اخر الروايات

رواية أصل وصورة الفصل الثامن 8 بقلم صافيناز يوسف

رواية أصل وصورة الفصل الثامن 8 بقلم صافيناز يوسف


الفصل الثامن

وقف عاصم عل باب الغرفة يستمع لقهقهات اصدقائها واحدهم يقول: لا استطيع الا الاعتراف بفوزك في الرهان.. لقد اوقعت الرجل في يومين .. انت حقا ساحرة..
تجمد مكانه كالتمثال وقلبه صار يؤلمه كأنما تلقى طعنة غادرة فيه .. نكأت جرحه القديم.. تجمد وتجمد الدمع في مقلتيه.. اكان كل هذا تمثيل .. اكان بالنسبة لها مجرد رهان فعلت كل هذا لتكسبه.. اكان قلبه مجرد ورقة على مائدة مقامرة لعينة.. صمت اذنه عن سماع باقي الحديث.. فقد كانت الصوضاء بداخله أكبر وأعمق.. لقد لدغ من نفس الجحر مرتين.. لقد خدعته امرأة للمرة الثانية.. ولكن هذه المرة كان مجرد لعبة .. لم يكن لها غرض الا التسلية .. التسلية وفقط..
اجبر ساقيه على الحركة .. وخطا داخل الغرفة .. فالتزموا جميعا الصمت.. نظرت له ليان ووجهها مخضب بالحمرة. . فاقترب منها .. وانحنى نحوها وقال بصوت خافت: مبارك.. لقد ربحت رهانك الحقير.. ولكن خسرتي قلبي للابد..
ثم اعتدل وواجه أصدقاءها.. ليوجه لهم جميعا نظرات احتقار.. ثم خرج من الغرفة مسرعا تاركا الجميع يخيم عليهم الوجوم والصدمة.. قطعته ليان بصرخة مخنوقة : عاصم.. انتظر..
استندت على الفراش محاولة القيام للحاق به ولكن ماري هرعت اليها وامسكت بها وهي تصيح: ماذا تفعلين؟ ستؤذين نفسك..
حاولت ليان مقاومتها بوهن وهي تصرخ: عاصم.. عاصم ارجوك ابقى.. ارجوك اعطيني فرصة اخرى..
احتضنتها ماري وهي تقول: اهدأي يا ابنتي لقد غادر.. اهدأي..
ابعدتها ليان وهي تصرخ: انتظر يا عاصم. . اسمعني انا أحبك..
خرجت فيفان بسرعة تستدعي طبيبا .. اما ليان فنظرت حولها لتجد أصدقاءها ينظرون لها بشفقة فصرخت بأنهيار: اخرجوا.. انتم السبب في كل هذا .. لا اريد رؤيتكم.. لقد دمرتم حبي.. اخرجوا لا اريد رؤيتكم..
دخل الطبيب مع فيفان .. وفي يده حقنة مهدئة.. نظر للجميع وهو يقول: أرجوكم غادروا الحجرة ..
خرج الجميع وامسكت الممرضة بذراع ليان التي كانت تصرخ باسم عاصم.. حقنها الطبيب بسرعة .. واعادتها الممرضة مكانها في الفراش.. تخافت صوتها المبحوح.. وهي تهذي بإسمه حتى غلبها النوم تحت تأثير المهدئ القوي..
خرج الطبيب وناظرهم جميعا ثم قال: من هنا من اقارب المريضة؟
قالت ماري بلهفة قلقة: انا والدتها يا دكتور.. ماذا بها..
قال بهدوء: انها تعاني من انهيار عصبي.. لذلك لابد ان تبتعد عن التوتر.. والضغط العصبي..
هزت ماري رأسها.. غادرهم الطبيب مسرعا فقد نودي عليه لرؤية حالة اخرى..
التفتت ماري لاربعتهم وهي تقول: شكرا لكم لوقفتكم بجوار ابنتي.. والآن من فضلكم عودوا للسفينة لاستئناف رحلتكم وانا سأبقى مع ليان..
قالت فيفان: ولكن يا سيدتي..
اشارت لها ماري وهي تقول ممتنة: بالفعل انا ممتنة لكم جميعا ولكن ارجوكم استنأنفوا رحلتكم كما كان مخططا لها من قبل.. وشكرا لكم على كل شيء..
استجابوا لمطلبها الذي جاء على هوى نفوسهم ماعدا فيفان التي كانت تريد المكوث مع ليان .. ولكن طالما طلبت منها ماري الرحيل فلن تستطيع التطفل عليهة اكثر من ذلك..
تابعتهم ماري بنظرها حتى اختفوا .. ودخلت الى غرفة ليان.. اقتربت من الفراش في حنان.. تتأمل وجهها الجميل الهادئ الغارق في النوم عنوة.. لقد افتقدتها كثيرا.. كانت تزورها كل عام في الاجازة الصيفية بضعة ايام.. ولكن هل بضعة ايام تكفي لتشبع ام من ابنتها.، كان كل فراق بينها مشبع بالدموع والعناق،، كانت تود لو تحبسها بين اضلعها .. حتى لا تغادرها.. وقد حاولت استمالتها مئات المرات دون جدوى.. حتى حذرها هاشم ان لم تكف عن افاعيلها ان يمنع ليان من زيارتها.. فصمتت خوفا من ان ينفذ تهديده..
ربتت على كفها الملقى بجوارها.. وهي تقول: ترى ماذا فعلت بقلبك يا صغيرتي ؟
........................
نظر هاشم الى ليلى الجالسة بجواره في الطائرة مغمضة العينين وقد القت رأسها على المقعد .. تذكر عندما قال الضابط المسؤول عن الجوازات ان جواز سفرها منتهي.. لمح مزيجا غريبا من الانزعاج والارتياح بعينيها.. خبطت على رأسها وهي تهمس: يا لي من غبية.. لقد اهملت تجديد جواز سفرها لانها لم تكن تعتقد انها ستسافر..
اخذ هاشم الجواز المصري من الضابط وقال: اعتذر لك سيدي فابنتي قد بدلت الجوازات..
واعطى له جواز سفر فرنسي.. فهي تحمل الجنسية الفرنسية بحكم ولادتها في فرنسا ويحرص والدها على تجديده لها ولشقيقتها..
هز الضابط رأسه وقال : حسنا يمكنكما الصعود على متن الطائرة..
انتبه هاشم على صوت الطيار وهو يقول باللغة الانجليزية: وصلت الطائرة الى مطار اثينا الجوي.. ارجو من حضرات السادة الركاب ربط الاحزمة والامتناع عن التدخين استعدادا للهبوط..
ربت هاشم على كتف ليلى بحنان.. فانتبهت من غفوتها القصيرة .. قال: اربطي حزام الامان الطائرة ستهبط الآن..
هزت رأسها وفعلت ما طلب.. امسكت بالمقعد بتوتر وشعرت بخفقان قلبها وطنين في اذنها.. كانت تكره السفر.. وخاصة بالطائرة.. تنهدت عندما لامست عجلات الطائرة الارض بنعومة.. فالآن تستطيع الاسترخاء بهدوء..
خرجا من المطار وكل منهما يسبح في افكاره.. كانت ليلى تفكر كيف ستقابل ليان بعد كل ما حدث.. تعتقد ليان انها المخطئة.. بينما ليلى تعرف المذنب الحقيقي.. لا تستطيع الا ان تتركها فريسة الاحساس بالذنب لتبت،، عد..
وصلا الى المستشفى .. دخل هاشم الى غرفة ليان.. كانت ماري تمسك بيد ليان وتهمس في اذنها بالفرنسية بكلمات مهدئة .. وليان مغمضة العينين ينساب الدمع الغزير منهما على وجنتيها الشاحبتين.. وقف هاشم متجمدا يتأمل ماري وقد اجتاحه حنين وشوق السنوات الماضية.. لم تتغير كثيرا شعرها الاشقر غزته بعض الشعرات الفضية التي زادته جمالا.. عينيها الزرقاوتان الهادئتان كبحر ساكن بدون مرفأ .. وجهها الذي غزته بعض التجاعيد الخفيفة التي وياللعجب زادته جمالا وجاذبية..
خفق قلبه لرؤيتها بعد كل تلك السنوات.. وصدمته حقيقة انه مازال يشتاق لها .. مازال يرغبها وكأن سنوات البعد لم تكن..
انتبه وانتبهت ماري له عندما قالت ليلى بجفاء وهي تشير لشقيقتها برأسها: كيف حالها..
قامت ماري من مكانها واتجهت نحوهما في شوق وهي تقول بلهفة : ليلى.. حبيبتي كم اشتقت لك..
اقتربت منها لتعانقها ولكن ليلى صدتها بهدوء وهي تقول: اهلا بك سيدة ماري..
توقف ذراعي ماري في الهواء..ونقلت نظرها بينها وبين هاشم في صدمة.. تجمعت الدموع في مقلتيها وقالت بصدمة: سيدة ماري..
تراجعت ماري وهي تنظر لليلى بحزن.. واعطتهما ظهرها.. وهي تحاول جمع اشلاء قلبها الذي تبعثر من مقابلة ليلى لها.. عندما رأتهما عاودها الحنين .. شعرت كم اذنبت عندما اختارت الحل الاسهل وابتعدت.. لا تستطيع الان ان تقف وتشرح لليلى لماذا تركتهم.. فمن الواضح ان ليلى لن تسمع لها .. فقد حاكمتها غيابيا واصدرت حكمها القاسي بدون ان تسمع حتى دفاعها..
التفتت اليهما ومازالت الدموع تلمع في مقلتيها.. وقالت: هي بخير.. ولكنها تعرضت لصدمة عصبية عرضها لانهيارعصبي حاد...
اقترب هاشم من فراش ليان وهويقول بفزع: انهيار عصبي.. لماذا..
القت ماري نظرة سريعة على ليان التي كانت تبدو انها تصارع لتستيقظ.. وهمست: هيا نتحدث في الخارج حتى لا تستيقظ..
خرج هاشم مع ماري.. ومكثت ليلى التي اقتربت من شقيقتها وجلست بجوارها تمسد شعرها بحنان وقد نزلت دموعها.. وهمست وهي تمسك يدها وتقبلها وتقول: سامحيني يا اختي.. سامحيني يا ليان .. لو عرفت لم فعلت ذلك ستعذريني..
انتفضت عندما سمعت صوت ليان وهي تهمس : ما الذي فعلته يا ليلى ولم فعلته؟
.........................................
صعد عاصم الى الطائرة العائدة الى مصر .. جلس مكانه وربط حزام الامان استعدادا للاقلاع.. كان يشعر بوخز في قلبه.. فقد أحبها حقا.. كانت كالحلم الجميل. . رفعته الى السماء .. حتى صار يلمس النجوم ثم تركته يهوى ليرتطم بالارض بكل عنف.. استعاد صورتها.. وجهها الشاحب.. صوتها المبحوح وهي تنادي بأسمه.. ترى هل احبته ولو قليلا ام كل هذا كان كذبا وتمثيلا متقنا لتنال منه.. وبخ نفسه: ماذا بك؟ لنتعتبره حلم جميل وقد افقت منه.. مهما بلغ جماله يبقى حلما.. من الحماقة ان تظل اسيره..
اخرج بعض الاوراق من حقيبته يتشاغل بها عن تفكيره فيها.. ولكن هيهات.. فقد كانت تشغل تفكيره.. يود لو عاد صخبها يملأ حياته مجددا.. زجر نفسه: اتفكر في مخادعة.. لقد جعلتك مجرد لعبة تتلهى بها خلال تلك الرحلة.. الم تقل لك انها تستغرق في اللهو كما تستغرق في الجد.. يبدو انك كنت مجرد جزء من لهوها ..
مد بصره نحو النافذة وهو يشاهد السحب تمر بجواره كالزغب .. شرد وهو يتمنى ان تصبح افكاره كتلك السحب السائرة .. فلتتبخر ذكراها وينساها.. ولكن كلما فتح ورقة من اوراقه.. وجد امامه صورتها.. حتى عندما اتت المضيفة لتحضر له فنجانا من الشاي.. حسب أنها هي.. شعر انه يراها في وجوه كل النساء من حوله.. هتف عقله: هذا خطأ يجب ان تشفى منها..
وقال القلب : شفائي هوالنسيان التام وهذا محال.. فقد حفرت صورتها على جدراني ولفظت اسمها مع دقاتي..
تنهد وهو ممزق بين عقله وقلبه .. امسك حزام الامان وربطه ملتزما بتعليمات الطيار التي اذاعها في المذياع الداخلي قبل قليل.. استعدادا للهبوط في مطار القاهرة.. لملم اوراقه وحمل حقيبته وهبط من الطائرة..
لم يرجع مصر خالي القلب كما خرج منها.. بل عاد محزون القلب وبين حناياه جرح كبير..
لم يخبر احدا بعودته المفاجئة.. فلم يتوقع ان ينتظره احدهم.. وقف امام بوابة المطار واوقف سيارة اجرة.. ولكنه سمع صوت انثوي يناديه .. فالتفت بدهشة ليجد امامه اخر شخص يتمنى رؤيته في هذه اللحظة..
........................



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close