رواية أصل وصورة الفصل التاسع 9 بقلم صافيناز يوسف
الفصل التاسع
دائما نندم بعد فوات الاوان.. نتساءل هل فات فعلا .. نحاول لملمة شظايا قلوبنا المكسورة .. وكأنما نحاول بث الحياة في جسد مات اصلا .. ولكن ماذا لو لم يكن ميت،. وقد ضللنا كل هذا الوقت..
كان قلب ماري يدق في جنون .. فهاهي تقف مع زوجها تتحدث عن حالة ليان وكأن سنوات الفراق تلك لم تكن.. تتأمل ملامحه العزيزة.. وتحاول منع نفسها من ان تمد يدها لتتحسس وجهه.. لتمر بأصابعها على حنايا تجاعيد وجهه .. لتمسح على تلك التقطيبة بين عينيه.. وتمرر يدها في شعره الفضي .. كما كانت تحب ان تفعل في الماضي.. وكأنها تناست انه قد مر سنوات الشوق بينهما كان يتألم..
كانت تستمع لنفسها وهي تتحدث وتشرح حالة ليان وما حدث معها وكأن اخرى هي من تتكلم.. تتعجب من نفسهة كيف تبدو بهذه الصلابة.. كيف تقف وتتحدث معه هكذا وهي تتوق ان ترتمي بين ذراعيه وتبكي سنوات عشر عاشتهم بدونه كالميتة.. نعم عملت وحققت ذاتها كما كانت ترغب.. ولكن قلبها كان معه كل هذا الوقت.. فلم تستعيده منه قط.. ولا جرؤت ان تطلب منه الطلاق النهائي..
حاولت ان تستعيد نفسها وان تنتبه لكلماته .. فسمعته وهو يقول: رهان مرة اخرى يا ليان الم تنتهي..
تنحنحت لتستعيد صوتها الذي ضاع في غمرة المشاعر التي اجتاحتها وقالت: ماذا تقصد؟ اليست هذه اول مرة تفعلها؟
مط شفتيه وقال: لا بالطبع.. ليان مدمنة على المراهنة.. تراهن على كل شيء واي شيء.. قبل ان تسافر حطمت قلب ليلى ودمرت خطبتها من حبيبها بسبب رهان سخيف..
بهتت ماري وفغرت فاها دهشة.. وقالت : احقا فعلت..
سمعا صوت ليلى وهي تقول بلوم: وكيف تعرفين يا سيدتي؟ انها تأتي اليك بضع ايام كل عام.. فكيف ستعرفين طباعها وعادتها..
ترقرقت الدموع في عيني ماري وهي تسمع ليلى واتهامها.. لم تستطع الرد .. فقد شعرت بقلبها يتمزق ندما وحزنا.. فقد خسرت حب ليلى للابد على ما يبدو.. ولاول مرة تشعربالندم لهروبها وتركها زوجها وبناتها.. ابتلعت غصة في حلقها ونظرت لليلى بحزن..
قال هاشم باعتذار: لا تحزني يا ماري.. ليلى تحبك ولكن..
قاطعته ليلى بحزم وهي تقول: ارجوك لا تقل اشياء سخيفة كهذه على لساني.. لقد جعلتنا يا سيدة ماري نكفر بالحب.. ولا نؤمن بوجوده اصلا.. اتدرين انت اوصلتنا لهذا.. عندما رأينا الحب الكبير الذي كان بينك وبين ابي ينهار .. عندما توسلنا اليك الا تتركينا ولكنك فضلت الحل الاسهل وتركت كل شيء خلفك رحلت ..
قالت ماري وهي تحاول ان تبرر فعلتها: انت لا تعرفين الضغوط التي مرت علي .. لا تعرفين كم كنت اتمزق وانا ابتعد عنكم..
قاطعتها ليلى: لقد رأيت امهات زميلاتي في الدراسة .. وكانت معاناتهن اضعاف معاناتك ولم يتركن بيوتهن .. ضحين لاجل اولادهن.. ولكن انت اخترت نفسك ونفسك فقط..
قالت ماري وهي تخفي وجهها بيدها حزنا وقد اخترقت كلمات ليلى قلبها كخنجر بارد : ولكني تركتكم بعد ان كبرتم واعتمدتم على انفسكم..
نظرت لها ليلى بسخرية وهي تعقد يدها وردت: وهل الامومة هي فقط تعليمنا اداب الطعام والنظافة الشخصية وفقط.. لقد تركتنا ونحن على اعتاب المراهقة والبلوغ.. في امس الحاجة لوجود الام بحنانها احيانا وحزمها احيانا اخرى..
قال هاشم وقد رأى ان الموقف احتدم : ليلى ليس هذا وقت العتاب.. لقد جئنا للاطمئنان على شقيقتك..
نظرت له ليلى بأسي وهي تواصل سخريتها الحزينة: لا داعي اصلا للعتاب يا ابي.. فالعتاب يكون بين الاحباب وهذا لا ينطبق علينا.. اليس كذلك..
شملتهم بنظراتها الحزينة ثم قالت: سأتمشى قليلا اريد استنشاق بعض الهواء النقي..
نظر هاشم لماري التي كانت تبكي بشدة تستند على الجدار خلفها..كانت تشعر ان كلمات ليلى تذبحها .. فتنهد وقال بخفوت: اعذريها.. فقد كانت تحبك بشدة وعندما تركت المنزل شعرت انك خنتيها..
رفعت ماري وجهها الممتلئ بدموع الندم على سنوات ضيعتها بعيدا عن بناتها وقالت بصوت باكي: هي تكرهني .. لم تعد تحبني..
تأملها هاشم وهي تبكي.. لم يكن يعلم ان ليلى تحمل بداخلها كل هذا الحزن .. كانت تبدو لا مبالية دوما .. حتى اعتقد انها فعلا غير مهتمة بوجود امها في حياتها من عدمه..
تنشجت وهي تقول: انت السبب فيما جرى يا هاشم.. لم اكن لامكث معك وانت تخونني..
كادت عيناه تخرج من محجريها من الصدمة وهو يقول: انا.. اخونك..
وضعت اصابعها على فمه وهي تقول بحزن: لا تتكلم.. لقد ابتعدت منذ عشر سنوات حتى لا تحاول التبرير.. الخيانة هي النهاية بالنسبة لي..
فتح فمه لينفي ما تقول ولكنها قاطعته: ارجوك.. فلنترك الجراح نائمة..
تركته واقفا بذهول ودخلت الى غرفة ليان لتتفقدها .. ليسمع صرختها وهي تقول: انجدني يا هاشم.. بالله عليك..
..............،.........................
ابتعدت ليلى عنهما .. لتسيل دموعها.. كانت تحب والدتها .. ولكنها لا تستطيع نسيان تلك الليالي التي قضتها باكية في فراشها وهي طفلة لم تتجاوز الحادية عشر.. تغطي وجهها كي لا يعرف احد انها تبكي.. لا تستطيع نسيان ان ماري لم تكن موجودة في لحظات مهمة من حياتها كانت تحتاج فيها لامها وامها فقط... وقت البلوغ.. عندما بدأت تشعر بمشاعر مختلفة عن مشاعر الطفولة .. عندما حدثت تغيراتها الجسدية .. لم تجدها بجوارها لتطمئنها ان كل شيء على ما يرام وان ما يحدث لها طبيعيا.. كانت وقتها هشة وضعيفة كمركب تركت في عرض البحر بلا مجاديف ولا شراع..
حتى ما يحدث لها الآن .. كانت تحتاجها بجوارها لتقويها.. لتخبرها ان كل شيء على ما يرام.. لتحمل عن كاهلها بعض العبء ..
مسحت الدموع من على وجنتيها بحدة ووبخت نفسها.. لابد ان اكون اقوى.. لا احتاج احد .. سأجتاز تلك المحنة بمفردي..
تذكرت ما حدث منذ قليل عندما سمعتها ليان وهي تعتذر لها لتهمس : ما الذي فعلتيه ولماذا..
لتتهرب من الاجابة بذكاء وهي تقول: اخيرا افقتي.. حمدا لله على سلامتك. .
ردت ليان وهي تمسك بيدها بشدة: لقد سمعت كل شيء.. ما الذي فعلتيه لاسامحك عليه..
نفضت ليلى يدها عنها وهي تقول: هذه ضلالات المهدئ .. لم اقل شيء ..
ثم خرجت من الغرفة مسرعة قبل ان تحاصرها اكثر بالاسئلة..
انتبهت من شرودها عندما قادتها قدماها الى بوابة زجاجية مزينة وفوقها كتب عليها بالانجليزية واليونانية " قسم الاورام" تحسست حقيبتها بقلق وهي تحاول ان تنفذ ببصرها داخل البوابة.. بدا عليها التردد للحظة ثم حزمت امرها ودلفت الى داخل البوابة..
..........................................
توقفت سيارة سلوى امام قصر مهيب .. فقال عاصم بسخرية: حسنا يا سلوى .. شكرا لك على التوصيل واعتذر لك لاني لا استطيع دعوتك للدخول..
ضغطت على اسنانها بغيظ وتنهدت محاولة اجلاء صوتها وقالت : حسنا يا عاصم.. لن ادخل اعرف اني غير مرغوب في هنا. . ولكن لم ترد متى ستأتي لمقابلة هاشم..
رفع حاجبيه عاليا وهو يقول بضيق: لا تقولي لي ان هاشم هو صيدك الجديد..
مطت شفتيها وهي تحاول ان تتظاهر بالبرود وقالت: لماذا تجعلني ابدو كعاهرة ..
ضحك عاصم بمرارة وهو يقول: اجعلك تبدين كعاهرة.. وكيف تظنين نفسك تبدين؟
امسكت مقود السيارة بشدة حتى ابيضت مفاصلها وقالت : حسنا فلتظن في ما شئت .. ولكن تبقى الحقيقة اني ارملة ابيك رغما عنك .. منزلتي مثل منزلة تلك السيدة التي بالداخل .. ولي نصيب في تركة والدك .. و تدين لي بالاحترام يا سيد عاصم..
امسك عاصم بمرفقها بشدة وهو يقول بحدة : لا ادين لك بشيء.. انت مجرد امرأة اراد والدي ان يعيش معها بعض المتعة.. وقد اخذت اكثر من حقك ثمن تلك المتعة.. اما عن الاحترام فاعتقد انه لا يهمك كثيرا .. ولو فكرت ولو مجرد التفكير ان تخبري امي بشيء ستكون نهايتك..
انهى كلماته وترك كتفها وخرج من السيارة وهو يحمل حقيبته .. سار خطوتين ثم التفت لها وهو يشير لها بالتحية ساخرا.. ناظرته بحنق و قلبها تجتاحه عواصف من الحقد والكراهية..
سمع عاصم صرير العجلات خلفه فابتسم بسخرية مريرة.. فقد ادرك مؤخرا ان النساء كلهن صنف واحد.. من فاتن الى سلوى وهاهي لي لي لتثبت نظرته للنساء ان كلهن اصحاب مصالح وخائنات..
دلف الى القصر عندما سمع صوت صرير عجلات الكرسي المتحرك.. التفت وهو يرسم على شفتيه ابتسامة دافئة .. وهرع الى حيث السيدة ذات الوجه الودود والعينين الطيبتين كانت تبدو كعجائز القصص المصورة الطيبين .. ذات شعر رمادي ناعم ترفعه فوق رأسها وتثبته جيدا بمشابك للشعر.. تحركها من خلال كرسي متحرك لم يمنعها من التأنق .. فكانت ترتدي ثوبا اسودا طويلا مزين بوردات دقيقة عند الصدر كانت تبدو كأميرة وهي تدعى أميرة بالفعل.. انحنى امامها يقبل يدها وهي تضع يدها على رأسه بحنو وتقول: جئت مبكرا يا بني..
فرفع عينين حزينتين لها وهو يقول : اشتقت اليك يا امي..
تحسست حنايا وجهه وهي تقول بخفوت: تبدو حزينا يا ولدي..
رسم على شفتيه ابتسامة مرحة وقام وهو يقول لها بمرح: كنت حزينا لبعدي عنك يا اميرتي.. والان عندما رأيتك زال كل حزني وقلقي..
جلس على الاريكة فقالت : سآمر بتحضير الغداء..
اشار لها رافضا وهو يقول: لا لقد تناولت وجبة بالطائرة.. اخبريني كيف حالك..
تنهدت وهي تقول : انا بخير يا بني.. كيف حالك انت.. اود ان ارى اولادك قبل ان اموت انا ايضا..
زفر عاصم بحدة وهو يقول: ارجوك يا امي فلنغير هذا الموضوع. .
اشارت بيدها وهي تقول: حسنا يا بني.. ولكن تذكر ان والدك توفى وهو يتمنى نفس الامنية..
قام من مكانه وتوجه نحو باب الغرفة وهو يقول: حسنا يا امي.. لا تقلقي ستحقق امنيتك يوما ما.. فقط ادع الله لي..
نظرت في اثره وهي تتمتم بالدعاء له ان يرزقه الله زوجة صالحة وفية..
اما هو فخرج من الحجرة وقلبه مثقل بالحزن.. فهو يريد حقا ارضاء والدته.. تلك المرأة الصابرة.. التي لم تمنعها اعاقتها منذ الصغر ولا نزوات والده المتكررة واهماله لها من ان تكون اما رؤوم.. من اجل الامومة ضحت بكل شيء.. وقبلت ان تعيش مع والده رغم خياناته ونزواته ..
وعندما توفى والده وعلم انه كان متزوجا من سلوى سكرتيرته اخفى الامر عن والدته .. فلم يكن يريد تعريضها للمزيد من الصدمات..
دلف الى حجرته الخاصة .. اخذ يدور فيها .. شعر بالاختناق .. فالحديث مع والدته عن الزواج بعد ما جرى له جعله يشعر ان جرحه عاود النزيف بشدة..
بدل ملابسه بملابس رسمية اكثر.. وخرج من غرفته.. سمع والدته تهتف: الى اين ستذهب يا عاصم..
مط عاصم شفتيه بضيق ولكن سرعان ما رسم على شفتيه ابتسامة رقيقة وقال: سأذهب قليلا لمقر المجموعة اريد ان اتابع بعض الاعمال..
قالت بقلق: ولكنك جئت للتو ..
اقترب منها وطبع قبلة على جبينها وهو يقول: سأعود وقت العشاء اعدك..
ثم اعتدل واشار لها بمرح وغادر الفيلا ..
وصل مقر مجموعة شركات الالفي بسرعة فقد كانت قريبة من المنزل.. وصعد مباشرة نحو مكتبه.. انتفضت السكرتيرة عندما وجدته امامها وقامت وهي تقول: عاصم بك.. اهلا بك.. حمدا لله على سلامتك. .
تركها تثرثر بدون ان يرد عليها ودلف الى مكتبه.. التفت ليجدها وراؤه.. فقال: شكرا انسة هند.. لو سمحت استدعي الاستاذ كريم.. واحضري لي فنجانا من القهوة..
صمت قليلا عندما تذكر القهوة.. القهوة التي تعشقها لي لي.. اغمض عينيه يحاول صرفها عن ذهنه.. واشار للسكرتيرة التي كانت تهم بالانصراف.. وقال بتردد: اقصد كوبا من الشاي.. ومسكنا للصداع..
خرجت السكرتيرة ووضع هو يده على وجهه واستند على حافة المكتب.. كل شيء يذكره بها.. كل حركة .. كل همسة. يراها على كل الوجوه.. ولكن يجب ان ينساها.. يجب ان يستنأنف حياته وكأنها لم تكن فيها. .
سمع طرقا على الباب فغمغم: ادخل..
فتح الباب ليدخل كريم صديقه ونائبه.. ليبادره في مرح: جئت متأخرا للغاية..
نظر له عاصم بدهشة فاستطرد : لقد راهنت انك لن تستطيع الصمود الا ليومين فقط..
نظر له عاصم بحزن وقال: رهان.. انت ايضا ..
تأمله كريم عن كثب وقال: يبدو ان وراءك امر جلل..
تنهد عاصم فقال كريم بقلق: هات ما عندك.. تبدو حزينا..
قال عاصم بحزم: لا اريد الحديث عن هذا الامر.. اريدك الان في امر مهم..
نظر له كريم بإهتمام فاستطرد: اريد معلومات عن شركة الهاشم .. تلك الشركة التي تشاركها والدي مع هاشم السعدي.. اريد معلومات دقيقة عن الوضع المالي لها وحالتها في السوق.
قال كريم وهو يكتب ما يقوله عاصم: هل تنوي ضمها للمجموعة..
نظر عاصم امامه وقال شاردا: لا ادري .. هو يريد الاجتماع بي.. لا اعلم لماذا يريدني.. يجب ان تكون معي المعلومات كاملة حتى أستطيع التفاهم معه.. اريد ايضا اقصاء سلوى من هذه الشركة..
هز كريم رأسه وهو يقوم وقال: حسنا .. سأذهب الآن لانفذ .. ولكن لنا جلسة اخرى لتحكي لي ما حدث ..
نظر له عاصم نظرة فارغة. . وراقبه وهو يغادر الغرفة.. ثم استدعى السكرتيرة وطلب منها احد الملفات.. الذي ما ان فتحه حتى تراءت امامه صورة لي لي تبتسم له قبل دخولها غرفة العمليات وتتمسك بيده كأنها لا تريد من هذه الدنيا غيره.. اكان هذا ايضا كذب وتمثيل.. ايمكن ان يكذب الإنسان وهو في هذه الحالة.. كانت تبدو صادقة للغاية..
هز رأسه بحدة واغلق الملف بقوة وكأنه يريد طرد ذكراها من حياته..
دائما نندم بعد فوات الاوان.. نتساءل هل فات فعلا .. نحاول لملمة شظايا قلوبنا المكسورة .. وكأنما نحاول بث الحياة في جسد مات اصلا .. ولكن ماذا لو لم يكن ميت،. وقد ضللنا كل هذا الوقت..
كان قلب ماري يدق في جنون .. فهاهي تقف مع زوجها تتحدث عن حالة ليان وكأن سنوات الفراق تلك لم تكن.. تتأمل ملامحه العزيزة.. وتحاول منع نفسها من ان تمد يدها لتتحسس وجهه.. لتمر بأصابعها على حنايا تجاعيد وجهه .. لتمسح على تلك التقطيبة بين عينيه.. وتمرر يدها في شعره الفضي .. كما كانت تحب ان تفعل في الماضي.. وكأنها تناست انه قد مر سنوات الشوق بينهما كان يتألم..
كانت تستمع لنفسها وهي تتحدث وتشرح حالة ليان وما حدث معها وكأن اخرى هي من تتكلم.. تتعجب من نفسهة كيف تبدو بهذه الصلابة.. كيف تقف وتتحدث معه هكذا وهي تتوق ان ترتمي بين ذراعيه وتبكي سنوات عشر عاشتهم بدونه كالميتة.. نعم عملت وحققت ذاتها كما كانت ترغب.. ولكن قلبها كان معه كل هذا الوقت.. فلم تستعيده منه قط.. ولا جرؤت ان تطلب منه الطلاق النهائي..
حاولت ان تستعيد نفسها وان تنتبه لكلماته .. فسمعته وهو يقول: رهان مرة اخرى يا ليان الم تنتهي..
تنحنحت لتستعيد صوتها الذي ضاع في غمرة المشاعر التي اجتاحتها وقالت: ماذا تقصد؟ اليست هذه اول مرة تفعلها؟
مط شفتيه وقال: لا بالطبع.. ليان مدمنة على المراهنة.. تراهن على كل شيء واي شيء.. قبل ان تسافر حطمت قلب ليلى ودمرت خطبتها من حبيبها بسبب رهان سخيف..
بهتت ماري وفغرت فاها دهشة.. وقالت : احقا فعلت..
سمعا صوت ليلى وهي تقول بلوم: وكيف تعرفين يا سيدتي؟ انها تأتي اليك بضع ايام كل عام.. فكيف ستعرفين طباعها وعادتها..
ترقرقت الدموع في عيني ماري وهي تسمع ليلى واتهامها.. لم تستطع الرد .. فقد شعرت بقلبها يتمزق ندما وحزنا.. فقد خسرت حب ليلى للابد على ما يبدو.. ولاول مرة تشعربالندم لهروبها وتركها زوجها وبناتها.. ابتلعت غصة في حلقها ونظرت لليلى بحزن..
قال هاشم باعتذار: لا تحزني يا ماري.. ليلى تحبك ولكن..
قاطعته ليلى بحزم وهي تقول: ارجوك لا تقل اشياء سخيفة كهذه على لساني.. لقد جعلتنا يا سيدة ماري نكفر بالحب.. ولا نؤمن بوجوده اصلا.. اتدرين انت اوصلتنا لهذا.. عندما رأينا الحب الكبير الذي كان بينك وبين ابي ينهار .. عندما توسلنا اليك الا تتركينا ولكنك فضلت الحل الاسهل وتركت كل شيء خلفك رحلت ..
قالت ماري وهي تحاول ان تبرر فعلتها: انت لا تعرفين الضغوط التي مرت علي .. لا تعرفين كم كنت اتمزق وانا ابتعد عنكم..
قاطعتها ليلى: لقد رأيت امهات زميلاتي في الدراسة .. وكانت معاناتهن اضعاف معاناتك ولم يتركن بيوتهن .. ضحين لاجل اولادهن.. ولكن انت اخترت نفسك ونفسك فقط..
قالت ماري وهي تخفي وجهها بيدها حزنا وقد اخترقت كلمات ليلى قلبها كخنجر بارد : ولكني تركتكم بعد ان كبرتم واعتمدتم على انفسكم..
نظرت لها ليلى بسخرية وهي تعقد يدها وردت: وهل الامومة هي فقط تعليمنا اداب الطعام والنظافة الشخصية وفقط.. لقد تركتنا ونحن على اعتاب المراهقة والبلوغ.. في امس الحاجة لوجود الام بحنانها احيانا وحزمها احيانا اخرى..
قال هاشم وقد رأى ان الموقف احتدم : ليلى ليس هذا وقت العتاب.. لقد جئنا للاطمئنان على شقيقتك..
نظرت له ليلى بأسي وهي تواصل سخريتها الحزينة: لا داعي اصلا للعتاب يا ابي.. فالعتاب يكون بين الاحباب وهذا لا ينطبق علينا.. اليس كذلك..
شملتهم بنظراتها الحزينة ثم قالت: سأتمشى قليلا اريد استنشاق بعض الهواء النقي..
نظر هاشم لماري التي كانت تبكي بشدة تستند على الجدار خلفها..كانت تشعر ان كلمات ليلى تذبحها .. فتنهد وقال بخفوت: اعذريها.. فقد كانت تحبك بشدة وعندما تركت المنزل شعرت انك خنتيها..
رفعت ماري وجهها الممتلئ بدموع الندم على سنوات ضيعتها بعيدا عن بناتها وقالت بصوت باكي: هي تكرهني .. لم تعد تحبني..
تأملها هاشم وهي تبكي.. لم يكن يعلم ان ليلى تحمل بداخلها كل هذا الحزن .. كانت تبدو لا مبالية دوما .. حتى اعتقد انها فعلا غير مهتمة بوجود امها في حياتها من عدمه..
تنشجت وهي تقول: انت السبب فيما جرى يا هاشم.. لم اكن لامكث معك وانت تخونني..
كادت عيناه تخرج من محجريها من الصدمة وهو يقول: انا.. اخونك..
وضعت اصابعها على فمه وهي تقول بحزن: لا تتكلم.. لقد ابتعدت منذ عشر سنوات حتى لا تحاول التبرير.. الخيانة هي النهاية بالنسبة لي..
فتح فمه لينفي ما تقول ولكنها قاطعته: ارجوك.. فلنترك الجراح نائمة..
تركته واقفا بذهول ودخلت الى غرفة ليان لتتفقدها .. ليسمع صرختها وهي تقول: انجدني يا هاشم.. بالله عليك..
..............،.........................
ابتعدت ليلى عنهما .. لتسيل دموعها.. كانت تحب والدتها .. ولكنها لا تستطيع نسيان تلك الليالي التي قضتها باكية في فراشها وهي طفلة لم تتجاوز الحادية عشر.. تغطي وجهها كي لا يعرف احد انها تبكي.. لا تستطيع نسيان ان ماري لم تكن موجودة في لحظات مهمة من حياتها كانت تحتاج فيها لامها وامها فقط... وقت البلوغ.. عندما بدأت تشعر بمشاعر مختلفة عن مشاعر الطفولة .. عندما حدثت تغيراتها الجسدية .. لم تجدها بجوارها لتطمئنها ان كل شيء على ما يرام وان ما يحدث لها طبيعيا.. كانت وقتها هشة وضعيفة كمركب تركت في عرض البحر بلا مجاديف ولا شراع..
حتى ما يحدث لها الآن .. كانت تحتاجها بجوارها لتقويها.. لتخبرها ان كل شيء على ما يرام.. لتحمل عن كاهلها بعض العبء ..
مسحت الدموع من على وجنتيها بحدة ووبخت نفسها.. لابد ان اكون اقوى.. لا احتاج احد .. سأجتاز تلك المحنة بمفردي..
تذكرت ما حدث منذ قليل عندما سمعتها ليان وهي تعتذر لها لتهمس : ما الذي فعلتيه ولماذا..
لتتهرب من الاجابة بذكاء وهي تقول: اخيرا افقتي.. حمدا لله على سلامتك. .
ردت ليان وهي تمسك بيدها بشدة: لقد سمعت كل شيء.. ما الذي فعلتيه لاسامحك عليه..
نفضت ليلى يدها عنها وهي تقول: هذه ضلالات المهدئ .. لم اقل شيء ..
ثم خرجت من الغرفة مسرعة قبل ان تحاصرها اكثر بالاسئلة..
انتبهت من شرودها عندما قادتها قدماها الى بوابة زجاجية مزينة وفوقها كتب عليها بالانجليزية واليونانية " قسم الاورام" تحسست حقيبتها بقلق وهي تحاول ان تنفذ ببصرها داخل البوابة.. بدا عليها التردد للحظة ثم حزمت امرها ودلفت الى داخل البوابة..
..........................................
توقفت سيارة سلوى امام قصر مهيب .. فقال عاصم بسخرية: حسنا يا سلوى .. شكرا لك على التوصيل واعتذر لك لاني لا استطيع دعوتك للدخول..
ضغطت على اسنانها بغيظ وتنهدت محاولة اجلاء صوتها وقالت : حسنا يا عاصم.. لن ادخل اعرف اني غير مرغوب في هنا. . ولكن لم ترد متى ستأتي لمقابلة هاشم..
رفع حاجبيه عاليا وهو يقول بضيق: لا تقولي لي ان هاشم هو صيدك الجديد..
مطت شفتيها وهي تحاول ان تتظاهر بالبرود وقالت: لماذا تجعلني ابدو كعاهرة ..
ضحك عاصم بمرارة وهو يقول: اجعلك تبدين كعاهرة.. وكيف تظنين نفسك تبدين؟
امسكت مقود السيارة بشدة حتى ابيضت مفاصلها وقالت : حسنا فلتظن في ما شئت .. ولكن تبقى الحقيقة اني ارملة ابيك رغما عنك .. منزلتي مثل منزلة تلك السيدة التي بالداخل .. ولي نصيب في تركة والدك .. و تدين لي بالاحترام يا سيد عاصم..
امسك عاصم بمرفقها بشدة وهو يقول بحدة : لا ادين لك بشيء.. انت مجرد امرأة اراد والدي ان يعيش معها بعض المتعة.. وقد اخذت اكثر من حقك ثمن تلك المتعة.. اما عن الاحترام فاعتقد انه لا يهمك كثيرا .. ولو فكرت ولو مجرد التفكير ان تخبري امي بشيء ستكون نهايتك..
انهى كلماته وترك كتفها وخرج من السيارة وهو يحمل حقيبته .. سار خطوتين ثم التفت لها وهو يشير لها بالتحية ساخرا.. ناظرته بحنق و قلبها تجتاحه عواصف من الحقد والكراهية..
سمع عاصم صرير العجلات خلفه فابتسم بسخرية مريرة.. فقد ادرك مؤخرا ان النساء كلهن صنف واحد.. من فاتن الى سلوى وهاهي لي لي لتثبت نظرته للنساء ان كلهن اصحاب مصالح وخائنات..
دلف الى القصر عندما سمع صوت صرير عجلات الكرسي المتحرك.. التفت وهو يرسم على شفتيه ابتسامة دافئة .. وهرع الى حيث السيدة ذات الوجه الودود والعينين الطيبتين كانت تبدو كعجائز القصص المصورة الطيبين .. ذات شعر رمادي ناعم ترفعه فوق رأسها وتثبته جيدا بمشابك للشعر.. تحركها من خلال كرسي متحرك لم يمنعها من التأنق .. فكانت ترتدي ثوبا اسودا طويلا مزين بوردات دقيقة عند الصدر كانت تبدو كأميرة وهي تدعى أميرة بالفعل.. انحنى امامها يقبل يدها وهي تضع يدها على رأسه بحنو وتقول: جئت مبكرا يا بني..
فرفع عينين حزينتين لها وهو يقول : اشتقت اليك يا امي..
تحسست حنايا وجهه وهي تقول بخفوت: تبدو حزينا يا ولدي..
رسم على شفتيه ابتسامة مرحة وقام وهو يقول لها بمرح: كنت حزينا لبعدي عنك يا اميرتي.. والان عندما رأيتك زال كل حزني وقلقي..
جلس على الاريكة فقالت : سآمر بتحضير الغداء..
اشار لها رافضا وهو يقول: لا لقد تناولت وجبة بالطائرة.. اخبريني كيف حالك..
تنهدت وهي تقول : انا بخير يا بني.. كيف حالك انت.. اود ان ارى اولادك قبل ان اموت انا ايضا..
زفر عاصم بحدة وهو يقول: ارجوك يا امي فلنغير هذا الموضوع. .
اشارت بيدها وهي تقول: حسنا يا بني.. ولكن تذكر ان والدك توفى وهو يتمنى نفس الامنية..
قام من مكانه وتوجه نحو باب الغرفة وهو يقول: حسنا يا امي.. لا تقلقي ستحقق امنيتك يوما ما.. فقط ادع الله لي..
نظرت في اثره وهي تتمتم بالدعاء له ان يرزقه الله زوجة صالحة وفية..
اما هو فخرج من الحجرة وقلبه مثقل بالحزن.. فهو يريد حقا ارضاء والدته.. تلك المرأة الصابرة.. التي لم تمنعها اعاقتها منذ الصغر ولا نزوات والده المتكررة واهماله لها من ان تكون اما رؤوم.. من اجل الامومة ضحت بكل شيء.. وقبلت ان تعيش مع والده رغم خياناته ونزواته ..
وعندما توفى والده وعلم انه كان متزوجا من سلوى سكرتيرته اخفى الامر عن والدته .. فلم يكن يريد تعريضها للمزيد من الصدمات..
دلف الى حجرته الخاصة .. اخذ يدور فيها .. شعر بالاختناق .. فالحديث مع والدته عن الزواج بعد ما جرى له جعله يشعر ان جرحه عاود النزيف بشدة..
بدل ملابسه بملابس رسمية اكثر.. وخرج من غرفته.. سمع والدته تهتف: الى اين ستذهب يا عاصم..
مط عاصم شفتيه بضيق ولكن سرعان ما رسم على شفتيه ابتسامة رقيقة وقال: سأذهب قليلا لمقر المجموعة اريد ان اتابع بعض الاعمال..
قالت بقلق: ولكنك جئت للتو ..
اقترب منها وطبع قبلة على جبينها وهو يقول: سأعود وقت العشاء اعدك..
ثم اعتدل واشار لها بمرح وغادر الفيلا ..
وصل مقر مجموعة شركات الالفي بسرعة فقد كانت قريبة من المنزل.. وصعد مباشرة نحو مكتبه.. انتفضت السكرتيرة عندما وجدته امامها وقامت وهي تقول: عاصم بك.. اهلا بك.. حمدا لله على سلامتك. .
تركها تثرثر بدون ان يرد عليها ودلف الى مكتبه.. التفت ليجدها وراؤه.. فقال: شكرا انسة هند.. لو سمحت استدعي الاستاذ كريم.. واحضري لي فنجانا من القهوة..
صمت قليلا عندما تذكر القهوة.. القهوة التي تعشقها لي لي.. اغمض عينيه يحاول صرفها عن ذهنه.. واشار للسكرتيرة التي كانت تهم بالانصراف.. وقال بتردد: اقصد كوبا من الشاي.. ومسكنا للصداع..
خرجت السكرتيرة ووضع هو يده على وجهه واستند على حافة المكتب.. كل شيء يذكره بها.. كل حركة .. كل همسة. يراها على كل الوجوه.. ولكن يجب ان ينساها.. يجب ان يستنأنف حياته وكأنها لم تكن فيها. .
سمع طرقا على الباب فغمغم: ادخل..
فتح الباب ليدخل كريم صديقه ونائبه.. ليبادره في مرح: جئت متأخرا للغاية..
نظر له عاصم بدهشة فاستطرد : لقد راهنت انك لن تستطيع الصمود الا ليومين فقط..
نظر له عاصم بحزن وقال: رهان.. انت ايضا ..
تأمله كريم عن كثب وقال: يبدو ان وراءك امر جلل..
تنهد عاصم فقال كريم بقلق: هات ما عندك.. تبدو حزينا..
قال عاصم بحزم: لا اريد الحديث عن هذا الامر.. اريدك الان في امر مهم..
نظر له كريم بإهتمام فاستطرد: اريد معلومات عن شركة الهاشم .. تلك الشركة التي تشاركها والدي مع هاشم السعدي.. اريد معلومات دقيقة عن الوضع المالي لها وحالتها في السوق.
قال كريم وهو يكتب ما يقوله عاصم: هل تنوي ضمها للمجموعة..
نظر عاصم امامه وقال شاردا: لا ادري .. هو يريد الاجتماع بي.. لا اعلم لماذا يريدني.. يجب ان تكون معي المعلومات كاملة حتى أستطيع التفاهم معه.. اريد ايضا اقصاء سلوى من هذه الشركة..
هز كريم رأسه وهو يقوم وقال: حسنا .. سأذهب الآن لانفذ .. ولكن لنا جلسة اخرى لتحكي لي ما حدث ..
نظر له عاصم نظرة فارغة. . وراقبه وهو يغادر الغرفة.. ثم استدعى السكرتيرة وطلب منها احد الملفات.. الذي ما ان فتحه حتى تراءت امامه صورة لي لي تبتسم له قبل دخولها غرفة العمليات وتتمسك بيده كأنها لا تريد من هذه الدنيا غيره.. اكان هذا ايضا كذب وتمثيل.. ايمكن ان يكذب الإنسان وهو في هذه الحالة.. كانت تبدو صادقة للغاية..
هز رأسه بحدة واغلق الملف بقوة وكأنه يريد طرد ذكراها من حياته..
