رواية دوبلير الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة علي
الفصل الثامن.
طوقت قوات الشرطة غرفة الفندق، كما تواجد بعض من رجال الطب الشرعي داخلها في محاولة لكشف ملابسات الحادث الذي كانت جميع دلالاته تؤكد أنه حادث انتحار مجهول الدوافع والأسباب. تنهد وكيل النائب العام بأسى وهو يلتفت نحو "أمجد" المستكين كليًا بأحد أركان الغرفة مرددًا بمواساة :
- البقاء لله يا أستاذ "أمجد".. المعاينة المبدئية بتقول إنها عملية انتحار، ومفيش أي شبهة جنائية، بس الغريب ليه عروسة تنتحر ليلة فرحها؟!.. في عز ما هي فرحانة ومبسوطة إنها هتتجوز الإنسان اللي حبيته تقتل فرحتها وفرحته وتنتحر!.. مش غريبة دي شوية؟
ربت "أكمل" على كتف الوكيل بعرفان وهو يرمق شقيقه الذي كان معهم بجسده فقط، أما عقله وقلبه فكان بمكان آخر تمامًا، ومع أُناس أُخَّرين. التفت الوكيل له بملامحه العابسة مرددًا بحزن :
- البقاء لله.
أجابه "أكمل" بحركة خفيفة من رأسه تبعتها كلماته المطعونة بخنجر الصدمة:
- ونعم بالله.. ليا رجاء عند حضرتك.. تصريح الدفن.
تنهد الوكيل بقوة مرددًا بأسف :
- للأسف مش هنقدر نطلعه غير بكرا، ومن هنا لوقتها الجثة هتكون في التلاجة.
ما أن تسللت تلك الكلمة إلى مسامعه ممزوجة بصوت سحاب هذا الغلاف البلاستيكي الذي أُسدل آخر أستاره على صفحة وجهها الشاحبة خطوطها، لتهب جميع حواسه وتستنفر وهو ينتفض كليث كاسر راكضًا نحو فريسته ينقض عليها، يحتضنها بقوة صارخًا وهو منكبًا على جسدها بجسده المتيبسة أعصابه :
- لأ.. محدش هياخدها مني.. ابعدوا عنها.. يا "نيللي".. آه.
انسدلت أدمع شقيقه بوجع ينخر روحه وهو يقترب منه ضامًا إياه إلى صدره بقوة مرددًا بتوسل :
- سيبها يا حبيبي.. لازم ترتاح. وبعدين اجمد عشان عمك ومرات عمك اللي في دنيا تانية دول.. وقبل كل ده عشان خاطر "نيللي".. حبيبتك.
تحجرت العبرات بمُقله وهي يستقيم بجلسته محررًا إياها، شاردًا بجسدها الذي بدأ يغيب عن أنظاره رويدًا رويدًا، لتعتصر تلك القبضة الجحيمية قلبه بلا شفقة وتُعيده إلى أرض الواقع الذي بات مُثلجًا دونها.
كانت "داليدا" بغرفتها تجلس بطرف الفراش أمام حاسوبها تتابع خلاله عملها بتركيز ومهارة، لتتنهد بقوة وهي ترفع أنظارها قليلًا ضاغطةً أعلى أنفها بإصبعيها برفق في محاولة لضبط الرؤية. التفتت جوارها تبحث عن جوالها تلتقطه باحثة عن أي رسالة منه، لتجد رسائلها قد قُرئت بلا إجابة. جمعت خصلاتها خلف أذنها وهي تخط بأناملها رسالة أخرى تُرسلها له، لكن لا جواب ولا إشارة بالوصول، ضيقت أحداقها بتعجب وهي تقلب شفتها لأسفل مغمغمة :
-ده إيه ده بقا؟!.. هو قافل فونه ولا إيه؟.. طب هعمل إيه في الحوار ده المدير مش هيستنى أكتر من كده .
ورفعت أنظارها نحو ساعة الهاتف تتفقدها لتجد الوقت المتفق عليه قد مضى منذ قرابة الساعة، لتزفر زفرة قوية بقرار صارم وهي تضغط زر الإرسال مرددة بثبات :
- خليه يحتفظ بالإجابة لنفسه بقا، إحنا مش أطفال هنلعب سوا، بني آدم مش قد المسئولية أساسًا.
ولج إليها والدها متعجبًا وهو يغمغم بابتسامة واسعة :
- مين بس اللي مزعل الجميل؟
أغلقت حاسوبها وأوضعته جوارها وهي تغمغم بتذمر طفولي :
- ده واحد كده كان المفروض أعمل معاه شغل للمجلة.
جلس والدها قُبالتها وهو يرمقها بحنو مرددًا :
- وبعدين؟
حركت رأسها بحنق وهي تردد بحدة :
- حاولت أعمل معاه الانترڨيو وكل مرة تطلع حاجة تبوظها، بعت له واتساب باقي الأسئلة شافها ومردش.
تنهد "عز الدين" تنهيدة هادئة وهو يطوفها بنظراته الحانية لعدة ثوانٍ قليلة قبل أن تهز هي رأسها بفضول، فيتمتم هو بسعادة أكبر :
- كل سنة وانتي طيبة يا قلب بابا.. النهارده عيد ميلادك.
رفعت هاتفها تتفقد ساعته ثانية، لتجدها قد تخطت الثانية عشر صباحًا، اتسعت ابتسامتها سعادة تضاعفت ما أن تسلل إلى مسامعها صوت توأمها وشِقها الثاني والذي هتف بتذمر طفولي مصطنع :
- طب وأنا يا والدي؟
اتجهت الأنظار نحو "عبد الرحمن" الذي تحول تذمره الطفولي إلى ابتسامة سعادة وفرحة حينما وجدها تركض إليه دافعة جسدها بين ذراعيه باحتضان قوي هاتفة :
- كل سنة وانت طيب يا "بودي".
شدد من احتضان شقيقته للحظات وهو يمسد على خصلاتها المنسدلة بحنو متمتمًا بخفوت :
- كل سنة وانتي طيبة يا قلب "بودي".
ابتعدت عنه قليلًا وهي ترمقه بنصف عين مغمغمة بمشاكسة :
- طب ما تعلي صوتك في "بودي" كده عشان أسمعها كويس.
ضغط أذنها برفق فمالت مع اتجاه يده متأوهة بمبالغة وهو يردد بصرامة وتحذير :
- بذمتك فيه نقيب شرطة محترم وقد الدنيا يتقاله "بودي"؟.. عارفة لو سمعتك تاني بتقولي "بودي" دي هعمل فيكي إيه؟
تعالت تأوهاتها تدريجيًا وهي تستنجد بوالدها هاتفة باستجداء :
- ودني.. ودني.. الحقني يا بابا.
طوف والدهما أبنائه بسعادة وهو يفكر في طريقة لإخبارهما بأمر مرض والدتهما وتوسلها لرؤيتهما فربما تكون الأخيرة، ليتنهد بقوة وهو يخطو نحوهما فاتحًا ذراعيه بسعادة، ليندفعا نحوه كطفلين صغيرين متعلقين به بقوة وهو يردد بدعاء :
- ربنا يسعدكم يا رب، وتكون سنة سعيدة وأطمن عليكم كل واحد في بيته.
خرجت من أحضانه وهي تقلب شفتها السفلية قبل أن تهتف مسترسلة:
- أنا مش هسيبك خالص على فكرة، ولو اتجوزت هعيش معاك هنا، في أوضتي دي.
كذلك خطى "عبد الرحمن" نحو والده يحاوط كتفيه بذراعه وهو يطبع قبلة تقدير واحترام على رأسه مرددًا :
- وأنا كمان يا سيادة المفتش، هتجوز في أوضتي.. وأهو أوفر فلوس الشقة، بس إدعيلي بس ألاقي عروسة أصيلة وتستاهل.
لمعت دمعة شجية بأحداق والده وهو يطوف معالم وجهه بتردد كبير مغمغمًا :
- إن شاء الله يا ابني.
قرأ "عبد الرحمن" توتر وارتباك والده، ليلتقط كفه بين كفيه بحنو مرددًا
-مالك يا حبيبي.. قلقان ليه؟
ازدرد "عز الدين" ريقه بتلعثم يربت على يد ابنه بحنو متجهًا صوب مكتب ابنته وهو يوليهم ظهره مرددًا :
- أمك يا ابني.
اشتعل غضب "داليدا" وثارت ثورتها وهي تهرول نحو والدها هاتفة بحدة :
- تاني يا بابا.. تاني هتجيب سيرة الست دي!
التفت والدهم نحوهم وقد ارتدى لباس القوة مرددة بعتاب :
- الست دي أمكم، وليها حق عليكم.
كانت معالم وجهه وقسماته تُحارب بعضها بضراوة شاعله نيرانها بأحداقه براكين، ليردد بجمود صاكًا أسنانه :
- مش أمنا، ولا ليها حق علينا.
اقترب والدهم منهم كثيرًا وهو يردد بصرامة حادة :
- لأ أمكم.. وافقتوا أو رفضتوا هتفضل أمكم.. وهي دلوقتي على فراش الموت ومحتاجة تشوفكم، وأظن ده أبسط حقوقها.
اشتعلت نيران "عبد الرحمن" وتأججت كثيرًا، ليشهر سبابته للمرة الأولى في وجه والده مغمغمًا :
- ما لهاش حقوق عندنا.. اللي تتخلى عن واجباتها عشان نزواتها يبقى ملهاش حقوق.
اشتعل الغضب بأعين "عز الدين" ورفع يده يصفع وجنة ابنه لولا سيطرته عليها باللحظة الأخيرة، إلا أنه فشل في السيطرة على صوته الذي تحرر صائحًا :
- اوعى تفكر تعيد الكلمة دي تاني، أمك ست شريفة ومحترمة، معملتش حاجة حرام، والطلاق ده ربنا شرعه.. وأظن كده أفضل ما كانت تعيش معايا وهي مش حابه العيشة ولا حباني، وبعدين ما حقها إنها تتجوز وده برضه شرع ربنا، كوني إني رفضت الجواز وفضلت أعيش ليكم مش معناه إني أحسن منها، بالعكس.. ممكن تكون هي عند ربنا أحسن مني بكتير.
وهدأت نبرته قليلًا، كما لانت قسماته أكثر وهو يردد بشفقة لحال أبنائه :
- ربنا خلقنا قدرات، وكل واحد فينا قدرته تختلف عن التاني، فيه ناس تقدر تعيش من غير جواز أو حب، وفيه ناس ما تقدرش تعيش كده.. ربنا له حكم في خلقه يا ابني.
هتف به "عبد الرحمن" ساخرًا :
- حق مين يا والدي، وإحنا حقوقنا كانت فين لما كنا خمس سنين ومحتاجين أم تطبطب وتضم، أم تحضن وتكبر، أم تدفي و تغطي.. حقوقنا فين يا بابا؟.. وبعدين إيه الصح لما أكون مآمن لشريكة حياتي ومديها عمري وكل أحلامي إننا هنكبر سوا.. إننا هنربي عيالنا ونفرح بيهم سوا، وفجأة ألاقيها تقولي آسفة مش هقدر أكمل.. ألاقيها تطعني في ضهري بكل برود وأنانية!.. لما تسيبي في وسط الطريق يبقى أحترمها ليه يا بابا؟ .. الست دي ملهاش أي حقوق عندنا، ولو حتى ماتت مش هدعيلها ولا هقرأ عليها الفاتحة.. بعد إذن حضرتك.
وهرول مغادرًا الغرفة تحت أنظار والده المتألمة وأخته التي نهش قلبها وحش ذكريات مريرة.
طوقت قوات الشرطة غرفة الفندق، كما تواجد بعض من رجال الطب الشرعي داخلها في محاولة لكشف ملابسات الحادث الذي كانت جميع دلالاته تؤكد أنه حادث انتحار مجهول الدوافع والأسباب. تنهد وكيل النائب العام بأسى وهو يلتفت نحو "أمجد" المستكين كليًا بأحد أركان الغرفة مرددًا بمواساة :
- البقاء لله يا أستاذ "أمجد".. المعاينة المبدئية بتقول إنها عملية انتحار، ومفيش أي شبهة جنائية، بس الغريب ليه عروسة تنتحر ليلة فرحها؟!.. في عز ما هي فرحانة ومبسوطة إنها هتتجوز الإنسان اللي حبيته تقتل فرحتها وفرحته وتنتحر!.. مش غريبة دي شوية؟
ربت "أكمل" على كتف الوكيل بعرفان وهو يرمق شقيقه الذي كان معهم بجسده فقط، أما عقله وقلبه فكان بمكان آخر تمامًا، ومع أُناس أُخَّرين. التفت الوكيل له بملامحه العابسة مرددًا بحزن :
- البقاء لله.
أجابه "أكمل" بحركة خفيفة من رأسه تبعتها كلماته المطعونة بخنجر الصدمة:
- ونعم بالله.. ليا رجاء عند حضرتك.. تصريح الدفن.
تنهد الوكيل بقوة مرددًا بأسف :
- للأسف مش هنقدر نطلعه غير بكرا، ومن هنا لوقتها الجثة هتكون في التلاجة.
ما أن تسللت تلك الكلمة إلى مسامعه ممزوجة بصوت سحاب هذا الغلاف البلاستيكي الذي أُسدل آخر أستاره على صفحة وجهها الشاحبة خطوطها، لتهب جميع حواسه وتستنفر وهو ينتفض كليث كاسر راكضًا نحو فريسته ينقض عليها، يحتضنها بقوة صارخًا وهو منكبًا على جسدها بجسده المتيبسة أعصابه :
- لأ.. محدش هياخدها مني.. ابعدوا عنها.. يا "نيللي".. آه.
انسدلت أدمع شقيقه بوجع ينخر روحه وهو يقترب منه ضامًا إياه إلى صدره بقوة مرددًا بتوسل :
- سيبها يا حبيبي.. لازم ترتاح. وبعدين اجمد عشان عمك ومرات عمك اللي في دنيا تانية دول.. وقبل كل ده عشان خاطر "نيللي".. حبيبتك.
تحجرت العبرات بمُقله وهي يستقيم بجلسته محررًا إياها، شاردًا بجسدها الذي بدأ يغيب عن أنظاره رويدًا رويدًا، لتعتصر تلك القبضة الجحيمية قلبه بلا شفقة وتُعيده إلى أرض الواقع الذي بات مُثلجًا دونها.
كانت "داليدا" بغرفتها تجلس بطرف الفراش أمام حاسوبها تتابع خلاله عملها بتركيز ومهارة، لتتنهد بقوة وهي ترفع أنظارها قليلًا ضاغطةً أعلى أنفها بإصبعيها برفق في محاولة لضبط الرؤية. التفتت جوارها تبحث عن جوالها تلتقطه باحثة عن أي رسالة منه، لتجد رسائلها قد قُرئت بلا إجابة. جمعت خصلاتها خلف أذنها وهي تخط بأناملها رسالة أخرى تُرسلها له، لكن لا جواب ولا إشارة بالوصول، ضيقت أحداقها بتعجب وهي تقلب شفتها لأسفل مغمغمة :
-ده إيه ده بقا؟!.. هو قافل فونه ولا إيه؟.. طب هعمل إيه في الحوار ده المدير مش هيستنى أكتر من كده .
ورفعت أنظارها نحو ساعة الهاتف تتفقدها لتجد الوقت المتفق عليه قد مضى منذ قرابة الساعة، لتزفر زفرة قوية بقرار صارم وهي تضغط زر الإرسال مرددة بثبات :
- خليه يحتفظ بالإجابة لنفسه بقا، إحنا مش أطفال هنلعب سوا، بني آدم مش قد المسئولية أساسًا.
ولج إليها والدها متعجبًا وهو يغمغم بابتسامة واسعة :
- مين بس اللي مزعل الجميل؟
أغلقت حاسوبها وأوضعته جوارها وهي تغمغم بتذمر طفولي :
- ده واحد كده كان المفروض أعمل معاه شغل للمجلة.
جلس والدها قُبالتها وهو يرمقها بحنو مرددًا :
- وبعدين؟
حركت رأسها بحنق وهي تردد بحدة :
- حاولت أعمل معاه الانترڨيو وكل مرة تطلع حاجة تبوظها، بعت له واتساب باقي الأسئلة شافها ومردش.
تنهد "عز الدين" تنهيدة هادئة وهو يطوفها بنظراته الحانية لعدة ثوانٍ قليلة قبل أن تهز هي رأسها بفضول، فيتمتم هو بسعادة أكبر :
- كل سنة وانتي طيبة يا قلب بابا.. النهارده عيد ميلادك.
رفعت هاتفها تتفقد ساعته ثانية، لتجدها قد تخطت الثانية عشر صباحًا، اتسعت ابتسامتها سعادة تضاعفت ما أن تسلل إلى مسامعها صوت توأمها وشِقها الثاني والذي هتف بتذمر طفولي مصطنع :
- طب وأنا يا والدي؟
اتجهت الأنظار نحو "عبد الرحمن" الذي تحول تذمره الطفولي إلى ابتسامة سعادة وفرحة حينما وجدها تركض إليه دافعة جسدها بين ذراعيه باحتضان قوي هاتفة :
- كل سنة وانت طيب يا "بودي".
شدد من احتضان شقيقته للحظات وهو يمسد على خصلاتها المنسدلة بحنو متمتمًا بخفوت :
- كل سنة وانتي طيبة يا قلب "بودي".
ابتعدت عنه قليلًا وهي ترمقه بنصف عين مغمغمة بمشاكسة :
- طب ما تعلي صوتك في "بودي" كده عشان أسمعها كويس.
ضغط أذنها برفق فمالت مع اتجاه يده متأوهة بمبالغة وهو يردد بصرامة وتحذير :
- بذمتك فيه نقيب شرطة محترم وقد الدنيا يتقاله "بودي"؟.. عارفة لو سمعتك تاني بتقولي "بودي" دي هعمل فيكي إيه؟
تعالت تأوهاتها تدريجيًا وهي تستنجد بوالدها هاتفة باستجداء :
- ودني.. ودني.. الحقني يا بابا.
طوف والدهما أبنائه بسعادة وهو يفكر في طريقة لإخبارهما بأمر مرض والدتهما وتوسلها لرؤيتهما فربما تكون الأخيرة، ليتنهد بقوة وهو يخطو نحوهما فاتحًا ذراعيه بسعادة، ليندفعا نحوه كطفلين صغيرين متعلقين به بقوة وهو يردد بدعاء :
- ربنا يسعدكم يا رب، وتكون سنة سعيدة وأطمن عليكم كل واحد في بيته.
خرجت من أحضانه وهي تقلب شفتها السفلية قبل أن تهتف مسترسلة:
- أنا مش هسيبك خالص على فكرة، ولو اتجوزت هعيش معاك هنا، في أوضتي دي.
كذلك خطى "عبد الرحمن" نحو والده يحاوط كتفيه بذراعه وهو يطبع قبلة تقدير واحترام على رأسه مرددًا :
- وأنا كمان يا سيادة المفتش، هتجوز في أوضتي.. وأهو أوفر فلوس الشقة، بس إدعيلي بس ألاقي عروسة أصيلة وتستاهل.
لمعت دمعة شجية بأحداق والده وهو يطوف معالم وجهه بتردد كبير مغمغمًا :
- إن شاء الله يا ابني.
قرأ "عبد الرحمن" توتر وارتباك والده، ليلتقط كفه بين كفيه بحنو مرددًا
-مالك يا حبيبي.. قلقان ليه؟
ازدرد "عز الدين" ريقه بتلعثم يربت على يد ابنه بحنو متجهًا صوب مكتب ابنته وهو يوليهم ظهره مرددًا :
- أمك يا ابني.
اشتعل غضب "داليدا" وثارت ثورتها وهي تهرول نحو والدها هاتفة بحدة :
- تاني يا بابا.. تاني هتجيب سيرة الست دي!
التفت والدهم نحوهم وقد ارتدى لباس القوة مرددة بعتاب :
- الست دي أمكم، وليها حق عليكم.
كانت معالم وجهه وقسماته تُحارب بعضها بضراوة شاعله نيرانها بأحداقه براكين، ليردد بجمود صاكًا أسنانه :
- مش أمنا، ولا ليها حق علينا.
اقترب والدهم منهم كثيرًا وهو يردد بصرامة حادة :
- لأ أمكم.. وافقتوا أو رفضتوا هتفضل أمكم.. وهي دلوقتي على فراش الموت ومحتاجة تشوفكم، وأظن ده أبسط حقوقها.
اشتعلت نيران "عبد الرحمن" وتأججت كثيرًا، ليشهر سبابته للمرة الأولى في وجه والده مغمغمًا :
- ما لهاش حقوق عندنا.. اللي تتخلى عن واجباتها عشان نزواتها يبقى ملهاش حقوق.
اشتعل الغضب بأعين "عز الدين" ورفع يده يصفع وجنة ابنه لولا سيطرته عليها باللحظة الأخيرة، إلا أنه فشل في السيطرة على صوته الذي تحرر صائحًا :
- اوعى تفكر تعيد الكلمة دي تاني، أمك ست شريفة ومحترمة، معملتش حاجة حرام، والطلاق ده ربنا شرعه.. وأظن كده أفضل ما كانت تعيش معايا وهي مش حابه العيشة ولا حباني، وبعدين ما حقها إنها تتجوز وده برضه شرع ربنا، كوني إني رفضت الجواز وفضلت أعيش ليكم مش معناه إني أحسن منها، بالعكس.. ممكن تكون هي عند ربنا أحسن مني بكتير.
وهدأت نبرته قليلًا، كما لانت قسماته أكثر وهو يردد بشفقة لحال أبنائه :
- ربنا خلقنا قدرات، وكل واحد فينا قدرته تختلف عن التاني، فيه ناس تقدر تعيش من غير جواز أو حب، وفيه ناس ما تقدرش تعيش كده.. ربنا له حكم في خلقه يا ابني.
هتف به "عبد الرحمن" ساخرًا :
- حق مين يا والدي، وإحنا حقوقنا كانت فين لما كنا خمس سنين ومحتاجين أم تطبطب وتضم، أم تحضن وتكبر، أم تدفي و تغطي.. حقوقنا فين يا بابا؟.. وبعدين إيه الصح لما أكون مآمن لشريكة حياتي ومديها عمري وكل أحلامي إننا هنكبر سوا.. إننا هنربي عيالنا ونفرح بيهم سوا، وفجأة ألاقيها تقولي آسفة مش هقدر أكمل.. ألاقيها تطعني في ضهري بكل برود وأنانية!.. لما تسيبي في وسط الطريق يبقى أحترمها ليه يا بابا؟ .. الست دي ملهاش أي حقوق عندنا، ولو حتى ماتت مش هدعيلها ولا هقرأ عليها الفاتحة.. بعد إذن حضرتك.
وهرول مغادرًا الغرفة تحت أنظار والده المتألمة وأخته التي نهش قلبها وحش ذكريات مريرة.
