رواية دوبلير الفصل السابع 7 بقلم فاطمة علي
الفصل السابع.
كان أمجد بغرفة مكتبه يفتح حاسوبه النقال أمامه وهو يضغط أزراره بسرعة ومهارة واحترافية يكتب أقوى مشاهده بهذه الرواية، مشهد دموي من الطراز الرفيع، مشهد تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان من قساوته، تحفزت جميع خلاياه وتأهبت، نفرت جميع عروقه وتضخمت، جحظت أحداقه وقتمت، تصاعدت أنفاسه وتسارعت، يدق، ويدق وتهرول أمامه الأحرف والكلمات، تتناثر أمامه قطرات الدم وتتطاير الشظايا، تُقتلع الأعين وتُنتزع الأهداب، تأوهات مكتومة، وزفرات مأسورة، حبات عرق تسيل على الجبين منزلقة نحو الأحداق تحرقها وبقوة، تحمل وثابر وهو يعدل من وضعية منظاره الطبي ناهضًا عن مقعده، منحنيًا نحو مكتبه وهو يُزيل تلك القطرات بظهر يده قبل أن يعلو رنين هاتفه الذي وللمرة الأولى في تاريخه الأدبي يسهو عن غلقه، ليفصله هذا الرنين عن حالته الشعورية هذه، وتضيع منه جميع الخيوط التي جاهد لإحكام القبض عليها.
حرر تلك الصرخة المكتومة بجوفه وهو يُطيح بذراعه تلك المزهرية الضخمة التي تزين أحد أركان غرفة مكتبه.
انتصب بجسده بقوة وهو يلكم الحائط أمامه كوحش ثائر لم يهدأ حتى سال الدم من قبضته ملوثًا الحائط أمامه. تنهد بقوة وهو يطبق أجفانه بهدوء ساحبًا نفسًا عميقًا للداخل، محتبسه للحظات طويلة قبل أن يزفره بقوة مع رنين هاتفه ثانية.
استدار بكامل جسده يخطو نحو طاولة مكتبه متخطيًا حُطام المزهرية قبل أن يلتقط جواله بيده الصحيحة وتغازل محياه هذه الابتسامة المضطربة بعدما رمق اسمها يزين شاشة الجوال.
للحظات قصيرة حاول ضبط أنفاسه وتهدئة سرعتها وكبح لجام ثورتها، ليضغط زر الإجابة مرددًا بهدوء حارب للتحلي به :
- ألو.
أتاه صوتها العذب يغازل دقاته الجامحة ليُلقي بجسده أعلى الأريكة خلفه منصتًا إليها بابتسامة واسعة :
- أنا أسفة إني بتصل بحضرتك، بس لازم أقفل المقال اللي معرفناش نخلصه في الكافية، هو لسه بس سؤالين وأنا بعتهم لحضرتك واتساب.. يا ريت تبعت الإجابة عشان رئيس التحرير عايزه الحوار كمان ساعة.
رفع يده المُصابة يمسح على رأسه بسعادة، ليشتد ألمها، فينفضها نحوه بتأوه خفيف صاحب معالم وجهه المجعدة وهو يردد بثبات قوي :
- مفيش داعي للاعتذار.. أنا اللي لازم اعتذر، لولا اللي حصل في الكافية الصبح كنتي خلصتي شغلك، هشوف الأسئلة وابعتلك الإجابة.
أتته إجابتها العذبة التي اعتدل لها بجلسته :
- تمام.. هقفل واستنى رد حضرتك.
حرك رأسه بنفي وهو يهتف بلهفة فشل في إلجامها:
- استني.
أطبق أجفانه بقوة وهو يصك أسنانه بحنق ما أن استوعب ما تفوه به، ليأتيه صوتها المتعجب :
- فيه حاجة حابب تقولها؟
حرك رأسه بنفي وهو يردد بتسرع :
- خالص.. مع السلامة.
وأنهى معها الاتصال مرددًا بعتاب ولوم لذاته :
- إيه اللي عملته ده؟.. البنت تقول علينا إيه؟.. قوم كمل شغلك، ولا شوف أسألتها و ابعت لها الإجابة.
حرك أنامله على شاشة جواله حتى فتح رسالتها بابتسامة واسعة مستعذبًا صوتها الذي تسلل يعزف علي أوتار قلبه :
- مساء الخير أستاذ "أمجد".. سؤالين حابه أسألهم عشان أقفل شغلي.
السؤال الأول.. وأنا بدور على الأنترنت على معلومات عن حضرتك، لقيت موقع واحد كاتب عن خبر جوازك، وللأسف ملاقيتش صور زفاف ولا أي صور للعروسة ولا حتى صور ليكم بعد كده، وده أثار فضولي شوية لأني قريت إنه كان فرح أسطوري وده حسب تصريحات حضرتك.. سؤالي هنا إيه يخلي حضرتك بعد ما أعلنت عن ميعاد الزفاف تتكتم على كل تفاصيله؟
قبضة قوية ضغطت على الهاتف، وجسد تشنجت جميع أعصابه، هب ناهضًا من مجلسه وبراكين الغضب تتأجج بأحداق وهو يشرد بالفضاء حوله متذكرًا تلك الليلة.
كان "أمجد" يتوسط أصدقائه المقربون له وعلامات السعادة والعشق تطفو على جميع قسماته ومعالمه، فقد كان ملكًا متوجًا هذه الليلة كقصة عشقه التي تُوجت بزواج صار قاب قوسين أو أدنى، دقائق قليلة لن تتخطى الساعة الواحدة تفصله عن الظفر بمعشوقته التي ذيعت قصتهما بين جنبات القصور والمؤسسات فهو الأمير المدلل لعائلة "الصواف" إحدى أكبر عائلات المال والأعمال إلا أنه سلك طريقًا بعيدًا عنهم، فشغفه بالكتابة والرسم هو شاغله وهاجسه الأكبر، وهي "نيللي الصواف" ابنة عمه الصغرى، ومدللته الكبرى التي شبَّ عشقه بقلبها ونضج معها.
كانت عبارات المباركات والتمنيات بالسعادة تنهال عليه كسيل جارف، كذلك بعض العبارات الماكرة ذو المعنى الوقح تُلقى إليه بين حين وآخر من أحد أصدقائه الذي كان حديث الزواج ليردد بتساؤل مشاكس :
- إيه يا عم "أمجد" هنفضل مستنين كتير، هموت وانقض على البوفيه عشان ألحق أروح لمراتي حبيبتي.
تعالت ضحكات "أمجد" المرحة وهو يهتف بتذمر طفولي :
- طب أعمل إيه؟.. أنا لسه نازل من ربع ساعة وكان لسه لها حاجات بسيطة وتخلص، وبعدين مين ليه مجيبتش مراتك معاك؟
ارتسمت معالم جدية تُخالطها نظرات حنين بوجه صديقه وهو يردد بسعادة معتذرًا :
- والله كانت هتيجي معايا بس تعبت شوية وروحنا للدكتور قالنا إنها حامل ولازم ترتاح وممنوعة من الحركة والمجهود، وانت عارف هي شعنونة قد إيه، يعني لو جات الفرح مكانتش قعدت مكانها.
توهجت ابتسامة "أمجد" سعادة لأجل صديقه وهو يربت على كتفه بود مرددًا :
- ألف مبروك يا صاحبي.. والله وكبرت وهتبقى أب يا واد.
وانهالت عليه المباركات من الجميع، ليردد "أمجد" باشتياق لمعشوقته :
- أنا هطلع أشوف "نيللي".
غادر القاعة الملكية بالفندق الشهير متجهًا صوب المصعد الذي استقله بسعادة طفل يُلاقي أمه بعد فراق دام لأيام طويلة، لحظات وتوقف المصعد وغادره تسابقه أشواقه إليها وهو يهمس متنغمًا باسمها لمرات متتالية يستعذبه :
- "نيللي".. أخيرًا هتشيلي اسمي.. اسمي لوحدي.
توقف أمام باب الغرفة يدق بابها ليفاجئ به مواربًا، قطب جبينه دهشة وهو يدفعه قليلًا والجًا بحذر، مطوفًا المكان كله بأعين مستنكرة لحالة الهدوء هذه وهو يردد : - "نيللي".. "نيللي".
توقف بمنتصف الغرفة مرددًا بتعجب وهو يمط فمه باستنكار :
- هما راحوا فين؟!.. هي دي الأوضة اللي مكانش فيها مكان من أصحابها والميك أرتيست!
استدار برأسه نحو باب المرحاض يلمح طرف صغير من فستانها، اتسعت ابتسامته وهو يخطو نحوها بسعادة داقًا بابها مغمغمًا :
- "نينو".. "نينو".
لا جوابٍ يأتيه، ليبدأ الشك يساور قلبه، فتعلو طرقاته كما نداءاته :
- "نيللي".. "نيللي".
ولج إليه شقيقه الأكبر "أكمل" ذو الأربعون ربيعًا، والذي يشبهه "أمجد" إلى حد كبير، لتعلو الدهشة قسماته وهو يردد بتساؤل :
- فيه إيه يا "أمجد".. منزلتش انت و" نيللي" ليه؟!.. البنات تحت بيقولوا إنها جهزت.
حرك "أمجد" رأسه بنفي وهو يدفع باب المرحاض بجسده مرددًا بقلق شاب نبرته :
- "نيللي" مبتردش.
عقد "أكمل" جبينه بدهشة وهو يغمغم مستنكرًا : - يعني إيه مبتردش؟!
لم ينتظر الإجابة كثيرًا فباب المرحاض قد إنصاع لضربات "أمجد" مُعلنًا استسلامه، لتتسع عيناه صدمة حينما وجدها تفترش الأرض بفستانها الأبيض، ركض نحوها صارخًا وهو يدنو منها ممسدًا وجنتها بيده برفق مغمغمًا بلهفة :
- "نيللي".. "نينو".
دنى "أكمل" هو الآخر نحوها بصدمة وهو يردد بصرامة :
- شيلها خرجها برة يا "أمجد" على ما أكلم الريسبشن يبعت لنا دكتور.
مدَّ يده أسفلها يحملها لتتسمر بأرضها بصدمة يرفض تصديقها، فالأرض تحتها ملوثة بسائل لزج علق بظهر كفه الذي سحبه يحدقه بلا تصديق صرخت له أحداقه الجاحظة وهو يدنو برأسه نحوها ثانية يهزها بقوة صارخًا :
- "نيللي".
جذب ذراعها من أسفل فستانها ليجد الدماء متخثرة بأوردته المقطوعة ليضمها إلى صدره صارخًا بقوة :
- "نيللي".
استدار نحوه شقيقه بصدمة وهو يطوف أرضية المرحاض الملوثة بدماء ابنة عمه، معشوقة شقيقه التي تدل جميع المؤشرات والدلائل أنها قد فارقت الحياة.
ركض "أكمل" نحو "شقيقه" بصدمة وهو يجذبها من بين ذراعيها هاتفًا :
- اهدى يا "أمجد".. ابعد خليني أطمن عليها.."أمجد".
كانت العلاقة طردية بينه وبين شقيقه، فكلما جذبها منه كلما زادت قوة تعلقه بها، شدد من احتضانها كمن يرغب في أن يشق صدره وينفيها به، تعلق بها وتشبث رافضًا الانصياع لتوسلات شقيقه التي ذهبت سُدى، لينهض من مكانه بعدما وجد صديقاتها تدلفن إلى الداخل وتهليلات السعادة والفرح تسبقهن إليها.
توقفن تمامًا أمام "أكمل" الهلِعة هيئته، لتنصهر التهليلات وتذوب بحلقهن، قبل أن تشهق إحداهن بصدمة حينما لمحت دماء "نيللي" تسيل بأرضية المرحاض. صُوبت جميع الأنظار نحوها بدهشة، لتتبع مسار أنظارها مستقرة نحو جسد صديقتهن، لتعلو شهقات الذعر والهلع بجوف الجميع، وتسود حالة من الصراخ بينهن.
حاول "أكمل" السيطرة على الموقف وإخراجهن إلا أن صراخهن قد جمع ما تبقى من العائلة.
كان أمجد بغرفة مكتبه يفتح حاسوبه النقال أمامه وهو يضغط أزراره بسرعة ومهارة واحترافية يكتب أقوى مشاهده بهذه الرواية، مشهد دموي من الطراز الرفيع، مشهد تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان من قساوته، تحفزت جميع خلاياه وتأهبت، نفرت جميع عروقه وتضخمت، جحظت أحداقه وقتمت، تصاعدت أنفاسه وتسارعت، يدق، ويدق وتهرول أمامه الأحرف والكلمات، تتناثر أمامه قطرات الدم وتتطاير الشظايا، تُقتلع الأعين وتُنتزع الأهداب، تأوهات مكتومة، وزفرات مأسورة، حبات عرق تسيل على الجبين منزلقة نحو الأحداق تحرقها وبقوة، تحمل وثابر وهو يعدل من وضعية منظاره الطبي ناهضًا عن مقعده، منحنيًا نحو مكتبه وهو يُزيل تلك القطرات بظهر يده قبل أن يعلو رنين هاتفه الذي وللمرة الأولى في تاريخه الأدبي يسهو عن غلقه، ليفصله هذا الرنين عن حالته الشعورية هذه، وتضيع منه جميع الخيوط التي جاهد لإحكام القبض عليها.
حرر تلك الصرخة المكتومة بجوفه وهو يُطيح بذراعه تلك المزهرية الضخمة التي تزين أحد أركان غرفة مكتبه.
انتصب بجسده بقوة وهو يلكم الحائط أمامه كوحش ثائر لم يهدأ حتى سال الدم من قبضته ملوثًا الحائط أمامه. تنهد بقوة وهو يطبق أجفانه بهدوء ساحبًا نفسًا عميقًا للداخل، محتبسه للحظات طويلة قبل أن يزفره بقوة مع رنين هاتفه ثانية.
استدار بكامل جسده يخطو نحو طاولة مكتبه متخطيًا حُطام المزهرية قبل أن يلتقط جواله بيده الصحيحة وتغازل محياه هذه الابتسامة المضطربة بعدما رمق اسمها يزين شاشة الجوال.
للحظات قصيرة حاول ضبط أنفاسه وتهدئة سرعتها وكبح لجام ثورتها، ليضغط زر الإجابة مرددًا بهدوء حارب للتحلي به :
- ألو.
أتاه صوتها العذب يغازل دقاته الجامحة ليُلقي بجسده أعلى الأريكة خلفه منصتًا إليها بابتسامة واسعة :
- أنا أسفة إني بتصل بحضرتك، بس لازم أقفل المقال اللي معرفناش نخلصه في الكافية، هو لسه بس سؤالين وأنا بعتهم لحضرتك واتساب.. يا ريت تبعت الإجابة عشان رئيس التحرير عايزه الحوار كمان ساعة.
رفع يده المُصابة يمسح على رأسه بسعادة، ليشتد ألمها، فينفضها نحوه بتأوه خفيف صاحب معالم وجهه المجعدة وهو يردد بثبات قوي :
- مفيش داعي للاعتذار.. أنا اللي لازم اعتذر، لولا اللي حصل في الكافية الصبح كنتي خلصتي شغلك، هشوف الأسئلة وابعتلك الإجابة.
أتته إجابتها العذبة التي اعتدل لها بجلسته :
- تمام.. هقفل واستنى رد حضرتك.
حرك رأسه بنفي وهو يهتف بلهفة فشل في إلجامها:
- استني.
أطبق أجفانه بقوة وهو يصك أسنانه بحنق ما أن استوعب ما تفوه به، ليأتيه صوتها المتعجب :
- فيه حاجة حابب تقولها؟
حرك رأسه بنفي وهو يردد بتسرع :
- خالص.. مع السلامة.
وأنهى معها الاتصال مرددًا بعتاب ولوم لذاته :
- إيه اللي عملته ده؟.. البنت تقول علينا إيه؟.. قوم كمل شغلك، ولا شوف أسألتها و ابعت لها الإجابة.
حرك أنامله على شاشة جواله حتى فتح رسالتها بابتسامة واسعة مستعذبًا صوتها الذي تسلل يعزف علي أوتار قلبه :
- مساء الخير أستاذ "أمجد".. سؤالين حابه أسألهم عشان أقفل شغلي.
السؤال الأول.. وأنا بدور على الأنترنت على معلومات عن حضرتك، لقيت موقع واحد كاتب عن خبر جوازك، وللأسف ملاقيتش صور زفاف ولا أي صور للعروسة ولا حتى صور ليكم بعد كده، وده أثار فضولي شوية لأني قريت إنه كان فرح أسطوري وده حسب تصريحات حضرتك.. سؤالي هنا إيه يخلي حضرتك بعد ما أعلنت عن ميعاد الزفاف تتكتم على كل تفاصيله؟
قبضة قوية ضغطت على الهاتف، وجسد تشنجت جميع أعصابه، هب ناهضًا من مجلسه وبراكين الغضب تتأجج بأحداق وهو يشرد بالفضاء حوله متذكرًا تلك الليلة.
كان "أمجد" يتوسط أصدقائه المقربون له وعلامات السعادة والعشق تطفو على جميع قسماته ومعالمه، فقد كان ملكًا متوجًا هذه الليلة كقصة عشقه التي تُوجت بزواج صار قاب قوسين أو أدنى، دقائق قليلة لن تتخطى الساعة الواحدة تفصله عن الظفر بمعشوقته التي ذيعت قصتهما بين جنبات القصور والمؤسسات فهو الأمير المدلل لعائلة "الصواف" إحدى أكبر عائلات المال والأعمال إلا أنه سلك طريقًا بعيدًا عنهم، فشغفه بالكتابة والرسم هو شاغله وهاجسه الأكبر، وهي "نيللي الصواف" ابنة عمه الصغرى، ومدللته الكبرى التي شبَّ عشقه بقلبها ونضج معها.
كانت عبارات المباركات والتمنيات بالسعادة تنهال عليه كسيل جارف، كذلك بعض العبارات الماكرة ذو المعنى الوقح تُلقى إليه بين حين وآخر من أحد أصدقائه الذي كان حديث الزواج ليردد بتساؤل مشاكس :
- إيه يا عم "أمجد" هنفضل مستنين كتير، هموت وانقض على البوفيه عشان ألحق أروح لمراتي حبيبتي.
تعالت ضحكات "أمجد" المرحة وهو يهتف بتذمر طفولي :
- طب أعمل إيه؟.. أنا لسه نازل من ربع ساعة وكان لسه لها حاجات بسيطة وتخلص، وبعدين مين ليه مجيبتش مراتك معاك؟
ارتسمت معالم جدية تُخالطها نظرات حنين بوجه صديقه وهو يردد بسعادة معتذرًا :
- والله كانت هتيجي معايا بس تعبت شوية وروحنا للدكتور قالنا إنها حامل ولازم ترتاح وممنوعة من الحركة والمجهود، وانت عارف هي شعنونة قد إيه، يعني لو جات الفرح مكانتش قعدت مكانها.
توهجت ابتسامة "أمجد" سعادة لأجل صديقه وهو يربت على كتفه بود مرددًا :
- ألف مبروك يا صاحبي.. والله وكبرت وهتبقى أب يا واد.
وانهالت عليه المباركات من الجميع، ليردد "أمجد" باشتياق لمعشوقته :
- أنا هطلع أشوف "نيللي".
غادر القاعة الملكية بالفندق الشهير متجهًا صوب المصعد الذي استقله بسعادة طفل يُلاقي أمه بعد فراق دام لأيام طويلة، لحظات وتوقف المصعد وغادره تسابقه أشواقه إليها وهو يهمس متنغمًا باسمها لمرات متتالية يستعذبه :
- "نيللي".. أخيرًا هتشيلي اسمي.. اسمي لوحدي.
توقف أمام باب الغرفة يدق بابها ليفاجئ به مواربًا، قطب جبينه دهشة وهو يدفعه قليلًا والجًا بحذر، مطوفًا المكان كله بأعين مستنكرة لحالة الهدوء هذه وهو يردد : - "نيللي".. "نيللي".
توقف بمنتصف الغرفة مرددًا بتعجب وهو يمط فمه باستنكار :
- هما راحوا فين؟!.. هي دي الأوضة اللي مكانش فيها مكان من أصحابها والميك أرتيست!
استدار برأسه نحو باب المرحاض يلمح طرف صغير من فستانها، اتسعت ابتسامته وهو يخطو نحوها بسعادة داقًا بابها مغمغمًا :
- "نينو".. "نينو".
لا جوابٍ يأتيه، ليبدأ الشك يساور قلبه، فتعلو طرقاته كما نداءاته :
- "نيللي".. "نيللي".
ولج إليه شقيقه الأكبر "أكمل" ذو الأربعون ربيعًا، والذي يشبهه "أمجد" إلى حد كبير، لتعلو الدهشة قسماته وهو يردد بتساؤل :
- فيه إيه يا "أمجد".. منزلتش انت و" نيللي" ليه؟!.. البنات تحت بيقولوا إنها جهزت.
حرك "أمجد" رأسه بنفي وهو يدفع باب المرحاض بجسده مرددًا بقلق شاب نبرته :
- "نيللي" مبتردش.
عقد "أكمل" جبينه بدهشة وهو يغمغم مستنكرًا : - يعني إيه مبتردش؟!
لم ينتظر الإجابة كثيرًا فباب المرحاض قد إنصاع لضربات "أمجد" مُعلنًا استسلامه، لتتسع عيناه صدمة حينما وجدها تفترش الأرض بفستانها الأبيض، ركض نحوها صارخًا وهو يدنو منها ممسدًا وجنتها بيده برفق مغمغمًا بلهفة :
- "نيللي".. "نينو".
دنى "أكمل" هو الآخر نحوها بصدمة وهو يردد بصرامة :
- شيلها خرجها برة يا "أمجد" على ما أكلم الريسبشن يبعت لنا دكتور.
مدَّ يده أسفلها يحملها لتتسمر بأرضها بصدمة يرفض تصديقها، فالأرض تحتها ملوثة بسائل لزج علق بظهر كفه الذي سحبه يحدقه بلا تصديق صرخت له أحداقه الجاحظة وهو يدنو برأسه نحوها ثانية يهزها بقوة صارخًا :
- "نيللي".
جذب ذراعها من أسفل فستانها ليجد الدماء متخثرة بأوردته المقطوعة ليضمها إلى صدره صارخًا بقوة :
- "نيللي".
استدار نحوه شقيقه بصدمة وهو يطوف أرضية المرحاض الملوثة بدماء ابنة عمه، معشوقة شقيقه التي تدل جميع المؤشرات والدلائل أنها قد فارقت الحياة.
ركض "أكمل" نحو "شقيقه" بصدمة وهو يجذبها من بين ذراعيها هاتفًا :
- اهدى يا "أمجد".. ابعد خليني أطمن عليها.."أمجد".
كانت العلاقة طردية بينه وبين شقيقه، فكلما جذبها منه كلما زادت قوة تعلقه بها، شدد من احتضانها كمن يرغب في أن يشق صدره وينفيها به، تعلق بها وتشبث رافضًا الانصياع لتوسلات شقيقه التي ذهبت سُدى، لينهض من مكانه بعدما وجد صديقاتها تدلفن إلى الداخل وتهليلات السعادة والفرح تسبقهن إليها.
توقفن تمامًا أمام "أكمل" الهلِعة هيئته، لتنصهر التهليلات وتذوب بحلقهن، قبل أن تشهق إحداهن بصدمة حينما لمحت دماء "نيللي" تسيل بأرضية المرحاض. صُوبت جميع الأنظار نحوها بدهشة، لتتبع مسار أنظارها مستقرة نحو جسد صديقتهن، لتعلو شهقات الذعر والهلع بجوف الجميع، وتسود حالة من الصراخ بينهن.
حاول "أكمل" السيطرة على الموقف وإخراجهن إلا أن صراخهن قد جمع ما تبقى من العائلة.
