رواية ميراث الحنايا الفصل الثامن 8 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
Part8 "سقف واحد.. وميراث قلبين"
حطو كومنت او صوتو** عشان انزل بارت ال٩ بدري
1
في بيتنا، حتى الفرح له طقوس، وله عطر يشبه قهوتنا، وله نكهة من صوت جدّتنا سارة وهي تقول:
"زينوا البيت، ملكة تميم ما تتكرر!"
والكل قام يشتغل، بين اللي تجهّز، واللي تكتب، واللي تضحك من قلبها كأن الحزن ما مر من هنا .
+
في طريق العودة من السوق...
+
كانت الشمس تميل للغروب، لونها الذهبي يكسو أطراف البيوت الطينية، وسيارة علي تمشي بثقل من كثر الأكياس المصفوفة بالمرتبة الخلفية. الجدة سارة كانت في المقعد الأمامي، تعب السوق بادي في نظرتها، وموضي جنبها تمسح جبينها بمنديل، ووراهن نجلاء ومنيرة وهدى يسندن ظهورهن وهم يتنهدون من التعب.
+
علي وهو يحك رقبته:
"ولله تعبت يا جدة سارة، قسم بالله تعبت. ماني ناقصكم، أنا أشيل أكياس وأفتح البيبان وأنزل علب صحون!"
+
ضحكت هدى بصوت خافت، وقالت وهي تمد رجلها:
"ما قلنا لك تجي، ليه مصمم توصلنا؟"
+
رد عليها علي وهو يوقف السيارة قدام الباب:
"أنا قلت أوصلكم، مو أشتغل حمّال في سوق النسوان!"
+
نزل وهو يفتح الشنطة الخلفية، والأكياس تنهار بيده.
اتنهد وهو يشوف الكيس الكبير اللي فيه صحون قزاز يلمع تحت الشمس.
+
علي بنبرة شبه معاتبة:
"يا جدة موضي، انتي شريتي أغراض للملكة؟ ولا للمطبخ؟! لأني شايف صحون، صحون قزاز!"
+
موضي التفتت له، وبدون ما ترد ضربته ضربة خفيفة من ورا رقبته:
"مالك شغل في أغراضي، أنت شيل وبس!"
+
انفجرت منيرة بالضحك، وقالت:
"أقولك يا خاله موضي، علي من التعب صار يشوف الصحون ويتكلم معها، لا تشرّهين عليه."
+
علي وهو يدق على مطلق:
"تعالوا شيلوا معي، قسم بالله ظهري راح!"
+
دق بعده على سلطان، وهو يقول له:
"أنت ومطلق تعالوا بسرررعة، الجدة سارة معها طقم شاي وزعفران بعد!"
+
وصلوا مطلق وسلطان، وبدؤوا يشيلون الأكياس من السيارة للداخل، وكل واحد يتهكم على الثاني.
+
مطلق وهو شايل كرتون ثقيل:
"عاد لو تزوجنا زيكم، بنتهرب من هالسوالف ونقعد في الكنب نطلب قهوة من الشغالة."
+
سلطان:
"وانا قلت لك لا تدرس، تزوج بس وتورط!"
+
ضحكت الجدة سارة، وقالت وهي تنزل من السيارة:
"يا ويلكم مني إذا أحد نكسر عليه شي من أغراضي، كله محطوط بحساب!"
+
دخلوا للبيت، وكل وحدة ماسكة غراضها. نجلاء ماسكة كيس الفساتين، وهدى تفتح الأكياس وتتفقد المشتريات.
+
هدى:
"خاله موضي، بالله هذا عطر للملكة؟ ولا لحفلتك الجاية؟ شكله غالي!"
+
موضي:
"لا هذا لي، واشتريته عشاني، مليت وأنا أشوفكم تشترون لعيالكم، أبي أعيش."
+
رزان والبنات في الصالة، وسط دفاتر صغيرة وأقلام مبعثرة.
كانوا كاتبين قائمة باللي ناقص من تجهيزات الملكة، وسمايلات مرسومة على جنب الورق، وكل وحدة تفكر وش بعد ينسى فجأة.
+
مي بصوت متحمس وهي تشوف الكيس اللي مع نجلاء:
"هذولي شموع؟!"
+
نجلاء:
"إيه، للديكور، بس لا أحد يفتحهم، بحطهم أنا."
+
رزان وهي تبتسم بخفة:
"هدي نفسك، ما راح نولعهم قبل الموعد، نخلي تميم يشوفهم أول."
+
هدى رفعت حاجبها وقالت:
"ما شاء الله! فجأة صار تميم ذويق في الشموع؟"
+
ضحكوا كلهم، وصوت البنات امتد للداخل، كأن البيت بدأ يتنفس فرحة الملكة قبل ما تبدأ.
+
بعد المغرب – بيت الحنايا
+
كانت ريحة القهوة تنتشر من ركن الصالة، والنسيم يتسلل من فتحة الشباك، ومعاه نغمة ضحكات البنات اللي مجتمعات على سجاد أرضي مليان مخدات وفوضى ألوان.
+
دخلت حصة بعيونها الواسعة ولمعتها المعتادة وقالت بحماس وهي توقف بوسط البنات:
+
"شرايكم بنات؟ نسوي حفلة بسيطة كذا، نسميها حفلة توديع العزوبية؟ يعني شي على قدنا، كيكه، بلونات، شموع، سوالف، ونسه!"
+
رزان رفعت عيونها من الكوب اللي بين يديها، تحاول تحبس ضحكتها، وتهرب من هالحماس، وقالت بصوت تحاول تخليه عادي:
+
"لااا، يا بنت الحلال، بلا حفلة عزوبية ولا يحزنون، خلوها سوالفنا أزين... بلا شغل ولا تعب."
+
مي على طول قفزت وقالت:
"حركات يا رزان، تتهربين، بس والله لا أوريك... أنا مع حصة، خل نسوي حفلة ولو بسيطة، وش ورانا؟!"
+
رغد ضحكت وهي تمد رجولها وتتكئ على يدها:
"عاد والله فكرة حلوة، خلاص نقوم نجهز، بس لازم نستأذن من الأمهات، ولا الجدة سارة بتقول وش هالصجة؟"
+
قامو البنات بسرعه، ومن بينهم هدى قالت:
"يلّا نروح نشوف وش رايهم، وإذا وافقوا نبدأ نزين الصالة."
+
وهم في طريقهم لقسم الكبيرات، فجأة رن جرس الباب، وفيصل الصغير ركض بكل حماس وهو يصرخ:
+
"أنا أفتـــح!!"
+
فتح الباب، ودخلت جواهر، أخت فهد المرحوم، بصوتها العالي المعروف:
+
"سلاااام! سمعت كلمة حفلة؟! ومن غيري يحليها؟!"
+
البنات قاموا يسلمون عليها، وجواهر مدت يدها لرزان وهي تبتسم:
+
"هلااااااااا بعروستنا... وجهك منور ما شاء الله، من اليوم باعتبرك بنتي."
+
رزان خجلت شوي وهي تضحك وترد:
"الله يسعدك يا جدتي، النور نوركم."
+
دخلوا جميع، وقعدوا بالصالة النسوانية، وبدأت الحماسة ترجع، حصة رفعت صوتها فجأة:
+
"أنا بطلع أرسل تميم يجيب لنا بلونات وشموع، مو نفس حقت الملكة، لا، نبي شي خفيف وملون، وإلا جدتي موضي وعمتي جواهر بيلعنون شكلنا إذا خلصنا الأغراض المهمة."
+
جواهر ضحكت بصوت عالي:
"إي والله، خلّوا عنكم الدلع، لا تلمسون شي من الملكة، أرسلي تميم، ما وراه شي."
+
البنات بصوت واحد:
"أي أي، أرسليه، خل يجيب!"
+
وفي الزاوية، رزان ما قدرت تخفي ابتسامتها أول ما سمعت اسمه، حاولت تدفن وجهها في الكوب، لكن مي كانت تراقبها بعيون خبيرة وقالت بصوت خافت:
+
"والله إنك ضايعة، رزان..."
+
رزان رفعت عيونها بسرعه وقالت:
"وش قلتي؟"
+
مي ضحكت وهي تهمس:
"ولا شي، بس انتبهي من وجهك، ترا يفضحك قبل قلبك."
+
داخل المطبخ الخلفي – بيت الحنايا – قبل العشاء بشوي
+
الأنوار خافته، ريحة البهارات باقي معلقه فالجو، وهدوء البيت بعد صخب البنات واضح، إلا من صوت صحن ينحط، ومكالمه سريعة.
+
حصة كانت واقفه عند ركن المطبخ ويدها على خدها، تتكلم بجدية:
+
"تميم؟ تعال لي فالمطبخ الخلفي حق الحريم... أيه اللي تحت، أتوقع أنكم فالسطح، لا تتأخر..."
+
ما كملت الجملة إلا والباب ينفتح بقوة من وراها، صوت خطواته ثقيلة، وكل ما قرب زادت رجفتها شوي.
+
فجأة تميم سحبها من ذراعها بقسوة، تعثرت خطوة وصرخت بخفة:
+
"شفيك؟! عورتني!!"
+
عيونه نار، نبرته تنذر بالشر:
+
"خير؟ تصورين رزان وترسلينها كـ استريك لي وهي بهالشكل؟ وترسلينها لي بكل بساطة؟ شو وضعك؟"
+
صوته حاد، لكن مكسور بنبرة حامي عليها، أكثر من زعلان من حصة.
+
حصّة وهي تحاول تفك يدها:
+
"شتقول أنت؟! عن أي شي تتكلم؟"
+
هو قرّب منها خطوة، صوته نزل لكنه صار أثقل:
+
"الاستريك اللي أرسلتيه، وهي عند الإسطبل، بشعرها طاير، وابتسامتها نص الدنيا، ترسلينه لي؟ تقهرينني؟"
+
حصة رمشت، وتذكرت فجأة:
+
"آه... ذا! والله ما كنت أدري إنك بتشوفه... أرسلته بالغلط، آسفة!"
+
لكن على طول ترمي عليه غمزة خبيثة وضحكة مستفزة:
+
"عادي عاد، بتصير زوجتك بكرا، وش فيك انت؟!"
+
هو سكت لحظة، انفكت عضلات وجهه، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وارتبك، وفجأة يضربها على جبهتها بخفة:
+
"أقول... كلي زق، لا يكثر!"
+
حصّة تنفجر ضحك:
+
"لا تكذب، واضح ابتسمت، عاجبك الوضع، لا تحاول تسوي نفسك قوي."
+
هو غطى ضحكته بحركه سريعة وقال بنبرة جادة:
+
"عيب... بنت! خلصيني وش تبين فيني؟"
+
حصّة رجعت للحماس:
+
"جيب شموع من النوع الوردي الي م ينطفي بسرعه لا يلعبون عليك جيبها من محل ابو معتز الي بآخر الشارع، وبلونات ملونه طويله هي كمان من النفس المحل، وصحون الدوسري جيبها من ابو خمسه، وطاولة كبيره شوي، ولمبات ملوّنة، اللي في السوق الكبير."
+
تميم عقد حواجبه وهو يفتح الثلاجة:
+
"خير! وش ذا كله؟ شعندكم حفلة تخرج؟!"
+
حصّة : "شدخلك! جيب بس، لا تسأل."
+
تميم : "ما أجيب ولا شي إلا ما تقولين لي وش عندكم."
+
يسحب تفاحة من الثلاجة، ويجلس على الكرسي المقابل لها، يسند ظهره ويمد رجوله ويأكل أول قضمة:
+
"أجل اجلسي، هرجي... علميني وش ناوين عليه؟"
+
حصّة تتنهد، تسحب لها كرسي وتجلس قدامه:
+
"بنجهز حفلة توديع عزوبية لـ رزان، كذا نغير نفسيتها شوي... أحس فيها ضيقة."
+
تميم يشرق بالتفاحة، يوقف لحظة، عيونه على عيونها، يضيقها شوي كأنه يحلل كلامها:
+
"ضيقة؟ وش فيها؟ بسم الله! شقالت لكم؟!"
+
حصّة بسرعة: "لا ما قالت شي، بس تحسها مهي مستانسة... يمكن لأن الزواج صار بسرعة... جدي استعجل، وأنت مالك دخل! جيب الأشياء وخلاص."
+
تميم يرد بنبرة هادية لكن حاسّه:
+
"زوجتي ترا، مو أي بنت."
+
حصّة بابتسامة جانبية:
+
"باقي ما صارت زوجتك، خل عنك... وخلني أذكّرك، جيب الأغراض ولا يكثر، تكفى!"
+
هو يرمي تفاحة خلص نصها بالزبالة، ويقوم:
+
"اكتبي لي في السناب، ترى ما أحفظ..."
+
وهو ماشي يقول:
+
"وإذا زدتِ الطلبات، والله لأجيب زينة مول كامل."
+
حصّة من وراه:
"على الأقل زين المول مو وجهك!"
+
تميم يضحك وهو يفتح الباب:
"أقول، بنت! احمدي ربك أني فاضي لكم اليوم!"
+
بعد ما خرج تميم للأسواق عشان يجيب طلبات حصّة، الجو في البيت كان هادئ نسبيًا، لكن في طرف الحوش، عند البير العتيق، كان الجد هيثم جالس على الكرسي الخشبي، فنجان القهوة في يده، وعينه تتابع حركة الماء البطيئة في قاع البير.
+
مدّ يده لجواله، ضغط على اسم سلطان الكبير، وانتظر حتى جاءه الصوت:
– هلا جدي.
– تعال يا ولدي، أبيك توديني عند شجرة السدر شوي.
سلطان رد بابتسامة باينة في صوته:
– والله يا جدي، مقدر... مشغول شوي مع الأهل داخل البيت.
هز الجد رأسه وهو يبتسم:
– طيب يا حبيبي، خذ راحتك. أصلاً أنا ماني عليك، بكمل قهوتي عند البير... ولا يهمك.
+
أغلق المكالمة، وشرب آخر رشفة من فنجانه، ثم وقف بثقل سنين عمره، واتجه بخطوات هادئة نحو مجلس البنات. فتح الباب وهو يرفع صوته بنبرة أبوية حازمة:
– تعالي يا رزان.
+
رزان رفعت رأسها فجأة، شعرت بارتباك بسيط، لكنها وقفت فورًا وتقدمت نحوه.
– سم يا جدي؟
– تعالي، نروح عند المربّع الكبير، أبيك في مواضيع.
+
خرجت معه حتى وصلوا للمكان، نسيم المغرب يمر بينهم، ورائحة الحوش المبلول بالماء تعبق في الجو. جلس الجد على طرف الدكة، وأشار لها بالجلوس بجانبه.
+
– جبتك هنا عشان آخذ رأيك في بعض المواضيع.
– خير يا جدي.
– انتي شفتي القاعة حقت ملكتكم؟
– لا... باقي.
– أجل خلي تميم يوديك اليوم، بكرة بتكون الملكة، وأنتو أصلاً حتنشغلون وما عندكم وقت.
+
رزان حاولت تعترض وهي تضحك بخفة:
– بسس...
– (قاطعها) بدون بس يا بنتي، أنا قلت اللي عندي. خلي تميم يوديك.
+
أخرج جواله من جيبه، تنهد، وضغط على اسم تميم.
– الو يا تميم، وينك؟ دورتك ما لقيتك.
جاء صوت تميم وفيه أنفاس حركة:
– يا جدي، أنا طالع... حصّة طلبت مني أجيب لها بعض الأشياء.
+
رزان لوّحت بيدها بسرعة وكأنها تستأذن بالكلام:
– يا جدي، إحنا بنسوي حفلة توديع عزوبية بسيطة... فما أقدر أروح أشوف القاعة الحين.
– يمديك يمديك.
+
عاد الجد لهاتفه:
– تميم... تعال، واترك اللي بيدك، خذ خطيبتك وروحوا شوفوا القاعة.
– بس يا جدي...
– (بحزم) بسرعة... ولا تكثر.
+
أغلق المكالمة، ثم التفت لرزان، وعينيه مركزتين في عينيها مباشرة، حتى شعرت بأن قلبها صار يدق أسرع.
ابتسم ابتسامة عارف:
– واضح يا بنتي... أنكم تحبون بعض. لا تخبي على نفسك... ولا تكذبي علي.
+
رزان ضحكت بخجل وهي تحاول تهرب بنظرها، لكن الجد استرسل وكأنه يقرأ ما في قلبها:
– الحب يا بنتي زاد للعمر... بس لا تخلي الحياة تغيّره. دايم احرصوا تخلونه صافي مثل هالماء في البير... إذا تعكر، صعب يرجع صافي.
+
وفي لحظة، جاء صوت هدى من بعيد وهي تنادي:
– رزااان! تميم جاي يوديك القاعة... يلا جهزي نفسك!
+
الجد وقف وهو يربّت على كتفها:
– يلا... لا تخليه ينتظر. الرجال إذا انتظروا واجد... قلبهم يبرد.
+
رزان أخذت عبايتها من على طرف الكنبة في المجلس، حطّتها على كتفها وهي متجهة للباب.
منيرة، اللي كانت جالسة تتابع البنات وهم يحكون، لمحت بنتها تتحرك بسرعة، فرفعت حاجبها باستغراب وتبعتها:
+
– على وين، ولا تعلمين؟ ولا حتى تقولين لأبوك؟
– جدي هيثم يقول خلي تميم ياخذك نشوف القاعة... وأنا أقول له ما أبي، رافضة يا أمي.
منيرة تنهدت وهي تحاول تخفف من انزعاج بنتها، ومدت يدها تطبطب على ظهرها:
– شنسوي يا روحي... جدك كذا، إذا قال كلمة ما يحب أحد يرد عليه.
+
رزان عضّت شفتها السفلية، كأنها تحبس رد، ثم أومأت برأسها وهي تمسك طرف عبايتها بقوة.
+
خرجت للباب الخارجي، كان الجو فيه نسمات مغرب، وتميم واقف بجانب السيارة، متكئ على الباب، عيونه تتابع خطواتها بهدوء و هو يدخن. قبل ما تركب، التفت لها وقال:
– ممكن تجيبي لي قهوة من عندكم إذا ما عليك أمر؟
– جب لنفسك
_ عصب و قرب منها و آخذ سقارته و طفاها على كتفها و هي تصرخ.
+
رزان:
مجنون انت تبي تحرقني مريض فيك شي!!؟
تميم:
قلت لك جيبي لي قهوه ترا المجلس قريب
+
رزان:
دامه قريب ليه م تجيبه لنفسك!!!
+
رجعت بخطوات سريعة، دخلت البيت، أخذت فنجال قهوة من الدلّة اللي كانت على الطاولة، ورجعت له.
مدّت له الفنجال، وكشرت وهو يأخذه:
– تسلمين.
+
فتح لها باب السيارة، رزان ركبت وهي تلمح لمسة اهتمام منه وهو يتأكد أن عبايتها ما تنحشر في الباب.
+
تميم جلس خلف المقود، شغّل السيارة، وصوته هادئ:
– كيفك؟
– تمام، وأنت؟
– طيب... الحمد لله.
+
انزلق الصمت بينهم، مثل خيط مشدود ما يقدر أحد يقطعه. الشارع كان شبه فاضي، وأصوات المكيف والطرق الخفيفة على الزجاج هي اللي تملأ الجو.
+
بعد كم دقيقة، تميم قطع الصمت وهو يلمحها من زاوية عينه:
– شكلك مو راضية عن المشوار.
رفعت حاجبها وهي تطالع في الطريق:
– ما أحب أطلع بدون ما يكون براسي.
– (ابتسم بخفة) بس أحيانًا... اللي براسك ما يكون هو الصح.
+
رزان لفّت عليه نظرة سريعة، حسّت قلبها يدق، بس رجعت تطالع قدام.
– المهم... القاعة ما تاخذ وقت، ونرجع بسرعة.
+
وصلوا عند إشارة، تميم مد يده وأخذ القهوة، شرب آخر رشفة وهو يقول:
– على فكرة... القهوة من يدك غير.
– (تضحك بخفة) من يد أمي.
– حتى لو... فيها طعم ثاني.
+
السيارة تحركت، والجو بينهم بدأ يلين، وكأن الصمت الأول كان تمهيد لشيء أعمق.
+
تميم:
يوم فجأة جواله يرن.
طلع الإسم: حصه.
فتح الخط وهو يسند كتفه على باب السيارة:
– هلا حصه.
جاء صوتها بنبرة مستعجله:
– وينك؟ تأخرت! والغرض اللي طلبته منك وينه؟
ضحك تميم بخفة وقال:
– محد قال لك؟
– عن وشو؟
– جدي هيثم قال لي تعال خذ رزان وروحو شوفو القاعه... وترك كل شي من يدك. عاد تعرفين جدي وكلمته اللي محد يرفضها.
حصه تنهدت، واضح إنها مو عاجبها الوضع، وقالت:
– خلاص... مع السلامه.
وقفلت الخط.
+
رزان كانت ساكته، تطالع من الشباك على الشوارع اللي يمرون فيها. بعد لحظة، سألت بصوت هادي:
– قربنا؟
– باقي شويه.
وعاد الصمت سيطر على السيارة، ما عاد فيه إلا صوت المكيف وهدير الموتر.
+
في الجهة الثانية، كانت الجدة سارة توها قايمة من قيلولتها. مدت يدها على الطاولة جنب السرير وهي تقول:
– هيله! وين حبوب السكر حقتي؟ والإبر... مو موعدهم الحين؟
ركضت الشغالة هيله وهي تقول:
– لحظة يا ماما... نسيتهم، آسفه.
– ما عليه، ما عليه.
+
دخلت هدى وهي معصبة شوي:
– ي ربي يا أمي، توك تاخذين الحبوب؟
وبعدها التفتت على هيله بنبرة حادة:
– ليه ما تنتبهين؟!
لكن الجدة لوحت بيدها وقالت:
– خليها يا بنتي... أنا اللي راحت علي نومه.
+
هدى جلست جنب أمها وقالت وهي تتنهد:
– جدي هيثم كان يكلم رزان وقال لها تروح القاعه حقت الملكة هي وتميم، ويشوفونها ويقولون رأيهم. وحصه أصلاً كانت مرسلة تميم يجيب أغراض حفلة العزوبيه... بس هو خلاها وجاء أخذ رزان وراحوا.
الجدة ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تقول:
– عاد خليهم... منها يتعرفون على بعض، ومنها يشوفون القاعه.
+
هيله رجعت وقالت:
– خلاص يا ماما، خلصت.
وطلعت من الغرفة.
+
هدى سكتت لحظة، وصارت تحك شعرها من ورا بارتباك، وبنبرة كأنها تسأل سؤال عابر:
– أمي... هو هايف... متى آخر مره تقدم لي؟
الجدة سارة رفعت عيونها عليها بنظرة فيها استحقار:
– لساتك تفكرين فيه؟ انسييييه... انسييييه.
– بس يا أمي...
– أنا خلصت كلامي.
+
وقامت من السرير، لبست عبايتها، وطلعت من الغرفة وهي تقفل الباب وراها.
+
هل في سر يخلي هايف وهدى ما يكونون تحت سقف واحد؟!
+
بعد العشاء، كان الليل هادي، لكن في المربّع عند الجد هيثم الأجواء فيها جدية.
دخل سلمان وناصر وسلطان الكبير بعد ما ناداهم الجد.
لوّح بيده:
– اقعدوا.
+
جلسوا، وهو يشيك على فناجيل القهوة قدامه، وقال بصوت واثق:
– شفتوا مزرعتي اللي جنب شجرة السدر؟ اللي فيها الحلال؟
هزوا روسهم.
– خذوا منها الذبايح... بعد بكرا الملكة.
+
وفي جهة ثانية، البنات كانوا في الصالة.
واحدة منهم ممددة رجولها بتعب، و"مي" مندمجة مع المسلسل التركي المدبلج وهي تقول:
– يا ليل... يا طفش.
+
فجأة، اندفعت الجدة موضي وهي تصرخ:
– الشبابيك مفتوحة والمكيف شغال! ما تستحون؟ الكهرببببب!!!
البنات انفجروا ضحك، وهي تمشي وتقفل المكيف وتترك الشبابيك مفتوحة.
البنات صرخوا:
– حررررر!
+
دخلت الجدة سارة على صوتهم:
– أحسن... خليها موضي تقفل، عشان ثاني مرة ما تخلونها شغالة عليكم.
والضحك رجع يغطي المكان.
+
أما تميم ورزان، فكانوا وصلوا عند القاعة.
نزلوا من السيارة، تميم نسي جواله في الموتر، ورزان أخذت شنطتها وحطتها في السيارة قبل ما يدخلون.
وفي نفس اللحظة، غرام – أم تميم – كانت تدق عليه لأنه تأخر، لكن ما رد. جربت تدق على رزان، وبرضو ه ما ردت.
+
داخل القاعة، تميم سأل رزان:
– شرايك؟
ابتسمت:
– حلوه... وانت؟
– تجنن. خلاص... خل نرجع، تأخرت على حصه. طلبت مني شوية أشياء للحفلة حقتكم.
– طيب...
– وش رايك نمر على الأسواق ونشتريها ونرجع مرة وحدة؟
تنهدت:
– أممم... طيب. وإذا قلقوا علينا؟
– ما عليه، نصرفهم بأي شي. المهم اركبي السيارة قبل ما نتأخر زيادة.
+
ركبوا، واتجهوا أول شي لسوق أبو معتز آخر الشارع، يدورون على الشموع الوردية اللي طلبتها حصه.
تميم وهو في المحل يتهجى الأسماء من ورقة حصه، ويسأل العامل:
– وين البلونات اللي... تنفخ نفسها؟
الكل طالع فيه باستغراب.
+
في نفس الوقت، سلمان وناصر وسلطان كانوا راجعين بالسيارة، ومعاهم الذبايح في الخلف.
دخلوا الحوش حق بيت الجد هيثم، وسلمان أشر على وهدان الصغير:
– تعال يا ولدي... روح كلم جدي، اسأله وين نذبح: في الحوش، ولا السطح، ولا قدام البيت؟
+
صرخ سلمان للحارس:
– مرزوق! جهز الساطور والسكاكين!
وسلطان – زوج منيرة – رفع ثوبه وربطه على خصره، لف شماغه على راسه، ومسك الذبيحة.
+
ركض وهدان ودخل على الجد هيثم اللي كان جالس بالمربع الكبير، وقال وهو يلهث:
– جدي... أبوي سلمان يقول لك وين نذبح؟
+
قام الجد هيثم، حط فنجانه على الطاولة البنية القديمة اللي لها سنين في مكانها، وقال لمطلق وعلي وهايف:
– قوموا يا عيالي... ساعدوا الرجال.
+
سحب وهدان من يده وطلع معه، ولما شاف الحلال قال:
– لا لا... اذبحوا في الحوش.
– طيب.
+
كل واحد بدأ يجر خروفه.
+
أما تميم ورزان، فرجعوا من السوق ومعاهم طلبات حصه.
وقف تميم قدام باب بيت الجد هيثم، نزلت رزان ودخلت، وهو قال لها:
– قولي لحصه إني بالمطبخ الخلفي، ما أقدر أدخل المجلس فيه بنات عمي.
+
دخلت رزان الصالة وهي هلكانة، فجت غرام تركض:
– شفيك يا بنتي؟ تأخرتوا! ندق عليكم ما تردون!
– معليش يا عمه... جوالي طفى، وتميم نسى جواله بالسيارة يوم دخلنا القاعة... بعدين رحنا السوق.
– أي سوق؟
+
تنهدت رزان:
– يا عمه... الحين خلينا من الأسئلة. ما تشوفيني هلكانه؟ ملحقين على التحقيقات بعدين، يا بروفيسورة غرام!
غرام ضحكت، وفجأة جوري قفزت على ظهرها:
– شفيك عليها يا عمه؟ وش التحقيق ذا؟ اهجدو!
– بنت... شريتي الأشياء اللي طلبتها حصه؟
– إيه... وينها حصه؟ تميم يقول إنه بالمطبخ الخلفي ومعاه الأغراض.
+
جوري تحمسّت:
– شدعوه... يخلوه في الحر بالمطبخ؟ خلوه يجي هنا!
غرام ضربتها بخفة:
– مجنونة؟ كيف يدخل على بنات عمه!
– آه... نسيت!
+
ضحكت رزان وقالت:
– واضح إنك ناسية... الله أعلم بالك مشغول بوش.
غمزتها ودفت كتفها، وجوري ردت بدفّة أقوى:
– لا يكثر! يلا ندخل، عمتي منيرة قلقانة عليك.
+
غرام قالت وهي تطلع:
– أنا بمشي مشوار بسيط أنا وأبو تميم... بلغوا الباقي.
ورزان أومأت براسها ودخلت تنادي:
– حصه... أخوك بالمطبخ الخلفي يستناك، ومعاه الأغراض.
+
الليل كان مغطي البيت كله، الضحك والسوالف تتسرب من كل زاوية.
رزان جالسة جنب أمها، متهالكة بعد يوم طويل، بس عيون أمها كانت تسأل قبل ما لسانها ينطق:
"وين كنتوا؟ تأخرتوا كذا ليه؟"
رزان تبتسم ابتسامة نصها تعب ونصها محاولة تهرب:
"يا أمي، رحنا السوق، جبنا طلبات حصه للحفلة... عاد تعرفين، وش أقولك بعد."
+
وفي الجهة الثانية، حصه ماسكة الأكياس كأنها كنز:
"يييس! ثانكس!"
تتفقد كل شي بسرعة، ثم تمشي للمجلس. تميم طالع من المطبخ الخلفي يسأل:
"وين العيال وأبوي وأمي؟"
حصه وهي تمشي:
"أمي وأبوي طالعين مشوار، والباقي بالحوش يذبحون... روح ساعدهم بدل ما تجلس كذا."
تميم يضحك بسخرية:
"أقول... انطمي وادخلي، لا أشوف وجهك!"
+
الحوش وقتها كان فوضى على أصولها... مطلق يركض وراء تميم ويحاول يلطخ ثوبه بدم الذبيحة. تميم يصارخ:
"فكني ياهبل!"
علي يجي من وراء ويكتفه، ومطلق يلطخه بالدم وهو يضحك بصوت عالي. تميم يفلت ويركض وراهم، لكن الجد هيثم يطلع فجأة، متكئ على عصاه، صوته يجلجل:
"يا ليل متى تعقلوا! أنتم رجال!"
يلتفت على سلمان:
"ها، كيف الذبيحة؟"
سلمان وهو يصارخ على هايف:
"مسك عدل، لا أقطع يدي بدل اللحم!"
وبين الكلام، سلمان يسأل:
"وينه آسر أبو تميم؟ ما شفناه اليوم."
الجد يرد بهدوء:
"راح مع أم تميم مشوار بسيط."
+
داخل البيت، البنات تقريبًا خلصوا تجهيزات الحفلة، الضحك والموسيقى مالية الجو. الجدة موضي تمر من عندهم، رافعة حاجبها:
"يا بنات، هذي توديع عزوبية ولا تجهيز عرس؟"
والضحك ينفجر من جديد.
+
في الصالة الكبيرة، ريحة القهوة العربية تفوح، والأطفال يركضون بين الحريم. غرام تدخل وتجلس وهي تتأوه:
"آااخ!"
فيصل وهتان وميار يلتفون حولها:
"ليش ما جبتي لنا آيسكريم؟"
تضحك غرام:
"نسيت... المرة الجاية أجيب لكم."
+
الليل مشى على هدوء، لين جا صباح يوم الملكة. الساعة سبعة، هدى تدور بين الغرف ومعاها قارورة موية باردة، ترش على البنات:
"قوووموا! اليوم ملكة! افهموا!"
البنات يصارخون من البرد، لكن حماسها ما يوقف. الجدة سارة في الصالة، تهز راسها وهي تراقبهم:
"كذا تصحون؟ لا قهوة ولا فطور... بس مكياج؟ قوموا سووا قهوة أول، ملحقين على الملكة!"
+
في الحوش، الجد هيثم داخل المجلس، يرفع عصاه ويضرب على الكنبة اللي تميم نايم عليها:
"قم قم، باقي ما صليت الفجر؟!"
تميم يقوم مفزوع، يركض يتوضأ. علي يحاول يكمل نومه على الكنب، لكن الجد ما يرحم، يضربه على بطنه:
"قم وصحي الباقين!"
+
في الجهة الثانية، البنات متوترات لما الجد طلب قهوة. جوري تقول ببرود:
"عادي، جيبوا له حق أمس، حارة بالمطبخ."
مي تضربها:
"مو منجدك؟"
لكن جوري تروح وتقدمها له وهي تبتسم، وترجع للضحك مع الباقيات:
"عادي، ما انتبه."
+
البيت وقتها كان يشتعل حياة... ريحة القهوة والذبائح، صياح الرجال وضحك الحريم، والأطفال ما يوقفون ركض... يوم الملكة بدأ قبل حتى ما الشمس تطلع.
+
في جهة الحريم، الشمس توها طاله، وأصوات الحريم بدت تعلى، وكل وحدة تصحي الثانية. المطبخ مليان ريحة بهارات وكشنة البصل، والقدر يغلي على النار.
رزان واقفة على الفول، تمسك الملعقة وتكب الملح وكأنها تحط سكر.
حصه، وهي واقفة على طرف المطبخ، تصيح عليها:
"يا بنت الحلال، إنتي بتجلطين تميم! وش هالطبخة اللي كلها ملح؟"
غرام أم تميم تضحك وهي تحط يدها على خاصرتها:
"عادي، خليها كنتنا... حنا نطبخ لها، وهي تتعلم مننا."
الضحك يملأ المكان، والبخور شغّال، والريحة وصلت حتى باب المجلس.
+
من الجهة الثانية، عند الرجال، الكل صاحي ومتحلقين في المربّع الكبير. الدلال والقهوة تدور بينهم، والجد هيثم جالس وسطهم، عكازه على جنبه، يضحك من سوالف علي اللي ما يرحم أحد.
علي، بين كل جملة وجملة، يذِب على واحد:
"عاد تميم، يتنمر على الرايح والجاي كنه مراهق و هو عسكري!"
الضحك يعم المكان، وتميم، اللي كان جالس بعيد، قام بهدوء وجلس جنب علي. بدون ما أحد يحس، مد يده وشد شعره.
علي، يتألم ويضحك بنفس الوقت: "جديييييي! تميم شد شعري، خله يفكني!"
الجد يلتفت، ويضحك بصوت عالي:
"أفا يا تميم! مهو صادق علي، وش تبي فيه انت؟"
تميم يتركه، ويميل على أذن علي:
"حسابك معاي بعدين يا ولد العم... هين أنا بوريك."
علي يبتسم بنص خوف ونص تحدي: "هلا بالهوشات."
+
الجد، وهو يحط فنجاله على الطاولة ويمد رجوله، صوته يهدأ شوي والكل يلتفت له:
"إي تذكرت يا أبو تميم... الشيخ إن شاء الله بيجي قريب المغرب، عشان عقد القران."
العيون تلمع، والضحك يختلط بالكلام عن التحضيرات.
+
وبينهم، الأطفال يركضون حول المجلس، واحد منهم شايل طير من الحوش ويقول: "شوفوا، لقيته!"
والثاني يطيح على ركبته ويقوم يضحك وكأن شي ما صار.
مطلق يصيح: "يا عيال، لا تلعبون عند القهوة، تطيح الدلال وتكسر روسكم."
لكن ولا كأنهم سمعوا، لافين على الجد، واحد يمد يده على عكازه والثاني يحاول ياخذه، والجد يضحك ويقول:
"هذولا ما يخافون من أحد، حتى أنا ما سلمت منكم!"
+
البيت مليان حركة، ريحة الأكل من المطبخ، أصوات سوالف الرجال في المربّع، وصرخات الأطفال اللي يخلون الجو حي ويومي... وكل شي قاعد يجهز عشان يوم ما يتكرر.
+
الساعة ٨:٢٤ الصبح، المطبخ مليان حركة وضحك. البنات متحلقين حول الطاولة، يحطون الفول في الصحون.
هدى واقفة، ماسكة الملعقة بيدها، وعقلها سارح عند هايف، عيونها على الفول بس مخها مكان ثاني.
رزان تصب الفول، فجأة ترش شوية على جوري بالغلط. جوري تصرخ:
"يا مجنونة! وسختيني!"
رزان تضحك وهي تعطيها كف خفيف:
"انقلعي، ترا ما جاك شي."
والباقيات يضحكون على الموقف، حتى جوري بالنهاية ابتسمت وهي تمسح نفسها.
+
من الجهة الثانية، في المربّع الكبير، تميم جالس جنب جده هيثم، يتكلمون عن الملكة، يسولفون عن التحضيرات والضيوف. فجأة الباب يفتح ويدخل آسر، أبو تميم، صوته عالي:
"يلا يا مطلق، يا بدر، يا علي... قوموا جيبوا الفطور. الجدة ساره تقول جاهز."
مطلق يرد وهو ممدد:
"ليه ما يدخلونه الشغالات؟ شدخلني أنا؟"
بدر يمد يده ويضربه على فخذه ضربة خفيفة:
"أقول، قوم ياهبل. خل نجيب الفطور، يمكن جدي يزوجنا زي ما زوج تميم."
يلتفت على تميم ويغمز، وضحكته ما تنقطع.
تميم يقطب وجهه:
"كلوا تبن أنتم الاثنين."
العيال يقومون وهم يتحلطمون، يجرون خطواتهم بكسل.
+
في نفس الوقت، الجدة ساره تدخل المطبخ، تناظر البنات بعين الحزم:
"يلا برا... كلمت ميار الصغيرة تنادي العيال يشيلون فطورهم. يلا طلعوا برا."
رزان، جوري، حصه، مي، رغد، وورد،مشاعل، يطلعون وهم يتضاحكون على سوالفهم.
بعد لحظات، يدخل مطلق وعلي وبدر، وكل واحد يشيل شي... مطلق ماسك دلة الشاهي، بدر شايل صحون الفول، وعلي ماسك صحن الحمص، يحاول يوازن نفسه عشان ما يطيح.
+
مطلق يطلع من المطبخ ويتعثر برجله في حافة السجادة، لكن يلحق نفسه قبل ما الطاسة تنكب، وعلي يصارخ:
"انتبه يا أهبل! كنا فطورنا في الزبالة!"
بدر يضحك:
"خله يطيح... يمكن نصوم ونرتاح منك."
يطلعون للمربّع، والرجال جالسين، الجد يرفع يده:
"ها... تأخرتوا، كنت بروح أجيب الفطور بنفسي!"
مطلق يحط دلة الشاهي قدامه:
"هاه جدي، الحين بتشوف الفطور الصح."
+
الأطفال يركضون وراهم، هتان وفيصل يحاولون يخطفون خبزة من الصحن، لكن تميم يمد يده ويضرب على يد هتان:
"هذي للكبار، انتظر لين نقول لك."
هتان يطلع لسانه ويمشي، بس بعد دقيقتين يرجع من ورا تميم ويحاول يلطش حبة تمر من الصحون، ويهرب قبل ما أحد يمسكه.
+
وبين السوالف، علي يمد يده للفول، بس مطلق يدفه ويقول:
"أنت دايم تكثر في أكلك، خل شوي لغيرك."
علي يرد وهو يضحك:
"وش غيري؟ أنت نص عمرك تاكل، ونصه الثاني نايم."
الرجال يضحكون، حتى الجد يهز راسه ويبتسم.
+
الساعة ٩:٣٠ الصبح، صالة البنات مليانة سوالف وضحك، فناجين الشاهي قدامهم، وحصه بالغلط تكب الشاهي على نفسها، تصرخ:
"ييييي أمييي!"
والباقيات يضحكون عليها، رغد تقول:
"يا غبية انتبهي، مو كل شي ينشرب ينكب!"
+
رزان تدق الباب برجولها وتدخل، شعرها ملخبط وعينها نص مفتوحة، تقول بصوت مبحوح:
"آآآخ يا أمي... أنا بروح أنام، لين بعد العصر... ولا قبل... ولا لين الظهر، عشان الليلة الملكة. وانتو لا تسوون حركة إنكم تخلون العروسة تقعد في الكوشة إلا أربع ساعات... حتى لو زواجي وملكتي، بنام."
+
قبل ما تكمل كلامها، الجدة ساره تطلع من وراها فجأة، صوتها عالي:
"وشو له تنامين الحين؟ ترا الجد هيثم يقول الشيخ بيجي قريب المغرب عشان عقد القران."
رزان ترد وهي تمشي للباب:
"عادي، صحّوني العصر... ولا الظهر... بس لا تنسون."
البنات يردون:
"تمممام، روحي."
والتفتت وتطلع برا، رايحة لغرفتها، أول ما توصل تفك شيلتها وترمي نفسها على السرير وتنام من أول دقيقة.
+
في الجهة الثانية، في المربّع عند الرجال، الجد يقوم يتمغط ويقول:
"أنا بروح أنام لي شوي، صحّوني إذا أذن الظهر عشان أصلي."
يلوّح براسه لآسر، وآسر يرد عليه:
"خلاص خلاص، نام وأبشر."
+
الجد هيثم يطلع للمجلس الثاني، والمربع فجأة يصير حوش سوالف وضحك.
علي، مطلق، وبدر يجلسون في مكان الجد، ويبدون يقلدون حركاته، مطلق يمسك عصا وهمية ويقول بصوت غليظ:
"يا ليل متى حتعقلوا؟ تراكم رجال!"
علي يرد مقلد سلمان:
"امسك زين لا أقطع يدي بدل اللحم!"
والكل يضحك.
+
ناصر يطالعهم وهو يهز راسه:
"أنا مدري متى حتعقلون أنتوا... استنوا، أنا بوريكم إذا جا جدي."
وفجأة يقوم ناصر، يمد يده على سلك الشاحن اللي جنبه، ويلدغ علي على ظهره، علي يقفز ويصرخ:
"يييييييي وجعععععع!"
ناصر يركض وعلي وراه، مطلق يتفرج ويضحك لدرجة إنه يكاد يطيح على الأرض.
3
ريحة الشاهي توصل من الطاولة البنية القديمة اللي دايم قدام المركة حق الجد هيثم، ريحة قوية تخلي مطلق يقول:
"يا جماعة، أنا شميت ريحة الشاهي، لا أحد يقرب له إلا أنا."
بدر يرد عليه:
"انقلع، من زمان وانت سارق فطورنا، الحين بتسرق الشاهي؟"
وفجأة فيصل الصغير يجي يركض ويمد يده للفناجين، لكن مطلق يوقفه:
"وقف، هذا شاهي للرجال الكبار."
فيصل يطلع لسانه ويقول:
"اكبر أنت أول."
+
سلمان يدخل المربّع ماسك صحن تميس حار، يقربه على الطاولة ويقول:
"هااا، منو يبغى؟"
كلهم يهجمون عليه، حتى ناصر ينسى إنه كان يجلد علي، ويجلس ياكل.
أثناء الأكل، مطلق يحاول يخطف لقمة من تميس علي، علي يسحب الصحن بسرعة ويقول:
"يدك هذي لو تمدها مرة ثانية، بكسرها."
الكل ينفجر ضحك، حتى آسر وهو واقف على الباب يبتسم ويهز راسه.
+
الساعة كانت تسحب خطاها ببطء، لين صارت ٦:٣٠ المغرب. في المربّع، العيال ممددين على الكراسي، واحد يضحك بصوت عالي، والثاني يطقطق على جواله، والثالث ممدد رجوله على الطاولة البنية القديمة اللي قدام المركة، والريحة العطرة للشاهي الأسود تفوح من الدلة اللي جايبينها قبل شوي. فجأة الباب يندف بعصبية، ويدخل الجد هيثم بعصاه، عروقه طالعة من الغضب:
– "مو أنا قلت لكم صحّوني الساعة خمسة؟!"
الكل التفت له وكأنهم شافوا عفريت.
– "الشيخ دق علي وقال: ساعة ونص وأنا عندكم! ولا جهزتوا ولا شي!"
على طول، كل واحد يفرتك من مكانه. علي قام يكنس الزوايا، مطلق يصرخ على بدر لأنه كب الوساخة برا المجرف، وبدر يقول: "مو أنا! هايف هو اللي كبها!" وهايف يضحك وهو يحاول يهرب. تميم يوقف، يمسح الطاولة بسرعة ويقول: "أقول، لا أحد يقرب الكاسات، خلها مرتبة."
+
في الجهة الثانية، الجدة سارة تدق الباب على البنات في الصالة، وتدخل وهي ترفع صوتها:
– "الشيخ ساعة ونص ويجي، قوموا انتي وياها، نظفوا المكان، رتّبوا الكوشة، خلصوا شغلكم!"
البنات تقلبوا من الضحك على جوري اللي كانت تاكل كيك وتقول: "لحظة، بس أخلص اللقمة."
الجدة تصيح: "يلا برّا المطبخ، نادوا الشغالات ينظفون معكم."
+
منيرة تتسلل لغرفة رزان، تهزها وهي نايمة:
– "قومي يالعروس، الشيخ باقي شوي ويجي، وانتي باقي تحت البطانية!"
رزان تقلب وجهها على المخدة: "أوووف... دقيقة."
– "مافي دقيقة! يلا، قميصك ووجهك،قوموا جهزوا شعرك ومكياجك."
+
رزان تقوم وهي تحك عيونها، تروح للغرفة اللي فيها مي ورغد، ويلقونهم جالسين قدام المراية يضبطون شعورهم. مي تقول: "أجل يا عروس، نايمة للحين؟"
رزان ترد وهي تمشط شعرها: "أنتو بس لا تطقطقون علي، أنا كذا بطلع ملكة زماني."
رغد تضحك: "بس لا تطلعين الكحل معك على خدك."
+
التحضيرات صارت سباق، البنات يمررون المكواة لبعض، جوري تصارخ: "مين أخذ مثبت الشعر؟!"، وحصة تقول: "معي، دقيقة بس."
+
الساعة دقت ٧:٢٥، والمغرب داخل. في المربّع، الجد هيثم واقف عند الباب يرحب بالشيخ أبو رواض:
– "حياك الله، نورتنا وشرفتنا."
الشيخ يدخل، الرجال يقومون يسلمون عليه، تميم يجلس جنبه، وبعدها أبو تميم يقعد بجنب ولده، وأبو رزان يقعد بجانب تميم
تميم
كان حاس في اللحظة ذيك إن الموضوع مو لعب، وإنه داخل على مسؤولية حقيقية.
+
في الجهة الثانية، رزان كانت خلصت تجهيز شعرها ومكياجها، لكن عيونها تحمر. تدخل عليها منيرة، تلاحظ دمعتها اللي تحاول تكتمها:
– "يا بنتي، مو كذا تبكين، المرة المليون نسوي ميكب، خلاص حبيبتي، صار اللي صار، انبسطي."
رزان تضحك وهي تمسح عينها: "أعرف، بس الموقف يخوف شوي."
+
في المجلس، بعد ما خلص، أبو تميم لوّح لتميم إنه يقعد على الكرسي اللي قدام الكوشة. تميم متوتر، يحرك أصابعه، كأنه ينتظر شيء كبير. الباب يفتح، وتدخل أم تميم "غرام بنت صقر" بهيبتها اللي الكل يعرفها، بفستان أبيض طويل يرفرف وراها، وشعر بني قصير مرتب. وراها منيرة أم رزان، شعرها الأسود الغامق بطول وسطها، وفستان زيتي أنيق. يجلسون بجنب بعض، ومطلق أخو رزان يقعد معهم، الجو صار رسمي أكثر.
+
صوت الكعب العالي يكسر الهمسات... رزان داخلة، مترددة، لكن متماسكة. فستانها البرغندي المخصر يلمع تحت الإضاءة، شعرها الأسود الويفي نازل على ظهرها، ميكبها البسيط زادها جمال، وصوت كعبها يوصل لأبعد المجلس. بيدها صينية فيها القهوة السعودية والمقبلات، وتوقف قدام تميم، العيون كلها عليها، واللحظة ثقيلة لكنها مليانة رهبة وفرح في نفس الوقت.
+
في المطبخ، البنات متجمعات، أصوات الصحون والملاعق تخبط ببعض، ريحة البخور وريحة القهوة تتداخل مع ريحة عطورهم. جوري واقفة وهي تحرك الفناجيل على الصينية وتقول:
– "الله يستر ويتممها على خير، أهم شي لا تتفشّل المسكينه."
الجو بدأ يخفّ من الكآبة اللي كان فيه.
+
في المربّع الكبير، الرجال متوزعين، كل واحد بكيفه. الجد هيثم جالس في صدر المجلس، جنبه سلمان وناصر وبدر، وعلي ومطلق وسلطان الكبير وهايف ومشعل وهتان وفيصل، ومعهم الشيخ أبو رواض. القهوة تدور بينهم، وصوت فناجيل الشاي يرن مع الضحكات. النقاش كان عن الملكة، وكل واحد يعطي رأيه، الشيخ يقول: "المهم كل شي يكون على سنّة الله ورسوله، والباقي أمور دنيا."
هايف يرد ضاحك: "إيه بس لا تنسى المهر، ذيك أهم نقطة عند العروس."
الجد هيثم يهز راسه: "العروس أهم من المهر، إذا كانت بخير ومرتاحه، كل شي بيصير بخير."
+
على الجهة الثانية، في المجلس اللي فيه تميم وغرام ومنيرة ومطلق، رزان داخلة بالصينية. تبدأ توزع القهوة، تسلم على غرام ومنيرة وهي تبتسم، بعدين تيجي عند تميم، وتوقف لحظة... عينها بعينه، وعينه بعينها. ثواني مرت كأنها دقيقة، لين استوعبوا عمرهم، هي مدّت الفنجال بسرعة، وهو مد يده مرتبك، وبعدها جلست على الكرسي اللي بعيد شوي.
+
غرام ومنيرة حاولوا يفتحون سوالف، عن الفساتين وعن التحضيرات، بس تميم ما كان مركز، عينه معلقة برزان، كل ما حاول يشيح نظره يرجع لها، كأنه غرق فيها ولا حد قدر ينقذه. هو مو راضي يعترف لقلبه، بس الحقيقة واضحة.
+
غرام قامت وهي تلتفت على مطلق ومنيرة:
– "قوموا، خلّوهم شوي لحالهم."
منيرة فهمت الإشارة، قامت وراها، ومطلق قام بعدها وهو يحك ذقنه وكأنه عارف اللي بيصير.
+
بقى الصمت يملأ الجو، التوتر واضح، تميم يلتفت لها:
– "ليه قاعدة بعيدة؟ تعالي جنبي."
رزان ترد وهي تحاول تتماسك: "لا، كويس كذا."
هو يمد يده، يحط فنجاله على الطاولة، ويجلس أقرب منها:
– "بالمناسبة... قهوتك تجنن."
هي تكشر: "لا تصدق عمرك، ترى أنا مجبورة عليك، وأنت تدري، مو لازم أقول."
+
تميم انصدم، نظرته تثبت فيها:
– "صح إننا مجبورين على بعض، بس ما تقدرين تغيرين الحقيقة... أنا زوجك، وانتي زوجتي. وش تبيني أسوي؟ أروح أتضارب مع الشيخ وأقول له وش جابك؟ ولا أروح أهاوش جدي هيثم وأقول له شدخلك؟"
صوته ارتفع وهو يحاول يكتم غضبه، وهي دمعتها نزلت بدون ما تحس.
+
مد لها منديل:
– "اهدي... أنا أدري وش حاسة فيه، بس مافي شي بيدنا، حاولي تتأقلمين مع الوضع... للأسف."
تنهد وقال: "آسف على كل شي."
تميم كان قلبه يحترق، عيونه تحولت لشرار، بس ما حب يبين لها عشان ما تكرهه أكثر من أول يوم.
+
هي بعدت عنه، تمسح دموعها شوي شوي عشان الميكب ما يخرب.
قال لها بنبرة شبه مازحة: "مسحي دموعك زين، لا يدخلون علينا يحسبون إني مسوي فيك شي... أعوذ بالله."
هي رفعت راسها وتقول: "أقول... انطــ..."
+
قبل تكمل، الباب اندق.
دخل مطلق وهو يطالعهم بنظرة فاحصة:
– "رزان، يلا قومي... الشيخ داخل ومعاه الرجال."
هي قامت وهي منزلة راسها، تمشي بخطوات هادية، تحاول ما تبين أي أثر. مطلق كان حاس، يمكن حتى متأكد، إن الجو ما هو طبيعي... لكن سكت.
+
تميم قام من مكانه، مسك بشته، ورفع حاجبه وهو يلتفت على مطلق:
– "متى بيدخل؟"
مطلق وهو يضبط عقاله: "دحين... دحين، استر علينا بس."
+
رزان طلعت وهي منزلة راسها، تمشي بخطوات سريعة. أول ما طلعت من المجلس، لقت منيرة وغرام. منيرة مدت يدها تمسكها:
– "تعالي ي بنتي، شوي بس أكلمك."
رزان ما حتى عطتها فرصة، هزت راسها وهي تقول: "مقدر، معلش."
وبسرعة ركضت، و فستانها يرفرف ودموعها تطيح على خدودها.
+
دخلت المطبخ، البنات كانوا واقفين حوالين الطاولة، جوري كانت ماسكة السكين وتقطع تفاح، عيونها أول ما شافت رزان دموعها، رمت السكين على الطاولة وقالت:
– "خلاص خلاص، أنا بلحقها، م عليكم."
+
ركضت وراها، لحقت عليها وهي قاعدة على طرف السرير في غرفة جانبية، دموعها تنزل بغزارة، أنفاسها متقطعة. جوري قربت منها وجلست قدامها:
– "هدي يا رزان... تكفين، وش فيك؟"
رزان انفجرت:
– "ولله تعبت... يكفي... يكفي، أنا إنسانة، أبي أحد يفهمني."
جوري مدت يدها وحضنتها بقوة:
– "يا قلبي عليك... لعلها خيره، لا تخافين، ربك بيختار لك الأحسن، ترى الدنيا ما وقفت، وكل شي بيتعدل... حتى لو الحين شايفته صعب."
رزان بكت أكثر، صوتها اختنق:
– "ما أبي أحد يجبرني، ما أبي أعيش مع واحد ما أعرفه."
جوري تمسح على راسها:
– "يمكن هو زين، يمكن ربي كاتب لك معه خير ما تتوقعينه، صدقيني الأيام تكشف لك... أنا معاك لين آخر نفس، ما راح أتركك."
+
رزان دموعها ما وقفت، لين النوم غلبها وهي بحضن جوري. جوري سحبت بطانية وغتتها، قبلت راسها وطلعت بهدوء.
+
برّا، منيرة وقفت قدام جوري:
– "شفيها البنت؟"
جوري بهدوء: "م عليكِ يا عمه... واسيتها، ونامت، خلها ترتاح، عندها صداع، ما نبيها تمرض علينا وقت الملكة."
منيرة هزت راسها وفي صوتها حزن: "طيب... الله يعينها."
+
الجدة سارة دخلت وهي رافعة حاجبها:
– "وش صاير هنا؟"
منيرة مسكت يد أمها:
– "تعالي يا أمي، أحكيلك وش صاير، مدري وش فيها هالبنت."
دخلوا غرفة ثانية، جلست منيرة تحكي الجدة عن اللي صار، والجدة تسمع وهي بين الحزن والاستغراب، تحاول تفهم وش اللي في قلب رزان.
+
في المطبخ، جوري رجعت للبنات، عيونهم عليها:
– "ها؟ وش فيها رزان؟ ليش تبكي؟"
جوري تنهدت: "ولا شي... يمكن توتر قبل الزواج، أنتو تدرون جدي تسرع شوي في الموضوع، بس م عليكم، هي بخير، الحين نايمة."
+
في المجلس، الشيخ دخل ومعه الجد هيثم، والعيال وراهم. جنبه آسر أبو تميم، ومطلق، وسلطان أبو رزان، وسلمان وناصر. جلسوا وكل واحد أخذ مكانه. الشيخ بدأ بكلمته:
– "بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله ونصلي على رسول الله... يا سلطان بن فلان، زوجتك ابنتك رزان بنتك من تميم بن آسر، على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى المهر المسمى بينكم."
سلطان قال بصوت ثابت: "زوجتك إياها، على كتاب الله وسنة رسوله."
الشيخ التفت على تميم: "قبلت الزواج من المذكورة؟"
تميم قال: "قبلت."
+
تصفيق بسيط وضحكات خفيفة، سلطان حضن تميم، الجد هيثم ابتسم وهو يقول: "الله يتمم بخير."
الشيخ سلم وطلع، وبدأت التحضيرات للملكة.
+
بعد كم ساعة، رزان صحيت، البنات حوالينها، يجهزون لها الفستان، المكياج، الإكسسوارات. الجو مليان ريحة العطور. مي دخلت وهي تصرخ:
– "يلا يا بنات، بسرعة، وضحى تعالي معاي."
وضحى وهي تضحك: "وش فيك مستعجلة؟ باقي وقت."
+
التحضيرات كانت على نار، البنات يركضون بين الغرف، وكل وحدة تمسك شي. الساعة ٩:٤٣ الليل، هايف واقف قدام باب البيت، صوته يجلجل:
– "وينكم؟ بسرعة أنتي وياها! من أول وأنا واقف أستناكم!"
ضحكات البنات تتداخل مع صوت خطواتهم وهم يركضون، كل وحدة ترفع فستانها بيد وتسحب عبايتها باليد الثانية، يدخلون السيارة وهم يلهثون من السرعة، والجو كله حماس.
+
و سلطان ابو رزان ينظر بحزن لتجهيزات شنط بنته ما قبل الزواج
+
الليل كان مليان حركة وضحك، وكل أحد يركب سيارته على حسب التوزيع. الجدة سارة والجدة موضي طلعوا مع ناصر، ومعاهم غرام، نجلاء، نور، غزيل، فيصل، هتان، سلطان الصغير، وميار. السيارة كلها سوالف وضحك، والجدتين يعلقون على لبس البنات والعيال، وحدة تقول:
– "هذيك الفستانها طويل زيادة، بخليها ترفعه شوي لا تتعثر."
وغرام من ورا تضحك: "يمه خلّي البنت على راحتها."
+
في سيارة مطلق، الحريم وبزارينهم يضحكون ويتهاوشون على مكان الجلوس، وحدة تقول:
– "تحرك شوي، ضاق صدري."
والبزارين ورا يتناقزون، وكل شوي وحدة تصرخ: "اهدوا يا عيال!"
+
الجد هيثم ركب مع سلمان وآسر وسلطان وبدر ومشعل ومتعب أبو دانة. الجو عندهم ضحك وفلة، متعب يقول:
– "ترى أنا جاي بس عشان أشوف رقصة تميم."
سلمان يضحك: "تحلم، بيكسر الدنيا الليلة."
+
أما سيارة هايف، فكانت مليانة طاقة. مي، رغد، حصة، ورد، جوري، ودانة. جوري ماسكة عبايتها وتقول:
– "هايف شوي شوي، لا تطير بنا!"
هايف يرد وهو يضحك: "عادي، أنتو بنات خفيفة دم، تستحملون."
+
تميم ورزان في سيارتهم وراهم، الجو بينهم هادي، ما في أي كلام، بس كل واحد منهم في عالمه الخاص، رزان تحاول تشتت نفسها وتطالع في الشارع، تميم يشيك على الطريق بين فترة وفترة.
+
وصلوا القاعة، الكل بدأ ينزل ويتفرق. الحريم يروحون للمدخل الخاص، والرجال للجهة الثانية. الأصوات عالية، والقاعة مليانة نور وزينة، والذبايح تدخل وتطلع، صحون اللحم الكبيرة تتوزع، واحد يقول:
– "هاتوا المرق هني!"
والثاني يرد: "اصبر، هذا للجد هيثم."
+
في قسم الحريم، رزان جالسة فوق، معاها منيرة وجوري. منيرة ما ضيعت وقت:
– "شوفي يا بنتي... الزواج مسؤولية، مو بس فستان ومكياج، زوجك له حق عليك."
رزان تهز راسها وتبتسم ابتسامة مجاملة، وهي جواها تقول: اليوم هذا ماراح أفسده بالدموع، لازم أعيش اللحظة.
+
في قسم الرجال، الأغاني شغالة على أعلى صوت، تميم وسط العيال، يرقص ويهز كتوفه، الكل يصفر ويشجع. الجد هيثم جالس في كرسيه، يضيق عيونه ويناظر تميم:
– "ها، وش قلت لكم؟ شوفوا كيف فرحان."
آسر يلتفت عليه وهو يضحك: "يا جدي، هو تزوج... وأول ليلة ما تتكرر بالعمر، تبغاه يجلس زعلان؟"
سلطان يضحك: "عاد مدري وش فيه، خلوني أقوم أرقص معه بس." ويقوم وسط الصياح والهتافات.
+
الجو مولع، حلقة ورقصة شعبية، والصفوف تهتز على الإيقاع.
+
رجعوا لرزان، وهي حاطة في بالها عهد إنها ما تبين حزنها. لما جاء وقت الزفة، تميم دخل معاها، والأصوات علت: "إلف الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله محمد!" والزغاريد تملأ القاعة. منيرة، الجدة سارة، جوري، وغرام، دموعهم تنزل وهم يشوفون بنتهم وصديقتهم وولدهم.
+
رزان كانت مرتبكة، بس تميم شد يدها شوي، كأنه يقول لها: أنا هنا. جلسوا في الكوشة، الفلاشات تلمع، وكل واحد يصور لحظته.
+
الملكة خلصت، الناس بدأوا ينقصون، سلطان قرب من رزان، مسك يدها وسلمها في يد تميم، ودمعته بعينه:
– "سلمتك روحي، وقطعة من قلبي... اهتم فيها، وحطها بين رمشك وعينك يا ولدي."
تميم هز راسه: "على خشمي."
+
الدموع ما وقفت، بس الجو كان مليان حب ودعوات. تميم ورزان طلعوا من القاعة، ركبوا السيارة، وبينهم صمت ثقيل، كل واحد غارق في أفكاره، والليل يلفهم بسكونه.
+
الليل ينسدل على الديرة بهدوء، كأنه يلملم أصوات الفرح والزغاريد ويحطها في صندوق أسرار، صندوق ما يفتحه إلا قلبين تحت سقف واحد. السيارة تمشي على مهل، وأضواء الشوارع تتراقص على وجوههم، ما بينهم إلا صمت... صمت فيه ألف شعور، وألف سؤال ما لقى جواب.
+
رزان تطالع النافذة، والليل يسحب نفسه بهدوء، وكأنه يفسح المجال لبداية ما كانت تحلم فيها ولا حتى تخافها. تميم يمد يده، يلمس يدها بخفة، لمسة تشبه وعد، وعد إن الحياة الجديدة اللي قدامهم ما تكون إلا حنايا أمان.
+
وصلوا... الباب انفتح، والبيت كان كأنه ميراث قديم مليان تفاصيل تنتظر من يحييها. سقف واحد صار يجمعهم، وساعة جديدة دقت، ومعها انفتح باب جديد في قلوبهم، يفتح معاه أسرار وخب جديد.
+
الليل مشى، وسحب نفسه... وخلّى لهم بداية ملكة حقيقية، مو بس في قاعة، لكن في حياة كاملة تنتظرهم.
+
رزان وقفت عند باب غرفتها... أو يمكن غرفته... أو يمكن غرفتهم. تميم وقف وراها، ما قال شي، بس عيونه كانت تكمل الكلام اللي ما قدر ينطقه.
+
هنا، الحياة الجديدة بدأت... مثل ميراث ثقيل ما تعرف تفرح فيه أو تخاف منه. ومع كل نفس، كان في حنايا أمان تنبني، وأبواب حديد تنفتح على أسرار ما أحد يعرفها إلا هم.
+
"يا ليت ما بين المحبة وسيّان
سقفٍ يلمّ الحلم والحب في آن"
+
"الحنايا ما تموت، حتى لو ضاق الزمان
ولا يبرد دفوها، لو تغيّر فينا الحنان
سقفنا ما هو جدار.. سقفنا عهد وأمان
يجمع الحب والوجع.. وتبقى الحنايا عنوان"
+
يتبع.........
+
