اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل العاشر 10 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل العاشر 10 بقلم فاطمة علي


الفصل العاشر.

ولج "أحمد" إلى شقة والدته المتوسطة الحال كأغلب البيوت المصرية والتي يشاركها إياها بعدما انفصل عن زوجته "كنزي" تاركًا لها شقة الزوجية كي تحيا بها مع صغيريه "حازم" أربعة أعوام و "علي" عامين فقط، ليجد والدته "سميرة" التي تتوسط عقدها السابع، الممتلئة القوام، ذات الملامح الطيبة كما قلبها الحنون تحتل موضعها الشبه دائم بالأريكة أمام شاشة التلفاز تتابع المسلسلات العربية القديمة، جلس جوارها محررًا تنهيدة راحة قوية وهو يقبل جبينها مرددًا :
- مساء الخيرات يا ست الكل.

ربتت على كتفه بحنو وهي تغدقه بسيل جارف من بشاشة محياها مرددة برضا :
- الحمد لله يا حبيبي.. حمد الله على سلامتك.

انفرجت ابتسامة مُنهكة من شفاهه وهو يردد بود :
- الله يسلمك يا حبيبتي.. أخدتي الدوا؟

هزت رأسها بتأكيد وهي تردد بهدوء :
- أه يا حبيبي.. أجهزلك العشا؟

استرخى "أحمد" بجسده على ظهر الأريكة وهو يسبل أجفانه بإنهاك شديد مرددًا :
- لا يا حبيبتي، أنا أكلت.. كل اللي أنا محتاجه حالًا إني أنام.

ربتت على ساقه بحنو شديد مغمغمة :
- صحتين وهنا على قلبك يا رب يا حبيبي ..بس قبل ما تنام كنت عايزاك في موضوع كده.

تأهبت جميع حواس "أحمد" واعتدل بجلسته مرددًا بتركيز وإنصات كبيرين :
- موضوع إيه يا ست الكل؟

حمحمت بأسى خفي مرددة بشجن :
- عايزة أشوف الأولاد، وحشوني قوي.

انفرجت ابتسامة خفيفة من ثغره وهو يغمغم بحنو شديد :
- عيوني يا حبيبتي، نروح بس استشارة للدكتور وأطمن عليكي، وأجيبهم يقعدوا معاكي يومين تلاتة.

أجابته بأسى ينهش كلماتها :
- أنا كويسة يا ابني، بعدهم عني هو اللي تاعبني.

حرك "أحمد" رأسه بدهشة مغمغمًا :
- اللي تاعبك!.. أومال "كنزي" بتقول إنك مش متحملة شقاوة الولاد عشان تعبانة، وعشان كده طلبتي منها ما يجوش هنا لحد ما تخفي خالص.

اغرورقت مُقلها بالعبرات، واختنق صوتها بالبكاء وهي تردد بحشرجة :
- يا ابني! .. دا أنا بتصل بيها تجيبهم ليا أشوفهم بس أو حتى تبعتهم معاك وهي بتتحجج بتمرين السباحة، ودروس "حازم".

فارت الدماء بعروقه وثارت ثورته لينهض لها متشنجًا بجميع أعصابه وهو يصيح غاضبًا :
-دي اتجننت دي ولا إيه؟.. الولاد وقت ما تحبي تشوفيهم يكونوا هنا، دول عيالي وأنا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في حياتهم، أنا هنزل حالًا أجيبهم و ربي وما أعبد لو فتحت بوقها لأكون حارمها منهم طول عمرها، ولا هي مفكرة إني عشان بعاملها بما يرضي الله أبقى لعبة في ايدها.. نص ساعة والعيال هيكونوا هنا.

وهرول مغادرًا يصفق باب الشقة خلفه، لتنهمر دمعات "سميرة" حينما تذكرت معاملة طليقة ابنها لها، ودوت أصداء كلماتها بمسامعها كأنها تصرح بها الأن :
- انتي يا ست انتي.. يا ريت تبطلي زن شوية، أنا مش عارفة أربي عيالي.. مش كل أسبوع تطلبي تشوفيهم، وبعدين لما بيجوا عندك بيبقوا مش عايزين يرجعوا ليا من دلعك فيهم، التربية القديمة بتاعتك دي متنفعش مع عيالي.. وأه قبل ما أقفل متنسيش تشتكي لحامي الحما بتاعك.
وقطعت الاتصال معها بغضب تاركة وراءها دموع جدة تشتاق احتضان أبناء وحيدها.
******************
كانت "هيا" تسترخي بفراش صغيرتها "كادي" تضمها إلى صدرها برفق وهي تمسد خصلاتها المنسدلة بشرود شجن في معشوقها الذي تبدل معها تمامًا فهذا ليس "مروان" زوجها الذي تعشقه منذ قرابة العشرة أعوام، أو ربما كان هكذا بالأصل وهي لم تكتشفه بعد. صراع محتدم بين عقلها وقلبها الذي مازال ينبض بأحرف اسمه باشتياق جارف، وبين عقلها الذي يُحرضها على الثأر لكرامتها المهدورة، قلبها الذي يلتمس له ألف عذر كونه يعمل بمجال به الكثير من السخافات، فالمؤكد أنه يسمع همهمات كثيرة خلف آلات التصوير، أما عقلها فينعته بالمذبذب المشاعر وفاقد الثقة بها وبذاته. حرب ضروس تتصاعد أحداثها النارية كدمعتها الفارة من أحداقها تشق طريق مرير إلى شفاهها المرتجفة.
انتفاضة خفيفة من جسدها جذبتها من شرودها هذا إلى أرض الواقع لتسحب نفسًا عميقًا وتخرجه بقوة ملتفةً نحو صغيرها "كريم" الذي اقتحم جلستهما لتوه صائحًا بتذمر طفولي :
- أنا خلصت أكلي كله يا مامي.

مسدت وجنته براحتها الحانية وهي تطبع قبلة قوية عليها مرددة بسعادة جاهدت كثيرًا لها :
- براڨو يا قلب مامي.. تعالى بقا في حضني يا حبيبي.

انسل "كريم" أسفل ذراعها بسعادة وهو يردد بحماسة كبيرة :
- مامي إحكي لنا حدوتة.

تقافزت "كادي" بسعادة وهي تصفق بكلتا يدها مهللة بسعادة كبرى :
- مامي هتحكي لنا حدوتة.

شددت "هيا" من ضم صغارها إلى صدرها وهي تُوزع القبلات بينهما متنهدة برضا وسعادة فهؤلاء هما سعادتها الحقيقة، لتردد بصوتٍ عذب :
- كان ياما كان، يا سادة يا كرام، ما يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام.

رفع صغارها أنظارهما إليها مرددين بسعادة :
- عليه أفضل الصلاة والسلام.

استرسلت "هيا" بمشاعر خالطت كلماتها الهادئة :
- كان فيه أميرة جميلة، كانت أصغر إخواتها، عشان كده كانت دلوعة باباها، كان دايمًا بيجيب لها حاجات حلوة كتير، وكان بياخدها معاه في كل مكان يروحه، علمها معنى الاحترام، علمها الثقة والاعتماد على النفس، علمها حب الغير وازا تساعد أي حد محتاج لها.. كانت الأميرة دي شاطرة ومتفوقة في دراستها، وكانت دايمًا تجرى على باباها بفرحة كبيرة عشان تحكيله كل حاجة حصلت معاها في يومها، لحد ما في يوم الأميرة دي كانت راجعة من عند جدتها ، دخلت القصر لقت كل الناس بتبكي ولابسة أسود.. قلبها اتنفض بين ضلوعها، ما فكرتش غير في باباها.. جريت على أوضته لقيته نايم مبتسم زي الملايكة.. جريت عليه وهي بتنادي بأكتر اسم بيحبه منها بس دي كانت أول مرة في حياتها ما يردش عليها.. أول مرة يخلف وعده معاها ويمشي من غيرها.. عاشت الأميرة أصعب أيام في حياتها.. أيام كتير قوي، لحد ما في يوم قابلت أمير جميل، حنين، لقاها حزينة ومكسورة، حاول يضحكها ويسعدها لحد ما حبيته وفتحت له قلبها، وعدها إنه هيفضل معاها، وعدها إنه عمره ما هيزعلها، وعدها إنه هيعوضها غياب باباها.

كانت العبرات قد حُررت جِماعًا، لتنهمر سيلًا جارفًا أحرق قلب الذي كان يقف بباب الغرفة يتسمع إلى حديثها خِلسة وشعور الندم ينهش نياط قلبه، بينما لكزت "كادي" والدتها بخفة مرددة بتركيز قوي :
- وبعدين يا مامي، الأمير عمل إيه؟

أجابتها بشرود يئن :
- زعلها، بس قلبها مش قادر يزعل منه.

- عشان قلبها متأكد إنه بيحبها وما يقدرش يعيش وهي زعلانه منه.
ارتفعت الأنظار جميعها إلى مصدر الصوت، ليجدوا "مروان" والجًا إليهم وهو يحتضن باقة كبيرة من الورد الأحمر الذي تعشقه "هيا". اعتدلت بجلستها بينما ابتعدا عنها الصغار قليلًا سامحين لوالدهم بأخذ مساحته الكافية للاعتذار لها وإبداء شديد ندمه.
جلس "مروان" على طرف الفراش مقابلًا لها بأعين فاضت بعشق يقيده الندم وهو يمد الباقة نحوها مغمغمًا بوله :
- آسف.. مش هتتكرر تاني.

كمن كانت تنتظر صافرة البداية لتتعالى شهقاتها بقوة وهي تردد بعتاب لائم :
- ده وعدك ليا يا "مروان"؟.. أول مرة ما يوم ما اتجوزنا أحس إن بابا اتوفى، أول مرة أحتاج حد أشتكيله وملاقيش.

كلماتها خنجر مسنون شق صدره منغرسًا في صمام القلب، ليتضاعف ندمه وتوسله بالصفح والغفران، وينزلق بسيقانه أرضًا ملتقطًا يدها يلثمها بندم شديد مغمغمًا :
- والله آسف، وعمري ما هزعلك تاني أبدًا، ولو حصل كده تعالى اشتكيني لنفسي وأنا
هجيبلك حقك.

هزت رأسها بحزن وأحداقها تلتمع بالعبرات مغمغمة بتحذير :
-إوعى تسيبني زعلانة كده تاني.

أومأ لها برأسه بموافقة وهو يدنو من يدها ثانية يطبع قبلة طويلة بظهرها قبل أن يحاصر إصبعها بخاتم ماسي ساحر وهو يردد بتمني :
- يارب ذوقي يعجبك.

نهضت من مجلسها وهي ترفع يدها أمام وجهها محدقة الخاتم بسعادة قبل أن تتقافز كطفلة صغيرة وتلقي بجسدها بين ذراعيه مشددة من احتضانه بقوة بعدما نهض هو من جلسته، تقافزت الأطفال بسعادة مهللين وهما يصفقا بأيديهم مودعين غيمة الحزن والشجن، ومستقبلين صحوة السعادة والفرح.




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close