رواية أصل وصورة الفصل العاشر 10 بقلم صافيناز يوسف
الفصل العاشر
حبيبتي! هل أنا حقا حبيبته؟
وهل أصدق بعد الهجر دعواه؟
أما انتهت من سنين قصتي معه؟
ألم تمت كخيوط الشمس ذكراه؟
أما كسرنا كؤوس الحب من زمن
فكيف نبكي على كأس كسرناه؟
نزار القباني
خرجت ماري يصبحها هاشم من غرفة ليان تاركين الاطباء حولها .. كانت تبكي فربت هاشم على كتفها لترتمي على صدره .. تنتحب خوفا على ليان التي وجدتها تنزف عندما دخلت الغرفة.. كانت قد التقطت مشرط من على الطاولة بجوارها كانت الممرضة قد نسيته وجرحت يدها.. لم تقطع شرايينها كما كانت تريد لانها عندما رأت الدماء اغشى عليها..
ضمها هاشم واسند ذقنه على شعرها.. كان يتوق لفعل ذلك منذ ان رآها.. كان يشتاق اليها بشدة .. لم يكن يعلم انه يمكن ان يفقد وقاره وان يعانقها في مكان عام.. ولكنه الشوق اللعين الذي جعله يرمي كل الاعتبارات وراء ظهره..
همس في اذنها: لقد افتقدتك كثيرا..
تصلبت بين ذراعيه.. وادركت مكانها.. اهي حقا بين ذراعيه بعد كل هذه السنوات.. تخضبت وجنتاها.. ابتعدت عنه ونظرت الى عينيه التي اسرت عيناها..
حاولت ان تهرب من اسر عينيه وذراعيه ولكن لم تستطيع فقد جرفها الحنين لفعل ما تاقت اليه منذ ان رأته.. رفعت يدها لتتحسس حنايا وجهه كالعمياء.. تتلمس تلك التجاعيد هنا وهناك وتمرر يدها على ذقنه الخشنة التي ما ان مررت عليها كفاها حتى تاقت ان تتلمسها بوجهها.. حقا تشتاق اليه.. تشتاق الى زوجها الحبيب .. نسيت في تلك اللحظات سنوات الفراق وحتى خيانته واهماله.. تعالت دقات قلبها بالصراخ بأسمه.. انها مازالت تحبه.. تحبه رغم جرحها منه.. القلب له حسابات اخرى في العشق.. فيمكن ان يغفر كل شيء واي شيء بإسم الحب..
اغمضت عينيها بشدة تجتر شوق السنوات الماضية.. همس هاشم بصوت يضج بالمشاعر: عودي معي يا ماري.. عودي معي الى مكانك الذي لم تحتله امرأة غيرك..
ازدادت الدموع في عينيها وهزت رأسها رافضة وهي تقول : لا استطيع..
ابعدها هاشم وامسك ذراعيها بعنف وهو يهتف بحدة: لا تستطيعين.. بعد كل هذا لا تستطيعين. . لماذا؟ المجرد خيالات في رأسك اني خنتك.. لم افعلها طيلة عشر سنوات هي سنوات فراقنا .. هل تظنين اني فعلتها وانا معك.. ولكن مجرد الشك في انا لا اقبله..
همت بالكلام وهي دامعة العينين ولكن قاطعهما خروج الاطباء من غرفة ليان.. ترك هاشم ذراعيها وهو يجدحها بنظرات غاضبة.. التفت لاحد الاطباء يسأله عن حالة ليان .. رد الطبيب الشاب : هي تعاني من نوبة اكتئاب جعلتها تفكر في الانتحار.. اعطيتها مضاد اكتئاب ومهدئ..
نظر هاشم الى ماري بلوم فقالت: هل تحتاج لعلاج نفسي..
قال الطبيب: لا لن تحتاج ان سارت الامور على ما يرام.. هي حالة طارئة نتيجة صدمة عاطفية كما حكيتم لي .. ستشفى منها ولكن ارجو ان تحاولوا الترفيه عنها وابعادها عن اي مصدر للحزن..
هزت ماري رأسها وهي تصافح الطبيب الذي ذهب في طريقه..
اطالت النظر لهاشم الذي كان يبدو وجهه محتقنا غضبا.. اكان غاضبا منها.. لشكها به.. كادت ان تتحدث عندما قاطعها رنين هاتفه.. امسك الهاتف وابتعد قليلا ثم رد: مرحبا سلوى..
اجابت سلوى: مرحبا يا هاشم.. كيف حالك وما اخبار ليان؟
قال هاشم: هي بخير. . كيف حالك انت؟
قالت سلوى : انا بخير.. وددت اخبارك ان عاصم عاد من السفر وقد حدثته عن رغبتك في مقابلته..
قال هاشم بإهتمام: حسنا عظيم.. لا تقلقي لن اتأخر .. سأعود سريعا..
كانت ماري تستمع لمحادثته وهي تستشيط غضبا .. انها سلوى مجددا تلك الحية الرقطاء التي افسدت حياتها سابقا.. قالت في نفسها " ويقول انه لم يخنني.. كاذب"
اقترب منها فواجهته بعينين تشتعل فيهما نيران الغضب الزرقاء.. وقالت بحدة: يبدو ان وجودك هنا يعطل عملك.. يمكنك ان تعود وانا سأعتني بليان وستأتي معي الى فرنسا..
قال هاشم بحدة : اذن لن تعودي معي..
قالت بغضب: لا..
اتت ليلى من اخر الممر لترى ماري وهاشم يطلقان النظرات النارية لبعضهما.. مطت شفتيها واقتربت من هاشم وهي تقول: كيف حال ليان يا ابي ومتى سنعود لمصر؟
ردت ماري: الآن ..
فنظر لها هاشم بتحدي وهو يقول: حسنا يا ماري .. انت من اخترت للمرة الثانية..
وامسك يد ليلى وهو يقول: هيا بنا .. سنعود الآن الى مصر.
طالعتهما ماري وهما يرحلان .. ليهتف قلبها بألم : يا الهي كم انت عنيدة..
..........................
مرت عدة ايام.. عاد هاشم وليلى الى مصر.. وعادت ليلى حبيسة غرفتها وعاد هاشم الى عمله. .
جلس هاشم على مكتبه بعد ان اعطى للسكرتيرة اوامر بجلب بعض الملفات الهامة.. كان اليوم هو ميعاد مقابلته مع عاصم الالفي شريكه الغامض.. كان عاصم قد اشترط عدم حضور سلوى تلك المقابلة ولذلك اخفى هاشم عنها الميعاد..
سمع طرقات على باب المكتب .. قال بهدوء : ادخل..
لتدخل السكرتيرة حاملة الملفات المطلوبة..
شكرها وطلب فنجانا من القهوة.. وقال: عندما يأتي عاصم بك الالفي ادخليه سريعا..
هزت الفتاة رأسها وخرجت .. ليقلب الملفات امامه.. ولكنه زفر بحدة.. فمنذ ان رأى ماري منذ بضعة ايام وهو دائم الشرود.. اكتشف ان الايام والسنون لم تنقص من حبه لها.. كان يعشقها.. يعشق تفاصيلها المحفورة في قلبه.. يعشق عنادها ذلك الذي اودي بحبهما الى طريق مسدود..
انتبه من شروده على صوت الة الاستدعاء الداخلية.. كانت السكرتيرة تنبهه بوصول السيد عاصم الالفي..
سمع صوت طرقات فهتف بثبات: ادخل..
دخل عاصم ليقف هاشم مرحبا به.. صافحه بحرارة وهو يقول: كم تشبه والدك يا عاصم..
قال عاصم وهو يبتسم: نعم اعلم .. انا اشبهه كثيرا..
جلس عاصم وبعد عبارات الترحيب المعتادة.. وتقديم واجب الضيافة..
بدأ هاشم في الحديث عن نشاط شركته وكيف طورها واوصلها ان تكون من اهم الشركات التي تعمل في هذا المجال.. استمع له عاصم بهدوء .. وتصفح الملفات التي اعطاها هاشم له.. كانت الملفات تؤكد الحالة المالية الجيدة للشركة التي تتوافق مع المعلومات التي اتى بها كريم..
انهى هاشم حديثه بقوله: وانا قد وضعت خطة للتوسع على مستوى العالم.. وارباح الشركة لا يمكن ان تغطي هذا التوسع.. لذلك نريد تمويلا بشكل او بآخر
قال عاصم بهدوء: اوافقك تماما ويبدو ان العمل يسير على ما يرام .. حسنا سيتم ضخ مبالغ كبرى لزيادة رأس المال .. وهذا سيتطلب ان يتم عمل عقد جديد تمكنني من اسهم اكثر..
نظر له هاشم بشك.. فقال عاصم: صراحة اريد دمج هذه الشركة مع شركات مجموعتي.. حتى يتسنى لي المشاركة في ادارتها.. اريد ايضا اقصاء سلوى..
قال هاشم : حسنا ولكن بالنسبة لاقصاء سلوى فلا اظنها ستوافق على بيع اسهمها..
قال عاصم بغموض : لا تقلق.. سيكون اقصاؤها تدريجيا..
فكر هاشم .. هل يستطيع حقا الثقة في عاصم كما وثق في والده.. ثم التمعت في ذهنه فكرة.. ستمكنه من الوثوق في عاصم وستجعله تحت نظره..
بادر هاشم بطرح فكرته المجنونة : عندي شرط واحد للموافقة على دمج شركتي مع مجموعة شركاتك وجعلك تشارك في الادارة..
نظر له عاصم بحدة وهو يقول: شرط..
قال هاشم بصلابة: نعم شرط وبدونه لن تتم الصفقة. .
صمت قليلا ثم اردف: شرطي ان تتزوج ابنتي ..
..................
وصل عاصم الى شركته ودخل مكتبه وهو يشعر بالغيظ.. يكاد يحدث نفسه.. يا إلهي هل عرض عليه حقا ان يتزوج ابنته.. هل ابنته هذه قبيحة ام بها شيء ما حتى يعرضها بتلك الطريقة المهينة،.
سمع صوت الباب يفتح .. فرفع بصرت ليجد كريم الذي ابتسم وهو يقول: يبدو ان الامور لم تسر كما اردت..
زفر عاصم بحنق وقال: بالعكس لقد وافق على طلباتي .. ولكن كان له شرط غريب..
عقد كريم حاجبيه وهو يقول : شرط..
قال عاصم بغيظ : يريدني ان اتزوج ابنته..
ردد كريم بدهشة: تتزوج ابنته..
نظر له عاصم بغيظ وهو يقول: هل ستردد اخر كلماتي كالببغاء هكذا كثيرا..
ثم استطرد: المشكلة اني لا افهم لماذا عرض علي هذا العرض.. هل ابنته قبيحة ام بها شيء..
قال كريم : ربما يود ان يقربك منه ليثق فيك..
اردف: واطمئن ابنته جميلة..
نظر عاصم اليه بحدة وهو يقول : وكيف عرفت..
قال كريم بهدوء: كنت في المطار عندما عاد من السفر ورأيته مع ابنته.. كانت جميلة حزينة رقيقة كحورية من حوريات الاساطير..
شرد عاصم فقد كانت لي لي جميلة ورقيقة كحوريات الاساطير ايضا.. قال كريم بصوت عال: الى اين ذهبت يا صديقي..
قال عاصم وهو يمسك رأسه: اريد ان انساها يا كريم.. اكاد اراها على وجوه كل النساء.. يرفض قلبي حكم عقلي بنسيانها.. يرفض انتزاعها منه..
ربت كريم على كتفه وهو يقول : لا شيء يسلي القلب عن حب قديم الا حب جديد.. رأيي ان ترى تلك الفتاة ربما تستطيع ان تنسيك جرحك..
زفر عاصم وهز رأسه بغير اقتناع ولكن عقله حثه على قبول دعوة هاشم لعيد ميلاد ابنته ليراها ويعطي رأيه النهائي..
هتف قلبه: هل تستطيع بسهولة ان تحب غيرها..
قال عقله: ومن اتى على ذكر الحب اعتبرها صفقة عمل لابد ان تتم..
واستقر رأيه على حضور الحفل .. بعد اسبوع ..
........................................
وصلت ماري الى منزلها وهي تحمل بعض الاغراض .. فتحت الباب لتجد ليان تجلس امام النافذة تتأمل المنظر خارجا بشرود.. كانت تجلس كما تركتها قبل ان تخرج..
اقتربت منها بهدوء.. وانحنت وقبلتها وهي تقول: الى متى ستظلين صامتة وشاردة هكذا يا ليان؟
نظرت لها ليان بشرود وسقطت منها دمعة.. تلتها دمعات كثيرة.. فكيف يشفى قلبها وبغبائها ضيعت اول حب سكنه.. ترى هل يمكن ان يسامحها يوما.. قال عقلها: لا يمكن ان يسامح والا كان والديك تسامحا منذ زمن بعيد.. الم اقل ان الحب ضعف .. يكسر القلب بلا جبر.. ما ان يبدأ الحب حتى يصاحبه العذاب والالم..
عانقتها مارى بحنان وهي تقول : ولكن لابد ان تكوني قوية.. لابد ان تجتازي تلك المحنة..
نظرت لها وعيناها تبللهما دموعها التي لم تكف عن التساقط.. فقالت ماري بحماس مفتعل: ما رأيك تأتي معي لعملي.. الاجواء هذه الايام مشحونة بالعمل وانا احتاج مساعدتك فالعرض الرئيسي اقترب ومازال هناك الكثير من العمل لينجز.. وانت اصبحت الآن بخير فغذا سنذهب الى طبيب الجراحة لفك القطب والاطمئنان على الجرح.. ثم نذهب معا الى العمل..
ابتلعت ليان غصة في حلقها وهزت رأسها باستسلام.. فهي تريد بالفعل ان تجتاز تلك الازمة.. تريد ان تستعيد ذاتها.. ربما ستظل تلك الغصة في قلبها تذكرها بحبها الذي اضاعته.. ولكن لابد ان تعود ليان افضل.. ليان بلا رهانات طائشة .. بلا جرح لقلوب اقرب الناس لها..
نظرت لولدتها وهي تقول بصوت خافت: نعم سآتي معك..
.........................................
وقفت ليلى امام المرآة.. تضع بعض المساحيق التجميلية على وجهها .. تحاول اخفاء الارهاق والمرض تحت تلك المساحيق.. تساءلت هل مر اسبوع حقا.. واليوم هو عيد ميلادها الحادي والعشرون.. هاجمتها نوبة الم مفاجئة.. لتجلس على المقعد .. وتفتح احد ادراج طاولة الزينة.. لتخرج منها اقراص مسكنة قوية كان الطبيب قد وصفها لها ولكنه حذرها من الافراط فيها.. تناولت حبة.. وامسكت بكأس الماء تبتلع به القرص.. سمعت طرقات على الباب.. فوضعت كأس الماء.. واخفت القرص في يدها وبسرعة اخفت علبة الاقراص في الدرج.. هتفت بصوت مهزوز من الالم: ادخل..
فتح الباب كان الطارق هي احدى الخادمات تحمل ثوبها الازرق الداكن ذو اللمعة المحببة،، قالت لها ليلى وهي تمسك رأسها بألم: ضعيه هنا من فضلك واخرجي..
خرجت الخادمة وقبل ان تغلق الباب فتح الباب مرة اخرى.. لتدخل سلوى وهي تقول : معقول لم ترتدي ملابسك الى الآن يا ليلى..
تنهدت ليلى فالالم كان فوق احتمالها ودت ان تصرخ من فرط الالم ولكنها تحملت في جلد وصرت على اسنانها وهي تقول: سأبدل ملابسي حالا..
تناولت سلوى الثوب واقتربت منها وهي تفول: سأساعدك انا..
اخذت منها ليلى الثوب بغضب والقته بعيدا وهي تصرخ بحدة: لا اريد مساعدة من احد .. اخرجي من غرفتي الآن..
نظرت لها سلوى بغضب وهي تقول: اهذا جزائي لاني لا اريدك ان تتأخري..
اعطتها ليلى ظهرها وهي تعتصر الما .. وقالت بصوت مهزوز: ارجوك اخرج وانا سأسرع ولكن اريد بضع لحظات بمفردي..
خرجت سلوى من الغرفة وهي تزفر بحنق.. اما ليلى فصرخت بخفوت متأوهة وفتحت كفها ووضعت القرص في فمها واتبعته بكوب ماء .. وجلست على المقعد تضع رأسها بين كفيها تتألم بصمت منتظرة مفعول القرص المسكن ..
.....................................
وصل عاصم ومعه كريم الى فيلا هاشم.. التي كانت تزدان بالانوار.. تنهد عاصم وهو يعرف ما هو مقبل عليه.. سيرى عروسه اليوم.. تلك العروس التي منذ اسبوع يقنع نفسه بأن يراها.. انها ليست سوى صفقة وقد تنسيه لي لي .. تلك الفتاة المخادعة.. التي مازال قلبه يخفق بقوة كلما تذكرها..
دخل الى بهو الفيلا .. دار بعينيه في جنباتها .. في المدعوات.. ايهن تلك الفتاة.. انتبه من شروده على صوت هاشم وهو يقول: اهلا بك يا عاصم..
التفت عاصم وصافحه وهو يقول: اهلا بك هاشم بك.. تبدو حفلة رائعة..
قال هاشم بمجاملة: رائعة بوجودك ..
وفجأة انطفأت الاضواء.. وعلت الموسيقى وتسلط الضوء على اعلى الدرج.. لتتسع عينا عاصم وخفق قلبه بعنف وهو يرى ليلى تهبط الدرج بأناقة وهي ترتدى ثوبها الازرق القاتم اللامع وترفع شعرها الاشقر كالتاج ففوق رأسها..
وصوت هاشم يقول: اقدم لك ليلى ابنتي..
.................
حبيبتي! هل أنا حقا حبيبته؟
وهل أصدق بعد الهجر دعواه؟
أما انتهت من سنين قصتي معه؟
ألم تمت كخيوط الشمس ذكراه؟
أما كسرنا كؤوس الحب من زمن
فكيف نبكي على كأس كسرناه؟
نزار القباني
خرجت ماري يصبحها هاشم من غرفة ليان تاركين الاطباء حولها .. كانت تبكي فربت هاشم على كتفها لترتمي على صدره .. تنتحب خوفا على ليان التي وجدتها تنزف عندما دخلت الغرفة.. كانت قد التقطت مشرط من على الطاولة بجوارها كانت الممرضة قد نسيته وجرحت يدها.. لم تقطع شرايينها كما كانت تريد لانها عندما رأت الدماء اغشى عليها..
ضمها هاشم واسند ذقنه على شعرها.. كان يتوق لفعل ذلك منذ ان رآها.. كان يشتاق اليها بشدة .. لم يكن يعلم انه يمكن ان يفقد وقاره وان يعانقها في مكان عام.. ولكنه الشوق اللعين الذي جعله يرمي كل الاعتبارات وراء ظهره..
همس في اذنها: لقد افتقدتك كثيرا..
تصلبت بين ذراعيه.. وادركت مكانها.. اهي حقا بين ذراعيه بعد كل هذه السنوات.. تخضبت وجنتاها.. ابتعدت عنه ونظرت الى عينيه التي اسرت عيناها..
حاولت ان تهرب من اسر عينيه وذراعيه ولكن لم تستطيع فقد جرفها الحنين لفعل ما تاقت اليه منذ ان رأته.. رفعت يدها لتتحسس حنايا وجهه كالعمياء.. تتلمس تلك التجاعيد هنا وهناك وتمرر يدها على ذقنه الخشنة التي ما ان مررت عليها كفاها حتى تاقت ان تتلمسها بوجهها.. حقا تشتاق اليه.. تشتاق الى زوجها الحبيب .. نسيت في تلك اللحظات سنوات الفراق وحتى خيانته واهماله.. تعالت دقات قلبها بالصراخ بأسمه.. انها مازالت تحبه.. تحبه رغم جرحها منه.. القلب له حسابات اخرى في العشق.. فيمكن ان يغفر كل شيء واي شيء بإسم الحب..
اغمضت عينيها بشدة تجتر شوق السنوات الماضية.. همس هاشم بصوت يضج بالمشاعر: عودي معي يا ماري.. عودي معي الى مكانك الذي لم تحتله امرأة غيرك..
ازدادت الدموع في عينيها وهزت رأسها رافضة وهي تقول : لا استطيع..
ابعدها هاشم وامسك ذراعيها بعنف وهو يهتف بحدة: لا تستطيعين.. بعد كل هذا لا تستطيعين. . لماذا؟ المجرد خيالات في رأسك اني خنتك.. لم افعلها طيلة عشر سنوات هي سنوات فراقنا .. هل تظنين اني فعلتها وانا معك.. ولكن مجرد الشك في انا لا اقبله..
همت بالكلام وهي دامعة العينين ولكن قاطعهما خروج الاطباء من غرفة ليان.. ترك هاشم ذراعيها وهو يجدحها بنظرات غاضبة.. التفت لاحد الاطباء يسأله عن حالة ليان .. رد الطبيب الشاب : هي تعاني من نوبة اكتئاب جعلتها تفكر في الانتحار.. اعطيتها مضاد اكتئاب ومهدئ..
نظر هاشم الى ماري بلوم فقالت: هل تحتاج لعلاج نفسي..
قال الطبيب: لا لن تحتاج ان سارت الامور على ما يرام.. هي حالة طارئة نتيجة صدمة عاطفية كما حكيتم لي .. ستشفى منها ولكن ارجو ان تحاولوا الترفيه عنها وابعادها عن اي مصدر للحزن..
هزت ماري رأسها وهي تصافح الطبيب الذي ذهب في طريقه..
اطالت النظر لهاشم الذي كان يبدو وجهه محتقنا غضبا.. اكان غاضبا منها.. لشكها به.. كادت ان تتحدث عندما قاطعها رنين هاتفه.. امسك الهاتف وابتعد قليلا ثم رد: مرحبا سلوى..
اجابت سلوى: مرحبا يا هاشم.. كيف حالك وما اخبار ليان؟
قال هاشم: هي بخير. . كيف حالك انت؟
قالت سلوى : انا بخير.. وددت اخبارك ان عاصم عاد من السفر وقد حدثته عن رغبتك في مقابلته..
قال هاشم بإهتمام: حسنا عظيم.. لا تقلقي لن اتأخر .. سأعود سريعا..
كانت ماري تستمع لمحادثته وهي تستشيط غضبا .. انها سلوى مجددا تلك الحية الرقطاء التي افسدت حياتها سابقا.. قالت في نفسها " ويقول انه لم يخنني.. كاذب"
اقترب منها فواجهته بعينين تشتعل فيهما نيران الغضب الزرقاء.. وقالت بحدة: يبدو ان وجودك هنا يعطل عملك.. يمكنك ان تعود وانا سأعتني بليان وستأتي معي الى فرنسا..
قال هاشم بحدة : اذن لن تعودي معي..
قالت بغضب: لا..
اتت ليلى من اخر الممر لترى ماري وهاشم يطلقان النظرات النارية لبعضهما.. مطت شفتيها واقتربت من هاشم وهي تقول: كيف حال ليان يا ابي ومتى سنعود لمصر؟
ردت ماري: الآن ..
فنظر لها هاشم بتحدي وهو يقول: حسنا يا ماري .. انت من اخترت للمرة الثانية..
وامسك يد ليلى وهو يقول: هيا بنا .. سنعود الآن الى مصر.
طالعتهما ماري وهما يرحلان .. ليهتف قلبها بألم : يا الهي كم انت عنيدة..
..........................
مرت عدة ايام.. عاد هاشم وليلى الى مصر.. وعادت ليلى حبيسة غرفتها وعاد هاشم الى عمله. .
جلس هاشم على مكتبه بعد ان اعطى للسكرتيرة اوامر بجلب بعض الملفات الهامة.. كان اليوم هو ميعاد مقابلته مع عاصم الالفي شريكه الغامض.. كان عاصم قد اشترط عدم حضور سلوى تلك المقابلة ولذلك اخفى هاشم عنها الميعاد..
سمع طرقات على باب المكتب .. قال بهدوء : ادخل..
لتدخل السكرتيرة حاملة الملفات المطلوبة..
شكرها وطلب فنجانا من القهوة.. وقال: عندما يأتي عاصم بك الالفي ادخليه سريعا..
هزت الفتاة رأسها وخرجت .. ليقلب الملفات امامه.. ولكنه زفر بحدة.. فمنذ ان رأى ماري منذ بضعة ايام وهو دائم الشرود.. اكتشف ان الايام والسنون لم تنقص من حبه لها.. كان يعشقها.. يعشق تفاصيلها المحفورة في قلبه.. يعشق عنادها ذلك الذي اودي بحبهما الى طريق مسدود..
انتبه من شروده على صوت الة الاستدعاء الداخلية.. كانت السكرتيرة تنبهه بوصول السيد عاصم الالفي..
سمع صوت طرقات فهتف بثبات: ادخل..
دخل عاصم ليقف هاشم مرحبا به.. صافحه بحرارة وهو يقول: كم تشبه والدك يا عاصم..
قال عاصم وهو يبتسم: نعم اعلم .. انا اشبهه كثيرا..
جلس عاصم وبعد عبارات الترحيب المعتادة.. وتقديم واجب الضيافة..
بدأ هاشم في الحديث عن نشاط شركته وكيف طورها واوصلها ان تكون من اهم الشركات التي تعمل في هذا المجال.. استمع له عاصم بهدوء .. وتصفح الملفات التي اعطاها هاشم له.. كانت الملفات تؤكد الحالة المالية الجيدة للشركة التي تتوافق مع المعلومات التي اتى بها كريم..
انهى هاشم حديثه بقوله: وانا قد وضعت خطة للتوسع على مستوى العالم.. وارباح الشركة لا يمكن ان تغطي هذا التوسع.. لذلك نريد تمويلا بشكل او بآخر
قال عاصم بهدوء: اوافقك تماما ويبدو ان العمل يسير على ما يرام .. حسنا سيتم ضخ مبالغ كبرى لزيادة رأس المال .. وهذا سيتطلب ان يتم عمل عقد جديد تمكنني من اسهم اكثر..
نظر له هاشم بشك.. فقال عاصم: صراحة اريد دمج هذه الشركة مع شركات مجموعتي.. حتى يتسنى لي المشاركة في ادارتها.. اريد ايضا اقصاء سلوى..
قال هاشم : حسنا ولكن بالنسبة لاقصاء سلوى فلا اظنها ستوافق على بيع اسهمها..
قال عاصم بغموض : لا تقلق.. سيكون اقصاؤها تدريجيا..
فكر هاشم .. هل يستطيع حقا الثقة في عاصم كما وثق في والده.. ثم التمعت في ذهنه فكرة.. ستمكنه من الوثوق في عاصم وستجعله تحت نظره..
بادر هاشم بطرح فكرته المجنونة : عندي شرط واحد للموافقة على دمج شركتي مع مجموعة شركاتك وجعلك تشارك في الادارة..
نظر له عاصم بحدة وهو يقول: شرط..
قال هاشم بصلابة: نعم شرط وبدونه لن تتم الصفقة. .
صمت قليلا ثم اردف: شرطي ان تتزوج ابنتي ..
..................
وصل عاصم الى شركته ودخل مكتبه وهو يشعر بالغيظ.. يكاد يحدث نفسه.. يا إلهي هل عرض عليه حقا ان يتزوج ابنته.. هل ابنته هذه قبيحة ام بها شيء ما حتى يعرضها بتلك الطريقة المهينة،.
سمع صوت الباب يفتح .. فرفع بصرت ليجد كريم الذي ابتسم وهو يقول: يبدو ان الامور لم تسر كما اردت..
زفر عاصم بحنق وقال: بالعكس لقد وافق على طلباتي .. ولكن كان له شرط غريب..
عقد كريم حاجبيه وهو يقول : شرط..
قال عاصم بغيظ : يريدني ان اتزوج ابنته..
ردد كريم بدهشة: تتزوج ابنته..
نظر له عاصم بغيظ وهو يقول: هل ستردد اخر كلماتي كالببغاء هكذا كثيرا..
ثم استطرد: المشكلة اني لا افهم لماذا عرض علي هذا العرض.. هل ابنته قبيحة ام بها شيء..
قال كريم : ربما يود ان يقربك منه ليثق فيك..
اردف: واطمئن ابنته جميلة..
نظر عاصم اليه بحدة وهو يقول : وكيف عرفت..
قال كريم بهدوء: كنت في المطار عندما عاد من السفر ورأيته مع ابنته.. كانت جميلة حزينة رقيقة كحورية من حوريات الاساطير..
شرد عاصم فقد كانت لي لي جميلة ورقيقة كحوريات الاساطير ايضا.. قال كريم بصوت عال: الى اين ذهبت يا صديقي..
قال عاصم وهو يمسك رأسه: اريد ان انساها يا كريم.. اكاد اراها على وجوه كل النساء.. يرفض قلبي حكم عقلي بنسيانها.. يرفض انتزاعها منه..
ربت كريم على كتفه وهو يقول : لا شيء يسلي القلب عن حب قديم الا حب جديد.. رأيي ان ترى تلك الفتاة ربما تستطيع ان تنسيك جرحك..
زفر عاصم وهز رأسه بغير اقتناع ولكن عقله حثه على قبول دعوة هاشم لعيد ميلاد ابنته ليراها ويعطي رأيه النهائي..
هتف قلبه: هل تستطيع بسهولة ان تحب غيرها..
قال عقله: ومن اتى على ذكر الحب اعتبرها صفقة عمل لابد ان تتم..
واستقر رأيه على حضور الحفل .. بعد اسبوع ..
........................................
وصلت ماري الى منزلها وهي تحمل بعض الاغراض .. فتحت الباب لتجد ليان تجلس امام النافذة تتأمل المنظر خارجا بشرود.. كانت تجلس كما تركتها قبل ان تخرج..
اقتربت منها بهدوء.. وانحنت وقبلتها وهي تقول: الى متى ستظلين صامتة وشاردة هكذا يا ليان؟
نظرت لها ليان بشرود وسقطت منها دمعة.. تلتها دمعات كثيرة.. فكيف يشفى قلبها وبغبائها ضيعت اول حب سكنه.. ترى هل يمكن ان يسامحها يوما.. قال عقلها: لا يمكن ان يسامح والا كان والديك تسامحا منذ زمن بعيد.. الم اقل ان الحب ضعف .. يكسر القلب بلا جبر.. ما ان يبدأ الحب حتى يصاحبه العذاب والالم..
عانقتها مارى بحنان وهي تقول : ولكن لابد ان تكوني قوية.. لابد ان تجتازي تلك المحنة..
نظرت لها وعيناها تبللهما دموعها التي لم تكف عن التساقط.. فقالت ماري بحماس مفتعل: ما رأيك تأتي معي لعملي.. الاجواء هذه الايام مشحونة بالعمل وانا احتاج مساعدتك فالعرض الرئيسي اقترب ومازال هناك الكثير من العمل لينجز.. وانت اصبحت الآن بخير فغذا سنذهب الى طبيب الجراحة لفك القطب والاطمئنان على الجرح.. ثم نذهب معا الى العمل..
ابتلعت ليان غصة في حلقها وهزت رأسها باستسلام.. فهي تريد بالفعل ان تجتاز تلك الازمة.. تريد ان تستعيد ذاتها.. ربما ستظل تلك الغصة في قلبها تذكرها بحبها الذي اضاعته.. ولكن لابد ان تعود ليان افضل.. ليان بلا رهانات طائشة .. بلا جرح لقلوب اقرب الناس لها..
نظرت لولدتها وهي تقول بصوت خافت: نعم سآتي معك..
.........................................
وقفت ليلى امام المرآة.. تضع بعض المساحيق التجميلية على وجهها .. تحاول اخفاء الارهاق والمرض تحت تلك المساحيق.. تساءلت هل مر اسبوع حقا.. واليوم هو عيد ميلادها الحادي والعشرون.. هاجمتها نوبة الم مفاجئة.. لتجلس على المقعد .. وتفتح احد ادراج طاولة الزينة.. لتخرج منها اقراص مسكنة قوية كان الطبيب قد وصفها لها ولكنه حذرها من الافراط فيها.. تناولت حبة.. وامسكت بكأس الماء تبتلع به القرص.. سمعت طرقات على الباب.. فوضعت كأس الماء.. واخفت القرص في يدها وبسرعة اخفت علبة الاقراص في الدرج.. هتفت بصوت مهزوز من الالم: ادخل..
فتح الباب كان الطارق هي احدى الخادمات تحمل ثوبها الازرق الداكن ذو اللمعة المحببة،، قالت لها ليلى وهي تمسك رأسها بألم: ضعيه هنا من فضلك واخرجي..
خرجت الخادمة وقبل ان تغلق الباب فتح الباب مرة اخرى.. لتدخل سلوى وهي تقول : معقول لم ترتدي ملابسك الى الآن يا ليلى..
تنهدت ليلى فالالم كان فوق احتمالها ودت ان تصرخ من فرط الالم ولكنها تحملت في جلد وصرت على اسنانها وهي تقول: سأبدل ملابسي حالا..
تناولت سلوى الثوب واقتربت منها وهي تفول: سأساعدك انا..
اخذت منها ليلى الثوب بغضب والقته بعيدا وهي تصرخ بحدة: لا اريد مساعدة من احد .. اخرجي من غرفتي الآن..
نظرت لها سلوى بغضب وهي تقول: اهذا جزائي لاني لا اريدك ان تتأخري..
اعطتها ليلى ظهرها وهي تعتصر الما .. وقالت بصوت مهزوز: ارجوك اخرج وانا سأسرع ولكن اريد بضع لحظات بمفردي..
خرجت سلوى من الغرفة وهي تزفر بحنق.. اما ليلى فصرخت بخفوت متأوهة وفتحت كفها ووضعت القرص في فمها واتبعته بكوب ماء .. وجلست على المقعد تضع رأسها بين كفيها تتألم بصمت منتظرة مفعول القرص المسكن ..
.....................................
وصل عاصم ومعه كريم الى فيلا هاشم.. التي كانت تزدان بالانوار.. تنهد عاصم وهو يعرف ما هو مقبل عليه.. سيرى عروسه اليوم.. تلك العروس التي منذ اسبوع يقنع نفسه بأن يراها.. انها ليست سوى صفقة وقد تنسيه لي لي .. تلك الفتاة المخادعة.. التي مازال قلبه يخفق بقوة كلما تذكرها..
دخل الى بهو الفيلا .. دار بعينيه في جنباتها .. في المدعوات.. ايهن تلك الفتاة.. انتبه من شروده على صوت هاشم وهو يقول: اهلا بك يا عاصم..
التفت عاصم وصافحه وهو يقول: اهلا بك هاشم بك.. تبدو حفلة رائعة..
قال هاشم بمجاملة: رائعة بوجودك ..
وفجأة انطفأت الاضواء.. وعلت الموسيقى وتسلط الضوء على اعلى الدرج.. لتتسع عينا عاصم وخفق قلبه بعنف وهو يرى ليلى تهبط الدرج بأناقة وهي ترتدى ثوبها الازرق القاتم اللامع وترفع شعرها الاشقر كالتاج ففوق رأسها..
وصوت هاشم يقول: اقدم لك ليلى ابنتي..
.................
