رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثامن 8 بقلم آية الطري
٨- مجهول الهوية
قال الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا ، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ ؟ قالَ : المتَكَبِّرونَ).
+
صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
+
-------------------
+
_" قولي بقى يا دكتور، كنت ناوي على دخول حرب ولا سطو مسلح على بنك، ايه كمية السلاح دي يا جدع؟! لأ ومخدرات كمان! الاتنين؟ دا انت قلبك جامد بقى! " كانت كلمات المدعو وائل التي تنضح بالشماتة والاستفزاز ووهو يشير على حقيبة حاوية مجموعة كبيرة من الأسلحة الموضوعة على مكتبه بجوارها بعض الكتل من المواد المخدرة.
+
نظر سيف لها بأعين ضيقة ثم رفع نظره لوائل نابسًا بتريث:
_" عايز تقول ان الحاجة دي كانت في عيادتي!... ويا ترى مين عزم سعادتك على عيادتي في غيابي، كنت تعبان ولا ايه؟! "
1
احتدت نظرات وائل الكارهة وابتسم بإصفرار قائلًا:
_ " فاعل خير بلغ عنك واحنا قومنا بواجبنا وأهو طلعت الإخبارية جد"
+
هز سيف رأسه مبتسمًا وأردف بسخرية:
_" ربنا يقدرك يا سالم يا ضبع على فعل الخير، الحق يتقال الراجل ده يقول لإبليس قوم وأنا أقعد مكانك"
+
رد وائل بتهكم:
_" وجايلك نفس تهزر! شكلك مش عارف القضية دي فيها كام سنة! دا انت هتشرفنا كتير... ابقى خلي شادي يديك شوية نصايح عن التعايش خلف القضبان"
+
زفر سيف بملل رغم أسنانه التي أصبحت تمشي فوق بعضها متذكرًا شادي وكل ما مر به فقال بتنهيدة عميقة:
_ " ماشي، تشكر على الإفادة "
+
استكمل وائل التحقيق المبدئي وكل ما يأخذه من سيف هو نفي وجود أي صله بينه وبين الأسلحة كما أن عيادته تلك لا يستخدمها منذ مدة طويلة نظرًا لعمله في مكان آخر....
+
بعد وقت كبير نظر وائل لسيف بإمتعاض وقال:
_" على العموم كل دي روتينيات التهمة كدة كدة في قفاك يا دكتور فياريت تكون سلس معانا وقول شغال مع مين و لحساب مين بدل الانكار اللي لا هيقدم ولا هيأخر وفي الآخر هتلبس لواحدك"
+
أومأ سيف ببرود وأردف بلامبالاه:
_" تمام، مش هتحولوني على النيابة بقى ولا أكمل نوم!... أنا بقول تستجدع معايا واديني ساعتين كمان "
+
هنا ووقف وائل وأشمر أكمامه قائلًا:
_" معلش خلص التحقيقات يا شطور وابقى نام على كيفك أوعى يكون خالو ما قالكش على نومة البرش، لأ وأنا كمان هوصي عليك انت عارف غلاوتك عندي "
+
أومأ سيف بتأييد وقال بتفاخر:
_" طبعًا، دا احنا واكلين مع بعض عيش وملح بس اخص على الخاين، اللي يضرب صاحبه في ضهره ويشهد عليه زور عارفه!؟ "
1
امتقع وجه وائل لكنه تظاهر بعدم الاكتراث وهو يتهرب من نظرات سيف...
------------
+
دخلت بسرعة الغرفة بعدما أمن لها سكر الطريق حيث أخبر سلمى أن تذهب وتشتري بعض الأطعمة من الخارج...
+
_" شادي! عملوا فيك ايه يا حبيبي! " قالتها جنى ببكاء وهي تمسك بيده بقوة
+
احتارت أنظار شادي وظهر توتره قائلًا بتفاجؤ:
_" انتِ ايه جابك بس يا جنى ومين قالك؟! "
+
نظرت له بعتاب قائلة:
_" والله يعني ماكنتش عايزني آجي كمان! كدة كتير بجد ! "
+
تأفف بضجر وقال بنبرة شبه هادئة:
_" مينفعش تكوني هنا وعمر لواحده؟ "
+
_" مع ماما، أول لما سكر رد على تليفونك وعرفت ان فيه مصيبة، كلمت ماما تقعد معاه وقولتلها اننا خارجين سوا "
+
سحب يده من بين يديها ورتب عليهما قائلًا:
_" أنا كويس خالص خناقة وبتحصل، روحي دلوقتي و هبقى أكلمك "
+
هنا ظهر الضيق على وجهها وقالت:
_" للدرجة دي خايف حد من أهلك يشوفني! "
+
أغمض عينيه برهة وقال:
_" لأ ده مش وقت نقاش في الموضوع ده خالص، هنتكلم براحتك بعدين يلا "
+
وقفت مبدية عنادها وهي تردف بضجر:
_" مش خارجة يا شادي ومش هطلع من هنا غير وانت معايا، أنا بجد تعبت من الوضع ده، كفاية...."
+
_" جنى!!! " نطق اسمها بصرامة أخرستها فنظرت له بأعين تكبت غضبًا وقالت:
_" ماشي... تمام يا... أبو عمر "
+
فقط وخرجت بسرعة لتقابل سكر في طريقها لكن لم تبالِ بينما ضرب هو كفًا بكف قائلًا بضيق:
_" والله ما عارف انت عامل في نفسك كدة ليه يا شادي يا ابن عمي "
+
ثم دخل الغرفة وكاد يتحدث لكنه تفاجأ ببعض الدموع التي تجمعت في أعين الآخر فهرول إليه سكر قائلًا بلهفة متعجبة:
_" مالك يالا يخيبك انت بتعيط! "
+
_" تعبت يا سكر تعبت، مش قادر أكون الاتنين ولا قادر أكون أنا! " قالها شادي بقهر مع شعور بالعجز مستحوذ عليه
+
فرتب سكر على رأسه قائلًا بمواساة:
_" يااه احنا كنا فين وبقينا فين يا عم شادي "
+
_" مابقيتش عارف أوزنها يا سكر أنا مش كويس مش بتحسن ساعات بكون مش عارفني " قالها بتشوش كبير وهو بضغط جفونه في بعضها
+
ليرد سكر بجدية:
_" المهم انك بترجع شادي "
+
ثم غير نبرته قائلة ببساطة:
_" وبعدين ياد بكرا تتعدل مش عليك لواحدك "
+
زفر شادي بإرهاق وسأل بعدم فهم:
_" هو ايه اللي مش عليا لواحدي ياسكر؟! "
+
_" غلاء الأسعار، هو انت مش بتعيط من النار اللي بقينا فيها! " هكذا مازحه سكر ليصرف عنه همومه
+
بالفعل حرك شادي رأسه يمينًا ويسارًا وضحك رغمًا عنه قائلًا:
_" عمرك ما هتتغير "
+
أما عن جنى فوصلت للسيارة التي أتت بها ووقفت تنتظر رد أحدهم على هاتفها حتى وصلها صوته العملي قائلًا:
_" أيوة يا مدام جنى ايه الأخبار؟ شادي كويس؟ "
+
_" تمام يا دكتور، بس أنا اللي محتاجة أقابل حضرتك ضروري "
+
أكملت حديثها الجدي وأنهت المكالمة وكادت تركب السيارة بعدما أخذت ميعاد مع الطبيب لكن وقفت تنظر بتقييم لتلك التي تحمل بعض الأكياس ومتجهة لداخل المشفى ثم نبست بخفوت:
_" سلمى! طلعتي أحلى من الصور "
1
--------------
+
_" آه يا دماغي... أنا فين! " قالتها نور ببكاء خافت بسبب الألم وهي راقدة على سرير بأحد المشافي، تحيط ضمادة بيضاء كبيرة برأسها، وبعض الضمادات الصغيرة على أماكن بيديها وقدميها نتيجة الجروح التي أصابتها في الحادث
+
_" ما تتحركيش عشان ما تتوجعيش؟! " قالها عز بهدوء وهو جالس على كرسي جوار فراشها وعلى جبيبنه لاصق طبي ويده محاطة برباط أبيض
+
ما أن رأته حتى ازدادت في البكاء قائلة:
_" منك لله ياشيخ... أشوفك نايم نومتي.. اه "
+
تأفف بغيظ وقال بحنق:
_" انت هتعملي المصيبة وتلزقيها فيا؟ مش كفاية عربيتي اللي هبيعها خردة من تحت راسك؟! "
+
رمشت عدة مرات وفتحت فمها ببلاهة قائلة:
_" من تحت راسي أنا؟ "
+
هز رأسه متأففًا مرة أخرى وقال بعتاب جدي:
_" لما مابتعرفيش تسوقي بتتحايلي عليا تجربي ليه؟! "
+
مازالت تنظر له ببلاهة وقالت برأس مشوَّش:
_" أنا ؟ "
+
رفع حاجبه بضجر وزجرها قائلًا:
_" أيوة اتسلبطي واعملي فاقدة الذاكرة بقى! "
+
تأوهت وهي تعتدل وتنظر له بصدمة ثم ابتلعت لعابها قائلة:
_" هو هو ايه اللي حصل... كان فيه رصاص وانت كنت عايز تقتلني صح؟ "
+
نظر لها بصدمة مزيفة وقال باستنكار:
_" رصاص! وعايز أقتلك! دا انتِ طلعتي مجنونة رسمي... انتِ يا زفتة انتي مش قابلتك في الطريق وعرضت عليكِ أوصلك وبعدين قعدتي تتحايلي عليا تسوقي مكاني ودخلتينا في عربية نقل يا كارثة مُتنقلة "
+
ثقلت جفونها وأشارت على نفسها بحيرة قائلة:
_" يالهوي أنا عملت كل ده! طب... طب وانت بتسبني أسوق ليه؟! "
+
ابتسم بخبث لنجاح مخططة وقال ببراءة مصطنعة:
_" صعبتي عليا مارديتش أكسر بخاطرك "
+
وضعت يدها على فمها تحاول تذكر أي شيء لكن دون جدوى فنظرت له وقالت بخجل:
_" والله ما فاكرة حاجة حقك عليا أنا هدفعلك اللي تحتاجه "
+
هز رأسه بأسى وقال:
_" فيه حاجات مش بتتعوض يا بنت الديب "
+
عضت شفتها شاعرة بالذنب ونبست بخفوت:
_" طب انت كويس! "
+
نظر حوله بحزن وقال:
_" لسة فاكرة تطمني عليا؟"
1
هنا رفعت حاجبها بضجر وقالت:
_" ما خلاص يابا انت هتعيش الدور! "
+
طالعها بإمتعاض وصمت بينما أشاحت بنظرها للجهة الأخرى لتتسع عيناها بسعادة قائلة:
_" ورد! انت جايبلي ورد أحمر؟"
+
أخرج همهمة ساخرة وقال ببرود:
_" وأنا هجيبلك ورد أحمر بمناسبة ايه؟ "
+
_" حبيتني مثلًا " هكذا ردت بغرور وهي تحاول ضرب خصلاتها التي اختفت أسفل الضماده لذلك فشلت.
+
ضحك بتهكم وأشار لها بإشمئزاز قائلًا:
_" بمنظرك ده! موت يا حمار"
+
زمت شفتيها وأردفت بغيظ:
_" أومال جايبه ليه بقى ان شاء الله رحمة ونور على العربية؟ "
+
رد ببرود:
_" لأ، هتبرع بيه لأي واحدة عندها جفاف عاطفي إلا انتِ "
+
كادت تصرخ به لكن وقف وخرج ليجيب على هاتفه تاركًا اياه تتآكل غيظًا نابسة:
_" جتك نيلة في حلاوتك... يادماغي ياني "
+
بالخارج رد على هاتفه بجدية تامة قائلًا:
_" مش فاكرة اللي حصل أو بتتظاهر مابقيتش عارف، بس همشي على هواه، عندها خيوط كتير هتفيدنا، بنت الديب ماطلعتش ساهلة خالص، دلوقتي لازم أعرف اللي هاجمني كان قاصدني أنا ولا هي وليه؟ "
+
_" تمام يا عز، أنا قولتلك كان جنان انك تسافر بنور دلوقتي، المهم عايز أقابلك بسرعة "
+
عقد عز حاجبيه وسأل بقلق:
_" فيه حاجة ولا ايه؟ "
+
--------------------
+
_" اتفضلي يا مدام جنى سامعك" قالها الطبيب المعالج الخاص بشادي بعملية موجهًا حديثه لجنى فالبطبع بينهما علاقة وثيقة على مدار السنوات السابقة.
+
فبدأت جنى تتحدث بهدوء:
_" أول ما تابعت حالة شادي قولتلي ان صعب يخرج من تشوش الشخصية غير لو قل شعوره بالذنب أو حس ان جزء من اللي فقده رجع صح! "
1
أومأ لها الطبيب قائلًا:
_" مظبوط واحنا مشينا طريق طويل من لما كان في المصحة وما شاء الله على أعتاب التخلص من الاضطراب التفارقي ده خالص "
1
تظاهرت بالإبتسامة عكس خوفها الداخلي الذي دفعها مستفسرة بإرتباك:
_" لو خرج من حالته دي بشكل كلي هيبقى ايه موقعي أنا وعمر في حياته؟! "
1
صمت الطبيب قليلًا ثم تنهد وقال بتفسير :
_" هشرحلك ببساطة، انتي وعمر في البداية كنتم جانب كبير في حياة شادي الجانب ده صنعه بسبب احساسه بالذنب ورفضه للواقع، في حين ان حياته الأصلية كشادي جبران كانت مهمشة تمامًا لدرجة كان كارهها وكاره شخصيته فيها، عشان كدة حياته معاكم وحياته الأصلية بينهم تضاد كل ما بيرجع لشخصية شادي كل ما بيبعد عن الوهم اللي صنعه لنفسه.... فهماني!"
1
بالطبغ فهمت بل شعرت بحياتها تتلاشى فدمعت عيناها رغمًا عنها وأومأت بشيء من الاستسلام قائلة:
_" يعني كل ما حالته اتحسنت كل ما هيبعد صح؟ "
+
هز الطبيب رأسه بنفي وقال:
_" مش بالظبط، ماتربطيش وجودك انتي وعمر في حياة شادي بتحسن حالته، اربطيه بحبه الحقيقي ليكم كعيلته يعني أكيد بيتبني ليكم مكانة عنده بعيدًا عن المكانة اللي فرضها على نفسه يا مدام جنى، وماتنسيش انك في كل الأحوال مراته يعني أنتم أسرته فعليًّا "
1
سكنت عدة دقائق وعقلها في حيرة كبيرة تحت احترام الطبيب لشعورها ثم عادت وسألت بتوجث:
_" طب ده معناه انه مش هيدخل في انتكاسات زي ما كان بيحصل في بداية العلاج؟! "
2
رد عليها بعملية كبيرة دون ملاحظة نواياها:
_" أكيد وارد يحصل انتكاسات في المرحلة دي برضو، لذلك التعليمات اللي ماشي عليها ماينفعش تتغير دلوقتي حتى لو حاسس انه كويس عشان كدة خدي انتِ بالك "
+
أومأت بهدوء وقد ارتسمت ابتسامة متفائلة على وجهها قائلة بغموض:
_" أكيد "
+
--------------------
+
مر أسبوع كامل على تلك الأحداث تحسن شادي بشكل كبير وقد خرج من المشفى، في حين صُعقوا من التهمة الموجَّهة لسيف ووكلوا محامي في القضية، حيث تم حبسه ٤ أيام على زمة التحقيق ومن ثم تم تحويله للسجن ١٥ يوم كتجديد، كل هذا ولم يحدث تدخل إطلاقًا من الجهات العليا بالمخابرات حتى راجح وبكر ممنوعان من التدخل بأمر اللواء شاكر بل ويباشران العمل كأن سيف معهما...
+
بروسيا تحديدًا بمقر زعيم المافيا " دميتري ألكسيفيتش "، خطى فلاديمير جوار المدعو كمال الصيفي للداخل حيث يترأس " ديمتري" كرسيه الخاص في انتظارهما
+
تقدم كمال بكل احترام مقبلًا يد الزعيم قائلًا بالروسي:
_" من حسن حظي أنكم دعوتوني بشكل خاص، أرجو أن يكون السبب خيرًا "
+
رمقه دميتري قائلًا بالروسية مظهرًا صرامته وبعض من الغضب:
_" أنا لا أكره مثلما أكره الغباء كمال، تعرف ان كان سنايبر قد أصابه سوءًا كيف كنت سأتصرف معك!؟ "
+
تسرب الخوف لقلب كمال قائلًا بتوتر:
_" أنا لا دخل لي بحادثة سنايبر كما تعرف كل اهتمامي في تنفيذ العملية التي اقترب ميعادها كثيرًا "
+
_" اممم أتمنى ذلك... فقد أتيت بك إلا هنا لهذا السبب العمل أهم... وبالنسبة لتلك الصغيرة التي اختطفت من منزلك لا تقلق ستكون هديتي لك فور إتمام المهمة "
+
أنهى كلامه ونظر لفلاديمير الذي قال:
_" سنايبر إلى الآن لا يعرف أن الفتاة ليست معانا كمال لذلك لا تجعله يشك بالأمر، المتهم في هذا الأمر عارف الديب ليس غيره ونحن نستطيع ارجاعها منه بطرقنا الخاصة "
+
رد كمال بإحترام رغم غضبه الداخلي:
_" أثق بكم بالتأكيد "
+
_" جيد، دعنا نتحدث في الأمور المهمة الآن "
+
أما بالجوار فواقف ذلك الشاب المدعو أليكسي ابن ديميتري المزعوم وولي عهده لكن لا نعرف لِمَ ابتسم تلك الابتسامة الغريبة التي سرعان ما محاها والتزم الجمود كعادته....
+
------------------
+
تأففت بضيق لفشل محاولاتها في التواصل معه منذ خلفت بوعدها له وهو يتظاهر بالإنزعاج منها وسلمى تحاول مراضاته دون جدوى...
+
أرسلت له رسالة أخيرة مشابهة لسابقيها مضمونها:
_" طب رد وأنا هشرحلك اللي حصل صدقني ماعرفتش أقابلك ولا أخرج أصلًا بسبب مشاكل كتير جدًا مش تجاهل خالص"
+
ثم أغلقت الهاتف وخرجت من غرفتها لتجد الصغيرة جالسة على الأريكة أسفل الشرفة المطلة على الشارع وكالعادة تبكي قلقًا على سيف....
+
_" تُولي هو أنا ممكن أسألك على حاجة ؟! " كانت كلمات مارحة قليلًا من سلمى لبدء الحديث معها....
+
نظرت لها بتول ماسحة دمعاتها وأومأت بهدوء، فجلست مبادرة ببساطة:
_" أولًا ما تفضليش قلقانة كتير على سيف هو هيعرف يسلك نفسه مش كل شوية هعيدلك نفس الكلام "
+
بنفس نظرات التعجب طالعتها بتول كأنها تتساءل كيف لسلمى الهدوء هكذا في مثل تلك الظروف لكن أشارت لها لتتحدث عما تريد.
+
أخذت سلمى نفسًا عميقًا قائلة بإرتباك:
_" الحقيقة أنا مش متعودة أخبي حاجة على سيف ولا ماما وبحس بالذنب لما أعمل كدة بس فيه حاجات بتبقى غصب عني مش بإيدي "
+
أومأت بتول تشجعها على الاستكمال فعلاقتهما أصبحت وطيدة خلال هذا الأسبوع حيث أصبحت العائلة كلها تعد بتول فرد منهم خاصة بعد توصيات سيف الشديدة عليها، غير موقفها مع شادي في مرضه....
+
أكملت سلمى بإبتسامة خجولة:
_" بصي اعتبري ده سر عايزة أكلمك عن حد انتِ أكيد تعرفيه كويس أوي "
+
انعقدت ملامح بتول مشيرة على نفسها بتعجب فأومأت لها سلمى بتأكيد وقالت:
_" أنا عارفة انك بنت أخو كمال الصيفي رجل الأعمال المعروف، بس مش عارفة ليه سيف جابك هنا وهو ناوي على ايه مع عمك! "
+
فور سماع سيرة عمها اخفضت رأسها وبدأت تحرك يدها بتوتر أو لنقل خوف تعجبت منه سلمى لذلك تساءلت بقلق:
_" هو عمك كان بيعاملك وحش؟ يعني ليه بتخافي من سيرته وازاي مستسلمة كدة لوجودك معانا ! "
+
أدمعت أعين بتول وسرعان ما بدأت تبكي مع اهتزاز شفتيها التي بدأت تهمس ب اسم عز مما فاجأ سلمى ووترها فاقتربت وحاوطتها قائلة بلهفة:
_" خلاص والله آسفة، مش هجيب سيرته خالص أصلًا مش عايزة أتكلم عنه هو "
+
_" عز " كلمة مترجية من بتول جعلت الأخرى تقول بقلة حيلة:
_" يادي النيلة قولتلك سيف ولا عز كويس وربنا، ده مايتخافش عليه أصلًا اطمني أنا قابلته واتكلمت معاه ده قاعد هناك بمزاجه "
+
في تلك اللحظة دخلت منة من باب الشقة خلف مجدة التي شحب وجهها قليلًا حزنًا وخوفًا على وحيدها رغم تأكدها من براءته.
+
_" ما تحطيش في دماغك يا خالتي أمي ما بتبقاش عارفة كلامها " كانت كلمات منة المحرجة قليلًا وهي تحمل بعض الأكياس مع خالتها
+
ردت مجدة بجمود:
_" مش هتوه عن أمك يا منة طول عمرها دبش، حطي الحاجة وارجعيلها وقوليلها ابني بريء ومش وش الكلام ده والحارة كلها عارفة مين اللي مورطه "
+
هنا وقفت سلمى بتحفز وقالت بهجوم:
_" وهي خالتي بتقول ايه على سيف يا ماما؟، أنا نفسي أعرف هي مش بطيق أخويا ليه الست دي!"
+
أشارت لها والدتها بعينيها ألا تتدخل ثم نظرت لبتول قائلة بشفقة:
_" الله! هو انتي برضو ما بطلتيش عياط يا بنتي!"
+
ثم نظرت لسلمى وقالت بهمس:
_" أقطع دراعي لو ما كانش أخوكِ متجوزها "
+
ضحكت سلمى رغمًا عنها وقد لاحظت نظرات الغيرة والضجر المنبعثة من منة حول بتول فقالت:
_" بالحق يا منة مش هتبدئي جلسات مع بتول زي ما سيف قالك! "
+
نظرت لها منة وقالت بهدوء مزيف:
_" آه طبعًا هو أنا أقدر أرفض طلب لسيف، تعالوا نقعد سوا شوية انا برضو لسة مش فاهمة حالتها بالظبط "
+
أشارت لها مجدة بالدخول قائلة:
_" طب ادخلي يارب تتكلم على ايدك بدل ما احنا مش عارفنها خارسة ولا عليها عفريت اسمه عز؟! "
+
شعرت بتول بالإحراج فأخفضت رأسها، هي حقًّا داخلها توتر كبير لا تعرف كيف تنطق اسمه في حين يلازمها الصمت الاجباري مما يجعلها غير قادرة على التفاعل معهم،
+
تركتهن مجدة ودخلت المطبخ تتفحص هاتفها الصغير ليجتاح القلق وجهها بعدما وجدت عدد كبير من المكالمات الواردة من زوجها المزعوم فأغمضت السيدة عينيها بهم وقالت بضعف عكس ما كانت تتظاهر به من قليل :
_" يارب ما تشمتهوش فيه، ربنا يفك كربك يا سيف ويخزي عدوك يابني "
+
--------------
+
قُرب العصر كانت عائدات من احد مراكز الدروس البعيدة عن الحارة القاطنات بها حيث اجتعن بالكرسي الأخير في وسيلة من وسائل الموصلات العامة وبالطبع يلعبن بالهواتف.
+
_" ايه رأيكم تحفة مش كدة؟ " كان سؤال شهد لصديقتيها وهي تأخذ رأيهما في بعض الصور الشخصية على هاتفها
+
أثنت فيروز على الصور كثيرًا وقالت سها أيضًا بإعجاب كبير:
_" يخربيتك قمر جايبة الحاجات الحلوة دي منين يابت! "
+
ردت شهد ببعض الغرور المرح:
_" الدنيا حر وست الكل ربنا حنن قلبها وخديتني امبارح ونزلت اشرتلي حبة بيجامات صيفي بدل اللي صغروا عليا "
+
ردت سها بضيق مرح:
_" ربنا يخليهالك ياختي دا أنا لو طلبت من أمي حاجة اليومين دول هتتبرى مني "
+
ضحكن بود ومزاح لتردف فيروز بعقلانية:
_ " أمك كتر خيرها يا سها بس تلاحق مصاريف البيت و الدروس "
+
سخرت سها قائلة بضجر:
_" طب وأنا ذنب أهلي ايه في العيشة الفقر دي بيخلفونا عشان يمرمطونا اسكتي يا روزة ماتخلناش نقلب سيبي الواحد في اللي هو فيه "
+
بالفعل صمتت فيروز بعدم رضا في حين تكلمت شهد بضيق:
_" نكدوا بقى نكدوا هروح آخد رأي البنات جاتكم نيلة عيال عفشة"
+
انتبهت لها فيروز قائلة بتعجب:
_" بنات مين اللي تاخدي رأيهم!؟ "
+
ردت شهد بلامبالاة:
_" البنات يابت اللي اتعرفنا عليهم في الجروب "
+
اتسعت عيني فيروز قائلة بصدمة:
_" يالهوي عليكِ انتِ عايزة تبعتي صورك دي على الجروب! "
+
أشاحت شهد برأسها وقالت ببساطة:
_" طب وايه يعني مش بقينا صحاب دا أنا وسها بنكلهم طول الليل بنات سكر وعيال ناس في نفسهم كدة "
+
هنا تدخلت سها قائلة بسخرية:
_" فيروز لسة فاكراهم شباب هتفضل هابلة وجبانة، فرجيهم ياختي خلينا نشوف هيقولوا ايه؟ "
+
جذبت فيروز الهاتف من يد شهد قائلة بعناد وخوف:
_" اياكِ وربنا هقطع معاكم ايه الاستهتار ده! "
+
_" وربنا لو ماجبتي التليفون ما هيحصلك طيب يا روزة "
+
انتبه الناس لأصواتهم وبدأوا ينظرون لهن بالخلف فصكت شهد أسنانها وقالت بوقاحة:
_" فيه ايه كل واحد يبص قدامه بنحل مسألة مش فاهمنها... ايه ياختي ده؟! "
+
تمتم البعض بعدم رضا عن أسلوبهن لكن لم يتدخل أحد، بينما استعادت شهد هاتفها وقامت بإرسال الصور في المجموعة وهي تنظر لفيروز بعناد فما كان من الأخرى إلى أن إلتزمت الصمت بضيق واخذت تتابع الطريق من النافذة.
+
بينما مالت سها على أذن شهد قائلة:
_" صالحيها ما تبقيش باردة انت عارفة انها خوافة شوية "
+
لم تكترث شهد وقالت بحنق:
_" تتفلق هتطلع عُقد أبوها علينا!... ماقولتليش فكيتي البلوك؟ "
+
توترت سها وقالت بخفوت:
_" آه واتكلمنا امبارح مع اني وعدت نوح بس خوفت من رامي دا مجنون ومش بعيد يرمي عليا مية نار بجد "
+
ضحكت شهد بسخرية وقالت بإستفزاز:
_" خوفتي منه برضو! عليا يا سوسو؟! "
+
اغتاظت سها وضربتها في كتفها قائلة:
_" بطلي رخامة، يلعن أبو اللي يحكيلك حاجة مش كفاية كنتِ عايزاني أتبلى على ابن خالي وربنا انتِ صاحبة سوء "
+
ردت شهد بتهكم:
_" سوق جمعة ولا سبت! نيلة عليكِ وعلى ابن خالك بكرا يقول لأمك وابقي قولي شهد قالت "
2
كادت سها ترد عليها بالنفي لكن قاطعهما رسائل المدح التي انهالت من البنات على صور شهد مما أكسبها غرور مضاعف لا تُحمد عُقباها .
+
--------------
+
وسط ظلام قد حلَّ على الأرجاء، كان ينزل الدرج بخفة وهدوء كي لا يوقظ والده وما أن أصبح على السلالم الأخيرة حتى وضع الهاتف على أذنه قائلًا:
+
_" دقيقة وهكون في الشارع يا راجح تعالى "
+
سمع راجح يردف بحنق من الجهة الأخرى:
_" ومالك مبسوط أوي كدة ولا كأننا رايحين حنة بنت خالتك! "
+
ضحك بكر بخفة وقال بحماس:
_" الله! مش رايحين نسهر سهرة أُنس ودلع! انبسط ياعم هتبقى ليلة عنب "
+
_" استغفر الله العظيم، ما انت مش خسران حاجة " قالها راجح بضجر وأغلق الهاتف
+
ابتسم بكر هاززًا رأسه وكاد يخرج من بوابة العمارة ليجد من تقف في وجهه بهيئتها الصبيانية والتوتر سيد موقفها فأردف بتعجب:
_" كنت فين في الوقت ده؟! "
+
حمحمت ليلى لتجلي بصوت رجولي قائلة:
_" كنت بمسح أرضية المحل وبشيك على كل حاجة بقى عشان بكرا نبدأ من غير عطلة "
+
وجدت ملامحه جمدت قليلًا وهو يسأل بتريث:
_" لواحدَك!! "
+
هزت رأسها نافية وقالت:
_" لأ مع مؤمن الشاب اللي نزِّل معانا الحاجة من يومين، ساعدني شوية وروَّح "
+
تعجبت من نظراته التي احتدت فجأة وصوته الذي خرج ضاجرًا:
_" وانت شايف ان ده وقت تكون فيه برا البيت؟! لأ ومع شاب غريب! انت مجنون!"
+
رمشت عدة مرات وسألت بعدم فهم:
_" وفين المشكلة يا استاذ بكر ما انت خارج أهو؟ "
+
وعى لنفسه ونبرته وأجاب ببعض الإرتباك الحانق:
_" لأ يا حبيبي انت مش زيي أنا راجل... قصدي كبير إنما انت لسة صغير ومايصحش تفضل برا لحد دلوقتي لواحدك لو عايز تعمل حاجة كلمني هنزل معاك "
+
كلماته مبالغ فيها بالنسبة لها لكن لم تود الإطالة معه أكثر من ذلك فقالك بمسايرة:
_" تمام تشكر، كتر خيرك "
+
مشت من جواره وتخطته للداخل لكن أوقفها مناديًا:
_" استنى "
+
التفتت له وقد زاد ارتباكها هي بالأصل ترتبك من تعامله معاها الغريب عن الآخرين أحيانًا تشك به:
_" نعم فيه حاجة! "
+
حك رأسه وقال:
_" ما تقولش لعمك صلاح انك شوفتني خارج بالليل ها! عشان مايقلقش وكدة "
+
نظرت له ببعض السخرية وقالت بإمتعاض:
_" ماشي "
+
ثم صعدت تتمتم بالإستغفار فبالطبع سمعت آخر كلماته مع رفيقه منذ قليل وتأكدت شكوكها حول ما سيفعله عندما طلب منها عدم اخبار والده.
+
أما بكر فهمس بتعجب:
_" هي بتبصلي كدة ليه دي! مش كفاية اللي عملاه في نفسها! أفضى لها بس وأعرف وراها ايه... اااه "
1
هكذا تأوه عندما شعر بلسعة على رقبته من الخلف وصوت راجح الغاضب يقول:
_" متنيل واقف بتعمل ايه! اخلص "
+
_" يا عم اتكلم ببقك بقى قفايا ورم "
+
لم يرد عليه راجح واتجه للسيارة وخلفه بكر يتحسس رقبته
+
-----------------
+
أنهى جلسته لتحفيظ الأطفال في المسجد مع شيخه بعد صلاة العشاء واستأذن للذهاب ليلحق موعده مع صديقه أو لنقل ليلحق بعمله الليلي.
+
خرج ليجد شاب من عمره تقريبًا أو يكبره قليلًا فابتسم له نوح وسلم عليه قائلًا:
_" اتأخرت عليك ؟ "
+
رد الشاب المدعو هاني بإبتسامة متوترة:
_" لأ يااسطى براحتك اركب "
+
ركب خلفه على تلك الدراجة النارية القديمة وانطلقا سويًّا ليصلا بعد عدة دقائق لأحد أطراف الحارة حيث تعجب نوح قائلًا:
_" شغل ايه اللي هنا يابني! مش قولت كام نقلة طوب هنطلعهم السطح زي المرة اللي فاتت؟! "
+
نزل هاني وتبعه نوح واقفًا ينظر للمكان حوله كأنه يبحث عن المنزل الذي من المفترض تحت الإنشاء وسيرفعون بعض حمولات الطوب اللازم للبناء.
+
حمحم هاني وقال بهدوء:
_" بُص يا صاحبي انت الصراحة صعبان عليا و شايفك تاعب نفسك ببلاش كدة والحال محتاج كتير "
+
انعقد حاجبي نوح مستعجبًا من كلماته واستفسر بعدم فهم:
_" عايز تقول ايه! هو فيه ايه يا هاني؟ "
+
_" فيه أني عارف انك في بداية ثانوية عامة وانت أصلًا أجلت السنة اللي فاتت بسبب قلة القرش والسنة طويلة وطلباتها يامة فانت معذور "
+
كلمات خبيثة رفض نوح أن يسيء فهمها لذلك أعاد سؤاله مرة أخرى لكن بصرامة:
_" هات اللي عندك يا هاني عشان وغوشتني؟"
+
نظر هاني حوله سريعًا ثم اقترب من نوح ومد يده في جيبه ببعض الأشياء وهو يقول:
_" صرَّف الحتتين دول في الأماكن اللي هدلك عليها وتعالى وهتنبسط"
+
ابتعد عنه هاني بعدما ترك تلك الكارثة في جيب نوح التي تجمد في مكانه وهو ينظر للآخر بأعين متسعة ثم نطق بثقل:
_" انت مجنون! يعني عامل الفيلم ده كله عشان كدة؟! ياخي يلعن القرش اللي يجي من وراك "
+
مد يده في جيبه بغضب ساحق وكاد يخرج تلك المواد المخدرة لكن وضع هاني يده على جيبه يمنعه من ذلك وهو يقول:
_" انت دلوقتي السكينة سارقاك اسمعني للآخر وهتقتنع وتعرف إني قلبي على مصلحتك "
+
صرخ به نوح وهو يحاول دفعه بعيدًا:
_" أقتنع بإيه!! ياشيخ أبو التعليم على أبو العيشة اللي تيجي بكدة؟! "
+
حاول هاني اسكاته وهو يقول بإرتباك:
_" وطي صوتك يا نوح ما تبقاش عبيط، ما لو انت ماوصلتش الحاجة دي غيرك هيعمل كدة وهي هياها فليه تسيب رزقك يروح لغيرك وانت محتاجه، كلها ماشية كدة يا صاحبي "
+
أخرج نوح يده من جيبه حتى يتمكن من أبعاد الآخر عنه وبالفعل دفعه بكلتا يديه وهو يكمل صراخ به:
_" ده اللي هتقوله لربنا وانت واقف قدامه! ده اللي هيخليك تعرف تنام! بتضحك عليا ولا على نفسك، بتستسهلوا وترجعوا ترموا اللوم على الظروف والدنيا والبلد، أنا الغلطان عشان آمنت لواحد زيك من هنا ورايح مش .... "
+
صمت فجأة بل صُعق وتصنم في أرضه وهو يسمع سرينة الإنذار الخاصة بالشرطة وكأن الزمن توقف به وما لبث أن لمح البوكس يقترب منهما......
1
-----------------
+
مع ازدياد ظلمة الليل والسكون الغريب على تلك الحارة كان هناك مَن تسلل من الشرفة الصغيرة الخاصة بمنزل ذاك الذي ارتكب أكبر أخطاء حياته منذ أسبوع .
+
بكل برود جلس على الفراش بكامل أريحيته وهو يتابع صوت خرير المياة بالمرحاض يبدو أن المقيت يتحمم الآن بعد يوم شاق بجزارته.
1
نظر حوله لينبس بسخرية:
_" ملون الأوضة بيبي بلو! يا رايق! "
+
ما مرت دقائق حتى سمع غناء الآخر وهو يخرج ببرنص الاستحمام ليبتسم له بإتساع قائلًا:
_" ياترى صورك بالبورنص ممكن تجيب كام لايك يا سمسم!؟ "
+
نزلت الصاعقة على المدعو سالم وهو يطالع ذلك الجالس على فراشه يناظره بأعين تنتوي الكثير، هز سالم رأسه بعنف وهو يغمض عينيه ويفتحها عله يتوهم لكن صوت الآخر أكد له وجوده:
_" لأ بجد... أنا بشحمي ولحمي لسة بخيرك ماخطرفتش ياضبع اطمن"
+
_" انت... انت.. ازاي!... انت عارف أنا ممكن أعمل فيك ايه أنا لو قتلتك هنا مالاكش دية "
+
وقف الآخر متأوهًا وهو يقول:
_" ياراجل ما تضحكنيش الواحد جسمه ملبش لواحده... ما توقعتهاش صح؟!، ما هو أنا كدة ماحدش بيجي في خياله ممكن أطلعله فين وامتى وأعمله ايه، اللي بيغلط فيا بيصعب عليا من اللي بيشوفه مني "
+
فتح سالم فمه ليتحدث فرفع الآخر يده قائلًا:
_" ماتبررش، الحق يتقال انت يعتبر ما أذتنيش خالص بس جيت على اللي مني ياريتك جيت عليا يا شيخ... شكلنا مش هنعرف نتفاهم هنا عشان كدة... يلا "
1
ابتلع الضبع ريقه وهو يقول بتهديد رغم خوفه:
_" فكرك هتقدر تأذيني في بيتي دا أنا عندي رجالة لو كل واحد أخد منك حتة مش هنعرف نعد لحمك "
+
في لحظة كان ينتفض جسد الضبع أثر رصاصة صامتة خرجت من سلاح الآخر محطمة زجاج باب المرحاض فوق رأس الضبع الذي ارتعبت فرائسه أكثر من كلمات الآخر:
_" هو انا نسيت أقولك؟!... كل رجالة وانت طيب احنا دلوقتي هنلعب صولو راجل لراجل "
+
أخذ سالم نفس صغير وقال مدعيًا الجدية:
_" طب خلينا نتكلم براحة ونتصافى وان كان دخل بينا شيطان نصرفه"
+
_" ياخي وانت مدي فرصة للشياطين! دا بقى عندهم بطالة من تحت راسك"
+
تابع الضبع فوهة المسدس المصوبة على رأسه ولم يقدر على التحدث فاقترب منه الآخر وأخرج بخاخ صغير قائلًا بإبتسامة مستفزة:
_" يلا يا ضبع اديني رأيك في البرفان ده، جايلي في الڤلانتاين اللي فات بس مش خسارة فيك "
+
فقط وما مر سوى بضع دقائق ودخل سالم الضبع في حالة من عدم الاتزان ليقول الآخر:
_" حلو كدة امشي معايا زي الشاطر بقى هوديك مكان بتحبه "
+
-----------------
+
_" الليلة دي عايزين معلومة واحدة بس.... مين اللي ممشي الشغل وازاي نوصله " كانت كلمات جدية من راجح لبكر الذي أومأ مردفًا بمرح:
_" تمام نقِّي صح بقى عشان تنبسط"
+
رمقه راجح بحدة فأكملت بكر ببراءة:
_" قصدي نقي واحدة تحسها هتبسطنا بمعلومة مفيدة انت فهمت ايه؟! "
+
توعده راجح وهو يهبط من السيارة أمام أحد النوادي الليلة المستهدفة وما أن أصبح على المدخل حتى تقمس الشخصية مشعلًا سيجار مع ابتسامة عبثية تليق على ملابسه التي تتشابه مع ملابس الشباب في مثل تلك الأماكن...
+
اتجه لجانب المشروبات وهو يتابع الحضور بعينيه ويلقى ابتسامات متغزلة لبعض الفتيات حتى جلس أمام البار مخاطبًا النادل قائلًا:
_ " فوديكا مع صودا "
+
ابتسم له الشاب قائلًا بترحاب:
_" بتفاءل بالجديد "
+
ضحكت راجح بخفة قائلًا بمرح:
_" بقينا صحاب مكان بقى خلاص "
+
اتسعت ابتسامة الشاب قائلًا بتأكيد:
_" تنور يا باشا كلنا في الخدمة، شاور وهقول موجود "
+
غمز له راجح وأردف بوقاحة وهو يطالع الفتيات حوله:
_" لأ لمَّاح، خدت بالك إني مستعجل! "
+
ضحك الشاب بتفاخر:
_" اشرب على ما اندهلك اللي يخلصك "
+
أشار له راجح بموافقة وأمسك الكأس بيده يتظاهر بالإندماج مع الاغاني العالية، ما مرت ثوانٍ وعاد الشاب معه سيدة أربعينية تقريبًا، نظرت لشادي بتقييم فبادلها النظرات بعبث أعجبها فقالت:
_" هنا ولا برا "
+
بالطبع يفهم مقصدها لكن تفاجأ من إمكانية وجود أماكن خاصة لمثل تلك القذورات في نفس ذات المكان فقال:
_" كنت أحب برا عشان الخصوصية "
+
ضحكت السيدة بخلاعة قائلة:
_" عيب عليك تبقى معانا وتشيل هم الخصوصية "
+
ضحك هو الآخر مبديًا سعادته وقال:
_" يعني مفيش عيون هتضايقني في قلب وقر السعادة "
+
صمتت تطالعه بحاجب مرفوع ثم ابتسمت وقالت:
_" شكلك دارس، ماشي ادفع الضعف وأضمنلك خصوصية كاملة متكاملة "
+
غمز لها قائلًا:
_" جيتيلي دوغري يبقى أطمنلك، لو الخدمة فايف استار نمضي شهادة اعتماد للمكان أنا أحب الأوريجنال "
+
أماءت برأسها وأشارت على مجموعة من الفتيات فتقدموا نحوها فورًا، طالعهم راجح بتركيز فلم يجد ضالته لكن تظاهر بالإعجاب بإحداهن....
+
-----------
+
مر بعض الوقت فنظر بكر في ساعته متأففًا:
_" بيشقط ده ولا بيكتب كتاب ؟! "
+
ثانية ووجد رسالة على هاتفه من راجح مضمونها:
_" طلع فيه أماكن مخصصة للدعارة في النادي ربع ساعة واتصل بيا "
+
تفاجأ بكر قليلًا ثم ضحك متمتمًا:
_" آه لو أبلغ عنك دلوقتي وتروح في أبو بلاش، على الأقل توَنِّس ڤامبي "
1
----------
+
دخل إحدى تلك الغرف مع الفتاة التي ما أن انغلق الباب حتى بدأت تتقرب منه بإغراء جعله على وشك التقيء لكنه ابتسم بأعين عبثية وقال:
_" مش طريقتي "
+
ابتعدت قليلًا عنه وقالت بدلال:
_" أومال ايه طريقتك يا باشا علمني "
+
أشار للمشروبات الجانبية وقال:
_" جهزي حاجة نفتتح بيها الليلة وأنا أقولك طريقتي "
+
ابتسمت له بخبث وقالت:
_" عيوني بس كدة! "
+
أخذت تعد المشروبات وهو يملي عليها الإضافات الخاصة بالكأس الخاص به ثم نبس ببساطة:
_" قالولي انها أوضة متأمنة حقيقي ولا بتشتغلني! "
+
ضحكت بخفة وقالت:
_" ماتخافش مافيش علينا عيون، واي حاجة تقولها الريسة أنهار صدقها أهم حاجة عندنا المصداقية "
+
سخر وهو يأخذ منها الكأس قائلًا:
_" طلعتي مطبلاتية ماشي، اسمك ايه "
+
تنهدت قائلة:
_" مش هيفيدك بس مشيها شاكي... مش هتقولي على طريقتك بقى؟ "
+
_" ماهي دي طريقتي.. اشربي "
+
نظرت للكأس الذي يقدمه لها قائلة:
_" بس ده كاسك"
+
أشار لها لتشرب دون أن يرد وبدأ يخلع ملابسه العلوية ببطئ فابتسمت وتناولت الكأس وهي تتابعه....
+
_" دقيقة وراجعلك " قالها واتجه للمرحاض قليلًا يكسب وقت ثم خرج وجدها تقترب منه فقال بمرح مزيف:
_" انت واخدة أوامر بوقت محدد ولا ايه ما بحبش اللغوشة"
+
ردت بحنق:
_" لأ دا انا ماشية بنصايح زاهر الله يحرقه ما ينفعش يكون بينا كلام كتير"
+
من ثقل كلماته اطمئن لبداية مفعول الحبة التي وضعها بالكأس فسأل بتريث:
_" زاهر ولا أنهار؟! "
+
ردت ببعض التوهان:
_" إن كانت أنهار ماشية بأوامر زاهر، اليوم اللي بيجيه هنا بيبقى يوم نكد "
+
_" اممم وهو بيجي كتير؟! "
+
انتبهت لكلماتها وتراجعت عن الحديث لاحظ تسرعه في سؤاله فقال وهو يتظاهر بالقرب منها أكثر:
_" انسيه خالص مادام شُغلك مظبوط "
+
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
_" على رأيك! هو يوم أول الشهر ومبشفهوش تاني "
+
_" وايه لازمته اليوم ده بس!؟ "
+
ردت بتهكم ساخر:
_" بيجمع الغلة بتاعة الشهر كله "
+
_" وبيجي لواحده؟! "
+
رفعت رأسها ونظرت له بشك مرة أخرى فجذبها نحوه كي يلهيها وهو يلعن سيف على تلك المهام التي يورطه بها حتى وإن كانت بسيطة،
+
انتبه لها تقول:
_" مش لواحده ساعات بيكون جايب مجموعة جديدة، أصل فيه زباين بتطلب خام "
+
_" والخام دول بيلاقيهم في الشارع عشان يجيب كل شهر؟! "
+
_" بيتصرف يعني هو كلنا كان لقينا في الشارع؟!.... ما فيه اللي بمزاجها.... وفيه اللي نص نص.... وفي اللي ملوي دراعها بعيد عنك "
+
تظاهر بالضحك وسأل:
_" زاهر ده شكله لعيب "
+
ضحكت بخلاعة قائلة:
_" طب خاف على نفسك يا حليوة وخليك بعيد عن عينه "
+
لم يفهم مقصدها واستمر يتلاعب معها بالكلمات وتبادله بالرد الصريح بسبب عدم اتزانها لكن الوضع أصبح حرج بالنسبة له فلو استمر في مقاومتها ستشك به حتمًا....
+
أخذ ينظر اتجاه هاتفه ينتظر اتصال بكر الذي تأخر كثيرًا مما أثار غضبه من ذلك الغبي كما يراه....
+
وبعدما بدأ يفقد الأمل سمع صوت الهاتف فاردف متظاهرًا بالضيق:
_" يا ديني على الفصلان "
+
أبعدها عنه تحت حنقها واتجه للهاتف الذي وضعه منذ قليل بعيدًا عن الفراش،
+
نظر به ثم قال بضجر مزيف:
_" لامؤاخدة يا بطل هرد وبعدها نقفله خالص"
+
ضحكت و أومأت بتعب ثم تمددت على الفراش مرة أخرى، فتح الخط وصدح صوته كأنه يتجادل بخصوص عمل ما وأخذ يطيل في المكالمة وهو يتابعها خفية حتى بدأت تذهب في ثبات عميق فزفر بهم ثم أنهى المكالمة واتجه لها ليجدها غرقت في النوم كما خطط، ابتسم براحة وهو يردد بخفوت:
_" ربنا يتوب عليا بقى "
+
اتصل مرة أخرى ببكر وقال بإختصار:
_" هستنى نصاية عشان ما يشكوش، اتأكد من التسجيل "
+
سمع ضحكات بكر المستفزة وهو يقول:
_" دا أنا حفظت كل كلمة اتقالت يا هلالي أموت في جانبك المنحرف "
+
عض راجح شفته وصرخ بخفوت:
_" وربنا ما مصبرني عليكِ غير أبوك الغلبان للأسف هيزعل لو خلصت عليك"
+
مازحه بكر ثم قال ببعض الجدية:
_" هي ممكن لما تفوق تفتكر ان ماحصلش حاجة! "
+
راجح بثقة:
_" لأ اطمن وحتى لو افتكرت مش هتسترجي تقول انها نامت وسابت الزبون "
+
بعد فترة خرج راجح من الغرفة بعدما بعثر هيئته و تظاهر بالإنبساط الكبير ثم اقترب من المدعوة أنهار قائلًا بمدح:
_" على وعد بلقاء آخر، اعتمدنا "
+
ابتسمت له بثقة فدفع وهم للخروج لكن وقعت عيناه على آخر ما يمكن تصوره حين وجدها جالسة في أحد الأركان بين أحضان رجل آخر.... غير صديقه...
+
------------------
+
استعاد الضبع وعيه الكامل ليجد نفسه موضوع على الأرض في منتصف جزارته الموجودة بالحارة والآخر يجلس على كرسي أمامه وبيده هاتفه.
+
_" انت جايبني هنا ليه وفتحت الجزارة ازاي؟! " قالها سالم بضيق
+
فرد الآخر بسخرية:
_" بالمفتاح بتاعك "
+
_" انت فاكر كله ده هيعدي بالساهل لأ، دا تار هاخده من أهلك فرد فرد "
+
ضحك الآخر بخشونه وهو يشير له بإستهزاء:
_" طب ما ترمي نظرة على نفسك كدة يا ضبع قبل ما تهدد "
+
احتدت نظرات سالم وكاد يصرخ فيه لكن الآخر رفع يده له وهو يهمهم بسخرية ثم أخرج بعض الاورق وقلم و ختامة قائلًا:
_" هدي أعصابك ياسيد المعلمين والله مامستاهلة أنا كدة ولا كدة عملت اللي عايز أعمله باقي بس تمضي على الورق ده "
+
صك أسنانه من كمية البرود والذل الذي يراه ثم نظر للورق وسأل بتهكم:
_" ورق ايه ده!؟ "
+
_" هتشتري العيادة ومن غير ولا مليم "
+
ارتخت ملامح الضبع وقال برفض ساخر:
_" دا لما تشوف حلمة ودنك، عايز تديني العيادة بتاريخ قديم عشان تشيلني القضية!؟ قديمة! "
+
أومأ له الآخر بتأكيد مقرًّا:
_" أبهرني ذكاءك..... وقبل ما تبهرني بغباءك بقى شوف الننوس وهو متعلق زي لا مؤاخذة اللحمة اللي بتبيعها"
+
لم يفهم سالم مقصده حتى طالع الهاتف الذي رُفع في وجهه ليتلقى الصفة الواحدة بعد المائة وهو يرى ابنه تامر المدلل معلق من قدميه في السقف بأحد الأماكن المجهولة فصرخ برعب:
_" ابني لأ دا أنا هقلب عليها واطيها يا ابن ال*** "
+
هز الآخر رأسه بعدم اكتراث وقال بإستفزاز:
_" بتشتم أبويا!؟ طب الله يسامحك، امضي يا ضبع ووطي صوتك الناس نايمة حوالينا عيب "
+
نظر له سالم بكره وغضب كبير ورغمًا عنه أمسك بالقلم وهو يخط اسمه على الورق تحت ابتسامة متشفية من الآخر الذي أخذ الأوراق ووقف يناظرها وهو يقول ببساطة:
_" عشان ما تظلمنيش وتقول اني خاطف ابنك... لو ركزت في الصورة هتلاقيه متعلق في المخزن الشرقي بتاعك يا خلبوص.... أيوة اللي جه في دماغك هو اللي بتخزن فيه السلاح باين ولا مخدرات ولا ايه! الحكومة تعرف بقى ماليش دعوة "
+
حقًّا صُعق سالم للمرة الألف في هذه الليلة التي تعد كابوس لياليه القادمة وقد شعر بالأرض تنهار تحته بل كل شيء ينهار فوق رأسه، وهل سيمر الأمر كذلك!
+
أكمل الصواعق قائلًا:
_" أوعى تتفاجئ بقى لو جالك حبة حمامات بيض يطيروك معاهم على القسم أصل بلغت عن المخزن، ورجالتك ماتخافش عليهم كانوا مشغولين في مصايب تانية، أبرزها التلجات اللي باظت وبوظت اللحمة في كل جزاراتك يا غالي، خسارة كانت لحمة مغشوشة بس حاسس بالذنب برضو.... أصلي أنا قلبي ضعيف... ضعيف أوي "
1
ثقلت أنفاس الضبع وأخذ يهز رأسه بنفي يرفض كل ذلك، كيف لرجل واحد أن يسبب له كل تلك الكوارث!!! بينما الآخر ناظره بشفقة مزيفة وقال:
_" الفجر هيأذن وأنا أحب أصليه جماعة بس مش معاك طبعًا فهستأذنك بقى ها! وصحيح ما تبقاش تجيب سيرتي في التحقيقات أصل ماحدش هيصدق ومش بعيد يحولوك العباسية واخد بالك أنا بحذرك بس! "
3
ثم توجه وفتح الباب الحديدي للجزارة المطلة مباشرة على قلب الحارة وترك سالم الضبع مُربط على الأرض ببرنص الاستحمام ناهيًّا كل ذلك بجملة واحدة:
_" ادعي راجل ابن حلال يلمحك وهو رايح يصلي فيسترك قبل الصحافة ما تيجي وتبقى فضيحة، وأنا ما أحبش الفضايح لحد... أظن باين على وشي، كيوت أنا ها؟؟ "
+
----------------
+
لم يذق طعم النوم منذ أمس يفكر في تلك الحقيرة يتمنى لو أخطأ في التعرف عليها لكن كيف هو متأكد انها هي حتى أن ذلك الشاب معها قد حضر خطبتها على رفيقه لكن ماذا سيقول ومع من يتحدث:
_" فينك يا سيف تدبرني "
+
قالها بهم ثم التقطت أذنه صوت طرقات على باب غرفته فنهض وفتحه ليجدها أمامه، طالعها بنظرات ظهر فيها التفاجؤ ممزوجة بالحيرة من أمرها لكنه سأل بعملية:
_" حضرتك خارجة يا فندم؟ "
+
أومأت له مسك بتأكيد ووجهها يعلن عن إرهاق صعب مع استسلام مخيف وتعب مرسوم بالأسود أسفل عينيها، تذكر معاملة والدها لها منذ يومين حينما عاد من السفر فقال بنبرة بها بعض الشفقة:
_" باين عليكِ مرهقة ممكن ترتاحي شوية النهاردة لو الخروجة مش مهمة أو... "
+
_" ماتدخلش في اللي مالاكش فيه قوم بشغلك بس... مستنياك في العربية"
+
لأول مرة لم تُغضبه كلماتها المتعالية بل رد بمحاولة أخرى:
_" اعتبريها نصيحة أخوية واطلعي ارتاحي "
+
اشمئزت ملامحها ونظرت داخل عينيه قائلة بهجوم صريح:
_" ما يشرفنيش يبقى ليا أخ زيك... ما تنساش مقامك "
+
فقط وأنزلت نظارتها السوداء على عينيها الذابلة وخرجت تاركة راجح يعنف أسنانه فوق بعضها ويسب غرورها داخله...
+
_" هتفطر يا راجح! " قالتها والدة فرحة التي ظهرت أمامه، ففي خلال تلك الفترة كان كثيرًا ما يتعامل معها و يوصيها بشأن مسك حينما تأكد من محبتها الحقيقة لها عكس ابنتها....
+
أهداها ابتسامة صغيرة وقال بهدوء نجح في استرجاعه:
_" لأ هاكل برا شكرًا يا أم فرحة"
+
ترددت السيدة في شيء تريد قوله لكن سهَّل عليها الأمر حين قال بهدوء:
_" عايزة تقولي حاجة! "
+
نظرت حولها بقلق فتفهم وضعها وأفسح لها الطريق لتدخل غرفته ثم تبعها قائلًا:
_" اتفضلي أنا سامع حضرتك "
+
نظرت له بحيرة وحزن قائلة:
_" هو الصراحة البيه جاي أوي على الهانم الصغيرة والوضع بينهم مش و لابد وأنا لقيت حاجة كدة وأنا بنضف أوضتها ما انت عارف مش بتحب حد غيري يدخلها وخايفة أقوله الأمر بينهم يسوء أكتر وخايفة أسكت أبقى بسيبها تأذي نفسها وهي بنت الغالية وماتهونش عليا"
+
دق ناقوس الخطر عند راجح وتمنى أن يكون ما شك به غير حقيقي لكن أخذ نفس عميق وسأل ببطئ وتريث:
_" لقيتي حاجة ايه؟! "
+
أخرجت ذلك الشيء من جيبها بإرتباك وتردد لتجفل ملامح راجح ثم قلب عينيه بغضب شديد قائلًا:
_" يا الله!! مجنونة "
1
--------------------
+
_" أيوة يا حسام أنا في الكافيه اللي قُدام الشركة انت فين؟! " كان صوت سلمى الذي ظهر به السعادة جلية فكيف لا تسعد بما حدث للمدعو الضبع وقد أصبح حديث الحارة كلها...
+
رد عليها بإرهاق من الجهة الأخرى قائلًا:
_" سلمى أنا مش هقدر آجي آسف "
+
اختفت ابتسامتها الجميلة واتسعت عينيها بصدمة ونابسة بعتاب:
_" انت بتردهالي صح؟ ما أنا اعتذرتلك وشرحتلك ظروفي والمفروض اتصالحنا"
+
سمعته يرد بلهفة مصححًا بمنتهى الدهاء:
_" يا حبيبتي الموضوع مش كدة اسمعيني، الصراحة بابا كلمني أخلص شغل وأسلمه بكرا زنقني جدا لدرجة قاعد بكلم صحابي لو حد يقدر يساعدني أخلص بدل ما أطلع عيل في نظر كمال باشا، أنا آسف "
+
تنهدت براحة وقالت:
_" خلاص تمام، المهم مش زعلان "
+
أكد لها قائلًا:
_" أنا أقدر برضو أنا أخري أهدد وأديكي شوفتي بلفتيني بكلمتين... مش لو كنتي في بيتي دلوقتي كان زمانك بتساعديني في الهم ده "
+
ضحكت بخفوت وخجل قائلة:
_" ممكن أساعدك دلوقتي على فكرة "
+
ابتسم بخبث وقال برجاء:
_" دا تبقى نزلتيلي من السما، على فكرة شقتي مش بعيدة عن الشركة "
+
انمحت ابتسامتها مرة أخرى فهي كانت تعرض مساعدته عن بعد ليس مقصدها الذهاب إليه بتاتًا لذا توترت وسألت بتوجث:
_" هو انت في شقتك ولا في الشركة؟! "
+
رد مُدعي الإنشغال:
_" لأ مش بعرف أشتغل وسط الموظفين، بالنسبة لي الشقة مكاني المفضل في الشغل، أومال واخدها قريب من الشركة ليه؟! "
+
_" امممم صح أكيد البيت أهدى وهتعرف تركز " قالتها بإرتباك من فكرة ذهابها هناك لكن ذلك الماكر لم يترك لها فرصة للتفكير حينما قال مدعيًا الصعوبة:
_" ياه دا أنا مش هخلص ولا بعد يومين حتى، شكلي هتهزق جدًا، تصدقي ماينفعش أورطك الورطة دي انتِ ذنبك ايه! "
+
شعرت بالإحراج فقالت بتردد:
_" مش ورطة ولا حاجة لو ينفع هات اللابتوب وتعالى نشتغل سوا في الكافيه"
+
داهمها بصوته المتعب به بعض الحيرة المرسومة بإحترافية:
_" صدقيني مش هعرف أركز، خلاص سيبك مني هدبر نفسي، خدي بالك من نفسك "
+
تظاهر أنه سينهي المكالمة لكنه بالفعل ينتظر غمزة سنارته حينما قالت:
_" طب الشغل كتير أوي؟ "
+
تشدق بتنهيدة متعبة:
_" جدًا أول مرة أتحط قدام الكم ده، شكل بابا بيصفيني "
+
أخذت نفس عميق وعقلها في أفكار متضاربة حتى قالت مشجعة ذاتها:
_" هو العنوان بعيد؟ "
2
------------------
+
في تلك الأرض الخاوية حيث الهدوء الظاهر عكس ما يحدث بداخل كل مقبرة فيها، جلست أمام شاهد قبر والدتها كالعادة أتت لتبكي وتخرج ما بجعبتها من ألم وتراكمات تزهق روحها لكن هذه المرة أشد وأكرب من كل ما مضى....
+
_" تعبت يامامي والله، ما طلعتش قوية زي ما كنتي شايفاني، طلعت انسانة هشة وسلبية وغبية أوي، تعبت من الصراخ اللي جوايا والأصوات الكتير اللي خانقاني مش عارفة أسمع لمين، مش عارفة أمشي في أهني اتجاه، كنتي بتقوليلي الدنيا موج دوري على شط هادي تعيشي فيه، بس أنا مالقيتش شط أصلا مالقيتش مرسى وروحي ضايعة من لما مشيتي،
بحاول أحافظ على وعودي ليكِ بس كل حاجة بتدفعني أخلف بيها، علمتيني الصح يا أمي بس رمتيني في مكان كله غلط مكان بكرهه وبكره كل الذكريات اللي شوفتها فيه،
+
ليه اختارتي ليا الحياة دي، ليه أنا مسك منصور!؟ ليه ماكنتش اتولدت في وسط عيلة بسيطة فيها أب كل هدفه يحافظ على عيلته الصغيرة مش أب ممكن يتوه في ملامحي... أب حرمني منك وعيِّشك أسوأ لحظات ممكن ست تعيشها، ناس كتير بتحسدني على وضعي مايعرفوش إني نفسي أكون مكان أبسط حد فيهم،
+
يا مامي والنبي قول لربنا ياخدني عندك أنا ضعيفة والله مش قد الدنيا ولا قد ناسها ولا ليا حد ابقى هنا عشانه؛ أنا عايزاكي انتِ، كفاية....
كفاية أنا استسلمت ومش هعافر تاني أنا مستغنية، قولي لربنا يسامحني لأن ده غصب عني والله.... "
+
مرت نصف ساعة تقريبًا وهو ينتظرها أمام مدخل المدفن احتارت كل خلايا عقله مع قلبه في أمرها والكارثة التي وضعت نفسها بها يستمع لأنين بكائها بشفقة كبيرة حتى انقطع ذاك الأنين منذ ما يقارب الخمس دقائق.... تنهد ونظر في ساعة يده ولا يعرف لِمَ قلق فجأة!
+
حمحم وتجلى بصوته الرجولي الهادئ:
" يلا يا أنسة مسك اتأخرنا ووالدك ممكن يتضايق "
+
تنهد مرة أخرى ينتظر اجابتها التي تأخرت كثيرًا فعقد حاجبيه وبهدوء تقدم للداخل،
+
" آنسة مسك لازم نمش... "
+
بتر جملته مع اتساع حدقتيه حيث شعر بدلو من الماء البارد ينسكب فوق رأسه من هول المنظر، لحظة وكان يهم بحملها متجهًا للسيارة بسرعة جنونية وهو يحاول كتم دماء يدها ويردد بعدم تصديق:
" أوف من جنانك يا شيخة!!!!!! "
+
وضعها بالسيارة ويصرخ فيها بغيظ كأنها واعية له، صراخه ما كان إلا خوف مع شفقة ولأول مرة يشعر بهذا القدر من التوتر الذي يرغم قلبه على الارتجاف بينما يسارع الزمن بالسيارة نحو أقرب مشفى....
+
حاملًا معه روح تفتتت ارهاقًا وتناثرت كبتًا لهموم حمله قلبها الصغير منذ تلك الليلة التي تسمى ليلة دمار روح الطفلة التي كانت داخلها، يوم صدمتها فيه الدنيا بصورة جديدة لأبيها ومصدر أمانها ليلة اختفى فيها قمر والدتها لتبقى حياتها مظلمة إلى الآن......
+
---------------
+
رأيكم في البارت؟
+
آسفة على التأخير لكنها أيام صعاب وسط هم الفاينال ربنا ييسر أمورنا جميعًا.
+
إن شاء الله أحاول ما أتأخرش وأنزل الأسبوع الجاي بارت جديد
+
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان الله.
+
