تشعراني أنت وأم هاشم بأن لدي قدرات خارقة .. فمفرح يفرقهما بسهولة .. (وأشارت على الشاشة تقول) انظري بنفسك لعيني هذا المتعجرف ونظرته الطاووسية و… (صمتت قليلا تشيح بيدها في الهواء تبحث عن تعبير مناسب ثم قالت ) وتلك الروح التي بداخل جسده ..وانظري لدفء وبشاشة توأمه "
ضيقت مليكة عينيها وجعدت جبينها وهي تقترب من الشاشة وتلصق وجهها بها فقالت بسمة بغيظ وهي تستقيم واقفة لتبحث عن وشاحها" أنا سأغادر قبل أن ترفعي لي ضغطي "
صاحت مليكة باعتراض " والجُلّاش الذي بالفرن! "
غمغمت بسمة بمزاج عكر " لا أريد منك شيئا "
أسرعت مليكة بالقول بجدية" عموما لا تشغلي بالك بكامل ..ولا تدققي على كل ما يصدر منه.. حاولي تجاهله مادام يستفزك"
هزت بسمة كتفيها تقول بكبرياء" أنا لست مهتمة به أصلا .. ولدي الكثير ليشغلني عن سخافته وعجرفته ..(واستدارت فجأة تقول) أتعرفين بما يشعرني كامل هذا؟"
صمتت مليكة تنتظرها لتكمل وشعورها يتأكد أكثر فأكثر بأن بسمة تهتم كثيرا بكامل بالذات.. بينما أكملت الأخيرة "يشعرني بأنه طفل صغير مشاكس .. بل .. طفل ضخم يتعمد ازعاج من حوله "
ساد الصمت .. فشعرت بسمة أنها بالفعل تتحدث عن كامل كثيرا لتقول باستدراك وهي تلف الوشاح حول رقبتها "أنا ذاهبة فالوقت قد تأخر .. اتمنى أن يكون حمادة قريبا من هنا وإلا سأطلب من أحد الغفر احضار توكتوك لي"
خاطرة مرت بذهن مليكة أشعرتها بالقلق على صديقتها .. فأسرعت بقولها قبل أن تتمادى بسمة في شعورها بالاهتمام بكامل فتصدم " عموما يا بسمة تحملي التوأمين حتى تنتهي مدة العقد .. أو يسافر كامل قريبا وتتخلصي من عجرفته"
استدارت إليها بسمة تسألها بحاجبين معقودين "يسافر؟!"
هزت مليكة رأسها تؤكد لها ثم قالت وكأنها ترسل إليها رسالة معينة "أجل يا بسمة هذا ما علمته من مفرح ..كامل قد قرر الهجرة لأمريكا والعمل هناك كشيف في أحد الفنادق الكبرى ..وقد حصل على التأشيرة بالفعل وينهي باقي الإجراءات حاليا .. كما أنه يحاول اقناع اسرته بتصفية كل شيء والسفر معه أو بعده ليفتتحوا مطعما هناك ويعيشوا في أمريكا للأبد .. وهذا الأمر يحزن مفرح كثيرا"
بوجوم رددت بسمة " يهاجر!"
××××
صباح اليوم التالي
وقف شامل أمام طاسة الزيت الكبيرة الموضوعة أمام أحد محلات الفول والطعمية في القرية وأخذ يراقب بقامته الطويلة العامل الذي يلتقط من عجينة الطعمية بأصابعه ويكورها ويلقي بها في الزيت في أقل من ثانية ثم يعود إلى طبق العجين مرة أخرى بسرعة ويلتقط أخرى وهكذا .
كان شديد التركيز على حركة العامل السريعة ولم يلحظ ونس وهي تقترب وتقف لتحدق فيه وقد أخبرها حدسها بأنه هو أميرها وليس توأمه فوقفت في ركن كما تفعل دوما تكتب في دفترها الطلبات .
قال شامل للعامل" حسنا يا عيسى دعني أجرب أنا"
ضحك الشاب وافسح له المجال بينما قهقه المراقبون وهم يرون هذا الغريب الذي يقف بملابسه وحذائه الرياضيين بجوار طاسة الزيت الكبيرة الخاصة بالطعمية.
قال شامل لعيسى" لا تخف لقد غسلت يدي جيدا"
ضحك عيسى ووقف يتطلع فيه بينما كور شامل أصابعه ووضعها في عجينه الطعمية وألقاها في الزيت بسرعة وعاد إلى العجينة مرة أخرى يلتقط أخرى .. فصفق عيسى ضاحكا ليقول أحد الواقفين بإعجاب "طبيعي أن يكون ذلك سهلا عليه .. فكما نعلم فهو يمتلك مطعما فاخرا في العاصمة"
غمغم شامل وهو يركز فيما يفعل" لكني لست سريعا مثله"
بعد قليل ترك شامل للعامل ليكمل ما يفعل ثم أسرع بإخراج الطعمية الناضجة من الزيت للمصفاة الكبيرة قبل أن يأخذ من الواقفين القراطيس الورقية الفارغة التي يحملونها ويسأل كل منهم بكم يريد من الطعمية ثم يلتقطها ساخنة بين أصابعه ليضعها في القرطاس الورقي حتى لمحها تقف في ركن خلف الواقفين الذين كان أغلبهم شبابا.. فأسرع بإنزال نظراته .
قال المعلم صاحب المطعم الجالس أمام المحل "يا عنتر تعال لتأخذ طلب بنت العم عيد ..لا تدعها تقف بهذا الشكل وسط الشباب "
خرج عنتر لأخذ النقود منها وقرأ ما تريد ثم عاد للداخل بينما الأخيرة تختلس النظرات بجانب عينيها لشامل الذي كان يختلس إليها النظرات هو الأخر حتى أنه قرر أخذ ما جاء من أجله من طلبات بعد أن كان ينوي البقاء لوقت أطول معهم .. وتلكأ قليلا حتى تنتهي هي من طلباتها .
بجوارها وقف شابان مراهقان وأخذا يتهكمان عليها ويقلدان حركاتها حينما كتبت في الدفتر ورفعته لعنتر منذ قليل.. فلمحتهما ونس وكشرت عن أنيابها تطالعهما بعبوس .. بينما تقبض شامل بقوة يراقب الأمر بتأني فهو مدرك لحساسية وضعه في المكان..
ضحك الشابان وأخذا يشيران لها بإشارات تعني بأنها صماء مقطوع أذنيها ولسانها فزمجرت ونس واشاحت لهما بذراعها أن يبتعدا في الوقت الذي قبض شامل على الكيس في يده بقوة في وقفته خلف طاولة الطعمية وحرك عينيه في المكان متسائلا إن كان أحد سيتدخل من الواقفين اللاهين عما يحدث خلفهم.
قهقه الشابان وبدأ في إغاظتها فلمحهما أحد الواقفين وكتم ضحكه بينما زجره الأخر قائلا " عيب عليك والله "
نظرت ونس حولها تبحث عن حجر في الوقت الذي هم شامل بالتدخل لكن صيحة صاحب المحل كانت حازمة "ولد ! .. احترم نفسك "
التفت الواقفون وتحرك بعضهم بحمائية لإبعاد الشابين فهدأ شامل بينما وقفت ونس تنظر للشابين بوجه مقلوب متحفزة ..
أما صاحب المحل فكان حازما وطرد الشابين قائلا "اذهبا لن أبيع لكما اليوم"
فوقف المراهقان يترجيان صاحب المحل بحرج بينما أخذت ونس من عنتر الكيس وتحركت مبتعدة بعد أن ناظرت الشابين بقرف ..
وقف شامل يتحدث مع عيسى لمدة دقيقة يشكره على هذه التجربة الجديدة عليه قبل أن يتحرك خلفها محتفظا بمسافة كبيرة بينهما حتى لا يلاحظ أحد ..
في الطريق كان ذهن ونس مشغولا بأميرها .. إنها متحمسة للذهاب اليوم للعمل عند بسمة حتى تراه وتعطيه هديتها .. حدس ما جعلها تلتفت خلفها فرأته من بعيد يسير على أول الشارع فاشتعلت وجنتاها وعادت لتنظر أمامها بسعادة .. وهي تتساءل ..ترى ما اسمه؟.. لم تذكر الفتيات أمس اسميّ التوأمين رغم كل ثرثرتهما حولهما .. فغمغمت في سرها بتبرم "لماذا لا يثرثر الناس في الأمور التي أريد أن أعرفها فقط"
أما شامل فظل خلفها محتفظا بالمسافة الكبيرة نسبيا بينهما يريد فقط أن يطمئن بأنها ستصل بخير وفي الوقت نفسه لديه فضول لمعرفة أين تسكن ..
لا يستسيغ أن تترك هكذا وحدها تتعامل مع الجميع وتتلقى السخافات من البعض .. صحيح هو ليس بجاهل عن طبيعة الحياة في المجتمعات الريفية وبأن الجميع يعرف بعضه وبأن عليها أن تعتمد على نفسها ..لكن ما كونه عنها في المرات التي جمعتهما جعله يضع تصورا لشخصيتها ويراها مندفعة أكثر من اللازم وبما لا يتماشى مع امكانياتها الجسدية .. وهذا يشعره بالقلق عليها.. فلن يسلم الأمر معها كل مرة ..عليها أن تكون أكثر حرصا وألا تستفز الأخرين أيضا .. ولم ينس وقفتها المتحدية بكل سذاجة أمام كامل أمس ..وذلك الرسم الذي رسمته على الحائط .. صحيح الأمر كان فكاهيا ومضحكا ..لكن ماذا لو كان مع شخص أخر غير كامل .. شخص مؤذي سهل استفزازه .
راقبها تدخل أحد البيوت على الطريق الرئيسي للقرية .. بيت صغير بسيط وحيد وسط الحقول يبدو من هيئته الخارجية أن صاحبه صانعا للفخار ..فتأملها من بعيد وذلك الرجل العجوز قصير القامة يدخل خلفها ثم تأمل المكان وتلك الحقول الخضراء حولهما .. والتي تشعره أكثر بالقلق عليها وهي تتحرك وحدها ذهابا وعودة .. ثم أكمل طريقه يحاول تذكر اتجاهات العودة للبيت وهو يتفحص الصور الخاصة برسوماتها على الحائط في هاتفه .. فاتسعت ابتسامته قبل أن يغمغم" ما بك يا شامل؟ .. ماذا يحدث معك بالضبط؟!"
××××
كان قلبها يدق بعنف .. وجسدها كله يرتجف بشدة .. وأنفاسها تسحبها إلى صدرها بصعوبة ..
نظرت حولها تفكر إن كان هناك مفر ..لكنها ذكرت نفسها بأن أي حركة من الممكن أن تستفزه .. هذا إن كانت تستطيع الحركة أصلا فحتى صوتها تشعر به محشورا في حلقها غير قادرة على الصياح وطلب النجدة.
أقترب من المنضدة التي تقف فوقها وبدأ يتشممها ثم رفع أنظاره إليها وهو يلوي عنقه ويخرج لسانه خارج فمه .. ليقف بعدها على قدميه الخلفيتين مقتربا من قدميها يتشممها فلملمت بسمة أطراف العباءة وانكمشت على نفسها وهي ترتجف متمنية أن تأتي إحدى الفتيات مبكرا عن موعدها لتنقذها.
في بيت الجد صالح بحث كامل عن شهبندر فلم يجده .. فخرج لساحة البيت ينادي بصوته الجهوري" شهبندر ..أين أنت "وبدأ يصفر ..
سمعته بسمة من خلف الجدار القصير الفاصل وحاولت التحدث " هننننا "
لكن صوتها خرج همسا مبحوحا وقلبها أوشك على أن يخترق قفصها الصدري رعبا.
خرج كامل من البوابة التي وجدها مواربة يشتِم في سره وهو يتلفت حوله قبل أن يقترب من البوابة المجاورة المفتوحة ويمد رأسه ينظر بحذر ثم خطى خطوتين إلى الداخل ووقف مصدوما.
كانت بسمة أمامه تقف فوق إحدى الطاولات منحنية للأمام قليلا ومنكمشة في رعب واضح .. وقد انزاح وشاحها بالكامل عن رأسها ووقعت بعض الخصلات الطويلة لتغطي جزءا من وجهها.. بينما شهبندر يقف على قدميه الخلفيتين يتشمم حولها بفضول.
بمجرد أن رأته بسمة وتقابلت عيناهما أغمضت عينيها بمزيد من الخوف والحرج فهدر كامل بقوة" شهبندر ..تعال هنا فورا"
بطاعة أنزل الكلب قدميه الأماميين واستدار يقترب من كامل الذي ظل يحدق فيها وفي تلك الهيئة التي تجمدت عليها لدقائق .. وتمنى لو يلتقط لها صورة على هذا الوضع الغريب والمثير ..لكنه اقترب منها بحذر يسألها بقلق" هل أنت بخير؟"
حاولت التماسك بكل قوتها وبحثت في عقلها لاستحضار ذلك القناع البارد التي تختفي خلفه لكنها لم تستطع .. كانت لا تزال ترتجف بشدة ..
مد كامل يده نحوها ليساعدها على النزول لكنها لم تقدر إلا على أن تجلس على عقبيها متكومة على نفسها فوق المنضدة حتى لم تستطع أن تزجره على عرضه لمساعدتها .. كل ما قدرت عليه هو أن تهمس بصعوبة "أرجوك اذهب من هنا"
تنبه كامل لأنه أصبح في داخل المكان ..وبأنهما وحدهما رغم أن البوابة مفتوحة لكنه كان متفهما لحساسية الوضع فقال وهو يبتعد للخلف خطوتين "طمئنيني أولا هل أنت بخير؟"
استجمعت قواها .. وبقايا من كبريائها وقالت بصوت مبحوح معاندة" أنا بخير ..اذهب أنت و…هو"
نظر كامل لشهبندر ثم سألها" أتخافين الكلاب إلى هذه الدرجة؟.. إن شهبندر غير مؤذي ما دام لم يهاجمه أحد"
غمغمت بصوت مبحوح "اذهب أرجوك"
نزل كامل على عقبيه إلى شهبندر يقول بتوبيخ وهو يفرك رأسه بين يده" ما الذي أتى بك إلى هنا يا شهبندر ..حسابك معي عسير (ودفعه ليتحرك قائلا )هيا اسبقني إلى البيت فورا "
تحرك الكلب مبتعدا فأنزلت بسمة ساقيها في بنطالها الجينز الأزرق تحاول الوقوف لكنها كانت لا تزال ترتجف حتى أنها شعرت بعدم اتزان وكادت أن تسقط .
بحركة عفوية منحها كامل ساعده وبتلقائية أمسكت بذلك الساعد حتى لا تسقط .. لكنها أسرعت بترك ساعده بسرعة بمجرد أن وقفت على قدميها أرضا ورفعت تلك الخصلة المغرية من شعرها وهي تقول ببعض العصبية المبحوحة" أرجوك اخرج من هنا ولا تدع ذلك الكلب يدخل هنا أبدا"
تحرك كامل خطوتين للخلف بمجرد أن سمعا أصواتا تأتي من الخارج ثم دخلت بعض الفتيات بحذر من البوابة مبتعدات عن شهبندر الذي كان في استقبالهن في الشارع ووقفن يتطلعن في كامل بذهول.
بعد ثوان دخلت أم هاشم من البوابة تنظر لشهبندر باندهاش ثم تطلعت في بسمة وفي كامل وسألت" هل حدث شيء يا بسمة وجهك يبدو غريبا؟"
تحرك كامل للمغادرة بينما رفعت بسمة الوشاح على رأسها تتطلع في العيون المندهشة وقالت بعصبية لتبرر سبب وجوده بطريقة غير مباشرة " لا شيء سوى أننا اصبحنا تحت رحمة الحيوانات المفترسة تقتحم علينا بيوتنا .. ولا نحظى حتى باعتذار لائق"
تصلب ظهر كامل عند البوابة ..ثم استدار يرد بحاجب مرفوع "أين الحيوانات المفترسة يا باشمهندسة؟ .. شهبندر كلب لطيف ومدرب .. دخل المكان ليتفقده بفضول (ومال برأسه يسألها بلهجة مستفزة) هل أذى حضرتك؟"
هتفت قائلة "كيف لم يؤذني وأنا كدت أن أموت رعبا بسببه"
تطلعت أم هاشم في بسمة المنفعلة ثم في كامل الذي يقف بالقرب من البوابة يديه في جيبي بنطاله الرياضي والذي حرك كتفيه لها يقول مستمتعا باستفزازها "وما ذنبي أنا أنك تخافين الكلاب ؟.. هل سأتحمل أنا خوف كل انسان يخاف من الكلاب ؟..غريب والله؟!"
عادت أم هاشم تتطلع في بسمة التي هتفت بعصبية وهي تقترب منه وترفع سبابتها في وجهه "الاعتذار من ابسط قواعد الذوق يا أستاذ"
كان قلبه يدق بشدة .. يتراقص في صدره بهستيريا وكانت أمام عينيه شهية في عصبيتها وذلك الجنون الذي يتراقص في عينيها الزرقاوين وهو يستشعرها محرجة من منظرها أمامه منذ قليل .. فاتسعت ابتسامته فجأة وضرب كفا بكف مشيحا بوجهه بينما انفجرت نبضات قلبها كمفرقعات الاحتفالات في سماء مظلمة وهو يبدو أمام عينيها وسيما إلى حد .. مزعج !. ليتجمد اصبعها في الهواء وهي تحدق فيه قبل أن يعود بوجهه إليها قائلا بلهجة ساخرة وهو يهز رأسه "نعتذر يا استاذة باسمة .. (واستدرك مصححا ) أقصد يا باشمهندسة .. اعدك بأن هذا الأمر لن يتكرر وسنحرص على ألا يقترب شهبندر من بوابتكم أبدا .. (ومال برأسه قليلا يسألها بهدوء مستفز وبتلك الابتسامة التي تتراقص على شفتيه ) هل هذا كافي؟"
حين لم ترد .. رفع اصبعيه السبابة والوسطى إلى جانب رأسه محييا ثم أجبر نفسه على المغادرة وهو يصفر لشهبندر الذي أسرع خلفه ..بينما وقفت الفتيات يكتمن الضحك ويغمزن هامسات فيما بينهن عن وسامته وطوله وابتسامته الجميلة.
راقبت أم هاشم وقفة بسمة وتحديقها في أثر كامل والغيظ وشيء أخر غامض يبدو على ملامحها ..ثم استدارت للفتيات تطلب منهن الاسراع بالانتهاء من الافطار حتى يبدأن في العمل لتقترب بعدها من بسمة تقول باهتمام "بسمة .. هل أنت بخير .. تبدين شاحبة جدا .. ألاحظت كيف ينطق اسمك؟!"
انتبهت بسمة وأدارت وجهها نحوها تسألها بحاجبين معقودين" ماذا قلت .. لم اسمعك!"
أما كامل فدخل بوابته يغمغم مبتسما بما طرأ على ذهنه فجأة فقد مرت سنوات طويلة منذ أن جاءته خاطرة شعرية حين كان يكتب الشعر في المرحلة الثانوية "وأسافر بين زرقة عينيكِ.. أصارع الموج .. وأهزم الحزن .. ثم يطويني الحنين "
××××
بعد ساعة
هتفت الحاجة نحمده باستنكار " ما معنى أنك ستأخذي السيارة وتقوديها في البلدة .. أتريدين أن تأكل الناس وجوهنا !"
بصبر شديد هي تحترفه قالت مليكة " ولماذا ستأكل الناس وجوهكم يا حاجة نحمدو .. هي سيارتي ومركونة منذ مدة والناس تعرف بأني استطيع قيادة السيارة .. كما أنني استأذنت من مفرح وأذن لي "
هتفت نحمده باستنكار "ولمَ لا تطلبين أحدا من اخوتك لتوصيلك ( وأكملت بلهجة متهكمة ) ألا يرسلون لك السيارة دوما في كل متر تتحركينه"
ردت مليكة وهي تعدل من عباءتها الصباحية " لا أحد من اخوتي متفرغ في هذ الساعة حتى مفرح غير متفرغ لاصطحابي فهو في مركز المحافظة يتابع بعض الأمور وأنا أريد أن أذهب سريعا لمشروع بسمة وأعود قبل أن يحضر الأولاد من المدرسة "
وقف أحد الغفر أمام الباب المفتوح يقول "السيارة جاهزة يا ست مليكة "
قالت نحمده "إذن أجلي المشوار حتى يتفرغ أحد لإيصالك "
هتفت مليكة باستنكار "و هل أنا معاقة!! .. لقد اجبت على اسئلتك وأخبرتك بأن مفرح قد أذن لي .. السلام عليكم "
قالتها واستدارت مغادرة بينما جزت الحاجة نحمده على أسنانها واتصلت بمفرح الذي بادرها بالقول " نعم أمي "
هتفت بغيظ " كيف سمحت لزوجتك المصون بنت الحسب والنسب أن تقود السيارة يا مفرح .. أترغب في أن تكون سيرتنا على كل لسان في البلدة! "
صمت مفرح قليلا ثم سألها بهدوء" ولماذا سيتحدث الناس عن سيرتنا يا أمي.. هل خرجت زوجتي عارية لا سمح الله "
صاحت أمه بغضب " لا توجد نساء تقود السيارات في قريتنا يا مفرح "
بهدوء قال مفرح "أيوجد قانون في القرية يا أمي يمنع قيادة النساء للسيارات أو يعتبر أن قيادتهن عيبا ؟! .. وحتى لو يوجد علينا بتغييره ..ما المشكلة أن تقود مليكة سيارتها فالمشوار بسيط في داخل البلدة "
اندفعت أمه متخلية عن الحذر الذي تتبعه دوما معه بشأنها وقالت "ولماذا لا تنتظر السنيورة أن يتفرغ أحد ليوصلها ..فما أهمية هذا المشوار حتى لا يتم تأجيله !"
قال مفرح بلهجة حازمة "أمي .. من فضلك .. هذا الأمر يخصني مع زوجتي .. وحينما سيتحدث الناس كما تقولين سيتحدثون عن زوجة مفرح .. وأنا لا أرى فيها مشكلة أن تقود مليكة السيارة فلا هذا أمر ضد الدين أو يسيء لها .. ومركز المحافظة تملأ شوارعه النساء يقدن سياراتهن بشكل طبيعي .. عموما اطمئني الناس كلها تضع لمليكة صوالحة بفضل الله مكانة خاصة بين نساء القرية .. وبالمناسبة لم أحب أسلوب حديثك عنها يا أمي وأتمنى ألا تكوني تستخدمين هذه اللهجة معها لأن هذا سيحزنني كثيرا وأنت وعدتني أنك ستحترمين ما يحبه ولدك ..أليس كذلك؟"
ساد الصمت .. وتقبضت نحمده تمنع نفسها من الانفجار بقول ما يدور في عقلها بينما شعر مفرح بأنه كان حادا معها فقال لتلطيف الأجواء" أتريدين شيئا من المركز يا غالية .. "
بغيظ مكتوم ومزاج عكر " لا أريد شيئا يا مفرح وما دمت لا ترى فيها عيبا فأنت حر يا ولدي "
قال مفرح مستاء من أن يغضبها " أنا أحجز قاعة صغيرة للاحتفال بعيد ميلاد أدهم سأدعو فيها مدرسيه واصحابه بالمدرسة ككل عام وبالطبع ستنيرين أنت الاحتفال يا غالية "
ردت نحمده بقرف " أنا لا احضر هذه المناسبات وأنت تعرف .."
صمت مفرح قليلا ثم قال " كما تريدين يا أم مفرح .. عموما إن اردت شيئا اتصلي بي وسأحضره لك وأنا قادم .. السلام عليكم "
اغلقت نحمده الهاتف وقالت بغيظ " يكفي عليك حضور الست السنيورة (واسرعت بالاتصال بفايزة تقول ) دوما أقول لك أن بنت الصوالحة سحرت لابني وأنت تقولين لي بأن هذه المعتقدات ليست حقيقية .. (وصرخت بغل ) ولكني بعد كل هذه السنوات أؤكد لك أنها قد ربطت قلبه بعمل سحري سفلي عند أحد الشيوخ البارعين .. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مليكة يا بنت الصوالحة "
××××
خرج كامل بعد وليمة الإفطار التي اعدها شامل ليتمشى قليلا مع شهبندر .. وبمجرد أن فتح البوابة تفاجأ بونس تقف هذ المرة على بعد أمتار من البيت ترسم بمقدمة حذائها كالعادة على الأرض وقد ميزت على الفور بأنه توأم أميرها .. بينما جز كامل على أسنانه وحرك انظاره بينها وبين الحائط الذي لا تزال الرسوم تزينه وقال بامتعاض" سأتكلم أنا مع مفرح حتى يتكفل هو بدهان الحائط الذي خربه المجانين وإلا لن أمرر الأمر "
طالعته بعبوس وبمقلتين مقلوبتين ..فضرب كامل كفيه ببعضهما مغمغما باندهاش" لا حول ولا قوة الا بالله !..لا أعرف من أين تأتين بنظرات التحدي هذه وأنت بنفخة مني تطيرين لكوكب أخر .. الصبر من عندك يا رب"
قالها وتحرك مع الكلب مغادرا ثم رفع هاتفه يقول لشامل في رسالة صوتية على الواتساب" أنت يا زفت أخرج للشارع وتخلص من المهبولين الموجودين أمام البوابة والا سأتصرف أنا ولن يعجبك ما سأفعل"
عقد شامل حاجبيه وهو يستمع للرسالة وبدأ قلبه يدق لا إراديا بقوة بعد أن استقرأ ما يقصده أخوه فأسرع يخرج من البيت نحو البوابة..
رفعت ونس رأسها بمجرد أن لمحت خيال يخرج من البوابة واحمرت وجنتيها حينما رأته..
إنه هو الأمير .. جني المصباح.
بابتسامة وسيمة قال شامل "صباح الخير رأيتك منذ ساعة تقريبا لكني تحرجت من الحديث معك أمام الناس"
اقتربت ونس ومدت يدها له بكيس تحمله فتناوله شامل منها عاقد الحاجبين قبل أن يفتحه ويخرج ذلك الإناء الفخاري على شكل المصباح ملون ومزخرف بنقوش مبهجة خطفت قلبه من أول لحظة.. فاتسعت ابتسامته أكثر في الوقت الذي رفعت ونس أمامه دفترها وقد كتبت "هذه هدية بسيطة على انقاذك لي تلك الليلة"
بحرج سألها شامل سعيدا "ولماذا هذا الشكل بالذات أليس هذا مصباح علاء الدين؟"
اومأت برأسها ثم عادت تكتب فمد رأسه فوقها يقرأ "لأنني شعرت بأنك مثل جني المصباح خرجت لي من العدم لتنقذني"
قهقه شامل بسعادة فاتسعت ابتسامتها تتطلع فيه بعينين لامعتين وقلب يقفز بجنون في صدرها.
استند شامل على البوابة خلفه وقال" هدية مقبولة (وتفحص المصباح قائلا ) أنت موهوبة جدا في الرسم والتلوين ما شاء الله.. (وأضاف بجدية) أتعلمين بأن هذا المصباح سيكون أكثر دقة واحترافية في الصنع لو استخدمتِ الصلصال الحراري؟"
ضيقت عينيها باهتمام فأضاف شامل "ستجدين منه في المكتبات الكبرى وتشكيله سيكون أسهل بكثير من الفخار العادي وتلوينه أيضا لكنه سيحتاج لفرن درجة حرارته عالية"
كتبت ونس في دفترها "صلصال حراري؟.. هذا اسمه؟"
لم يعتد شامل بعد على فكرة أنها لا تسمع ولا تتكلم أو ربما كان متألما من الفكرة لكنه أومأ برأسه ثم قال" ستجدين طرقا رائعة على الانترنت أنا شخصيا جربته في بعض المرات فأنا أيضا أحب أن اصنع هذه الأشياء..( وهرش في رأسه يتفحص المصباح في يده ) لكني لست بهذه الموهبة في التشكيل والتلوين "
كتبت ونس بسعادة "أعتقد بأني قد سمعت عنه أثناء دراستي في المدرسة لكن ربما كان له اسما أخر"
سألها شامل بفضول " أ لازلتِ تدرسين؟ "
عبست ونس في وجهه ثم كتبت شاعرة بالإهانة " هل أبدو أمامك مراهقة !"
اتسعت عيني شامل مندهشا ثم اتسعت ابتسامته يهرش في رأسه بحرج ولم يقدر على منع نفسه من تقييمها بنظرة سريعة من رأسها حتى قدميها قبل أن يغمغم بحيرة ضاحكا " لا أعرف "
نظرته الخاطفة تلك فجرت رجفة في أعصابها وأشعلت نارا في وجهها فأشاحت به بعيدا ولسانها يلعب في جانبي خديها من الداخل بحرج ثم عادت لتكتب في الدفتر متصنعة العبوس " أنا لست مراهقة .. أنا عمري ثلاثة وعشرون عاما "
رفعت الدفتر في وجهه بعصبية فأبعد شامل رأسه للخلف قليلا ثم قرأ وضحك لتعود وتكتب " وأنهيت دراستي بدبلوم فني صناعي فوق المتوسط نظام الخمس .. هل تفهم؟ ..فوق المتوسط قسم زخرفة .. أي تعتبر شهادة معهد وليس ثانوية"
رفعت الدفتر أمام أنظاره مجددا بعصبية حتى كادت أن تلصقه بوجهه فقال شامل وقد شعر بأنه أغضبها "حسنا فهمت رغم أني لا أفهم الفارق لكني فهمت"
عادت ونس تكتب" وحصلت على مجموع يؤهلني لكلية الفنون التطبيقية "
رفعت الدفتر بيد ووقفت متخصرة في وقفة استعراضية باليد الأخرى تناظره بافتخار فبدت أمامه شقية وشهية ..فسألها شامل بفضول " رائع ..هذا يناسبك جدا لماذا لم تلتحقي بها؟ "
سكتت عن الحركة تتطلع فيه للحظات بحزن قبل أن تسحب نفسا طويلا إلى صدرها وتكتب بملامح جادة" الكلية خارج المحافظة .. ولم أرغب في أن أجهد أبي ذهابا وإيابا وهو في هذا السن .. كما أن الكلية مصاريف الأدوات والخامات فيها مكلفة جدا يكفي أنه تحملها خلال خمس سنوات في المدرسة بصعوبة.. خلاصة الأمر قررت ألا أكمل تعليمي .. النهاية "
قرأ شامل ما كتبته ولونت الجدية والتعاطف ملامحه فأسرعت ونس بسحب الدفتر وقالت منهية الموضوع" عموما سأبحث عن شغل الصلصال الحراري على الانترنت"
قال شامل "أعرف بعض المواقع الأجنبية المتخصصة في التعليم سترين الفيديو وتنفذين بسهولة "
عبست ونس على ذكر المواقع الأجنبية فلا تعتقد بأن لغتها الانجليزية قد تساعدها فقال شامل وكأنه قد خمن ما يدور برأسها "لو ستجدين صعوبة في البحث في المواقع الأجنبية من الممكن أن أرسل لك الروابط .. هل لديك هاتف ؟(ثم صحح باستدراك خوفا من أن يكون قد جرحها ) أقصد واتساب أو طريقة تواصل كتابية عبر الانترنت؟"
باندفاع أومأت ونس بالإيجاب وأخرجت الهاتف من جيبها تريه له بسعادة فقال شامل متخليا عن ذلك الحذر الذي يذكر به نفسه وتوأمه دوما في القرية " إن أردتِ من الممكن أن أرسل لك روابط المواقع على الواتساب"
احمرت وجنتيها واشتعل وجهها .. ففكرة أن تراسل الأمير الوسيم فكرة تفوق كل خيالاتها الحلوة .. لكن حذر الانثى بداخلها جعلها ترفع حاجبا ثم تكتب له" اعطني رقمك وإن لم استطع الوصول لتلك المواقع سأرسل لك"
اتسعت ابتسامة شامل وهرش في أرنبة أنفه بحرج ثم أملاها الرقم سريعا .. فعبست وهي تدونه على هاتفها وأشارت له أن يعيده ببطء.
اشفق شامل عليها وبدأ في املائه ببطء قبل أن ترفع إليه هاتفها ليتأكد من الرقم لتحفظه ..فأومأ شامل برأسه مؤكدا ثم قال "شامل"
تطلعت فيه بعينيها اللوزيتين بتدقيق فكرر "اسمي شامل "
بابتسامة بلهاء على وجهها غمغمت ونس في سرها" ما أحلاه اسماً .. ( ثم جعدت جبينها تفكر ) لكنه صعب النطق فهذه (الشين )لو حاولت بلساني المقطوع هذا مائة عام لن انطقها مثلها مثل حرف (السين) في اسم ونس .. لكن من الجميل أن ينتهي اسمي بحرف ليبدأ اسمه بالحرف الذي يليه "
كتبت اسمه على الهاتف فأضاف وهو يراقبها" شامل غنيم نخلة"
تجمدت لثانية ثم رفعت رأسها إليه متسائلة .. فتساءل في سره أهي لهذه الدرجة ضعيفة السمع وتحتاج لقراءة الشفاه كما بحث وقرأ الأيام الماضية عن ضعاف السمع ؟..
كرر شامل نطق اسمه كاملا فحركت ونس رأسها تبحث حولها وتشير على إحدى النخلات باندهاش.. فقهقه شامل ورد وهو يضع يدا في جيبه بينما الأخرى تكاد تحضن المصباح إلى صدره "أجل نخلة كهذه"
انفجرت ونس ضاحكة بفمها الواسع الذي يتوسط صدغيها العريضين فشاركها شامل الضحك وللحظة شعرا بأنهما في داخل فقاعة ملونة معزولة عن العالم .
كشر شامل عن أنيابه فجأة يتصنع الجدية وقال بتهديد مزيف "هذا اسم عائلتنا وهي من العائلات العريقة في بلدنا "
كتبت له ونس في الدفتر "أنت من بلد أخرى أليس كذلك سمعت الفتيات يتحدثن"
أومأ برأسه فكتبت " تتقن لهجتنا جيدا .. لكن سماعتي تلتقط أحيانا لكنة بسيطة في كلامك وكلام توأمك لكني لن استطيع التأكد من ذلك فسماعاتي تخذلني أحيانا أو كثيرا لا أعرف .. وقد لا تلتقط كل شيء بوضوح فلا أعول عليها كل ما اسمعه"
عاد إليه الوجوم ونغزه قلبه .. فهم بأن يسألها عن حالتها بالضبط لكن خروج أم هاشم من البوابة المجاورة نبه شامل لأنه قد سرقه الحديث مع ونس.
قالت أم هاشم وهي تنقر على كتف ونس فاستدارت لها الأخيرة وكأنها قد ايقظتها من حلم" ماذا تفعلين يا بنت الشيخ عيد؟ .. (وأشارت برأسها تضيف بلهجة حازمة) إن كنت قد أتيت من أجل العمل فهيا الى الداخل فأنت قد تأخرت وأنا حازمة في مثل هذه الأمور "
استدارت ونس بملامح معتذرة ووجنتين مخضبتين بالأحمر لشامل وتحركت بصعوبة إلى داخل البوابة الأخرى بعد أن ودعت شامل بنظراتها اللامعة التي تشده إليها شدا..
وبمجرد أن دخلت ..رفعت الدفتر في وجه بسمة بابتسامة منتصرة مكتوبا فيه " لقد وافق أبي على أن اعمل لديك"
بينما غمغمت أم هاشم على البوابة بلهجة لطيفة وهي تعدل من وشاحها بحركة أنثوية عفوية "بالإذن يا استاذ كامل أو شامل على حسب من تكون"
××××
بعد قليل انتحت بسمة بونس جانبا بعدما أخبرتها أم هاشم بأنها وجدتها تقف مع أحد التوأمين وكانا يضحكان .. ولا تدري لمَ تساءلت في سرها لأول وهلة أهو كامل أم توأمه .. ولا تدري أيضا لمَ شعرت بالانزعاج ليس فقط لأنها تخاف على ونس ولكن لفكرة أن تكون الأخيرة قد تصالحت مع كامل وكانا يضحكان .. لكن انطباعها عن كامل وعجرفته جعلها تستبعد أن يكون هو..
عادت تنفض عنها تلك الأفكارالتي وصفتها بالتافهة وغمغمت في سرها " كامل أو شامل ما شأني أنا .. المهم أن أحذر البنت الساذجة من التمادي في الأمر "
وقالت لونس التي وقفت تتفحصها بحاجبين معقودين منتظرة لتعرف ماذا تريد أن تخبرها به " اسمعي يا ونس .. هذان الشابان في بيت الجد صالح غريبان عن البلدة وحتى لو كانا من أهل البلدة تعرفين بأنه لا يصح أن تقفي مع أحدهما وتتسامري ومثل هذه الأمور"
أطرقت ونس برأسها بوجنتين مشتعلتين.. فرفعت بسمة لها ذقنها وأكملت" أنا اتحدث معك لأن أمرك يهمني ولأني أخشى عليك من كلام الناس خاصة وأن هذه ليست المرة الأولى التي أراك فيها تحتكين بأحد التوأمين .. كما احذرك من أن يصل الأمر للعم عيد فأنت تعرفينه أكثر منا "
حاولت ونس الهرب بنظراتها معترفة بكل ما تقوله بسمة لكنها لا تعرف كيف توقف هذا الاندفاع الذي تشعر به تجاه شامل فعادت بسمة تقول "هل تتفقين معي فيما أقول؟"
بفتور أومأت ونس برأسها ايجابا ..فربتت بسمة على كتفها مغمغمة " هيا اذهبي إلى العمل "
في الخارج ركنت مليكة سيارتها الصغيرة أمام البوابة وترجلت منها تطل عليهن بأناقتها المعتادة في عباءة من قماش الجينز وبتلك الهالة التي تخصها من الوقار الممزوج بالجمال الارستقراطي الهادئ .. فهللت ونس لرؤيتها واسرعت تهرول إليها كطفلة تطوقها بذراعيها .
استقبلت مليكة احضانها بسعادة وتأثر قبل أن تدخل لتحيي الجميع وتقول" كيف حالك يا خالة نصرة مبارك لأسراء سامحيني لم استطع الحضور"
ردت نصرة ببشاشة في جلستها أمام إحدى الطاولات تقود عمل الفتيات "بارك الله لك يا أميرة يا بنت الأمراء"
استدارت مليكة لبسمة تقول بلهجة شقية "أخيرا استطعت المجيء لأنشر بركاتي على المشروع.. أعرف بأنكن كنتن في انتظارها.. (واخفضت صوتها تقول لبسمة بإغاظة ) واطمئن على أن المكان خالي من الكلاب "
ناظرتها بسمة بغيظ لتقول أم هاشم" هل اخبرتك بما حدث صباح اليوم؟ "
نظرت مليكة لبسمة بنظرات متشفية ثم قالت لأم هاشم "قصت لي الأمر على الهاتف منذ قليل "
قالت أم هاشم بسعادة" تعالي تعالي فقد اكتملت الجلسة بحضورك (وصاحت في الفتيات خلفها ) واحدة منكن تحضر كرسي لبنت الصوالحة"
ضحكت مليكة فعادت إليها أم هاشم تقول بلهجة طفولية متفاخرة وهي تعدل من هندامها " هذا بعض الاستعراض أمامك لأريك بأني مسيطرة على الوضع ..وأراقب الشاردة والواردة هنا "
ضحكت الفتيات الثلاث وشاركتهن ونس ثم قالت بسمة مازحة وهي تنظر لمليكة بنظرة حاقدة" احقد عليك لأنك تتقنين قيادة السيارة يا بنت الصوالحة"
طالعتها مليكة بنظرة متعالية من فوق كتفها وردت بفخر صبياني مغيظة "هذه أشياء نتعلمها منذ الصغر حبيبتي في عائلتنا ..قيادة السيارة .. ركوب الخيل (وسألت بسمة سؤالا خبيثا تعرف اجابته جيدا ) هل تركبين الخيل ؟"
مطت بسمة شفتيها بامتعاض بينما انفجرت أم هاشم ضاحكة فظهرت غمازتيها ثم قالت بتأثر "اشتقت لهذه اللحظات المراهقة المشاكسة بيننا والله .. واشتقت لأيام الدراسة ولحياة خالية من الهموم والتفكير في المستقبل .. اشتقت إليكما جدا يا بنات "
عاد الوجوم لوجه مليكة وهي تعود بذاكرتها للخلف .. لأيام الدراسة .. فعضت أم هاشم على شفتها قبل أن تتدخل بسمة وتقول بتهكم مقصود " ما بك يا أم هاشم لمَ كل هذا التأثر هل تنتظرين ظروفك الشهرية يا فتاة"
أشاحت أم هاشم بيدها مغمغمة "الهرمونات كلها منفجرة عندي يا اختاه لعدم الاستعمال"
عادت الضحكة لوجوه الثلاثة بينما عقدت ونس حاجبيها تحاول فهم المزحة وشكت بأن سماعتيها لم تلتقط جيدا ما قالته أم هاشم وضحكن عليه .
بعد قليل أغلقت مليكة الهاتف بعد أن طمأنت مفرح على وصولها لبسمة وسمعت إحدى الفتيات تهتف وهي تدلك ذراعيها "أخيرا الاستراحة( ثم هتفت بسعادة جمة) هيا يا بنات فلنبدأ الحفل"
رفعت مليكة حاجبيها في جلستها على أحد الكراسي الخشبية وراقبت فتاة أخرى تجري نحو البوابة لتغلقها ثم بدأت الفتيات بالتجمع حول نصرة ..فغمغمت بتساؤل "ماذا يحدث؟"
ابتسمت بسمة بينما ردت أم هاشم بامتعاض "هذا وقت المرقعة"
قالت بسمة بهدوء موضحة وهي تراقب نصرة التي تركت مقعدها الخشبي وافترشت الأرض بينما تحلق الفتيات يجلسن بجوارها على هيئة دائرة وكل منهن تفتح ما احضرته كلقمة بسيطة للغداء " البنات يأخذن نصف ساعة راحة عند الظهيرة فيستغلين وجود نصرة لتطبل وتغني وهن يرقصن"
اتسعت ابتسامة مليكة وردت" حقا .. هل سأرى المواهب اليوم؟"
ردت أم هاشم بلهجة ساخرة " مواهب ليست كأي مواهب (وصاحت في إحدى الفتيات التي قررت أن تفتتح الحفل) هيا أري الضيوف المواهب فهذا ما أنتن فالحات فيه لكن عند العمل تتحولن لكسيحات "
ردت الفتاة الواقفة في منتصف الدائرة استعدادا للرقص "أتدرين يا أم هاشم أن من أسباب حبي للعمل هنا هو وجود الخالة نصرة وطبلتها؟"
نظرت أم هاشم لبسمة ومليكة وقالت مستنكرة "أرأيتن الجيل الفاسد!"
قهقهت الفتاتان ثم قالت بسمة " دعيهن يفرغن بعضا من الطاقة فهذا هو الشيء الذي يخفف عنهن صعوبة الواقع .. أنا شخصيا ابتهج حينما أراهن يرقصن ويغنين وكأنهن بلا هموم "
قالت أم هاشم معترفة وهي تتطلع في الجالسات حول نصرة " أنا أيضا .. لا أنكر ذلك "
جلست ونس بجوار نصرة تنظر للفتيات فأزعجها صوت الطبلة .. فسماعتها تضايقها مؤخرا أكثر من السابق لهذا قررت نزعها لتستمع بدونها فأذنيها تلتقطان الأصوات العالية جدا بدون سماعة وصوت الطبلة مميز وجميل حتى لو كان بعيدا بدون تدخل تلك السماعة السخيفة التي تعصبها حين تلتقط الأصوات بتشويش .
قالت نصرة بوجه طفولي مفكرة " ماذا سأغني؟ .. ماذا سأغني؟ .. سأغني أغنية جاءت في رأسي صباح اليوم"
وبدأت في الضرب على الطبلة فقالت مليكة مقاطعة" هناك سؤال أريد أن أسئله لك يا خالة نصرة .. أنت بسم الله ما شاء الله صوتك رائع وينافس أقوى المغنيات المحترفات وتذكرينني بمطربات شعبيات شهيرات كخضرة محمد خضر وجمالات شيحة "
هتفت نصرة بحب وهي تضرب على صدرها "إنهما حبيباتي ومثلي الأعلى "
ضحكت مليكة وأكملت" وسؤالي الذي دوما أريد أن اسأله لك هل فعلا كان معروضا عليك كما سمعت أن تعملي مغنية لكن والدك رفض "
ردت نصرة بفخر طفولي وقد احمرت وجنتيها أكثر من احمرارهما "هذا صحيح .. حين كنت في الرابعة عشر جاءت الست جمالات شيحة إلى هنا لتحيي حفلا وقد تسللت إلى حيث يضيّفونها وأصريت عليها أن تسمعني .. (ورفعت عينيها بتأثر لأعلى شاردة وكأنها تستعيد الذكريات الجميلة واضافت ) وقتها انبهرت الست جمالات بصوتي وأخبرتني بأنني أمتلك صوتا يطعمني الشهد إن احترفت الغناء .. ولكنها طلبت مني أن أنتظر حتى يكتمل صوتي فلا يجب أن أرهقه في فترة المراهقة .. المهم عدت للبيت وأنا في غاية السعادة ولا أستطيع أن أصف لكن كيف شعرت ومطربة شعبية ذات صيت مثلها تستحسن صوتي .. (وعادت تنظر للمستمعات إليها بانبهار من الفتيات الشابات حولها وتضيف بحماس طفولي) ولن تصدقن أنها جاءت مرة أخرى بعدها بأربع سنوات فمنعني أبي من الخروج من البيت حين علم بوجودها في البلدة .. لكنه فوجئ بأنها تذكرني وبأنها سألت عني أهل البلدة فأتوا يخبرون أبي بأنها تطلب رؤيتي .. المهم تحرج أبي وتركني أذهب إليها .. وأخبرتني الست جمالات وقتها أنها تستطيع مساعدتي في تعريف الناس بصوتي ومن الممكن أن أنضم لفرقتها وألف معها كل المحافظات لأغني .. وقالت لأبي لتقنعه بأنه إن وافق على ذلك سترعاني كابنتها لأنها متحمسة لصوتي جدا"
سألتها إحدى المراهقات" ولماذا لم تذهبي معها يا خالتي هل رفض والدك ؟"
ردت نصرة ضاحكة بحرج وهي تمسك بطرف وشاحها وتغطي به فمها "ليس والدي فقط من رفض بل هلال أيضا رفض بشدة وأمرني بألا أذهب وأصر على أبي أن يعقد عليّ حتى لا أتهور وأذهب .. كان يعرفني أحب الغناء جدا "
هتفت احداهن بهيام "يا عيني يا عيني على الحب والغرام .. أين نحن من قصص الحب هذه .. حسرة علينا "
هتفت نصرة بغيظ" لأن أيامنا كانت أبسط بكثير .. أما أيامكن فمعقدة بأشياء لا يعلم بها إلا الله .. يكفي أني وهلال تزوجنا بالأساسيات في بيتنا وعلى قدر حالتنا المادية .. ولم يكن هناك تلك الطلبات المبالغ فيها حاليا ولم نكن نتنافس مع أحد "
صرخت الفتاة الواقفة في منتصف الحلقة بتبرم" الوقت يجري يا بنات وأنا تعبت من الوقفة"
اسرعت نصرة تطبل من جديد وبدأت تغني بصوتها الجميل:
من حبي فيك يا جاري
يا جاري من زمان
بخبي الشوق أداري
لا يعرفوا الجيران
غمغمت مليكة باستحسان" الله! .. أحب هذه الأغنية جدا وتذكرني بذكريات جميلة "
بينما لاح أمام عيني بسمة فجأة وجه كامل حين ابتسم هذا الصباح .. فأسرعت بهز رأسها وكأنها تنفض عنها ذبابة متطفلة وهمست لنفسها بامتعاض" لا توجد ميزة في ابتسامته أصلا ..فهي صورة طبق الأصل من ابتسامة توأمه"
أما أم هاشم فوجمت ملامحها وهمست في سرها" لماذا هذه الأغنية بالذات .. أنا لست في حالة نفسية جيدة لأتحملها"
وحياة حبك ما شبكنا
غير شِبّاكوا وشِبّاكنا
وعيون تنده وتشاور
وتدوب شوقها ببسمة
وعيون تفهم وتحاور
وتسلم ويا النسمة
في الخارج كان التوأمان أمام البوابة يستعدان للعودة للعاصمة وشهبندر يطل هو ولسانه من نافذة السيارة .. فتنامى لمسامعهما صوت الطبلة والغناء من الداخل فنظرا لبعضهما وابتسما وكل منهما يفكر فيمن تخصه.. ركب شامل أمام المقود يتطلع في هاتفه متسائلا إن كانت ونس ستراسله على الواتساب أم لا .. بينما جلس كامل بجواره يغلق باب السيارة لكن التفكير فيها لم يغلق في رأسه بعد .. ثم تحركت السيارة مودعة بيت الجد صالح على وعد بالعودة في الأسبوع القادم .
لما تصادف ع السلم
وتصبح ولا تسلم
قلبي بيرقص م الفرحة
والدنيا تدور حواليا
ماعرف إن كنت أنا رايحة
ماعرف إن كنت أنا جاية
وأخبي الشوق وأداري
ليعرفوا الجيران
اسرعت أم هاشم إلى داخل المخزن واختبأت في إحدى أركانه تداري دمعا مصرا على أن يسيل على وجنتيها .. وحاولت بقوة أن تطرد صورته التي تصر أن تتجسد أمام ناظريها فضربت على رأسها عدة مرات توبخ نفسها "أفيقي يا أم هاشم وتحكمي في نفسك ..هل أنت صغيرة على هذه المراهقة !"
لكن كلمات الأغنية كانت تأتيها من الخارج وتتسلل إلى قلبها بكل خبث وإصرار على إيلامها .. وتتحالف مع الدموع المصرة على التدفق من مآقيها .. لكن أم هاشم بكل تحدي لنفسها أصرت على مسحها ..وعلى استعادة سيطرتها على نفسها ومشاعرها كما تفعل دوما .. ثم سحبت نفسا طويلا وتحركت عائدة وصوت طبلة نصرة لا يزال يدق على قلبها لتفتح له باب الجراح الموصد عليها بألف قفل :
يوم ما تخبط على بابنا
وتجينا يا اعز أحبابنا
أهلك هتكلم أهلي
وتفرح عيني وقلبي
والقى الدنيا بتندهلي
في عنيك الحلوة حبايبي
واقول لك ايه يا جاري
هقولك قايدة ناري
وأخبي الشوق وأداري أدراي
لا يعرفوا الجيران
نادت مليكة أم هاشم تسألها" أين ذهبتِ؟"
غمغمت الأخيرة وهي تداري وجهها" كنت أتأكد من عدد الطلبات التي تم انجازها في انتظار أن تنتهي وصلة المرقعة هذه (وهتفت في الفتيات بحزم ) هيا انتهت فترة الراحة منذ عشر دقائق "
بتبرم تحركت الفتيات لتعدن للعمل .. فقالت مليكة وهي تغمز بسمة "حازمة هذه البنت"
ردت بسمة معترفة" الحقيقة تستطيع ببراعة ادارتهن أكثر مني أشهد لها بذلك"
نظرت مليكة لساعتها ثم قالت بسرعة "تأخرت ..والأولاد على وشك الوصول علي أن أذهب بسرعة"
هتفت بسمة "بهذه السرعة!"
××××
في المساء
بمقلتين مقلوبتين كان جالسا يناظرهما مباعدا ما بين ساقيه ويديه في جيبي جلبابه البسيط .. بينما الصمت الرهيب يعم الجلسة بشكل مضحك .. فازدادت حرارة وجنتي اسراء وهي تتطلع بعينيها العسليتين في والدها الجالس أمامها بهذا الشكل وضحكة تريد أن تفلت منها بينما هرش طلال في رأسه بحرج وبعض الضيق وسأله للمرة العاشرة تقريبا" كيف حالك يا عمي؟"
أجابه هلال بنفس الاجابة" بخير والحمد لله .. كيف حالك أنت "
من المطبخ نادته نصرة "يا هلال .. يا أبا كريم"
بشفتين مزمومتين وضع هلال قدميه في الخف وتحرك متبرما يترك الصالة متجها نحو المطبخ.. فاستقبلته نصرة بتوبيخ هامس "ماذا هناك يا رجل هل ستكبس على أنفاسهما طوال الوقت؟"
هتف باستنكار" وهل تريدين مني أن أوصلهما لباب غرفة النوم واغلق عليهما !.. ألا يكفي بأنه يحدثها طوال اليوم في الهاتف .. هذا الولد لا ارتاح له .."
اسرعت نصرة بوضع كفها على فمه لتسكته وهي تقول بتوبيخ هامس "اخفض صوتك يا هلال سيسمعك .. أنا فقط أقول اتركهما بضع الدقائق وحدهما فهما في صالة البيت ليسا في غرفة مغلقة عليهما"
ناظرها هلال بمقلتين مقلوبتين لثوان ثم نادى خلفه" يا كريم"
عقدت نصرة حاجبيها ..فأتى كريم مسرعا ليقول له هلال مشيرا له بعينيه" اذهب واجلس في الصالة .. تفهمني أليس كذلك"
بابتسامة محرجة هز كريم رأسه مختلسا نظرة سريعة نحو أمه قبل أن يذهب ..فعاد هلال ينظر إليها بتحدٍ صبياني جعلها تضرب كفا بكف وتنظر للسماء وتشتكي في صمت ..فمط هلال شفتيه وقال وهو يستدير "انتهي من هذا الطعام حتى يأكل ويغادر ..أنا متعب بشدة من العمل وأريد أن أنام"
اسرعت نصرة بمناداته قبل أن يغادر فاستدار إليها بملامح متسائلة.
اعتراها الارتباك الشديد .. فمنذ أمس وهي مترددة في إخباره بأنها ذهبت لمحل جابر ولا تعرف هل تخبره بأنها بالفعل قد اختارت وبأنه وعدها بتخزين البضاعة باسمهم أم تحاول أن تقنعه أولا ليذهب معها وكأنها المرة الأولى ؟..والسؤال الأهم هل سيخبره جابر بما حدث؟.
عادت تستبعد من رأسها الخاطرة الأخيرة ..فهي تثق في أن جابر رجل حكيم وذكي ولن يتحدث مع هلال من تلقاء نفسه .
ضيق هلال عينيه وسألها باندهاش "هل ناديتني لتسمعيني سكاتك يا نصرة؟!"
جبنت نصرة من إخباره.. فأسرعت بقول أول ما جاء إلى رأسها "ما هي احوالك في العمل الجديد؟"
لاح الضيق على وجه هلال ورد بوجوم" أنا غير مرتاح بالمرة يا نصرة ..أشعر بالمهانة وأنا اتلقى أوامر من شاب أرعن في العشرين من عمره لا يحترم سن ولا يحترم أحد ..لكني أصبّر نفسي على أمل أن يشفى والده وينزل للعمل ..فالرجل صحيح سخيف ومتعجرف كابنه لكنه على الأقل يتعامل بمهنية اكتسبها بخبرة السنين"
اشفقت نصرة عليه.. فربتت على صدره مشجعة وهي تقول "أعرف يا هلال بأنك غير مرتاح ولا أجد ما أقوله لك إلا أن أدعو بأن يرزقك الله برزق أولادك"
أومأ هلال برأسه بغير رضا واستدار مغادرا المطبخ بعد أن قال "اسرعي في الطعام يا نصرة أنا صدقا متعب جدا وأرغب في النوم مبكرا .. فاليوم اضطرت لحمل الاخشاب مع العمال لغياب بعضهم "
شعرت نصرة بالشفقة عليه وبالخزي من نفسها أكثر.. فهذه أول مرة تخفي عنه شيئا أو تفعل شيئا دون علمه ..لكن عناده بشأن التعامل مع جابر هو ما دفعها لفعل ما فعلت فهو الحل الاسهل والأقرب من المنطق والذي سيرمي من فوق اكتافهم نصف الحمل تقريبا .. فرفعت نظرها للسماء تقول" حِلّها من عندك يا رب أنا تعبت من التفكير"
في الصالة نظرت إسراء لكريم الجالس أمامهما على نفس مقعد والده يلعب على هاتفه ثم سألت طلال في محاولة منها لفك جمودها معه "ماذا فعلت في مشكلتك مع المدير؟"
رد هلال مطمئنا "لا بأس أصريت على أن أوضح له سوء الفهم مثلما نصحتني وهو تفهم الأمر"
غمغمت إسراء" الحمد لله"
تسللت يد طلال ليضعها فوق يدها الموضوعة بينهما على الأريكة فأسرعت بإبعاد يدها بحرج وهي تختلس النظرات لكريم المستغرق في اللعب ثم عادت لطلال تحدجه بنظرات موبخة جعلت الأخير يبستم بشقاوة وهمست بلهجة حازمة "قلت لك لا أحب هذا يا طلال .. لو كررتها صدقني ....."
قاطعها طلال يرفع كفيه في الهواء مستسلما وهو يقول بسرعة "آسف ..آسف يا أبلة ( ثم أضاف بلهجة ذات مغزى) صبرني يا رب على الأيام المتبقية"
بلهجة عملية وببعض الحرج قالت اسراء "طلال أريد أن أتحدث معك في موضوع ..وفضلت أن يكون وجها لوجه"
عقد طلال حاجبيه وقد شعر بالقلق من جديتها ..لتقول اسراء" أنت تعلم بأن مهلة الشهرين هذه لن تتيح حتى لأغنى العائلات تجهيز إحدى بناتها بكل شيء ..وتعرف أيضا حالة الغلاء في البلد هذه الأيام .. لهذا أنا اشترطت على أمي ألا تشتري إلا الأساسيات .. بالطبع لن نقل في التجهيز عن أساسيات البيت العصري لكن ما قصدته بأني لا أريد أن أدخل في سباق ..كم غسالة أحضرت وكم ثلاجة وكم فوطة وهذه الامور (وبلعت ريقها تكمل )ولأكون صادقة ..لو كانت حالتنا المادية تسمح بشراء أكثر من ذلك لم أكن لأفعلها ..فأنا أرى أن ما يحدث حاليا هو نوعا من المبالغة المقيتة التي يجب أن نكف عنها"
اتسعت ابتسامة طلال وقال" الحقيقة أنا لا افكر في هذه الأمور ولا أركز فيها (واكمل بلهجة حارة شقية ) أنا كل ما افكر فيه هو اليوم الذي ستكونين فيه حلالي حتى لو سنُزَف في الشقة فارغة"
اختلست النظر لكريم ثم أطرقت برأسها بخجل شديد قبل أن تتنحنح وتستحضر حزم المعلمة وتقول "ووالدتك؟.. أنا أخشى ألا يعجبها ذلك مثلما لم يعجبها حفل الخطبة"
رد طلال " بصراحة أنا لا أعرف رأي أمي .. ولا أذكر يوم زواج أخي حمدي ماذا كانت تفاصيل الزواج خاصة وأنه قد حدث منذ عدة سنوات لكن ما أنا أكيد منه أن الأمر سيمر كما مر يوم الخطبة إن شاء الله "
قالت اسراء بإصرار" لكني قلقة يا طلال"
قال طلال مطمئنا "لا تشغلي بالك سأتحدث معها في هذا الأمر"
بلعت اسراء شعورها بالضيق وبغصة مُرة في حلقها وأطرقت برأسها شاردة ..فبرغم من صدقها في أنها لا تحب المبالغة ولا ترغب في أن تدخل في منافسة سخيفة للمفاخرة بما ستجهز به بيتها .. لكن ضيق الحال سيجعل الجميع يخمن بأن ذلك بسبب ظروفهم المادية التي لم تعد تخفى على أحد.. وليس لأنها جادة في رغبتها في عدم الدخول في منافسة مع أحد ..
ليتها ميسورة الحال لتقف بكل شجاعة وتصر على ما تنويه دون أن يعايرها أحد بضيق الحال .
قطع شرودها دخول والدها وهو يقول بابتسامة صفراء مصطنعة "إسراء أمك تغرف الطعام ..هلا ساعدتها؟.. فلابد وأن طلال قد شعر بالجوع "
××××
بعد يومين
مساء
أغلقت ونس باب غرفتها عليها وعادت للهاتف بحيرة تزداد كل دقيقة .. تكاد تجن وترسل لشامل على الواتساب .. خاصة حينما علمت بأنه قد غادر مجددا وبأنه يأتي ليوم وليلة أو أكثر كل اسبوع ثم يعود للعاصمة .
أمسكت بالهاتف وباندفاع تعبت من إيقافه كتبت على الواتساب " مساء الخير "
انفجرت ضربات قلبها بعنف وهي تحدق في الرسالة التي وصلته وظلت تنظر في الهاتف كل دقيقة لترى إن كان قد قرأها أم لا .
في المطعم كان شامل يقف في المطبخ مع الطباخين يخبرهم بآخر التعليمات قبل إعادة افتتاح المطعم في اليوم التالي بعد توسعته وتجديده بينما كامل في صالة المطعم يتابع مع العاملين ترتيب المقاعد وديكور المكان .. لينتحي الأول بعد قليل جانبا ويخرج الهاتف من جيبه يضحك من نفسه ساخرا مما يفعله من سلوك مراهقين صغار على مدى يومين وهو يتطلع في الهاتف كل ساعة تقريبا متأملا في أن ترسل له ونس أية رسالة.. وتسارعت دقات قلبه حينما وجد رسالة على الواتساب من رقم غير مسجل ..
دقق في الصورة الرمزية للرقم فوجدها صورة حديقة من الورد مختلفة الألوان .. فكتب بسرعة "مساء النور "
انتفضت ونس بمجرد أن أضيئت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسالة وحين قرأتها انفجرت دقات قلبها بعنف شديد .
كتبت " هذا .. أنا"
ابتسم شامل وكتب " مرحبا يا .. أنتِ"
كتبت " هل تعرف من أنا ؟"
اتسعت ابتسامة شامل وكتب "أمممم.. دعيني أفكر "
باندفاع كتبت" هل هناك أكثر من فتاة تراسلك ؟"
قهقه شامل وانفجرت ضربات قلبه فحك جبينه غير مصدق لما يحدث معه فهو ليس غشيما وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مع فتاة لكنه يشعر بالفعل بأنها المرة التي.. (لم تحدث له من قبل) .
كتب شامل " وهل هذا يهمك؟"
ساد الصمت لبرهة قبل أن تكتب ونس لتداري اندفاعها " لا .. لا يهم "
كتب شامل بمكر " إذا لمَ كنت تسألي ؟"
ارتبكت ونس وتركت الهاتف تقضم أظافرها .. إنها ترغب في أن تكون تلقائية معه .. تريد أن تتتبع شعورها تجاهه .. وفي الوقت نفسه تخشى بأن يظنها فتاة سهلة ومنحلة ..
أضيئ الهاتف باستلام رسالة جديدة فأسرعت بقراءتها " ألا زلت موجودة؟"
غلبها الاندفاع وغلبتها تلقائيتها فكتبت "سألت لأني كنت أريد أن أعرف هل ستعرفني دون أن أخبرك أم لا "
ترددت قليلا ثم ضغطت على زر إرسال.. فابتسم شامل وكتب بمشاكسة " وهل هذا يهم ؟"
ساد الصمت للحظات فهرش شامل في رأسه وهو يشعر بقلة صبره في انتظار ردها .. وتأكد له بأن ما يحدث معه يحدث معها هي الأخرى .
كتبت ونس " يهمني أكثر مما تتصور "
بمجرد أن قرأها شامل أسرعت ونس بحذفها ثم ضربت رأسها بيدها عدة مرات موبخة بينما رفع شامل حاجبيه وهو يرى الرسالة التي حذفت من أمامه .
صوت كامل من خارج المطبخ يناديه "شامل تعال لحظات أريدك "
فصاح الأخير " قادم "
قبل أن تكتب ونس له " لا بأس انس الأمر"
كتب شامل لينهي حيرتها " أجل أعرف بأنك ونس الشقية "
اتسعت ابتسامتها وهزت قبضتيها في الهواء بانتصار .. ثم ألقت بنفسها للخلف على السرير ترفع قدميها في الهواء بالتبادل بسعادة قبل أن يضيء الهاتف من جديد فاعتدلت تلتقطه وهي ترفع عن وجهها شعرها الكستنائي المموج ثم تقرأ " كيف حالك يا ونس؟"
كتبت بحماس " أنا بخير .. كنت أريد أن اسألك عن روابط المواقع الأجنبية التي حدثتني عنها "
كتب شامل يرد " حاضر .. هلا اعطيتني بضع ساعات فأنا مشغول في ترتيبات المطعم الخاص بي لأن إعادة افتتاحه غدا وهناك الكثير من العمل لإنجازه "
كتبت ونس " لا بأس سأنتظر منك الرد .. آسفة على الازعاج ( وجه محرج مغطى بكفين ) "
كتب شامل " لا يوجد أي ازعاج أبدا ..لنتحدث فيما بعد .. سلام "
كتبت ونس "سلام"
ثم عادت لتستلقي وتحدق في سقف الغرفة الذي أكلته الرطوبة تضع كفها فوق قلبها وتتنهد بحرارة تنافس حرارة وجنتيها وهمست في سرها " اليوم لن أنام .. لربما أرسل لي في وقت متأخر وأنا نائمة "
أما شامل فأعاد الهاتف لجيبه يحدث نفسه" تبدو مختلفة على الواتساب .. بل تبدو أكثر رزانة وهدوءً"
جاءه صوت كامل من بعيد عصبيا " يا شامااااال "
هدر شامل بانزعاج وهو يتحرك ذاهبا إليه "قلت حاضر يا زفت حاضر "
×××××
في ساعة متأخرة من الليل
في الظلام.. وعلى صوت حشرات الليل ونقيق الضفادع تحرك ذلك الظل .. يمشي بالدراجة بجوار الترعة برتابة وبطء .. حتى توقف بجوار أحد الحقول .. ليتحرك ظل ذلك الشخص الذي فوق الدراجة ويكور قطعة من القماش رائحة البنزين تفوح منها بقوة .. فيخرج ولاعة ويشعل طرف القماش قبل أن يلقيها بأعصاب باردة على أحد الحقول..
وظل ساكنا لثوان يشاهد النار التي بدأت تأكل في جزء من المزروعات قبل أن تتحرك الدراجة بهدوء ويواصل طريقه مبتعدا.
بعد دقائق كان أحد الاشخاص يطلق صفيرا متتاليا قبل أن يطلق صوته صائحا "حريق .. حريق في حقل أولاد عابد "
