اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل التاسع 9 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل التاسع 9 بقلم فاطمة علي


الفصل التاسع.

مضت عدة أيام على حادث "هيا" التي كان يتجنبها "مروان" تمامًا بحجة العمل وقضاء أغلب وقته بموقع تصوير، بينما كانت هي تهتم بصغارها وتساعدهم في وظائفهم الدراسية وتلهو معهم أغلب الوقت كونها بإجازة قد سربت روح الملل داخلها لتتخذ قرارها بالعودة إلى عملها مهما كانت النتائج. ما أن غادر الصغار إلى المدرسة حتى ولجت إلى غرفتها تبدل ثيابها استعدادًا للخروج، اتجهت نحو طاولة زينتها تمشط خصلاتها وتجمعها لأعلى بعشوائية، لتجده يلج إلى الغرفة بخطوات مضطربة من أثر الإرهاق الشديد، لترفع أنظارها نحوه بسخرية مغمغمة :
- حمد الله على السلامة، لسه فاكر إن عندك بيت تروحه.

جلس بطرف الفراش ينزع عنه حذاءه مغمغًا بلا مبالاة :
- كان عندي شغل، وبعدين مش أول مرة أبات في الشغل.

استدارت كليًا نحوه حتى أصبحت بمواجهته وهي تعقد ساعديها أعلى صدرها مستطردة بحنق ساخر :
- أه.. مش أول مرة تبات في الشغل، بس أول مرة مترفعش سماعة تليفون تسأل الست المرمية في البيت دي عايشة ولا ميتة، العيال كويسين ولا تعبانين.
رفع أنظاره لها بلهفة مرددًا :
- حد من العيال حصل له حاجة؟

ابتسمت ابتسامة جانبية متهكمة وهي تطوف سقف الغرفة بأحداقها في محاولة لطرد دمعة الخذلان هذه، لتتنهد بهدوء وهي تدنو منه بأنظارها مغمغمة بثبات :
- العيال كويسة.. في المدرسة، ابقى تابع مع مشرفة الباص، أنا نازلة.

ودنت بجذعها قُربه تلتقط حقيبة يدها وتهم بالمغادرة لتجد قبضته تعتصر معصمها بقوة وهو يرمقها بأعين مشتعلة غضبًا مرددًا بحدة :
- نازلة رايحة فين؟

سرت رجفة قوية بجسدها، فهذا القابع أمامها إنسانًا آخر غير زوجها الذي عشقته وتزوجته لسنوات، لتحرك يديها بين قبضته بألم شديد تحررت لأجله تأويهة مكتومة وهي تردد بأسى :
- سيب إيدي يا "مروان".

نفض يده عنها بقوة وهو يهب واقفًا أمامها مسترسلاً ببرود :
- سيبت ايدك.. قولتيلي بقا رايحة فين؟

أجابته بجمود والصدمة مازالت تسيطر عليها، أفلأنها خالفته للمرة الأولى يُعاملها بكل تلك القسوة والبرود؟! :
- نازلة شغلي..أنا بقيت كويسة.

قتمت أحداقه وهو يقترب منها مغمغمًا بفحيح :
- مفيش نزول.. مفيش شغل.. كنت سايبك تشتغلي عشان عملتي اللي أنا عايزه.. لكن تكسري كلمتي وتشتغلي مع رجالة ده اللي مش مسموح بيه أبدًا.

تضاعفت صدمتها أطنانًا وهي تطوف معالم وجهه التي جهلتها لأعوام عدة، لتغمغم بحشرجة غصة مريرة استوطنت حلقها :
- انت بتشك فيّا يا "مروان"؟

سيطرت علامات الاستنكار على قسماته وهو يردد بصرامة :
- ما كنتش سيبتك على ذمتي لحظة واحدة، بس انتي ما تعرفيش نظرات الرجالة للستات بتكون إزاي، ولا تعرفي الكلام اللي بيتقال عليهم مجرد ما يمشوا.

ضيقت عيناها بصدمة جديدة من سلسلة صدماتها الأخيرة، لتهتف بثورة بثت نيرانها بأوردتها :
- دي الرجالة الزبالة.. الرجالة المريضة.. مش ذنبنا إننا عايشين وسط أمثالهم، ولا ذنبنا إن ربنا خلقنا ستات، ليه بتعلقوا نزواتكم علي شماعة الست، ليه دايمًا إحنا المُخطئين، والمُلامين؟

اعتصر بقبضاته كتفيها وهو يهزها بقوة صائحًا :
- ده واقع و عمره ما هيتغير، وأنا مش هسمح إن الواقع ده يحصل مع الإنسانة اللي شايلة اسمي، عشان كده تنسي شغلك ده تمامًا.

ودفعها بعيدًا عنه مغادرًا الغرفة، ليتركها قد تملك الخذلان من قلبها وجسدها الذي سمحت له بالانزلاق أرضًا وسط شهقات مكتومة أخذت في التصاعد تدريجيًا حتى انطلقت صرخة دوت أصدائها بالمكان كله.
*******************
كان يركض لاهثًا كمن يسابق الموت وأنفاسه تعلو وتهبط بتلاحق شديد كاد أن تنفجر له مضخته التي تجاهد للحفاظ على أوردتها وشراينها، صور متلاحقة تمضي أمامه، وأصوات متداخلة تصدح برأسه، جميع شخوص رواياته تتصارع بحلقة مصارعة كبرى، جميعهم يقتلون بعضهم البعض بلا شفقة أو رحمة، دماء تتناثر، وأعضاء تتطاير وأحداقه هو تشتعل حقدًا، سبابته تواصل الضغط على زر السرعة بآلة الركض، تجاوز السرعة المحددة بلاوعي، أصبحت تشكل خطورة كبيرة على وظائفه الحيوية ليتدخل مدربه بصدمة ويضغط زر تقليل السرعة صارخًا به باستنكار :
- انت اتجننت يا "أمجد"؟.. ده اسمه انتحار، قلبك ممكن ينفجر من المجهود الزيادة ده.

هدأت السرعة تدريجيًا، بينما نيران غضبه تضاعفت، ليلتفت نحو المدرب يرمقه بأعين قاتمة وهو يقبض بإحدى يديه على كتفه والأخرى يكيل بها اللكمات المتتالية بشكل جنوني حتى سالت الدماء بفك المدرب فاشتعل غضبه هو الآخر وانقض عليه بلكمة قوية فأصبحت الحرب سجالًا بينهما وسط أنظار الجميع الذاهلة.

لكمة يلكمها وأخرى يتلقاها حتى سالت دماؤه هو الآخر، والتي ما أن استشعرها حتى زاد وحشية وضراوة وطرح المدرب أرضًا جاثيًا فوقه يكيله بوابل من اللكمات المتلاحقة، إلا أن تدخل رواد الصالة حال بينه وبين استكمال حربه، ليرفع أنظاره إليهم بغضب سرعان ما تحول إلى صدمة كبرى سيطرت على أحداقه الزائغة ما بين الجموع وبين المدرب الذي لُوثت الأرض أسفله بدمائه ويسترخى بجسده لاهثًا وهو يسبل أجفانه بألم شديد.

هدأ "أمجد" قليلًا ولانت جميع أعصاب جسده وأطرافه وجلس أرضًا جوار المدرب ينظم أنفاسه بهدوء وهو يدفن رأسه بين ساقيه المثنية إلى أعلى للحظات طويلة قبل أن يرفع رأسه ثانية مطوفًا الجميع حوله، لينفضوا مهرولين، ويلتفت هو إلي المدرب يربت على كتفه باعتذار مغمغمًا :
- آسف.

سحب المدرب نفسًا عميقًا احتبسه بصدره للحظات قبل أن ينهض بجذعه جالسًا إلى جوار "أمجد" زافرًا نفسًا آخر وهو يردد بصدمة :
- إيه يا ابني الباور ده!.. انت واخد إيه؟!

انفرجت ابتسامة خفيفة من "أمجد" وهو يمسد خصلات شعره المبعثرة على جبينه إلى الخلف مرددًا بتهكم :
- ده باور غضب، مليش أنا في الحاجات التانية دي.

اتسعت عينا المدرب صدمة وهو يغمغم باستنكار :
- انت بتنفس عن غضبك بالعنف ده يا "أمجد"؟!.. انت ممكن تموت حد في ايدك من غير ما تحس، يعني ممكن تفوق على جريمة انت مرتكبها.

زفر "أمجد" زفرة قوية وهو يجعد جبينه بندم شديد، فهيئته مدربه المزرية تؤكد على فرط عنفه وانفعاله، ليردد باعتذار قبل أن ينهض مغادرًا :
- أنا بكرر اعتذاري، بس حقيقي ما كنتش شايف قدامي.. عن إذنك.

وغادر مسرعًا بينما تابع المدرب أثره بأسى وهو يزفره زفرة قوية متلمسًا فكه المتخثرة دماؤه.

*********
كانت "داليدا" تجلس شاردة وهي تحرك مقعدها يمنةً ويسرى تزامنًا مع دقات قلمها بسطح المكتب أمامها والذي تصاعدت دقاته تدريجيًا حتى أصبحت مصدر ضيق وحنق لجميع زملائها، ليلتفتوا جميعًا نحوها بنظرات عاتبة لم تلحظها بالأساس حتى جاءها "إياد" مغمغمًا باستنكار
-مالك يا "داليدا"؟!.. دقة القلم مشتتة الكل، والكل بيبصلك وانتي ولا انتي هنا.

توقفت حركة مقعدها تمامًا وهي ترفع أنظارها نحوه مع دقات بطيئة للقلم انعدمت تدريجيًا مع تصريحها اللامبالي :
- عادي.. وبعدين المفروض يقدروا يشتغلوا تحت ضغط.

عقد "إياد" جبينه بدهشة أكبر وهو يجلس على المقعد أمامها مرددًا باستنكار عظيم :
- ضغط إيه اللي نشتغل تحته؟!.. إحنا محررين في مجلة مش عساكر في معسكر.

مدت شفاهها بلامبالاة أكبر وهي تتجاهل كلماته مرددة بجمود :
- هو ازاي تسامح حد قتلك بطعنة غدر؟

ضيق "إياد" أحداقه وهو يستند بساعده أعلى سطح المكتب مغمغمًا بتعجب مازال يسيطر على كلماته :
- طعنة غدر!.. قتلك!

غمغمت هي بشرود شَجِن :
- قتلني.

تبدد تعجب "إياد" واندثر وحلت محله معالم الجدية وهو يردد باسترسال
- مفيش طعنة غدر بتيجي غير من القريب، وعشان هو قريب بنتوجع ونتدبح.. بس برضه عشان قريب لازم ندور بين تصرفاته دي عن سبب أو عذر، لازم نقرأ اللي بين السطور، لازم نعاتب ونواجه، ونستفسر، يمكن كل دي أوهام في دماغنا أو سوء فهم مننا، ممكن لتصرفاته دي ألف مبرر، وممكن لو كنا مكانه كنا اتصرفنا بنفس الشكل ويمكن نكون أسوأ وأقسى.. مليون يمكن ويمكن حلها بس إنه يرجع قريب ولو لدقايق بسيطة.. يا تطول ونندم على اللي ضاع منها، يا تطول ونندم عليها ذاتها.. لازم نفكر بتفكيرهم هما، ولازم نفهم منهم هما.. وبعدين الحسرة اللي في عيونك والوجع اللي في صوتك بيقسم إن لسه في حب حتى لو ذرة صغيرة.

ونهض من مجلسه تاركًا إياها جامدة كما هي، إلا أن نيران غضبها قد بدأت تُذيب هذا الجليد وتُصهره لتُشعل نيران الثورة والمواجهة التي ربما كانت الأخيرة.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close