اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن 8 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن 8 بقلم صابرين


8- ضابط الحقائب المسروقة
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
توقفت السيارة قريبًا من المشفى في حدود الساعة الثالثة فجرًا وهذا بالطبع لم يكن يعجب يونس البتة فقد أصر حمزة على أن يذهب الآن إلى المشفى في هذا الوقت بالتحديد وجره هو خلفه متحججًا أنه لن يستطيع الدلوف إلى المشفى بدونه وهذا لأنه ضابط
-ها يلا ننزل
هتف بها حمزة بنبرة مغلفة بالهدوء فنظر إليه الآخر بعدم رضا ثم قال :
-هو حد يعمل كده جاي الساعة تلاتة الفجر علشان تشوفها مش عارف تستنى للصبح قتلك الشوق للدرجة دي
-شوق ايه يا يونس؟ انا بس مش هقدر اشوفها الصبح لاني عمامها وأهلها هيبقوا موجودين وانا مش عايز اعملها مشاكل خاصةً وانا حاسس إني عمها اللي اسمه حسن ده ملاحظ نظراتي ليها، كل ما ابصلها في وجوده بلاقيه باصص ليا انا بالذات كأنه هيقوم ياكلني قلمين
رفع يونس إحدى حاجبيه بعدم تصديق البتة فقال الآخر زافرًا بإستسلام :
-ماشي انا مش عارف أنام كل ما اغمض بشوف شكلها لما كانت في الحجز بين الحياة والموت، بسمع صوتها وهي بتصرخ من الوجع يا يونس، عايز اشوفها عايز أطمن عليها، هبصلها من بعيد لبعيد مش هدخل الأوضة الموجودة فيها حتى
-طب لو حد من عمامها فوق هيبقى وضعك ايه؟؟
-محدش معاها غير بنت عمها براءة، يوسف واخد شفت مسائي وقالي
هبط يونس من السيارة مستسلمًا للأمر فعلى الأرجح جن ابن عمه فهو لا يتصرف بشكل طبيعي منذ حادثة نور هذه :
-أنزل يا عم الرومانسي والله هنروح في داهية بسببك، هندخل إزاي بس في وقت زي ده المستشفى
هبط حمزة بعدما أطفأ السيارة ثم قال :
-انت هتدخل بصفتك ظابط وطبعًا نور دلوقتي متهمة فعايز تتأكد إني العساكر مراقبينها كويس
-طب وانت؟؟
-هدخل المستشفى من ناحية التانية لما تتكلم انت معاهم
لم يدع له فرصة للإجابة وتركه متجهًا إلى مدخل آخر للمشفى بينما حدق يونس في طيفه بغيظ :
-والله شكلنا هنروح في داهية
استدار ناحية البوابة وتأكد من وجود بطاقته معه ليقف حراس المشفى عندما وجدوا أن أحدهم قادم في إتجاههم، أما عند حمزة فقد دلف إلى المشفى بسهولة بسبب انشغال الحرس مع يونس وهو كان مخطِطًا العودة مرة أخرى بالليل بعد رحيل جميع أقارب نور
لم يكن يبالغ عندما قال انه لم يستطع النوم، فوالله لم يجافيه ولو لدقيقة كلما اغمض عينيه أتاه منظرها وهي ملقاة أرضًا كالجثة داخل حجز النساء
دلف إلى المشفى وفي هذه الساعة لم يكن أحدهم مسيقظًا لا أطباء ولا ممرضين ولا حتى مرضى فكان التحرك سهلًا بالنسبة إليه لكن... هو لا يذكر نور في أي غرفة؟ يبدو أنه سيذهب إلى يوسف أولًا حتى يعلم أين هي
انتفض بقوة على صراخ سرى بين الممرات بشكل واضح بسبب الصمت الذي يحل على المكان، يبدو أنه سيعلم أين هي دون اللجوء إلى يوسف فصوت الصراخ هذا صوتها
أما قبل دقائق وفي الغرفة القابعة بها نور كانت نائمة فوق الفراش ولكنها لا تغط في النوم فلتوها استيقظت منذ ساعة تقريبًا وكانت براءة نائمة في فراش آخر، وعلى الأرجح هي من باتت معها الليلة
حاولت الإعتدال على الفراش بعدما راودها شعور الذهاب إلى المرحاض ولكنها لم تستطع وبراءة لا تفيق فنومها ثقيل بشدة، حتى أنها حاولت أن تستدعي إحدى الممرضات من خلال الأزرار هذه لكنها لا تدري أي زر فهي لم تبات قبلًا في مشفى
حسنًا لا فائدة لا تستطيع التحمل، استندت على الفراش بذراعها السليم ودفعت جسدها للأعلى ثم أنزلت قدميها على الأرض ووقفت بعد معاناة، ساندت نفسها حتى تصل إلى براءة
وصلت أخيرًا لها لتهزها بشئ من العنف منادية عليها والأخرى وكأنها مصابة بتخدير فكانت تهمهم دون فتح عينيها وعندما يئست منها نور اتجهت للخارج وهي تستند على الحائط تسير ببطء شديد، ومن الجيد أنها أتت كثيرًا إلى هذا المشفى من قبل بحكم عمل براءة به لذا هي تعلم مكان المرحاض
سارت في الممر ولم تكن يبارح كفها الحائط فلا تستطيع السير حتى بسبب هذا الألم الحقير في جنبها، نظرت حولها بحيرة هي لم تمر من قبل بهذا الممر، فلن تعلم إذًا أين هو المرحاض وهي لن تستطيع العودة مرة أخرى دون الذهاب إلى هناك لا تستطيع التحمل
ظلت تسير ببطء وهي تحاول تذكر الممرات وكم كانت تشبه بعضها حتى شعرت أنها إن استمرت في السير فستفقد طريق العودة، توقفت في المنتصف لا تعلم أين تذهب وقد هلكها التعب بشدة فليس فقد جانبها هو من يؤلمها بل جميع عظامها تؤلمها
جلست بتعب شديد على مقاعد الإنتظار في منتصف الممر تتنفس بصوت مرتفع فعلى بالك كانت تركض ل
لأميال لا تسير ببطءٍ كسلحفاة داخل بعض الممرات، ادمعت عينيها بسبب ضعفها هذا وقد صدقت الحكمة التي تقول الصحة تاج على رؤوس الأصحاء
مسحت عينيها من الدموع وهي تنظر حولها لربما يكون هناك أحد يمر ويأخذها للمرحاض وعوضًا عن هذا اصطدمت عينيها بزجاج النافذة ولأن الجو ليل بالخارج وهناك ضوء بالداخل كان الزجاج كالمرآة ابصرت نفسها به بوضوح
كانت ترتدي ملابس المشفى المنقطة هذه وحجابها مربوط بإهمال حول وجهها، ذراعها في جبيرة بيضاء والتعب ظاهرًا بوضوح عليها، ولكن ما جعل الدموع تجري من عينيها هو وجهها المنتشر به بقع حمراء وبنفسجية لدرجة لم تعد ملامحها تظهر ولو رأت صورة لها على هذه الشاكلة ما كانت لتعرف نفسها من شدة تشوه وجهها بالضرب
اختنقت بغصة في حلقها فأصبحت تشهق بقوة وكأن الأكسجين اختفى من حولها، حاولت أن تقف وتبتعد من أمام النافذة حتى لا تبصر نفسها هكذا وما كانت النتيجة إلا أنها سقطت مجددًا على المقعد
لكن هذه المرة اصطدم جانبها المصاب بذراع المقعد فأطلقت صرخة متألمة دوى صداها في الممر وربما وصل للممرات الأخرى في هذا الليل الصامت
وضعت يدها على جنبها تبكي بقهر شديد على نفسها، وحيدة في هذا الليل لا تستطيع أن تقف وتعين نفسها وتذهب إلى المرحاض حتى، هل هناك ما هو أشد بؤسًا من هذا؟؟
ومن شدة بكائها لم تكن تدرك بحالها أنها تصرخ حتى جذبت لها الموجودين في المشفى فمن ناحية استيقظ الممرضين والطبيب الموجود في الدوام الليلي وهو يوسف، ومن الناحية الأخرى أتى حمزة وهو من أتاها أولًا
أما حمزة فظل يهرول في الممرات لا يدري من أين أتت تلك الصرخة ولكن ما إن علىٰ البكاء بصوت مسموع حتى اتبعه ليجدها أخيرًا تجلس على مقاعد الإنتظار ضاممة جسدها بذراعها السليم وتكاد تنتفطر من شدة بكائها
ركض إليها وقد سمع أصوات قادمة لا يعلم لمن تعود هل الممرضين أم الحرس ولكنه لم يبالي، وصل إليها ليجلس أرضًا أمامها يتفحصها بعينيه دون لمسها وكانت نبرته أكبر دليل على خوفه عليها في هذه اللحظة :
-مالك فيكي ايه؟ انتي برا بتعملي ايه أصلًا!؟
وكانت اجابتها متقطعة اختلطت بها البكاء فلم يفهم منها سوى كلمات قليلة :
-وشي.... جنبي.... جسمي
أطلقت آه قوية هزته من الداخل فوقف بسرعة وامسك بذراعها السليم حتى تقف :
-طب قومي هاخدك عند يوسف أو الإستقبال قومي
لم يشعر في يوم بالتوتر والتخبط أكثر من هذه اللحظة، لا يدري ماذا يفعل والمشفى فارغ هكذا وهي تبكي دون توقف وفكر ألف مرة أن يحملها ويذهب بها إلى الإستقبال لكن هي لن تقبل بهذا
أتته النجدة من السماء عندما وجد يوسف ومعه براءة وممرضة أخرى قادمين من نهاية الممر فنظر حمزة إلى نور هاتفًا بطمأنة :
-اهدي خلاص جم
جعلها تجلس مرة أخرى تزامنًا مع اقتراب براءة وتلك الممرضة منها، بل وقد حضر يونس ومعه العسكري المسؤول عن مراقبة نور وعلى الأرجح لم يكن متواجدًا أمام غرفتها فإن كان هناك فماذا تفعل نور هنا بمفردها
سحب يوسف عضده مذهولًا من وجوده في المشفى في مثل هذه الساعة :
-بتعمل ايه هنا يا حمزة!؟ دخلت إزاي أصلًا؟؟
ولم يكن بال الآخر معه بل مع نور التي ما إن حاوطتها براءة تضمها حتى تهدأ حتى زاد بكاء الأخرى وهي تقول :
-وشي يا براءة وشي، عملوا فيا ايـــــه
تحدث يوسف موجهًا حديثه لبراءة والممرضة الأخرى :
-خدوها أوضتها وانا جاي اكشف عليها
ختم حديثه وهو يسحب معه حمزة بعيدًا عن المكان وذهب به إلى غرفة الأطباء، وهناك جعله يجلس رغمًا عنه من ثم صاح به بعدم تصديق :
-انت عقلك راح فين يا حمزة مش معقول كده جاي في وقت زي ده وانت وهي بس في الممر
-انت بتقول ايه انت كمان؟؟ انت مكنتش شايف يعني وضعها عامل ازاي!؟
-شايف وعارف، مش عارف ايه خرجها في الوقت ده بس اللي عايز أعرفه يا حمزة انت بتعمل ايه في المستشفى؟
صمت الآخر يضم يديه بقوة ولم يُجب فقال يوسف تزامنًا مع دخول يونس الي الغرفة واكتفى بالصمت ومتابعة ترقيح يوسف لحمزة :
-حمزة انا عارف اني عندك مشاعر ليها واتحركت أكتر من خوفك عليها بسبب اللي حصل بس لازم تحط حاجة قدام عينيك إني نور صعيدية وعمامها وأبوها وعيلتها كلها هنا، وضعك كان هيبقى ايه لو مكنتش براءة هي اللي موجودة النهاردة وكان حد تاني وشايفها وهي تقريبًا في حضنك
اتسعت أعين الأخرى معترضًا على هذه المبالغة إذ هدر قائلًا :
-أعقل كلامك يا يوسف انا كنت بساعدها تقف، كنت ماسك دراعها مش واخدها في حضني!؟
-اشش وطي صوتك ده أولًا، ثانيًا انت حتى لو كنت بتساعدها من بعيد مكنش باين كده، والله انا أول ما شوفتكم كنت فاكر حاجة تاني، بقولك كده علشان تاخد بالك لأني لو حد من عمامها أو ابوها شاف وضعكم مكنتش أول حاجة ممكن تيجي على باله إنك بتساعدها تقف، كان ممكن تلبسها مصيبة تانية مع عيلتها فوق المصايب اللي عندها
استدار إلى يونس وقد أعطاه نصيبًا هو الآخر من التريقح إذ قال :
-وانت كنت فاين لما وافقت تخليه يجي في وقت زي ده، ما انت أكيد جاي معاه
رفع يونس إحدى حاجبيه بإعتراض ثم قال :
-انت بتزعقلي انا؟
-هو ده اللي فارق؟! تاخد حمزة وترجعه ومتخليهوش يجي هنا تاني نظراته لوحدها فضحاه والناس دي لو حد بص لبناتهم مش بيعدوها بالساهل، فمال بالك بواحد واقف معاها لوحدهم في نص المستشفى في الفجر ممكن تقلب جناية عندهم عادي
خرج وتركهما فنظر يونس إلى حمزة الذي كان يجلس ويستند بذراعه على فخذيه ولا يبدو الرضا أبدًا على وجهه وهذا واضح من حاجبيه المعقودين ووجهه المحتقن :
-معاه حق بصراحة انا أول ما دخلت الممر وشوفتك انت وهي أول حاجة جات في دماغي إنك اتهبلت ورايح تحضنها علشان تهديها
-اهو التاني هو كمان بيقول هحضنها، انا عمري ما فكرت في نور بطريقة وحشة وعارف قد ايه هي محترمة ومتدينة وبتتنفض لو حد لمس ايدها أو وقف جنبها حتى، هاجي انا وابوظ شكلها قدامكم وتقولوا كنت حاضنها في نص المستشفى كده عادي، والله يا يونس كنت عايز اخليها تقوم علشان تروح الإستقبال علشان أعرف هتموت نفسها من العياط كده ليه
استند الآخر على الحائط بكتفه ملاحظًا إنفعال ابن عمه الواضح وهو يبرئها فقال متسائلًا :
-انت من امتى وانت بتحب البنت دي أوي كده لدرجة تخليك تتصرف من غير تفكير زي مجيتك في الفجر علشان تتطمن عليها بس، انا آه لاحظت من كام شهر نظرات إعجاب منك ليها، بس قولت عادي إعجاب وهيروح، أمتى تحول كده؟ مع العلم أنت مكنتش بتتعامل معاها إلا نادرًا يمكن موقفين تلاتة اللي اتكلمتوا فيهم غير كده كانت هي بتصد أي كلام أو موقف يجمعكم
زفر حمزة بقوة وأعاد شعره للخلف ولديه مشاعر متخبطة بين كلام يوسف المنطقي، وخوفه ولهفته على نور الآن، وسؤال يونس المهم هذا
متى تحول إعجابه بنور الخجولة التي كانت تصاب بتوتر وحرج إن رأته أو أي رجلًا على وجه العموم، لم تكن تتصرف معه فقط هكذا لكن يزداد حرجها منه هو بالذات وكأنها كانت تعلم أنه معجبٌ بها، متى تحول ذلك الإعجاب إلى هذا الجنون الآن
متى أُعجب بها من الأساس فلا يتذكر أنه كان يهتم أو أنها لفتت انتباهه من بعد أن ضربها على رأسها في ذلك اليوم وهذا بسبب صمتها الشديد، ربما ظل أسبوعين بعدها غير مهتم حتى أتي اليوم الذي فعلت أو لنقول قالت ما جعله يهتم
كان ذلك اليوم مدعو به جميع العائلة على الغداء عندهم وعندما يقول جميع العائلة يقصد عميه محفوظ ومحمد وعائلتهم وشقيقته غادة بالطبع وعمته الكبيرة والوحيدة وأبنائها
كان يوم ملئ بالأحداث
بدايةً من إنتظاره في السوق، جالسًا في السيارة، منتظرًا والدته تأتي بالطلبات وفي يده كتاب يقرأه ويبدو عليه الإندماج الشديد قبل أن ينتفض في مكانه وسقط الكتاب على أرضية السيارة على أثر طرق شديد جعله يظن أن هناك لص يريد تثبيته
اخفض الزجاج ليجد أنه ليس بـلص وإنما هذه شقيقته رحمة تحمل العديد والعديد من الحقائب البلاستيكية وعندما رأته اخفض الزجاج حتى صاحت به قائلة :
-افتح العربية يا حمزة صوابعي ايديا اتكسروا
فتح لها بسرعة الباب وأخذ منها الأكياس ووضعهم أسفل المقعد الذي بجانبه هاتفًا بذهول :
-ايه الطلبات دي كلها هي أمك هتعمل مائدة الرحمن!؟
-ده لسه الأكياس اللي معاها واللي مع المس نور
رفع حمزة رأسه لها هاتفًا بتعجب :
-والمس نور دي بتعمل معاكم ايه؟؟
-قبلناها جوا بتجيب طلبات الأسبوع ليها هي وبنات عمها وكانت تايهة يا عيني ففضلت ماشية معانا وساعدتنا برضو في شيل الأكياس
فتحت الباب الآخر وجلست على المقعد بجانبه في إنتظار حضور نور ووالدتها فقال حمزة وهو يمسك بهاتفه الذي يرن :
-خليكي هنا يا رحمة هرد على التليفون وجاي
رفعت الأخرى حجابها هاتفها بشك :
-وما ترد هنا ليه ترد بعيد؟!
ضحك الآخر وهو يفتح الباب ثم قال :
-مش بكلم بنات متخليش دماغك تحدف شمال زي الواد كريم
خرج وأغلق الباب وجلس على مقدمة السيارة والأخرى لم تهتم له بل امسكت حقيبة نور التي أخذتها منها لأن الأخرى تحمل الأكياس الثقيلة التي لم تستطع هي حملها فلم ترد أن تثقل عليها وقالت ستأخذ حقيبتها معها إلى السيارة حتى تعود
نظرت إلى تصميم الحقيبة بإعجاب يبدو أنها ستحصل على حقيبة جديدة تشبهها، فتحت سحاب الحقيبة ببطء حتى ترى إن كانت خامتها من الداخل جيدة، وما كانت النتيجة إلا أن سقطت الحقيبة على أرضية السيارة وسقط جميع ما بها
شهقت رحمة مصدومة لتسرع في جمعهم وقد توترت بشدة خاصة وهي ترى حمزة أنهى مكالمته فوضعتهم بفوضوية ولم تدرك ماذا تضع من الأساس
فتح حمزة الباب وجلس تزامنًا مع إغلاقها للسحاب فقال مشيرًا إلى الحقيبة :
-شنطة مين دي مش انا قولتلك الصبح حطي ازازة المياه في شنطتك وانتي قولتي مش معايا شنطة
-دي شنطة المس نور
-وشنطة المس نور كنتي فتحاها ليه يا رحمة؟!
تساءل بها وعقد حاجبيه فقالت الأخرى مبررة فعلتها :
-الشنطة اتقلبت في العربية فلميت اللي وقع منها وقفلتها تاني والله
أخذ منها الحقيبة وألقى بها في المقعد الخلفي ثم نظر إلى رحمة مكملًا :
-أمك ناوية تعمل ايه أكل النهاردة
-كل ما لذ وطاب هتعمل محشي ورق عنب ومحشي بتنجان ولحمة وفراخ والرز حاجة أساسي طبعًا فلا يخلو الرز من أي عزومة
خرج حمزة من السيارة وفتح الباب الخلفي عندما رأي والدته قادمة من بعيد هي وتلك الفتاة نور التي اقتربت ووضعت الأكياس في السيارة زافرة بتعب وهي تنظر إلى أصابع يديها التي انقلبت إلى أحمر ممتزج بالأزرق نتيجًا لحبس الدماء بهما
-ألف سلامة
نطق بها حمزة بهدوء وهو ينظر إلى يديها فضمتهما سريعًا وسحبت حقيبتها من السيارة بسرعة مخيفة مبتعدة للخلف، وكل هذا ولم تنظر إليه ولكنه يعلم أنها سمعته وتصرفها هذا يدل على أن هذه الفتاة على الأرجح مصابة برهاب إجتماعي فماذا قال هو لتتهرب هكذا
يقسم أنه لم يكن في نيته شيئًا سيئًا أو عبثيًا، فقط قال هذا لأنه شعر بالشفقة عليها لا أكثر فأراد التخفيف بكلمة خاصةً أنها ساعدت والدته وشقيقته في حمل الحقائب الثقيلة ولم يكن من الذوق النظر إليها والصمت
أتت ناهد فأخذت منها نور بعض الحقائب ثم قالت :
-طب انا همشي تحتاجي حاجة تاني
-تمشي تروحي فين؟؟
نطقت بها الأخرى متسائلة تضع الأكياس داخل السيارة ثم استدارت لها عندما قالت نور :
-هروّح للبنات هاروح فين يعني
-تمام ما إحنا كمان راجعين للبيت تعالي نوصلك بدال ما تاخدي مواصلات
عادت الأخرى خطوتين للخلف معتذرة بلباقة :
-لا هرجع انا عادي عارفة الطريق
كادت أن تتحرك ولكن ناهد امسكت بذراعها قائلة :
-انتي عنيدة أوي علفكرة وهشتكيكِ لعمتك علشان حتى وإحنا راجعين من المدرسة مش بترضي تركبي معانا وترجعي ماشية على رجليكِ أو تاخدي مواصلات
-يا مس ناهد مش عايزة اتعبكم انا عـ
لم تسمح لها بالتكملة وجعلتها تجلس في الخلف بجانبها في السيارة :
-يعني انتي تساعديني وفي الآخر اسيبك ترجعي ماشية طب والله عيب، اطلع يلا يا حمزة اطلع
صعد حمزة السيارة وانطلق بها من ثم قال وهو ينظر إلى والدته في المرآة الأمامية :
-عايزة حاجة وإحنا في الطريق علشان هوصلكم ورايح مشوار مش هرجع انا والشباب غير على الغداء
-هات حلويات معاك وانت راجع علشان مش هلحق اعمل في البيت ده انا لو لحقت أعمل ده كله وانجز قبل العصر هيبقى تمام أوي
نظرت رحمة إلى والدتها متعجبة :
-ليه هو انتي هتبقى لوحدك ولا ايه مش هتيجي غادة وطنط عبلة وطنط أسماء
-عبلة راحت للدكتور ومش هتعرف تيجي خالص غير على المغرب وأسماء عندها يوم نضافة شامل النهاردة، أما غادة دي الله يعينها على حالها بس تعرف تشيل نفسها وتشيل بيتها
-الله يعينك والله
هتفت بها نور بصوت منخفض بينما قال حمزة موجهًا حديثه إلى رحمة :
-ما تخلي رحمة تساعدك اومال انتي مخلفاها ليه
ابتسمت الأخرى بتوتر فقالت ناهد بسخرية :
-دي برضو الله يعينها على نفسها لو غسلت كوباية في البيت يبقى عملت إنجاز
-صح وانا أشهد بناتك الاتنين ملهمش فايدة اتبري منهم
هتف بها حمزة بجدية شديدة فقالت رحمة مخرجة شخصية الحواري راكنة شخصية ابنة ميامي هذه على جنب :
-اسم الله يا بابا ده انت دخلت المطبخ علشان تسلق بيضة قعدت على النار تلات ساعات كل ما تخلص المياه تزودها قال ايه عندي إحساس انها لسه مستوتش، ولا حضرته التاني ليل نهار على الماتشات مش عارفة دخل صيدلة إزاي ده بروح محمد صلاح اللي
لطمها حمزة بمزاح على وجهها قائلًا :
-خلاص أعوذ بالله ماسورة مجاري واتفتحت دخلي روح الشراشيح دي جواك متطلعش تاني
توقف أمام البناية فلم يكن يبعد السوق عن هنا كثيرًا، هبطت ناهد وحملت بعض الأكياس وساعدتها رحمة ونور في هذا ودلفوا إلى البناية بعدما رحل حمزة بالسيارة
وبينما تصعد ناهد الدرجات الأولى في مدخل البناية تعثرت بفستانها الطويل وسقطت على ركبتيه وقد أتى كفها على شئ حاد داخل الحقائب فتسبب لها بجرح عميق وسرعان ما تدفقت الدماء من يدها بغزارة
انتفضت رحمة مهرولة إلى والدتها بينما صعقت نور من المنظر وتركت ما بيديها بسرعة قائلة :
-بسم الله مش تاخدي بالك
لم يكن الجرح أبدًا بهين وينزف بغزارة فساعدتها نور على الوقوف قائلة :
-تعالي تعالي هخلي براءة تضمدها ليكي
طلبت رحمة من حارس البناية أن يأخذ الحقائب إلى شقتهم بينما هي أسرعت خلف والدتها ومن منظر الجرح والدماء ستحتاج إلى خياطة
طرقت نور باب شقتهم بعنف شديد ففتحت شروق وهي تحاول وضع الحجاب بشكل صحيح على رأسها ولكن ما إن رأتها نور بل ومعها ناهد والدماء تدفق بغزارة من كفها لدرجة أفسدت ملابسها حتى تركت الحجاب وافسحت لهم بالدخول
جعلتها نور تجلس على الاريكة في البهو، متجاهلة شروق التي أخدت تسأل عن الذي حدث لتتجه إلى الغرفة النائمة بها براءة فاليوم هو الجمعة وهي تكون نائمة في هذا اليوم حتى الظهر
هزتها بعنف شديد منادية باسمها بصوت مرتفع لدرجة استيقظت عائشة بجانبها وظنت أن هناك كارثة قد حدثت بينما براءة رفعت جسدها وعينيها مغمضة تمامًا تستمع للأخري تقول :
-قومي يا براءة قومي بسرعة ألحقي
سحبتها خلفها دون أن تدري براءة إلى أين هي ذاهبة أو أين تخطو من الأساس بينما قالت نور موجهة حديثها إلى عائشة :
-عائشة هاتي القطن والشاش اللي في الدرج
وعندما رأتها لم تتحرك ولا سنتيمترًا واحدًا من فوق الفراش صرخت بها فالمرأة في الخارج ستنتهي دماؤها وتلك لا تتحرك :
-قومي يـــــلا
-هو فيه ايه مين اتعور؟ ولا ادبح؟ ولا فيه ايه اصلًا؟!
تحدثت براءة بهذا وهي بالكاد تستطيع فتح عينيها لتجد نفسها في ثوانٍ جالسة أمام ناهد التي تضع حول كفها قماشة قد تصبغت بالأحمر من الدماء أو ربما هي التي لونها أحمر لا تستطيع أن تحدد هذا وهي لا تزال بين حالة النعاس والاستيقاظ
رفعت رأسها عندما نادى أحدهم عليها لتجد فتاة بشعر بني قصير تتحدث معها، من هذه منذ متى تعلم هي أناسًا بمثل تصفيفات الشعر الجميلة هذه :
-يا براءة ماما ايدها اتعورت في سكينة كانت جوا كيسة من الكياس شوفيها كده عايزة خياطة ولا هتعرفي تعالجيها انتي
-بس انا مش دكتورة انتوا غلطانين في العنوان
هتفت بها وهي تتثاءب بنعاس شديد لتجد من امسك بفكها بقوة وعينين خضراوتين تحدقان بها في غيظ :
-فوقي يا براءة فيه ايه المرة دمها هيتصفى وانتي بتعيد سيناريو الحلم في عقلك
سحبتها شروق من يديها حتى تقف مكملة :
-روحي اغسلي وشك وتعالي يلا
ضغطت ناهد على الجرح حتى تكتم الدماء هاتفة ببؤس :
-شكلي هلغي العزومة النهاردة مع اني هتبقى كسفة بس مش هعرف أعمل كده حاجة بإيدي المتعورة
فكرت نور قليلًا لتقول بطيب خاطر منها حتى لا تحزن الأخرى وتضع في نفسها :
-لو محدش جه يساعدك هساعدك انا والبنات ونعملوا الأكل
ودعوتها هذه للمساعدة لم تعجب لا شروق ولا عائشة ولا حتى براءة التي كانت تقف خلفها، بالله ينتظرون يوم الجمعة بفارغ الصبر حتى تقحمهم هي في هذا بل والأمر لا يخصهم بشئ فهم حتى ليسوا من ضمن المدعوين...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرق الباب منتشلًا ذلك الذي بالداخل من شروده بعدما كان يحدق في السقف بشرود فقال بمزاح :
-ابن عمي النقيب اللي مشرفنا ومشرف إسكندرية كلها، والله وما ليك عليا حلفان بتفشخر بيك أكتر من الواد حمزة
نظر يونس إلى المتحدث فوجده كريم ابن عمه فقال متعجبًا من وجوده داخل القسم :
-بتعمل ايه هنا؟؟
جلس كريم على إحدى المقاعد الأمامية للمكتب دون إنتظار دعوة الآخر مجيبًا إياه بكذبة اخترعها قبل أن يدخل إلى مكتبه :
-قولت يلاه يا كريم ما تروح تطمن على ابن عمك تلاقيه يا عيني مش عارف يشوف الستة من التسعة من كتر ما السفاح ملففة حوالين نفسه
-باين عليك الكدب يا كريم قول جاي ليه من غير تحوير
حمحم الآخر بحرج ثم قال الحقيقة :
-واحد من ظباط المرور أخد المكنة مني فجيتلك تحل الموضوع
-وأكيد حضرتك كنت بتسوق بغباء كالمعتاد
-مش أوي علفكرة ايه يعني سايق على سرعة عالية ما أي واحد معاه الموتسكل هيسوق على سرعة عالية انا آخد مخالفة ليه
مسح يونس وجهه بضيق قائلًا :
-بغض النظر عن إني الموتسكل بالذات مينفعش حد يسوقه على سرعة عالية علشان حوادثه كتير، بس تستاهل يا كريم علشان انت متسرع ومتهور وابن أبوه الظابط اللي خد منك المكنة
لوى كريم شفتيه بقنوط ثم قال :
-يعني ايه هتجيبها ولا لأ
-هرجعها بس والله هتسوقها بجنان تاني هبعهالك خردة مش حمل فرهدة مستشفيات انا لو عملتلك حادثة بيها
-اشطا عليك، هاخدها دلوقتي؟
-لأ دلوقتي فين على آخر النهار كده
آماء الآخر بموافقة ثم مازحه قائلًا :
-هتيجي طيب على الغداء ولا السفاح ده هياخدك مننا؟
-لأ هاجي ثم السفاح أصلًا مريح بقاله أسبوعين ومقتلش حد من وقت ما رمى الواد في كليوباترا يارب يكون اتقتل ويريحني من القضية دي، خليك هنا هدخل الحمام وأرجع
وقف حتى يذهب فقال كريم وهو يستقيم هو أيضًا :
-لا انا هاروح انا كمان ده العصر فاضله ساعة هاروح أرجع البيت بقى اشوف ناهد عملت ايه أكل، اوعى تتأخر انت بقى ولو مش هتيجي ابقى قول علشان اعمل حساب اني آخد نصيبك في الأكل
ضحك وخرج دون أن ينتظر رده وفي الخارج أبصر شروق تقف بالقرب من مكتب العسكري الخاص بالمحاضر فوقف يسأل نفسه هل يتطفل ويسألها ماذا تفعل هنا أم يرحل
وكالعادة أختار الرحيل فهو من النوع الذي لا يحب أن يتدخل في شئون الآخرين، وللأسف ابصرته قبل أن يذهب إذًا لا مهرب يجب أن يسألها إذا كانت تحتاج مساعدة وبعدها سوف يرحل :
-بتعملي ايه هنا في حاجة حصلت معاكي؟
عدلت الأخرى من وضعية نظارتها هاتفة بضيق شديد بل هي الآن في أكثر حالاتها المزاجية سوءًا :
-شنطتي اتسرقت من ساعة وانا مش عارفة أعمل إيه
وأجابها الآخر بصراحة واضحة ودون تفكير :
-ادخلي ليونس هو موجود في القسم ده أكيد هيساعدك
وسرعان ما انقلبت ملامح شروق بتشنج، تطلب من ابن رستم هذا أن يحضر لها حقيبتها، بالله لقد كان من الفظاظة التي تجعله لا يساعدها وهو تكاد تنقلب على وجهها بسبب الثقل الذي كانت تحمله، أسوف يساعدها الآن!؟
لا بالطبع لن تدخل لذلك المغرور الفظ المستفز ولو على جثتها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج يونس من مرحاض مكتبه مجففًا يديه ليجد كوب القهوة خاصته قد احضره العم شعبان القهوجي، جلس بأريحية على مقعده ممسكًا بعلبة التبغ خاصته كعادته التي لن تنسلخ منه، وقبل أن يشعل أحد لفافات السجائر وجد باب المكتب يطرق ثم دلف العسكري الذي يقف أمام الباب
ولكن ليس هذا ما لفت أنظاره فبين فتح الباب وغلقه في هذه الثانية بالتحديد رآها تقف في الخارج بحاجبيها المعقودين طوال الوقت وملامحها المتنغنضة تتأفف بشكل واضح
انتبه إلى صوت العسكري عندما قال فور أن أغلق الباب :
-يونس باشا في واحدة برا عملت محضر اني شنطتها اتسرقت من ساعة كده بس لما شافتك في الطرقة اصرت تدخلك وبتقول إنها تعرفك
-دخلها
هتف بها بهدوء وقد وضع السيجار الأبيض بين شفتيه وقبل أن يشعله تذكر أنها لا تطيق رائحة الدخان أو التبغ والتدخين بشكل عام، وهذا بالطبع لم يجعله يتراجع بل أشعل السيجار من أجل اغضابها فقط لا غير
فتح العسكري الباب فدلفت الأخرى وما إن رأته مشعل سيجار من سجائره حتى نفخت بضيق، هي مضطرة لتحمله حتى تعود لها حقيبتها، على الأقل ستدّعي تحمله لساعة أخرى
خرج العسكري فاتجهت نحو المقعد القابع أمام مكتبه وقبل أن تجلس قال هو :
-هو انا قولتلك اقعدي!؟
حدقت به بشر هاتفة من بين اسنانها :
-ليه يا ابن رستم باشا اكونش مجرمة ولا متهمة وانا مش عارفة، انا جاية اقدم بلاغ اني شنطتي اتسرقت وانت المفروض تجيبهالي مش الشرطة في خدمة الشعب؟؟ وانا من الشعب يعني انت في خدمتي دلوقتي، يعني المفروض انت اللي تقوم وانا اقعد
ضغط على شفتيه بغيظ ألا يستطيع في مرة هزيمتها في الحديث ولا ترد على الكلمة بعشرة، نفث دخان سجائره في الهواء ثم قال :
-اتسرقت الشنطة منك ازاي وفين؟
-قريب من القسم هنا سحبت فلوس من مكنة فوري بابا بعتهم ليا على فودافون كاش، وأول ما حطيت الفلوس في الشنطة جه واحد راكب موتسكل وسحبها مني
-فين السوبر ماركت ده اسمه أي
-ده كشك صغير كده مش كبير اسمه المصطفى تقريبًا
آماء ببطء لينادي العسكري في الخارج وما إن دلف حتى قال يونس بجدية :
-ابعت حد يجيب الواد سلامة أيًا كان هو فين ويجيب كل اللي سرقه النهاردة
نظرت شروق إلى يونس متعجبة ثم قالت :
-بالسرعة دي!؟ ثم عارفين انه حرامي وعارفين طريقه وسايبينه عادي
-أصله سوابق وخرج من السجن في قضية سرقة برضو بس اللي في داء مش هيبطله
-طب قول لنفسك
رفع إحدى حاجبيه بتشنج قائلًا :
-ليه حرامي انا قدامك ولا ايه؟؟
زفرت الأخرى بضيق تحرك كفها أمام وجهها تبعد الدخان الذي ملأ المكان ويكاد يملأ رئتيها :
-انا على السجاير دي ولو سمحت اطفيها اتخنقت
أعاد ظهره للخلف بأريحية ثم قال مستفزًا إياها :
-لو مش عاجبك اطلعي برا
-لأ مش هطلع يا ابن رستم باشا وهطّفيها يا خادم الشعب
اغتاظ منها بشدة ليهتف بعناد :
-لا مش هطفيها
وقفت شروق بعنف من المقعد متجهة ناحيته فظن انها ستختطفها من بين انامله لكنها خالفت توقعاته واتجهت إلى النافذة ووقفت أمامها بعيدًا عن الدخان تزامنًا مع دخول امرأة تبدو في نهاية عقدها الثاني ترتدي ملابس راقية وكأنها خرجت من التلفاز :
-صباح الخير يا يوني عامل ايه
اتسعت عينيها مذهولة من هذا اللقب المضحك لتضع يدها على فمها تتابع هذا المشهد الهزلي المضحك من وجهة نظرها، والمحرج بشدة من وجهة نظر يونس، إذ اعتدل في جلسته يحدق في عايدة _إحدى زميلاته من أيام الدراسة_ والتي أصبحت تتردد عليه بشكل مستفز هذه الأيام :
-أهلًا مدام عايدة اتفضلي
جلست عايدة على المقعد هاتفة بابتسامة راقية ولبقة :
-عملت ايه في موضوع شنطتي اللي اتسرقت أكيد جبتها صح
مسح الآخر وجهه بضيق هل سيتم نقله لمهام البحث عن لصوص الحقائب أم ماذا؟!
تنحنح يحاول صبغ نبرته باللباقة رغم أنها ليست أبدًا من شيمه فأي لباقة هذه يتعامل بها مع اللصوص والمجرمين وبائعي المواد المخدرة :
-لا والله لسه، مفيش في كل المسروقات اللي لقيناها حاجة بالمواصفات اللي انتي قولتي عليها
-لا ارجوك اتصرف يا يونس دي فيها شيك بعشرين ألف جنية وخاتم سوليتير تمنه خمسين ألف جنية
-وانتي ماشية بالمبلغ ده كله في شنطتك ومش عايزة تتسرقي!؟ ده انا اتسرقت مني شنطة بمتين وخمسين جنية لسه جديدة وفيها ألفين جنيه حاسة اني هتشل عليهم
نظرت عايدة في اتجاه الصوت ولتوها ابصرت هذه الفتاة التي تقف بجانب النافذة ترتدي ملابس أزهرية وحجاب طويل فقالت متعجبة ومن لهجة الأخرى علمت أنها ليست ابدًا من سكان مدينة الإسكندرية وإنما يبدو أنها من الصعيد على الأرجح :
-طب المفروض امشي ومعايا ايه!؟ ثم حضرتك برضو اتسرقت شنطتك؟
-ايوه وجيت لحضرت الظابط يونس اللي ماسك وردية الشنط المسروقة علشان يجبهالي بس
نظرت إلى يونس ثم اكملت بنبرة ساخرة عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-بس شكله مش هيجيبهم إذا كان شنطتك انتي اللي شكلك من أغني أغنياء اسكندرية وفيها سبعين ألف جنية مجاتش، شنطتي انا اللي فيها ألفين جنية يتامى هتيجي!؟
نظرت عايدة إلى يونس هاتفة بدهشة وعدم تصديق :
-يعني ايه يا يونس؟ كده الشنطة ضاعت!؟
وهنا وانفجر بهما ولم يعد يتحمل سماع صوت واحدة، فأمامه الآن أكثر امرأتين يبغضهما وهو يحاول الآن أن يتصرف برقي ولا يطردهما من مكتبه ولكن يكفي :
-انا ظابط برتبة نقيب بقبض على المجرمين والديلر وقتالين القتلة، مش فاضي انا لحضاراتكم اسيب ده كله وسفاح اسكندرية اللي داير يقتل كل يوم واحد علشان أنزل ادورلكم على شنطكم، مش ترزي حريمي قدامكم انا؟!
برمت عايدة شفتيها بعدم رضا بينما قالت شروق وهي تتجه ناحية الخارج متمتمة كعادتها :
-ولا هتعرف تقبض عليه تلاقيك داخل الشرطة دي بواسطة أبوك
أمسكت بمقبض الباب حتى تخرج ولا تعلم متى تحرك يونس من خلف المكتب وأصبح بجانبها وقد دفع الباب بعنف مغلقًا إياه مرة أخرى وفعلته هذه جعلتها تعود للخلف متفاجئة وقبل أن تبادر بقول كلمةٍ واحدة كان الآخر يقول بهدوء مخيف وكم بدا وكأنه يكتم موجة غضب لا يريد أن يفجرها بها :
-ما أقدر برضو بما اني ظابط بواسطة أبويا ادخلك الحجز دلوقتي ليه بقى بتهمة التطاول على ظابط داخل الشرطة بواسطة أبوه
-وهو انا إطاولت عليك أصلًا!؟
هتفت بها مذهولة فقال الآخر غاضبًا :
-بنت انتي انا عمري ما حد اتطاول عليا قد ما بتعملي انتي وأقسم بالله لولا إني مراعي القرابة وانا أصلًا من النوع اللي مش بيراعي حد لكنت مسكتك كده من قفاكِ زي المجرمين ورميتك في الحجز أسبوع علشان تتربي
لم تتحمل شروق أن تصمت على هذه الإهانة فهي شخصية عصبية ترد الكلمة التي لا تعجبها بعشر :
-ليه يا بابا ناقصة تربية؟ على الأقل مش ببص على الناس بتعالي ويا أرض اتهدي ما عليكي كَدي، على الأقل لما بشوف حد محتاج مساعدة بساعده مش بقف زي اللي واقف بياخد صورة
وقفت عايدة بعدما احتدت هذه المشاجرة وعلى الأرجح يونس يعلم هذه الفتاة جيدًا ومن أقاربه على حسب ما سمعت منه الآن :
-فيه ايه يا جماعة مش كده
جفلت بصدمة عندما أدار يونس رأسه من ثم صرخ بها قائلًا :
-ملكيش فيه انتي، اقعدي على جنب
استدار إلى شروق والتي كانت بدورها جافلة هي أيضًا من صراخه هذا، فبدا وكأنه يريد طردها رغم أن الأخرى لم تفتح فمها بشئ فهي من تستفزه هنا وليست هي :
-وانتي لما كنتي شايلة الشنطة انا مكنتش شايفك ولا واخد بالي أصلًا غير لما وقعتي على السلم وقتها بس قولتلك أساعدك ما انا مش معدوم النخوة ولا الرجولة أشوف واحدة محتاجة مساعدة وأقف اتفرج زي ما حكمتي انتي، لا وبلسانك الطويل قولتي جملة وربي لولا إنك قريبة عمي محفوظ ومراته لكنت دفنتك مكانك على معناها، بس انا عملت حساب ليهم ولإنك اتكسفتي لما وقعتي قدامي علشان كده سكتلك
كان أسلوبه هجوميًا بشدة جعلها لا تتحدث بل تراجعت مزدرقة لعابها بتوتر من ثم هتفت بخفوت :
-انا عايزة الشنطة بتاعتي هتعرفوا ترجعوها ولا استعوض ربنا فيها
أجابها الآخر وهو يعود إلى مقعده ولا يزال حاجبيه معقودان دليلًا على غضبه لذا اكتفى بجملة مختصرة وهي يهز قدمه بعنف :
-تقدري تروحي ولو سلامة هو اللي سارقها هرجعهالك
رحلت شروق وما إن خرجت من مكتبه حتى تنفست بعنف وكأنها خرجت من معتقل للتو، ربما تكون ظلمته بالفعل وهو لم يكن يراها بينما هي انفجرت به من غيظها وخجلها أنها سقطت أمامه كما قال
أما بالداخل وما إن جلس يونس مكانه حتى قالت عايدة بقنوط وهي تضم ذراعيها إلى صدرها بعدم رضا :
-انا تزعق فيا يا يونس
ابتسم الآخر ابتسامة بالكاد ظهرت ولم تكن سوى ابتسامة متهكمة فأعاد ظهره للخلف مشيرًا ناحية الباب :
-شايفة الباب ده يا مدام عايدة؟ هتطلعي منه تاخدي يمين تفضلي ماشية لحد ما تبقي في نص القسم هتلاقي هناك مكتب كبير واقف عليه اتنين عساكر تروحي هناك وتقولي انا عملت محضر من إسبوعين بإني شنطتي اتسرقت، لقيتي خبر عنها خير وبركة ملقتيش تطلعي من القسم وتستعوضي ربك فيها بقى
رمشت الأخرى بعدما استيعاب، هل هو يطردها بطريقة لبقة، تنحنحت وهي تسحب حقيبتها من على مكتبه قائلة :
-طب يونس انا كنت عايزة أعرف هو رقـ
-اطلعي برا
اتسعت عينيها وقد انعقد لسانها من الصدمة فقال يونس وعينيه أصبحت تقدح غضبًا منها فماذا تود من زياراتها السخيفة له، قد نسيها ومحاها تمامًا من حياته فلما عادت مجددًا وباتت تزعجه، هل تظن من كل عقلها الصغير أنه قد يعود إليها بعدما تطلقت؟!
والله إن أصبحت ذهبًا لن يعود إليها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close