رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل السابع 7 بقلم ملك علي
7= البارت السابع سحر عينيه السوداوين 
************************************************
بعد خمسة أشهر
" ملك حبيبتي جهزي نفسك , ستسافرين بعد أسبوع الى دبي , لتمثيل الجمعية في حفل يقام هناك "
قالت عدراء على طاولة الافطار بهدوء , و لكن ملك فزعت مما سمعته من والدتها شحب وجهها و اتسعت عيناها
" ماذا ؟ دبي ؟ أنا لا أعرف أحدا هناك ,
ثم أنا مشغولة جدا , امتحان الانتقال بعد شهرين ,
ما الذي سأفعله هناك ؟ أرسلي عضوا آخر من أعضاء الجمعية , أرجوك ماما "
قالت ملك متوسلة و عارضت والدتها بشدة
" غير ممكن , أنت أفضل اختيار لأنك حضرت التقارير السابقة معي , لا أحد أفضل منك ,
ثم دلال وضعت مؤخرا , لا تستطيع الذهاب و ترك رضيعها ,
و لا داعي للقلق , صاحب الفندق من دعانا بنفسه سيتكفلون بكل الأمور "
طبعا والدتها كانت تكذب , لأن بامكانها ارسال آخرين أو الذهاب بنفسها ,
لكنها وصلت حد اليأس لاقناع ابنتها , بأن ترتاح قليلا و تستمتع كقريناتها
كل وقتها للعمل و الدراسة , تقصد المستشفى حتى خارج ساعات الدوام لرؤية مرضاها ,
تناوب أحيانا عشر مرات شهريا , لدرجة أن تصل مناوبة بأخرى دون تردد ,
و تتغيب لأكثر من ثمان و أربعين ساعة عن المنزل في أيام كثيرة ,
لا تنام أكثر من خمس ساعات يوميا , و لا تتناول وجباتها بانتظام
و ما زاد الطين بلة قرب امتحان الانتقال , يعني أن فترة الاعتكاف على الأبواب ,
و هي الآن صارت قلقة عليها من أن تنهار نفسيا و تفقدها , لذلك وضعتها أمام الأمر الواقع .
" أنا فعلا مشغولة ماما , لدي الكثير من الالتزامات , أنا لا أستطيع الذهاب الآن أرجوك اعفني من السفر "
استمرت ملك في التملص من الأمر متوسلة , لكن والدتها كانت أكثر اصرارا
" لا أنت لم تأخذي عطلة منذ سنتين , اعتبريها استراحة تمهيدا للامتحان "
اعترضت ملك بسرعة
" لكنني ذهبت في ابريل الماضي الى المغرب "
استاءت والدتها من استمرارها في الجدال وضعت فنجانها من يدها و حدقت اليها بنظرة زاجرة
" فعلا تتحدثين عن رحلة المغرب ؟
ذهبت لثلاثة أيام لحضور مؤتمر طبي , و لم تغادري قاعة المحاضرات للحظة تسمين تلك عطلة ؟
انتهى النقاش ملك ستذهبين يعني ستذهبين ,
أصلا أخذت جواز سفرك , أنهيت المعاملات و حجزت تذكرة ذهاب و عودة بعد عشرة أيام ,
حتى أنني أرسلت اسمك كممثلة عنا , لا داعي للاعتراض "
صدمت ملك للمعلومة الاضافية التي أتحفتها بها والدتها
" يا الهي ماما , عشرة أيام كاملة أليس كثيرا ؟
لم ليست أربعة أيام فقط ؟ "
نهرتها والدتها بنظرة قوية
" قلت عشرة أيام و انتهى , أنه فطورك تأخر الوقت ,
و لا تنسي أن تقدمي طلب عطلة "
و لم تجد بعدها ملك الا الانصياع لأوامر والدتها بكثير من التأفف
بعد أسبوع كانت ملك قد أنهت ترتيباتها , مررت التزاماتها الى زميلاتها , و أخذت عطلة لتتمكن من التغيب ,
يوم الرحلة اصطحبها والداها الى المطار لتوديعها , و بعد منشور من النصائح ركبت أخيرا الطائرة .
بعد ساعات من الطيران , وصلت ملك الى وجهتها دبي مدينة الاضواء ,
بعد انهاء أوراقها غادرت المطار , لتجد سيارة مع سائقها في انتظارها , كان مسؤولوا الفندق قد أرسلوها خصيصا لتقلها
كانت ملك ترتدي قميصا مزركشا , مع بنطال أسود بسيط و حذاء مسطح ،
أما شعرها فقد تركته منسدلا مع انحناءات جميلة , و اكتفت بمكياج خفيف أظهر جمال عينيها العسلية ،
كان جمالها أخاذا و منظرها يخطف الأنفاس
كانت التظاهرة عبارة عن تجمع لعدد كبير , من الجمعيات الخيرية عبر العالم باختلاف جنسياتها ,
يلتقون لتبادل الخبرات و التواصل و التعاون فيما بينها ,
يقيمها الفندق سنويا , كنوع من مساهمة صاحبها في الأعمال الخيرية و النشاط الاجتماعي ,
و يهتم بنفسه بتفاصيل التنظيم و لائحة المدعوين , حتى أنه يصر على حضورها شخصيا مهما بلغ انشغاله ,
كما يحضرها عدد هائل من الأثرياء و رجال الأعمال و الساسة , لتقديم دعمهم و تبرعاتهم ,
اضافة الى أن لا فرصة أفضل من هذه للتقرب من علي و تقوية العلاقات معه .
وصلت ملك الى الفندق في الثامنة مساءا , كان الحفل قد انطلق بالفعل ,
استقبلتها مديرة العلاقات العامة للفندق , السيدة أمينة المكلفة بالتحضيرات في البهو ,
بمجرد أن رأتها تعرفت عليها , فقد سبق لها أن حادثتها على الانترنت , لتسوية بعض الترتيبات الخاصة بمشاركتها
" مرحبا آنسة ملك "
دنت منها بابتسامة على وجهها
" مرحبا سيدة أمينة , آسفة على تأخري كان هناك زحمة سير "
أجابت ملك متأسفة , و مدت يدها لتسلم على المرأة
" أعرف ذلك , سبق و أن اتصل بي السائق , لا تقلقي فقط اسرعي بالدخول و الا ألغوا فقرتك "
كانت أمينة سيدة ودودة و بشوشة جدا , لا يمكن للمرء الا أن يشعر بالطمأنينة و الألفة في وجودها ,
همت ملك بالدخول الى القاعة مع حقيبتها لكن المرأة استوقفتها
" ملك دعي أمتعتك هنا , سأضعها في الأمانات و أنهي حجزك ,
بامكانك استلامها لاحقا بعد الحفل , فقط اهتمي بعرضك الآن "
أدركت ملك أنه لم يكن من اللائق أن تدخل الى القاعة مع أمتعتها , و كان عرض أمينة مناسبا جدا , فلم تجد مانعا لقبوله
" شكرا لك "
شكرتها ملك و سلمت لها الحقيبة و جواز السفر , رافقها بعدها أحد الندل الى طاولتها بطلب من أمينة .
بعد جلوسها لعشر دقائق حان وقت تقديم فقرتها ,
اعتلت ملك المنصة و قدمت عرضا مفصلا , مع رسومات بيانية و احصاءات دقيقة ,
و أجابت على بعض أسئلة المتدخلين , كما دونت بعض الملاحظات الهامة
بعد انتهائها مباشرة عادت الى طاولتها , لمتابعة فقرات باقي المشاركين .
في هذه الأثناء عند مدخل الفندق الرئيسي , توقفت سيارة مرسيدس فخمة بنوافذ معتمة ,
نزل سائقها الخمسيني أولا , ثم فتح الباب الخلفي لينزل رجل طويل القامة , يرتدي بدلة رمادية أنيقة مع ربطة عنق
أغلق زر سترته , عدل ساعته الرولكس بعدما حدق فيها ,
ثم خطا بخطوات ثابتة الى داخل الفندق , كانت هيأته توحي بالأبهة و الفخامة .
لاحقه سائقه حاملا حقيبته الخاصة في يده , بمجرد أن لمحته أمينة سارعت لاستقباله بحماس كبير
" مساء الخير سيد علي "
هز علي رأسه دون أن يقول شيئا , و استمرت المرأة في كلامها
" كل شيء جاهز سيدي , كلمتك مبرمجة بعد نصف ساعة , اذا أردت حضرتك بامكاني تأجيلها "
" لا داعي "
قالها بنبرة حازمة مقاطعا اياها
لكن أمينة كانت مستمرة في الابتسام , فقد تعود موظفوه على برودة تعامله و قلة كلامه ,
لا أحد يمكنه التكهن بما يريده هذا الرجل , فالابتسامة على وجهه لا تعني بالضرورة رضاه , فقد تسبق زلزالا مدمرا ,
و غضبه قد يقتصر على نظرة شزراء من عينيه , كما أن هزة من رأسه قد تنهي مستقبل أحدهم
دون أن يعطي المرأة الواقفة أمامه فرصة للاسترسال في الحديث ,
استدار علي الى سائقه , أخذ منه الحقيبة و كلمه بنبرة أقل حدة
" ابراهيم بامكانك المغادرة , لن أعود اليوم "
" تصبح على خير سيدي "
ألقى الرجل التحية باحترام و غادر .
قصد علي جناحه الخاص , وضع أغراضه على عجالة , و نزل مجددا قاصدا قاعة المؤتمرات ,
لالقاء كلمة الترحيب على ضيوفه , هو يحب احترام مواعيده فلكل ثانية قيمتها ,
في طريقه الى هناك , التقى العديد من الوجوه التي يعرفها ,
سلم على بعضهم بكل لباقة دون اطالة , و أكمل طريقه باتجاه مسؤول التنظيم .
وسط حالة الهرج في القاعة , رن هاتف ملك و المتصلة كانت والدتها ,
التي انتظرت أن تتصل بها بعد وصولها , لكنها انشغلت مع العرض و نسيت طمأنتها ,
لذلك و بمجرد أن أعلنت مضيفة الحفل , عن استراحة صغيرة تمهيدا لكلمة ترحيبية مهمة ,
حملت ملك هاتفها و خرجت الى الشرفة بحثا عن مكان هادئ .
في هذه الأثناء قدم علي الى الحضور , بثناء كبير على أعماله و مساهماته الخيرية
" و الآن يشرفنا أن نستقبل راعي المؤتمر , و المشرف على تنظيمه ,
رجل الخير رمز الجود و الكرم , و مثال يحتذى به من شبابنا في النجاح و الريادة ,
و الذي رغم انشغاله الا أنه أبى الا أن يشاركنا تجمعنا هذا ,
أقدم مضيفنا الكريم السيد علي عبد الله الشراد , فلنرحب به بيننا "
بعد انتهاء المضيفة من تقديمه , اعتلى علي المنصة وسط تصفيق حار من الحضور , ابتسم لها و قال
" شكرا "
بصوت خافت , قبل أن تتنحى جانبا تاركة المجال له لقول كلمته .
دنا الرجل من الطاولة , وضع يديه الى جانبي الميكروفون , و حدق في الأرجاء متأملا وجوه ضيوفه ,
خطفت هيبته الأنظار , و ساد صمت مهيب القاعة , و كأنهم وقعوا تحت سحر عينيه السوداوين ,
ابتسم علي مجددا , مظهرا صف اللؤلؤ الأبيض , الذي يذيب القلوب قبل العقول , و بدأ في تقديم كلمته بكل هدوء و رصانة
" سلام عليكم ,
سألني صديق لي مرة , لم أصر على اقامة هذا المؤتمر سنويا ,
فأخبرته أن طبيبي الخاص نصحني , أن رؤية الكثير من الوجوه الجميلة في مكان واحد مفيد للصحة "
صمت لبرهة وسط الهمسات الضاحكة من هنا و هناك , ثم أضاف بصوته الرخيم الواثق
" لكن برؤيتكم اليوم أفكر جديا بتحويلها الى مسابقة للجمال "
قال علي مازحا في ثناء مبطن منه على جمال وجوه الحاضرين , نالت المجاملة اعجابهم , فضحك الجميع و صفقوا مجددا لروحه المرحة
بعد أن ساد الهدوء , استرسل علي في كلمته بجدية ظاهرة
" أنا فخور جدا لوجودي بينكم الليلة , شكرا على تلبيتكم الدعوة لانجاح هذا المؤتمر ,
و ايصال رسالته التي تهدف الى تخفيف آلام المرضى ,
بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو انتماءاتهم , فالألم لا يفرق بينهم , و الانسان هو نفسه في كل مكان ..."
استمر الخطاب لدقيقتين , قبل أن يختتمه علي , و ينزل عن المنصة وسط تصفيق حار ,
بعد أن أسر قلوب النساء و اختطف عقول الرجال
" يا الهي كاد يتوقف قلبي حينما ابتسم "
قالت احدى المشاركات واضعة يدها على قلبها , في اشارة الى تأثرها
" لم أعتقد أنه شاب الى هذه الدرجة , اعتقدته كبيرا في السن "
ردت عليها من تجلس الى جانبها
" يقولون أنه يرعى هذا المؤتمر , تكريما لزوجته المريضة "
تدخلت مشاركة ثالثة
" عن أي زوجة تتحدثين ؟
هو أعزب ثم لا يمكن أن يتزوج هذا الوسيم , دون أن يشاع الخبر في كل مكان ,
الصحافة مهووسة بأخباره أصلا , و اعتقد أنه احتل الصدارة , في استفتاء أكثر العزاب وسامة مؤخرا "
" لكن الشائعات تقول أنه تزوج و طلق أكثر من مرة "
" ها قد قلتها مجرد شائعات , ثم لا يبدو رجلا لعوبا ,
و حتى لو كان كذلك أية مجنونة تلك التي لا تقبل به و لو لنصف يوم "
قالت الأخرى بكل حسرة
" يا الهي , بل قولي من سعيدة الحظ التي ستتزوجه "
في هذه الأثناء كانت ملك قد أنهت مكالمتها , و عادت الى طاولتها حيث شهدت التصفيق , دون أن تعرف من كان يتكلم ,
فقد كان علي قد وصل طاولته , و انظم الى ضيوفه على العشاء
لكنها سمعت تعليقات من يجلسن معها , و اللواتي استمررن في النميمة ,
الا أنها لم تبال كثيرا , و عادت الى دردشتها مع ممثلة جمعية خيرية فرنسية , تنشط في نفس المجال تجلس الى جانبها ,
دون أن تسأل عما فاتها , فهي ليست فضولية بطبعها .
************************************************
بعد خمسة أشهر
" ملك حبيبتي جهزي نفسك , ستسافرين بعد أسبوع الى دبي , لتمثيل الجمعية في حفل يقام هناك "
قالت عدراء على طاولة الافطار بهدوء , و لكن ملك فزعت مما سمعته من والدتها شحب وجهها و اتسعت عيناها
" ماذا ؟ دبي ؟ أنا لا أعرف أحدا هناك ,
ثم أنا مشغولة جدا , امتحان الانتقال بعد شهرين ,
ما الذي سأفعله هناك ؟ أرسلي عضوا آخر من أعضاء الجمعية , أرجوك ماما "
قالت ملك متوسلة و عارضت والدتها بشدة
" غير ممكن , أنت أفضل اختيار لأنك حضرت التقارير السابقة معي , لا أحد أفضل منك ,
ثم دلال وضعت مؤخرا , لا تستطيع الذهاب و ترك رضيعها ,
و لا داعي للقلق , صاحب الفندق من دعانا بنفسه سيتكفلون بكل الأمور "
طبعا والدتها كانت تكذب , لأن بامكانها ارسال آخرين أو الذهاب بنفسها ,
لكنها وصلت حد اليأس لاقناع ابنتها , بأن ترتاح قليلا و تستمتع كقريناتها
كل وقتها للعمل و الدراسة , تقصد المستشفى حتى خارج ساعات الدوام لرؤية مرضاها ,
تناوب أحيانا عشر مرات شهريا , لدرجة أن تصل مناوبة بأخرى دون تردد ,
و تتغيب لأكثر من ثمان و أربعين ساعة عن المنزل في أيام كثيرة ,
لا تنام أكثر من خمس ساعات يوميا , و لا تتناول وجباتها بانتظام
و ما زاد الطين بلة قرب امتحان الانتقال , يعني أن فترة الاعتكاف على الأبواب ,
و هي الآن صارت قلقة عليها من أن تنهار نفسيا و تفقدها , لذلك وضعتها أمام الأمر الواقع .
" أنا فعلا مشغولة ماما , لدي الكثير من الالتزامات , أنا لا أستطيع الذهاب الآن أرجوك اعفني من السفر "
استمرت ملك في التملص من الأمر متوسلة , لكن والدتها كانت أكثر اصرارا
" لا أنت لم تأخذي عطلة منذ سنتين , اعتبريها استراحة تمهيدا للامتحان "
اعترضت ملك بسرعة
" لكنني ذهبت في ابريل الماضي الى المغرب "
استاءت والدتها من استمرارها في الجدال وضعت فنجانها من يدها و حدقت اليها بنظرة زاجرة
" فعلا تتحدثين عن رحلة المغرب ؟
ذهبت لثلاثة أيام لحضور مؤتمر طبي , و لم تغادري قاعة المحاضرات للحظة تسمين تلك عطلة ؟
انتهى النقاش ملك ستذهبين يعني ستذهبين ,
أصلا أخذت جواز سفرك , أنهيت المعاملات و حجزت تذكرة ذهاب و عودة بعد عشرة أيام ,
حتى أنني أرسلت اسمك كممثلة عنا , لا داعي للاعتراض "
صدمت ملك للمعلومة الاضافية التي أتحفتها بها والدتها
" يا الهي ماما , عشرة أيام كاملة أليس كثيرا ؟
لم ليست أربعة أيام فقط ؟ "
نهرتها والدتها بنظرة قوية
" قلت عشرة أيام و انتهى , أنه فطورك تأخر الوقت ,
و لا تنسي أن تقدمي طلب عطلة "
و لم تجد بعدها ملك الا الانصياع لأوامر والدتها بكثير من التأفف
بعد أسبوع كانت ملك قد أنهت ترتيباتها , مررت التزاماتها الى زميلاتها , و أخذت عطلة لتتمكن من التغيب ,
يوم الرحلة اصطحبها والداها الى المطار لتوديعها , و بعد منشور من النصائح ركبت أخيرا الطائرة .
بعد ساعات من الطيران , وصلت ملك الى وجهتها دبي مدينة الاضواء ,
بعد انهاء أوراقها غادرت المطار , لتجد سيارة مع سائقها في انتظارها , كان مسؤولوا الفندق قد أرسلوها خصيصا لتقلها
كانت ملك ترتدي قميصا مزركشا , مع بنطال أسود بسيط و حذاء مسطح ،
أما شعرها فقد تركته منسدلا مع انحناءات جميلة , و اكتفت بمكياج خفيف أظهر جمال عينيها العسلية ،
كان جمالها أخاذا و منظرها يخطف الأنفاس
كانت التظاهرة عبارة عن تجمع لعدد كبير , من الجمعيات الخيرية عبر العالم باختلاف جنسياتها ,
يلتقون لتبادل الخبرات و التواصل و التعاون فيما بينها ,
يقيمها الفندق سنويا , كنوع من مساهمة صاحبها في الأعمال الخيرية و النشاط الاجتماعي ,
و يهتم بنفسه بتفاصيل التنظيم و لائحة المدعوين , حتى أنه يصر على حضورها شخصيا مهما بلغ انشغاله ,
كما يحضرها عدد هائل من الأثرياء و رجال الأعمال و الساسة , لتقديم دعمهم و تبرعاتهم ,
اضافة الى أن لا فرصة أفضل من هذه للتقرب من علي و تقوية العلاقات معه .
وصلت ملك الى الفندق في الثامنة مساءا , كان الحفل قد انطلق بالفعل ,
استقبلتها مديرة العلاقات العامة للفندق , السيدة أمينة المكلفة بالتحضيرات في البهو ,
بمجرد أن رأتها تعرفت عليها , فقد سبق لها أن حادثتها على الانترنت , لتسوية بعض الترتيبات الخاصة بمشاركتها
" مرحبا آنسة ملك "
دنت منها بابتسامة على وجهها
" مرحبا سيدة أمينة , آسفة على تأخري كان هناك زحمة سير "
أجابت ملك متأسفة , و مدت يدها لتسلم على المرأة
" أعرف ذلك , سبق و أن اتصل بي السائق , لا تقلقي فقط اسرعي بالدخول و الا ألغوا فقرتك "
كانت أمينة سيدة ودودة و بشوشة جدا , لا يمكن للمرء الا أن يشعر بالطمأنينة و الألفة في وجودها ,
همت ملك بالدخول الى القاعة مع حقيبتها لكن المرأة استوقفتها
" ملك دعي أمتعتك هنا , سأضعها في الأمانات و أنهي حجزك ,
بامكانك استلامها لاحقا بعد الحفل , فقط اهتمي بعرضك الآن "
أدركت ملك أنه لم يكن من اللائق أن تدخل الى القاعة مع أمتعتها , و كان عرض أمينة مناسبا جدا , فلم تجد مانعا لقبوله
" شكرا لك "
شكرتها ملك و سلمت لها الحقيبة و جواز السفر , رافقها بعدها أحد الندل الى طاولتها بطلب من أمينة .
بعد جلوسها لعشر دقائق حان وقت تقديم فقرتها ,
اعتلت ملك المنصة و قدمت عرضا مفصلا , مع رسومات بيانية و احصاءات دقيقة ,
و أجابت على بعض أسئلة المتدخلين , كما دونت بعض الملاحظات الهامة
بعد انتهائها مباشرة عادت الى طاولتها , لمتابعة فقرات باقي المشاركين .
في هذه الأثناء عند مدخل الفندق الرئيسي , توقفت سيارة مرسيدس فخمة بنوافذ معتمة ,
نزل سائقها الخمسيني أولا , ثم فتح الباب الخلفي لينزل رجل طويل القامة , يرتدي بدلة رمادية أنيقة مع ربطة عنق
أغلق زر سترته , عدل ساعته الرولكس بعدما حدق فيها ,
ثم خطا بخطوات ثابتة الى داخل الفندق , كانت هيأته توحي بالأبهة و الفخامة .
لاحقه سائقه حاملا حقيبته الخاصة في يده , بمجرد أن لمحته أمينة سارعت لاستقباله بحماس كبير
" مساء الخير سيد علي "
هز علي رأسه دون أن يقول شيئا , و استمرت المرأة في كلامها
" كل شيء جاهز سيدي , كلمتك مبرمجة بعد نصف ساعة , اذا أردت حضرتك بامكاني تأجيلها "
" لا داعي "
قالها بنبرة حازمة مقاطعا اياها
لكن أمينة كانت مستمرة في الابتسام , فقد تعود موظفوه على برودة تعامله و قلة كلامه ,
لا أحد يمكنه التكهن بما يريده هذا الرجل , فالابتسامة على وجهه لا تعني بالضرورة رضاه , فقد تسبق زلزالا مدمرا ,
و غضبه قد يقتصر على نظرة شزراء من عينيه , كما أن هزة من رأسه قد تنهي مستقبل أحدهم
دون أن يعطي المرأة الواقفة أمامه فرصة للاسترسال في الحديث ,
استدار علي الى سائقه , أخذ منه الحقيبة و كلمه بنبرة أقل حدة
" ابراهيم بامكانك المغادرة , لن أعود اليوم "
" تصبح على خير سيدي "
ألقى الرجل التحية باحترام و غادر .
قصد علي جناحه الخاص , وضع أغراضه على عجالة , و نزل مجددا قاصدا قاعة المؤتمرات ,
لالقاء كلمة الترحيب على ضيوفه , هو يحب احترام مواعيده فلكل ثانية قيمتها ,
في طريقه الى هناك , التقى العديد من الوجوه التي يعرفها ,
سلم على بعضهم بكل لباقة دون اطالة , و أكمل طريقه باتجاه مسؤول التنظيم .
وسط حالة الهرج في القاعة , رن هاتف ملك و المتصلة كانت والدتها ,
التي انتظرت أن تتصل بها بعد وصولها , لكنها انشغلت مع العرض و نسيت طمأنتها ,
لذلك و بمجرد أن أعلنت مضيفة الحفل , عن استراحة صغيرة تمهيدا لكلمة ترحيبية مهمة ,
حملت ملك هاتفها و خرجت الى الشرفة بحثا عن مكان هادئ .
في هذه الأثناء قدم علي الى الحضور , بثناء كبير على أعماله و مساهماته الخيرية
" و الآن يشرفنا أن نستقبل راعي المؤتمر , و المشرف على تنظيمه ,
رجل الخير رمز الجود و الكرم , و مثال يحتذى به من شبابنا في النجاح و الريادة ,
و الذي رغم انشغاله الا أنه أبى الا أن يشاركنا تجمعنا هذا ,
أقدم مضيفنا الكريم السيد علي عبد الله الشراد , فلنرحب به بيننا "
بعد انتهاء المضيفة من تقديمه , اعتلى علي المنصة وسط تصفيق حار من الحضور , ابتسم لها و قال
" شكرا "
بصوت خافت , قبل أن تتنحى جانبا تاركة المجال له لقول كلمته .
دنا الرجل من الطاولة , وضع يديه الى جانبي الميكروفون , و حدق في الأرجاء متأملا وجوه ضيوفه ,
خطفت هيبته الأنظار , و ساد صمت مهيب القاعة , و كأنهم وقعوا تحت سحر عينيه السوداوين ,
ابتسم علي مجددا , مظهرا صف اللؤلؤ الأبيض , الذي يذيب القلوب قبل العقول , و بدأ في تقديم كلمته بكل هدوء و رصانة
" سلام عليكم ,
سألني صديق لي مرة , لم أصر على اقامة هذا المؤتمر سنويا ,
فأخبرته أن طبيبي الخاص نصحني , أن رؤية الكثير من الوجوه الجميلة في مكان واحد مفيد للصحة "
صمت لبرهة وسط الهمسات الضاحكة من هنا و هناك , ثم أضاف بصوته الرخيم الواثق
" لكن برؤيتكم اليوم أفكر جديا بتحويلها الى مسابقة للجمال "
قال علي مازحا في ثناء مبطن منه على جمال وجوه الحاضرين , نالت المجاملة اعجابهم , فضحك الجميع و صفقوا مجددا لروحه المرحة
بعد أن ساد الهدوء , استرسل علي في كلمته بجدية ظاهرة
" أنا فخور جدا لوجودي بينكم الليلة , شكرا على تلبيتكم الدعوة لانجاح هذا المؤتمر ,
و ايصال رسالته التي تهدف الى تخفيف آلام المرضى ,
بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو انتماءاتهم , فالألم لا يفرق بينهم , و الانسان هو نفسه في كل مكان ..."
استمر الخطاب لدقيقتين , قبل أن يختتمه علي , و ينزل عن المنصة وسط تصفيق حار ,
بعد أن أسر قلوب النساء و اختطف عقول الرجال
" يا الهي كاد يتوقف قلبي حينما ابتسم "
قالت احدى المشاركات واضعة يدها على قلبها , في اشارة الى تأثرها
" لم أعتقد أنه شاب الى هذه الدرجة , اعتقدته كبيرا في السن "
ردت عليها من تجلس الى جانبها
" يقولون أنه يرعى هذا المؤتمر , تكريما لزوجته المريضة "
تدخلت مشاركة ثالثة
" عن أي زوجة تتحدثين ؟
هو أعزب ثم لا يمكن أن يتزوج هذا الوسيم , دون أن يشاع الخبر في كل مكان ,
الصحافة مهووسة بأخباره أصلا , و اعتقد أنه احتل الصدارة , في استفتاء أكثر العزاب وسامة مؤخرا "
" لكن الشائعات تقول أنه تزوج و طلق أكثر من مرة "
" ها قد قلتها مجرد شائعات , ثم لا يبدو رجلا لعوبا ,
و حتى لو كان كذلك أية مجنونة تلك التي لا تقبل به و لو لنصف يوم "
قالت الأخرى بكل حسرة
" يا الهي , بل قولي من سعيدة الحظ التي ستتزوجه "
في هذه الأثناء كانت ملك قد أنهت مكالمتها , و عادت الى طاولتها حيث شهدت التصفيق , دون أن تعرف من كان يتكلم ,
فقد كان علي قد وصل طاولته , و انظم الى ضيوفه على العشاء
لكنها سمعت تعليقات من يجلسن معها , و اللواتي استمررن في النميمة ,
الا أنها لم تبال كثيرا , و عادت الى دردشتها مع ممثلة جمعية خيرية فرنسية , تنشط في نفس المجال تجلس الى جانبها ,
دون أن تسأل عما فاتها , فهي ليست فضولية بطبعها .
