رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل العاشر
بعد اسبوعين
في موعدها ككل يوم لزيارة مزرعة العمدة نزلت بسمة من التوكتوك وارتبكت حينما وجدت تلك السيارة السوداء الضخمة مرابطة أمام بيت الجد صالح.
هل عاد؟
بعد اسبوعين لم يظهر فيهما عاد.
استدارت تدخل المزرعة متقبضة وهي تتساءل أ جاء هو أم توأمه أم الاثنان معا؟ ..
في حالة من الغضب من نفسها تحركت بعد أن حيّت العمال متجهة إلى الصوبات وهي تنهر نفسها على هذا الاهتمام الذي يسيطر عليها منذ أن جاء هذا المتعجرف ليسكن في بيتها ..
لماذا لا تتجاهل وجوده ؟
لمَ تهتم لذهابه أو عودته ؟..
ما قالته لها مليكة وما لاحظته أم هاشم عن التغير الذي يحدث لها في وجوده يشعرها بالغضب من نفسها .. فهي تعطيه حجما وأهمية اكبر مما يستحق .. تفكر فيه أكثر مما يجب .. يستعيد عقلها وجهه وهيئته وكل ما يخصه بتكرار مقيت يعصبها ويشعرها بالغيظ والغضب .. يشعرها بأنها تفقد تحكمها في ذاتها ..
وهذا يخيفها ..
عند اقترابها من مدخل الصوبات لمحته..
أجل إنه هو الذي يتحدث مع العمال ويشير على بعض الاقفاص التي يبدو بأنها سترسل اليوم لمطعمه في العاصمة..
التقت العيون بنظرة خاطفة جعلتها تسرع بدخول الصوبة في تجاهل مزيف.. وجعلته يسحب عينيه بسرعة عنها حتى لا يلاحظه العمال ..
لكن قلبه كان يناقض هيئته الهادئة الجادة المتعالية.. قلبه كان يقفز ويرقص كطفل صغير سعيد يستقبل المطر في يوم شديد القيظ ..
لقد انشغل في إعادة افتتاح المطعم الأيام الماضية لكن ذهنه كان معها طوال الوقت..
كانت تحاصره .. تخرج إليه من كل الزوايا والأركان.. تقفز الى مخيلته مهما ألهى نفسه عنها ..حتى أنه حاول أن يعود لشلة الأصحاب ليقضي معهم بعض الوقت كما كان يفعل أحيانا لكنه كان فاقدا للشغف.. شاردا عنهم .. حتى شامل كان مختلفا هو الأخر وهذا ما لاحظه الجميع .. فاستغل أول فرصة استطاع فيها هو وتوأمه الحضور وحضرا في وقت مبكر جدا من اليوم .. يسبقهما الشوق لملاقاة الأحبة.
فشامل أيضا منجذب لتلك الهبلاء .. هذا الأمر أصبح هو اكيد منه .. يكفي بأنه لا يكف عن التحدث معها على الواتساب طوال الوقت .
بعد قليل خرجت بسمة من الصوبة .. بعد أن تممت على الوضع فيها وبعد أن شعرت بالثقة في نفسها وهي ترتدي اليوم ما تحبه من الملابس.. بنطال من بناطيلها الجينز التي تحبها وعليه بلوزة ربيعية طويلة وذلك الوشاح الذي يغطي نصف رأسها .
بإنكار لما يعتريها من مراهقة أنثوية متأخرة تحركت بسمة تبحث عنه بنظرات مختلسة من طارف عينيها .. وبمجرد أن لمحته يتحدث في الهاتف زفرت بضيق وغمغمت لنفسها "لماذا يقف ناحية البوابة ما قلة الذوق هذه !"
تحركت نحو الداخل تتمشى بهدوء وروية وهي تغمغم "فلننتظر قليلا حتى ينتهي سعادته من المكالمة ويفسح الطريق .. فلست في مزاج لرؤية هيئته المستفزة"
لمحتها عيناه وهي تتجاوز الصوبات وتدخل للداخل وهو الذي كان ينتظر مرورها عند البوابة ليراها عن قرب .. فحانت منه نظرات مختلسة للعمال المشغولين بتجهيز الاقفاص التي تخص مطعمه والتي ستنقلها إحدى الشاحنات بعد قليل وتحرك خلفها وهو لا يزال يتحدث في الهاتف .
ساقتها قدماها نحو مزارع الفاكهة والتي هي في البقعة الهادئة نسبيا في أخر المزرعة وبحدس الأنثى استشعرت وجوده خلفها حتى قبل أن تلتقط أذناها حديثه في الهاتف فزفرت وقررت تجاهله وتصنع عدم ملاحظتها لوجوده .
راقبها كامل بذهن شارد عما يقال له في الهاتف وتأملها كيف تتحرك بخفة غزال بين أشجار الفاكهة .. وبخطوات هادئة سار بالتوازي على الناحية المقابلة
صرخت أمه في الهاتف" هل تسمعني يا كامل أم أني أحدث نفسي"
انتبه كامل وقال "اسمعك يا سوسو ..اسمعك والله حاضر لا تقلقي لقد رتبت هذا الأمر معه"
غمغمت بسمة بقرف" سوسو !"
قالت سوسو متنهدة " إذن سأترك لكما الأمر لأن أبوكما عنيد وأنا تعبت والله ..طلبت منه ألا يخرج للمطعم اليوم وأن يستريح وبأنكما تركتما من يباشر الأمور فيه لكنه مصر بل إنه منذ الصباح يتخذ مقعده المعتاد في المطعم ويباشر هذه وتلك"
قال كامل مطمئنا" اتركيه يفعل ما يريد مادام لا يجهد نفسه"
باستهجان أخذت مخيلة بسمة تتصور شكلا لمن تدعى (سوسو ) هذه .. وانتابتها حالة من الغيظ المكبوت من اهتمامها أصلا بالأمر ومع هذا غمغمت في سرها وهي تمد يدها وتلتقط عنقودا من العنب "قمة الوقاحة"
سألته سوسو بانزعاج" وأين شامل لا يرد عليّ؟"
رد كامل وعيناه تتابعان بسمة التي التقطت عنقودا من العنب "شامل في البيت ربما يضع هاتفه على الوضع الصامت سأخبره بأن يتصل بك"
بحركة استعراضية رفعت بسمة العنقود بعد أن مسحته بكفها وكأنها تثبت لنفسها وله أنها لا تنتبه لوجوده وبدأت تلتقط من طرفه بفمها حبة عنب كما كانت تفعل دوما وهي صغيرة .. تتسابق هي ومليكة لالتقاط حبات العنب وأكلها بهذا الوضع ..فاتسعت ابتسامة كامل وهو يتابع ما تفعل .. وتفوه ببعض العبارات المودعة لأمه بدون تركيز قبل أن يغلق الخط ..ثم توقف يتابعها من تلك المسافة التي تفصل بينهما متمتما بما جاء على لسانه:
" تلهو كطفلة ولا تبالي
بقلب يصبو لمُحال "
ثم هرش في أرنبة أنفه ينظر حوله ليتأكد من خلو المكان .. لكنه عاد يحذر نفسه من أي تهور يفكر فيه بانتهاز الفرصة للتحدث معها.
كان الالحاح بداخله شديدا للاقتراب واختلاق أي حجة للحديث ..
أي حديث حتى لو مشاجرة كما يحدث دوما فعليه أن يعترف لنفسه بأنه اشتاق إليها بشدة .. لكنه عاد وذكر نفسه بأن ذلك لا يصح هنا .. ذكر نفسه بمفرح وبأن شيئا متعمدا كهذا يعيبه كصديق .. وذكر نفسه بمصلحتها فلو رآهما أحد لن يكون ذلك جيدا.. فاستجمع قواه وهم بالمغادرة ملقيا عليها نظرة سريعة ليملأ عينيه برؤياها وهي تلهو بالتقاط العنب بفمها كالفتيات الصغيرات ترفع العنقود وتمد شفتيها لتلقط واحدة فتدفقت الحمم السائلة في عروقه دفعة واحدة قبل أن تجحظ عيناه فجأة في اللحظة التالية ويسقط قلبه بين قدميه .
كانت بسمة قبل ثوان على حالتها تدعي اللامبالاة وتعيش لحظات طفولية لا تعرف كيف سيطرت عليها فجأة .. وفي خضم صراعها الفكري وفي لحظة تتسارع فيها المشاعر المتناقضة بلعت حبة عنب كاملة بحجم عقلة الأصبع وخلال ثوان كانت تختنق حتى أن العنقود سقط منها أرضا.
مالت بسمة للأمام تحاول اخراج الحبة التي وقفت في بلعومها وحاولت السعال لكن الاختناق كان شديدا وبدأت تتوسل لنفس واحد ..في الوقت الذي أسرع كامل نحوها يسألها بجزع "باسمة هل أنت بخير؟"
في الثانية الأخرى وحين لم ترد كان كامل يضرب بباطن يده على ظهرها ضربتين متتاليتين لإسعافها لكن ذلك لم يسعفها بل مالت بجذعها للأمام أكثر تشهق بقوة طلبا للهواء وشحب لونها تماما..
و للحظة ظنتها النهاية .. وقد ازداد شعورها بالاختناق ..
وبرغم ذلك كان شبح الخوف من الناس يظهر أمامها كفزاعة حتى وهي على حافة الموت.. فأشاحت له بيدها ليبتعد.
انه ذلك الرعب الخفي من ألسنة الناس ..
ذلك الشعور البشع بأن يخطئ الأخرون فهمك ..
الخوف ..
من سياط الألسنة الجارحة والخيالات المريضة التي ترعبك حتى وأنت تصارع ما هو أكثر رعبا ورهبة ..
حتى وأنت تصارع الموت .
تجاهل كامل حركتها واقترب أكثر مستمرا في الضرب على ظهرها بحزم وإصرار وعقله يعمل بسرعة لاستعادة خطوات الاسعافات الأولية لحالات الاختناق مقررا أن يلجأ للخطوة التالية إن لم تستجب .. فضغط على عنقها من الخلف لتميل للأمام أكثر وضربها بباطن يده على ظهرها .. فخرجت حبة العنب من حلقها وسعلت بسمة بشدة قبل أن تنزل على ركبتيها أرضا وهي تشهق بقوة شديدة تسحب أكبر قدر من الهواء إلى صدرها .
تنفس كامل الصعداء ونزل على ركبته بجوارها يسألها وهو يلهث هو الأخر وكأنه كان يختنق معها" باسمة أأنت بخير؟ حاولي السعال ..واسحبي نفسا عميقا "
أشارت له بذراعها دون أن تنظر إليه بأن يبتعد .. فأشفق عليها أن تكون مرتعبة إلى هذا الحد من أن يراهما أحد رغم اللحظة الصعبة التي مرت بها منذ دقيقة .. فقال بلهجة حازمة "حاولي السعال يا باسمة"
بدأت بسمة تسعل وتشهق بشكل متتابع فنظر كامل حوله يبحث عن مصدر للمياه قبل أن يستقيم واقفا ويسرع إلى صنبور أرضي يملأ منه كفيه ويعود إليها قائلا "ضمي كفيك وخذي بعضا من الماء لتشربي "
بنفس وقفتها على ركبتيها رفعت كفيها فكانتا ملطختان بالطين فعادت لإنزالهما أرضا ودخلت في نوبة سعال متتالية ليسرع كامل بمد كفيه بالماء بسرعة يقربها من وجهها ..
أشاحت بسمة بذراعها أثناء صراعها لتنظيم أنفاسها لتخبره بأن يذهب ..فهدر فيها بحزم" اشربي أولا وسأنصرف بعدها فورا ..هيا"
كانت ترتجف ..
وكانت تشعر بالخوف ..
وكيف لا تشعر بذلك وقد اقتربت من الموت منذ لحظات .
وكانت بحاجة ماسة للاستسلام.
بحاجة ماسة للكف عن التفكير.
وبحاجة لشربة ماء من كف ممدود إليها.
رفع كامل كفيه نحوها بإصرار.. فمالت برأسها لتشرب من بين كفيه رشفتين .. استقام بعدها كامل واقفا ..وتحرك خطوتين متثاقلتين للخلف يرفع شعره عن جبهته بمشط يده قبل أن يسرع مغادرا يبحث عن شخص مناسب ليرسله إليها.
لم يجد كامل حوله سوى عمال المزرعة الذين لا يزالون منشغلين برص الاقفاص فوق الشاحنة التي وصلت منذ دقائق .. فخرج من البوابة بخطوات سريعة واتجه إلى بوابة المشروع يتفحص وجوه الفتيات اللاتي بدأن في الوصول قبل أن يميز من بينهن أم هاشم التي رفعت حاجبا وهي تراه يدخل بهذا الاندفاع عبر البوابة فأسرعت بهندمة وشاحها على رأسها ليقول كامل بلهجة جادة "يا أنت ...يا hr"
اقتربت أم هاشم وهي تتساءل في سرها أهذا شامل أم كامل قبل أن يقول الأخير " باسمة .. اذهبي لباسمة بسرعة .. هناك في المزرعة تحتاج لمساعدة"
طارت الشقاوة من وجه أم هاشم وسألته بسرعة وهي تتحرك مع خطواته "ماذا تعني؟؟.. ما بها بسمة"
قال كامل بعبوس "اذهبي إليها الآن في المزرعة ستجدينها عند أشجار الفاكهة"
اسرعت أم هاشم بقلق تدخل المزرعة مهرولة واستعادت بسرعة خريطة المكان من الذاكرة حين كانت تأتي إلى هنا وهي صغيرة مع البنات فتلفتت حولها تنادي بهلع" بسمة"
بعد دقيقة كانت بسمة تحاول النهوض وهي تنطق بالشهادتين براحة وقد انتظمت انفاسها رغم ذلك الشعور غير المريح في قصبتها الهوائية ..فأسرعت أم هاشم نحوها تسألها بقلق "ماذا حدث يا بسمة ما بك؟"
بعد دقائق كان كامل لا يزال واقفا بجوار الشاحنة التي أوشكت على المغادرة و كل ذهنه مشغولا بها حتى خرجت تمسك بذراع صاحبتها وتمشي ببطء حتى دخلت للبوابة الأخرى.. فزفر براحة وسمح لنفسه أخيرا بالاسترخاء و..
استعادة ملمس شفتيها وطابع حسنها على كفه ..
××××
بعد ساعة
كتبت ونس على الواتساب وهي تقف في ساحة المشروع "أنا وصلت منذ قليل "
في بيت الجد صالح اسرع شامل بفتح الرسائل بلهفة بعد أن انتهى من الاتصال بوالدته وكتب " وأنا أيضا وصلت منذ قليل"
اتسعت ابتسامتها بفرحة شديدة وأدخلت خصلاتها الكستنائية الفارة من الوشاح وكتبت " حمدا لله على سلامتك "
كتب شامل " ونس "
"نعم"
ترددت أصابعه على الأحرف للحظات ثم كتب" احضرت لك شيئا لكني لا أريد أن اعطيك إياه أمام العاملات فسأتركه بين البوابتين وانتظري مني إشارة لتخرجي لالتقاطه"
نظرت حولها بارتباك وقضمت ظفرها قبل أن تكتب "حاضر"
خرج شامل وتأكد من خلو الطريق من المارة قبل أن يضع كيسا ملفوفا بين البوابتين ويسرع بالدخول مغلقا البوابة ثم كتب "وضعتها"
خرجت ونس تنظر للفتيات خلفها ثم التقطت الكيس وعادت للدخول وهي ترتجف ..
ترتجف رهبة .. وترقب .. وسعادة.
الأيام الماضية لم يكفا عن الحديث ..بدأ بالصلصال الحراري وتلك الروابط التي أرسلها لها ..وتطورت للدردشة عن أجمل التصاميم التي رأتها من الصلصال الحراري وتمنت أن تنفذها ..ثم تطور بعد ذلك لتبادل المعلومات عن بعضهما البعض فصور لها شامل المطعم .. وصور لها تصاميما للكعكات صنعها بعجينة السكر أعجبتها بشدة .
لم تستطع ونس الصبر ففتحت الكيس لتجد علبة كبيرة من الصلصال الحراري .. وعلى الرغم من فرحتها الشديدة إلا أنها ولأول مرة تتحكم في ردة فعلها فلم تقفز ولم تهلل كالأطفال .. وإنما لاحت الفرحة ممزوجة بالتأثر على وجهها .. ربما لأنها لم ترغب في لفت الانتباه..
وربما بسبب ذلك النضج الذي أصابها مؤخرا .. والذي أخرجها من عباءة الطفولة والتلقائية وتجاهل ردود أفعال الأخرين لتدخل في عباءة أخرى .. تشعرها بأنوثتها .. وتثقلها بكل قلق الأنثى وحيرتها ومخاوفها وأحلامها..
أحلامها مع الجني الأمير ..
كتبت له ونس على الواتساب "صلصال حراري ( قلب أحمر) "
شعر شامل بالسعادة لسعادتها وكتب "أعرف بأنك لا تخرجين من القرية كثيرا ويصعب عليك الحصول عليه "
أتاها صوت نصرة من عند الطاولات تناديها فأشارت لها بأن تصبر وفكرت قليلا قبل أن تكتب "كم ثمنه لأدفعه لك؟"
عقد شامل حاجبيه ورد" إنه هدية"
احمرت وجنتيها وكتبت بجرأة "لماذا؟"
اتسعت ابتسامة شامل وأجاب " لأنك قد أهديتني هدية هل نسيتِ ؟"
ازداد اشتعال وجهها فحركت كفها أمامه عدة مرات تهوّي عليه ثم رفعت انظارها للسماء الصافية أمامها تفكر قليلا قبل أن تكتب "ولكني أريد أن أدفع ثمنه .. أنا معي نقود فقد قبضت مرتبا أسبوعيا من عملي هنا ومصرة أن أدفع ثمن الصلصال "
فكر شامل قليلا ثم كتب" ما دمت مصرة .. أريد ثمنه عينيا وليس ماديا.. اصنعي لي شيئا من الصلصال "
أعجبتها الفكرة فكتبت " مثل ماذا؟"
نادت عليها نصرة مجددا فاستدارت إليها بعبوس ثم عادت لتقرأ رد شامل "لا أعرف .. ربما ميدالية أو أي شيء ترينه مناسبا "
أسرعت بالكتابة " حسنا أتفقنا .. مضطرة أن أذهب الآن"
قبل أن يرد شامل كتبت " شامل"
" نعم"
" شكرا جدا جدا جدا جدا جدا بحجم السماء"
ارسلتها وأسرعت نحو الفتيات تتخذ مكانها بجانب نصرة بعد أن مالت وقبلتها على وجهها قبلة سريعة جعلت حاجبا نصرة يرتفعان وابتسامتها تتسع باندهاش .
××××
أوقف السيارة بصمت أمام بيت العسال وقال دون أن ينظر إليها" إن كنت ستعودين قبل أن انتهي من أعمالي فاخبريني من سيوصلك من بيت العسال قبل التحرك ..وإن أردت أن تنتظري حتى أنتهي من أعمالي وآتي لأن أعيدك فلا بأس ..ولكني سأتأخر قليلا اليوم "
مطت شفتيها وسألته بلهجة متهكمة "كيف أخبرك وأنا لا أمتلك هاتفا"
حدجها بنظرة نارية بجانب عينيه ورد "استخدمي أحد هواتف بيت العسال لإخباري "
جزت كاميليا على أسنانها وهزت ساقها بعصبية .. فأكمل جابر ببرود "سأتصل بعلاء العسال ليرسل أحد أخوته حتى يأخذ ميس إليك عندما تعود من المدرسة"
قالت بغيظ " وهل سأبقى بدون هاتف هكذا كثيرا حتى تتعطف عليّ سيادتك؟ "
بهدوء شديد وبدون أن ينظر إليها قال جابر بلهجة قاطعة "لم أقرر بهذا الشأن بعد "
تطلعت فيه بعينين ناريتين تشعر بالغيظ وهو ينظر أمامه متجنبا النظر إليها ثم قررت الاستمرار في تجاهله كما تفعل في الأسبوعين الماضيين حتى يرضخ لها في النهاية ويعود إليها مشتاقا ..
إنها حرب إرادات .. وهي تسعى لكسبها .. عليها ألا تبدأ بالصلح .. فقد حاولت في تلك الليلة التي عادت فيها لكنه أصر على المبيت في الغرفة الأخرى .. وكبريائها لن يسمح لها بالتنازل واستعطافه ..
فتحت باب السيارة تهم بالخروج ثم عادت تنظر إليه لتسأله" ولماذا ستتأخر اليوم؟"
أجابها باقتضاب "سأنهي لأمي إجراءات سفرها للعمرة فزين يلح على حضورها ..ومتعجل ..وانتهى من أرسال طلب زيارة لها .. فعليّ أن أكمل باقي الأوراق "
بدون تعقيب تحركت كاميليا تترجل من السيارة أمام بيت العسال .. فتحرك جابر مغادرا وهو يفكر .. هل يعيد لها هاتفها ويكتفي بهذا الوقت الذي منعه عنها؟.. أم يتركها وقتا أطول؟ ..
المشكلة التي يعترف بها أن هناك أمور بديهية لا تقال وهو تعب من القول والشرح ..تعب من ارشادها وتقويمها خلال سنوات زواجهما ..هناك جزء فاسد في ذلك القلب الذي يقع في صدرها لم يقدر على علاجه .. ولا يعتقد أن هناك حلا إلا أن يدعو لها الله بالهداية .
أما المعضلة التي باتت تؤرقه هي .. ماذا بعد؟ .. إنه قد هجر غرفتهما ويشعر بالراحة في الغرفة الأخرى .. ويتعجب كيف انقلب شعوره بها للنقيض بهذا الشكل .. حتى جمالها الأخاذ الذي كان يبهره في الماضي لم يعد يؤثر فيه .. وذلك الجدار الذي نشأ بينهما أصبح أكثر طولا وصلابة وحجبها من أمام عينيه فلم يعد يراها ..ولا يريد.
أجل عليه أن يعترف بأنه لم يعد يريد أن يراها .. أصبحت تذكره دوما بنفس مريضة وقلب اسود ..
انعطف بالسيارة يخرج للشارع الواسع وضميره يناطحه .. يذكره بأنها زوجته والحياة لن تستقيم بينهما بهذا الشكل فإن كان لا يرغب في تنفيذ ما أصبح يفكر فيه بجدية وهو الانفصال من أجل ميس حتى لا تربى بعيدة عنه أو ممزقة بين والديها .. فحياة بهذا البرود بينه وبين كاميليا في البيت ليست وضعا صائبا أيضا ..
على أية حال هو غير قادر أن يضغط على نفسه حاليا للعودة للتعامل معها كالماضي … ربما بعد فترة .. لكن حاليا لا يرغب في أي شيء .. حتى حقوقه كرجل واحتياجاته لم يعد راغبا في أن يحصل عليها ..وعليه أن يتحمل هذا الوضع كالأعزب عقابا له على سوء اختياره ..على سذاجته حينما قرر الزواج وتخيل بأنه يجازي نفسه بالارتباط بامرأة جميلة ولم يبحث ولم يتأكد من جوانب أخرى فيها ..
حانت منه نظرة سريعة للسماء وهو يتمتم في سره "اللهم إني لا اسألك رد القضاء ولكني اسألك اللطف فيه "
