رواية عديل الروح الفصل السادس 6 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل السادس - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
********************
ملامح غشتها ظلال الشوارع، فالليل قد التحف السماء، وظللها بلباسه راحة للأجساد والأهم راحة للأنفس المرهقة من مشاعر جديدة وعواطف غريبة اكتسحت كيانه وكسر قاعدة وضعها لينعم بالراحة، تساءل بداخله وقد كثرت تساؤلاته في الآونة الأخيرة.
" ماذا يحصل معه؟! ".
كره ما يشعر به، بل هو غاضب من هذه الأحاسيس التي لا يعرف ما هي وهو يكره كل ما لا يعرفه!!؟
وصل لمنزله وترجل من سيارته ثم صفق الباب ومشى ناحيته بخطوات واثقة كمن في مركزه وهيبته.
دخل للمنزل فطالعه الهدوء، فعقد حاجبيه بتعجب لما هذا الهدوء الغريب؟
تقدم عدة خطوات ناحية غرفة النوم فتح الباب على مصرعيه فضربه سكون الغرفة، تراجع للخلف باتجاه المطبخ فكان الهدوء هو المسيطر
لحظات ليغلق عينيه بسكينة وهدوء يتلذذ بهذا الصمت المريح لذهنه المرهق من أفكاره الجانحة.
فتح عينيه وسار باتجاه غرفة النوم خلع دشداشته والحمدانية ورماها بإهمال فوق كرسي الزينة ورمى بجسده العضلي بإرهاق نفسي قبل أن يكون جسدي على السرير, ووضع ذراعيه خلف رأسه ونظر للسقف بتأمل كأن الجواب سيطالعه من السقف المزخرف بنقوش جميلة.
تنهد بصوت عالي حملت الحيرة والغضب من شيء لا يستطيع الامساك به، يكره ما يصيبه!! فهو سلطان النعيمي لا يعجز عن القيام بأي شيء، ولديه من المعلومات ما تشمل موسوعة علمية من جميع الكتب لكن هذا الشيء!!!
رنين الهاتف المزعج قطع بحثه المضنِ عن دواء لعلته التي خرجت له من حيث لا يدري!!
التفت للهاتف الموضوع فوق طاولة بالقرب من السرير، مد يده ليتلقفه وطالعه رقمها ليضرب جبهته كمن تذكر شيء ما، لقد نسي إحضار زوجته من منزل عائلتها، لا عجب أن الهدوء هو من استقبله بترحاب أراده بهذه " اللحظة ".
هدئ الهاتف لثواني فقط، ليصدح صوته من جديد فتأفف وعبثت أصابع بشعره الناعم، وأخذ أنفاسا طويلة ثم تركها تخرج لتأخذ معه الضيق الذي تسلل لصدره بغفلة منه
" أين أنت؟ ".
قالتها بصوتها الحاد والمزعج فلقد اكتشف بأن زوجته تفتقد للأسلوب المهذب بالتعامل مع الآخرين
" سلمى!! أخبرتك عدة مرات إياك والصوت العالي بحديثك معي، وثانيا تعرفين مدى كرهي من امرأة تسأل أين كنت؟!! ومع من كنت؟ ".
" حبي لم أقصد أن.... ".
قاطعها بغضب:
" والأهم، اياك ومقاطعتي أثناء حديثي هل هذا مفهوم؟! ".
" أجل حبي، أنا أفهم هذا. لكن كنت...كنت خائفة من أنك لم تتصل ولم تحضر لأخذي من منزل والدتي؟ ".
" أجل لم أحضر ولن أحضر ".
شهقة عالية سمعها في الطرف الآخر وتحدثت معه بصوت ملأه الخوف:
" ماذا تقصد حبي من أنك لن تحضر لأخذي؟ ".
" لقد طلبت منك الذهاب للمنزل مباشرة، لكنك أردت الذهاب لمنزل والدتك كأنك لم تريها منذ مدة طويلة، والعجب بأنها كانت معك طوال الوقت ولم تفترقا أبدا فهي كانت معنا بشهر العسل!! ".
قالها بعصبية:
" أجل....".
قاطع حديثها بصرامة.
" سأحضرك غدا فأنا متعب وأريد النوم ".
" حبي، لا عليك، لا بد وأن ارهاق السفر قد استبد بجسدك وقيادتك للسيارة طوال الطريق لذهابك لمنزل جدتك البعيد أثر عليك، أخبرتك أن لا تذهب اليوم وأن تذهب غدا بعد أن ترتاح لكنك رفضت ".
انحرفت شفتيه بابتسامة متهكمة وقال:
" وأين أبقى معك..في منزل والدتك؟ ".
" وأين المشكلة في المبيت بمنزل والدتي؟! تعرف بأنها جهزت لنا جناحا خاص لنبيت معها ".
" سلمى، أخبرتك عدة مرات بأنني لا أحب النوم في مكان آخر، وثانيا أذهب أينما أريد ومتى ما أردت ".
" إذا سأخبر السائق بأن يعيدني للمنزل ".
" لا... ".
" لا... ماذا تقصد بلا؟! ".
" لا تحضري. ابقي مع والدتك اليوم، وغدا تعالي. ألست مشتاقة لها كثيرا إذا فابقي معها لتشبعي ".
" سلطان!! ".
رفعت السماعة من على أذنها وطالعتها بتعجب.
" لقد أغلق الهاتف بوجهي "
سرى الغضب بداخلها ورمت الهاتف فوق الأريكة وهي تلعن وتسب حظها السيء بهذا الزواج التعيس، بالرغم من أنه يوفر لها كل شيء إلا أنها استصعبت الأهم ألا وهو جعله خاتم بإصبعها.
في الجهة الأخرى أغلق الهاتف من زوجته ثم أجرى اتصال آخر وبعدها أطفأ الهاتف كليا كي لا تتصل به زوجته وتزعجه بطلباتها، وعاد ليفكر بحاله وبزواجه لقد تخيل بأنه سيرتاح مع ابنة خالته وبأنها المرأة المناسبة له، امرأة باردة خالية من العواطف والمشاعر الغبية التي تشعرها كل فتاة، أراد امرأة واقعية تعرف ما تريد، لن تسأله ولن تفرض رأيها، امرأة مطيعة راضية بما يقدمه لها من حياة الثراء التي تحلم بها كل واحدة وهي كانت الأنسب، لكنها أظهرت العكس تماما مما يريد، فهي كانت تصبوا للأعلى، أرادت سلطان النعيمي بكامله، اعتقدت بأنها أمهر اللاعبين ولم تعرف بأنها تلاعب الشيطان بنفسه.
ابتسم بتهكم.. يعرف ما تريد من البداية فهو ليس بغبي، فسايرها بلعبتها، فهو بالنهاية أراد زوجة تناسب متطلباته وتنجب له أبناء ليحملوا اسمه، ولم يجد فتاة تناسبه من بين عائلته، فأكثرهن متزوجات والباقي منهن صغيرات، صغيرات جدا عليه.
غط في النوم قبيل الفجر فالأرق قد صار رفيقه هذه الليلة.
استيقظ على صوت آذان الفجر فتململ بفراشه وشعر بعضلاته متشنجة، اعتدل بجلسته وفرد ظهره ودار بخصره بحركة سريعة يمين ويسار ليسمع صوت تكتكة عظامه ليتنهد براحة.
قفز من فراشه واتجه ناحية الحمام ليستحم بمياه دافئة تعيد لجسده نشاطه، توضئ ثم خرج ملتحفا بمنشفة حول خصره ومنشفة أخرى صغيرة يجفف بها رأسه المبلول، ارتدى ملابسه وخرج من غرفة نومه وتوقف لدقائق ينظر لطاولة الطعام الخالية وانزوت شفتيه بابتسامة وأسر لنفسه..
"هل اعتقدت بأنها ستحضر مبكرة وتجهز لك افطارك؟! أنت واهم!! ".
خرج من منزله وأغلق الباب واستقل سيارته وذهب للمسجد ليصلي وبعد انتهائه توجه لمنزل يعرف بأنه سيستقبله بترحاب وبطعام سيكون متوفرا ويحمل كل ما لذ وطاب.
وصل لوجهته وأوقف سيارته وترجل منها يطالع المنزل بنظرات غريبة، باشتياق غريب يجتاح جسده لأول مرة، وبلهفة لرؤيتها ليشاكسها ويرى تجهمها وتوقد نظراتها ثم تتحول وتتغير لتلتبس تلك الابتسامة الشقية على شفتيها الورديتين، فهذا إن يدل على أنها ستدخل المعركة وستتغلب عليه، سمع صوت انتشله من حالة التوهان التفت لينظر لصاحبه:
" مرحبا بابن العم كيف حالك؟ ".
" أنا بخير، كيف حالك محمد؟ ".
" بخير والحمد الله، تفضل للدخول لما تقف بالخارج؟! ".
" أعتذر، لقد جئت بوقت غير مناسب ولم أعرف إن كنتم مستيقظين أم لا؟! ".
طالعه محمد بنظرات مستنكرة.
" أنت تمزح بالتأكيد!! أنت تعرف بأننا نستيقظ فجرا كل يوم وهذا ليس بجديد، أم تريد من والدتي أن تعلقنا على حبل المشنقة!! ".
فقارن قوله بلف حمدانيته على رقبته ورفع الطرف الآخر كحبل وتدلى لسانه من فمه ليضحك الاثنان، فهم يعرفون كم هي الجدة ملتزمة بأداء فروضها وتشمئز ممن لا يلتزم بدينه وعبادته.
" أدخل يا سلطان ولا تخجل ".
" حسنا، تفضل أنت الأول وخذ لي طريق ".
تقدم محمد للداخل وهو ينادي بصوت عالي بأن معه ضيف، فشعر بعدها بأحدهم يشد بشعره فتأوه بألم:
" ما الأمر؟ ".
" هل تراني ضيف؟؟ أنا من أهل المنزل وتقول عني ضيف!! ".
" إذا... لما لم تدخل مباشرة دون الاستئذان بالدخول؟ ".
" أنسيت بأن لك شقيقة بالداخل؟ ".
" تقصد مريم!! أجل تذكرت، مريم شقيقتي، ما بها؟ ".
قالها وهو يفرك رأسه بتفكير، رفع سلطان رأسه للأعلى يتجلد بالصبر كي لا ينقض ويفتك بهذا الصبي الذي أمامه، نظر إليه بنظرات حارقة فتراجع محمد للخلف في جزع.
" اهدئ يا رجل!! كنت أمزح معك فقط، أنت لا تتحمل المزاح أبدا ".
قاطع حديثه صوت جدته المرحب فيه:
" يا مرحبا بولدي، يا مرحبا بالغالي، أدخل يا بني أدخل ".
قالتها الجدة بفرح وهي ترى حفيدها في المنزل.
اقترب سلطان منها وأمسك رأسها وقبلها باحترام ثم طبع قبلة على كفها، وابتعد، اقترب محمد وفعل المثل لتدعو لهم بطول العمر والرزق الكريم والحفظ من كل شر.
" كيف حالك يا جدتي؟ ".
" أنا بخير وبصحة جيدة، متى وصلت يا بني من سفرك؟ ".
" وصلت بالأمس جدتي ".
" هل استمتعت ببلاد الكفار؟!! لا أعرف لما سافرت هناك وبلادنا ما شاء الله تزخر بالأماكن الجميلة، هل بلادهم أجمل من بلادنا؟ ".
" لا يا جدتي، بلادنا أجمل بكثير من بلادهم ".
" إذا لما ذهبت إلى هناك؟ ".
" لا أريد أن يقال بأن سلطان النعيمي لا يستطيع أخذ زوجته لشهر العسل ".
" نعم، نعم!! الناس!! ماذا نأخذ من ورائهم غير وجع الرأس؟! ".
قالتها بعدم اكتراث ثم التفتت ناحية محمد وقالت:
" أين مريم؟! أذهب وأنظر إذا انتهت من تجهيز الفطور؟ ".
" لا تقلقي يا أمي، لا بد وأن الإفطار جاهز وستحضره بعد قليل ".
" إذا لما جلوسك هنا؟! لما لا تذهب وتساعدها بإحضاره؟! أم تريدها أن تخدمك وتجلبه لمكان جلوسك هيا انهض واذهب لمساعدتها ".
حادثه سلطان وبصرامة، لينهض محمد طائعا لأوامره دون نقاش ويلتفت لجدته وينخرط معها بحديث عن شيء مهم .
" جدتي لقد وصلتني معلومات عن الرجل الذي جاء لخطبة مريم، وهي لا تبشر بالخير؟ ".
نظرت إليه الجدة بعيونها الحادة وقالت:
" وما أدراك أنت بأن هناك من جاء ليخطبها؟! ".
" لقد كنت متواجدا عندما طلب يدها ".
قالها بضيق شعر به يخنق صدره.
" هل كنت تعرف مسبقا بقدومه؟ ".
" لا، فأنا قدمت لزيارتك بعد وصولي من المطار مباشرة، فتفاجأت بالضيوف بالمنزل ولم أستطع رؤيتك فقد غادرت فورا عائدا للمنزل ما أن رحل الزوار ".
هزت الجدة رأسها ثم حدقت إليه بعيون صقرية حادة فباغتته بسؤالها:
" بالأمس فقط جاء الرجل، وأنت تقصيت عنه بهذه السرعة؟! ".
تململ بجلسته على أثر نظرات جدته المدققة وأسئلتها التي لم يتوقعها.
" ولما لا؟! خير البر عاجله، وأنا ارتأيت أن تعرفوا بالتفاصيل قبل أن تتعبوا أنفسكم بتفكير لا طائل منه ".
رفعت الجدة حاجبيها وقالت بتهكم:
" لقد أتعبت نفسك بالبحث يا بني، فصاحبة الشأن قالت كلمتها ".
عقد حاجبيه بعدم فهم وقلبه بدأ يقصف كقنابل توشك على تفجير أضلاعه، وقال:
" لما؟! هل أعطيتم الموافقة مسبقا؟! لما التسرع جدتي لم أعهدك مستعجلة؟ ".
قاطعته الجدة بصرامة لاتهامه بالموافقة بالسرعة دون التريث بالأمر.
" سلطان أنا لا أبيع ابنتي بالرخيص، أختار لها الرجل الذي أعرف بأنه سيحافظ عليها ويصونها، أختار لها العائلة التي أعرف بأنها ستضعها بين رموشها ولا أرمي بابنتي بالتهلكة!! ".
" لم أقصد ما قلته جدتي، فكلامك أوحى لي بأنكم قد وافقتم على الرجل ".
قالها بضيق شعرت به الجدة، وتأملت حفيدها تنظر لهذا الهجوم من قبله وعلامات السهد والأرق واضحة بملامحه وتحت عينيه، لتلمع عينيها بنصر فأخفضتهما ناحية مسبحتها وابتسامه توسدت شفتيها، شعرت بكفها يسحب وبقبلة تطبع على ظاهرها.
" أنا آسف جدتي، لم أقصد ما قلته، فأنا لا أعرف كيف قلت ما قلته!! ".
ربتت الجدة على يده وقالت:
" لا عليك يا بني، فهذه نتائج التسرع، علينا أن نأخذ الأمور بروية وصبر وأن لا نستعجل بما نريده، فكلما طال الصبر كلما استمتعت بعدها بأخذ ما أردته بسهولة، تذكر كلماتي يا بني، تذكرها ولا تنسها ".
" إذا؟ ".
تنهدت الجدة فلا مفر من معرفته لما حدث، فالخبر بالتأكيد سينتشر بين الناس
" لقد أخبرتهم برفضها بالأمس ".
التقى حاجبيه بعدم فهم، فزفرت الجدة وبدأت تسرد له ما حدث
بالتفصيل.........
تألقت عينيه وتحول بياضها لاحمرار لاهب شعرت به الجدة سيحرق كل ما هو أمامه، إحساس ورغبة بالذهاب وقتل المرأة التي أهانت ابنة عمه في عقر دارها، انتشله من دوامة مشاعره صوت جدته تخبره بالهدوء وعدم الاقدام على شيء يرد به اعتبار مريم
" لقد أخذت مريم حقها منهن البارحة ولا داعي لما تفكر فيه ".
" وما أدراكي بما أرغب بفعله؟ ".
قالها وهو يشد على أضراسه يطحنها بقوة، ابتسمت العجوز وقالت:
" صحيح أنني لم أنجبك، لكنني ربيتك وأعرف ما يفكر فيه أبنائي ".
هدأت ملامحه وأصابته عدوى الابتسامة لتتألق شفتيه بهما، قاطعهما قدوم محمد مع مرحه المعتاد.
" أتضحكون لوحدكم دون وجودي!! هذا لا يجوز ولا يصلح بين قبائل العرب ".
ابتسم سلطان لفكاهته وحملت الجدة شبشبها وقذفته ناحيته، فتراجع عنها بسرعة كادت أن تصيبه، فرفع حاجبيه بحركة مغيظة لجدته.
" لقد أخطأت التصويب ".
ليقطع حديثه ويتراجع للخلف بسبب الضربة التي توسدت صدره من قبل الجدة التي باغتته بسرعة بضربه ثانية. استغلت انشغاله بالسخرية من عدم إجادتها إصابته، لتنفجر الجدة مقهقه بصوت عالي ويتبعها سلطان ضاحكا على وجه المصدوم.
لمحتها عيناه تقف بعيدة، تنظر إليهم بابتسامة مشرقة، تأملها من طرف عينيه بلباسها المحتشم والواسع ( مخور ذات نقوش ملونه بحسب لون القماش الذي ترتديه بلون أخضر ممزوج مع اللون الأبيض بورود صغيرة ) وشيلتها تزين رأسها مربوطة بإحكام كي لا تفلت ويظهر شلال شعرها الأسود الطويل والناعم كما يحبه أن يكون عندما شاهده بالصدفة.. فبغير صدفة يستحيل أن يراه!!
أشاح بعينيه بعيدا كي لا يكتشف أحدهم تأمله لها، لكنه كان متأخرا.
تقدمت مريم تقطع وصلة ضحكهم، سلمت على ابن عمها ثم وضعت صحون الإفطار بما تحتويه من كل ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية. ساعدتها الخادمة بإحضار باقي الفطور ليسيل لعاب الجالسين وتصدر معدتهم أصوات تدل على عدم تمكنها من الانتظار، نظر بإعجاب لما يراه، أصناف بأشكال وألوان تنادي بأكلها مغمض العينين تعرف دون أن تتذوق بأنها لذيذة.
باشروا بتناول الطعام وجلست هي بجانب جدتها وأخذت تأكل بخجل من وجود ابن عمها، فتناولت القليل مما أمامها، رفعت عينيها تنظر إليه عندما بدأ بإبداء إعجابه بطعامها فهذه لم تكن المرة الأولى التي يتناول طعامه في منزل جدته فهو يحاول قدر الإمكان أن يأتي ليتناول ما تعده مريم من وجبات فهي فاقت الشيفات بالطبخ، رفع نظراته إليها فتشابكت عينيهما واتسعت شفتيه بابتسامة وقحة بمن أمسك بالجرم، فقالت بصوت هامس:
" شكرا يا ابن العم ".
أشاحت بوجهها مرتبكة من اتساع ابتسامته، فاحمرت وجنتيها بحمرة الخجل ولعنت نفسها لتحديقها فيه.
انسحبت ابتسامته فجأة وظل يحدق بملامحها البريئة وتأمل تألق وجهها، بتخضب وجنتيها وخجل فطري ولدت عليه النساء، أخفض رأسه مجبرا نفسه بأن يتوقف عما يفعله!!
بحق السماء إنها مريم، مريم التي تشاكسها وتسخر منها وتنتظرها لترى ردة فعلها، تتركها تتغلب عليك بل تفوز عليك وبجدارة!! هي الوحيدة القادرة على هزمك!! إنها مريم ابنة العم الصغيرة.
اختلس نظراته نحوها وتجولت عليها فازدرد ريقه بصعوبة وهمس لنفسه:
" لا هي لم تعد صغيرة، لقد أصبحت شابة وكبيرة، والرجال يتهافتون لخطبتها ".
نهض واقفا وهو يردد:
" الحمد الله، نعمة دائمة إن شاء الله ".
" لم تأكل شيء يا بني؟ ".
" جدتي!! لقد أكلت نصف الطعام وذلك المفجوع أكل النصف الآخر "
غص محمد بطعامه وسعل فناولته مريم الماء وهي تمسد ظهره بحنان وأمومة وتسمي عليه، تسمر سلطان بمكانه واقشعر جسده بلذة غريبة وعيونه تتابع يدها ترتفع وتنزل بنعومة ورقه على ظهر شقيقها, شعر بيدها البيضاء على جلده الأسمر تتحرك وأنفاسها المشتعلة قريبة من وجهه وعيونها تنظر إليه بحب.
اجترح أنفاسا عميقة يسحبها كما يسحب تلك العواطف التي هزت كيانه، وصورة له ولها بين أحضانه أشعلت جسده بنار حارقة رغبها وبنفس اللحظة أخافته.
تراجع للخلف ومشى بخطوات سريعة ليدلف للحمام ويغلق الباب خلفه يتنفس بصعوبة.
رفع رأسه وطالعته صورته المنعكسة في المرآة، عيون عاصفة بالمشاعر، ورغبة عنيفة هزت جسده، أزاح الحمدانية من على رأسه ورماها فوق الطاولة وفتح صنبور الماء البارد وأدخل رأسه لتهدئ من ارتعاشه جسمه الراغب بطفلة!!
" إنها طفله يا سلطان!! ماذا دهاك لترغب فيها إنها فـ 19 فقط؟! ".
نهر صورته المنعكسة بالمرآة بعجز، ودون إرادة انخفضت أنظاره ناحية الخاتم المتوسد اصبعه فأغمض عينيه.
استأذن سلطان وخرج من منزل الجدة بعد أن جلس معها لوحدهما لدقائق، واستقل سيارته شاردا محدقا للأمام دون أن يرى ما أمام ناظريه، فعقله سرح بكلماتها القوية التي بزقتها دون تردد كما شخصيتها الفذة التي دائما ما تبهره وتفاجئه بأشياء لا تخطر على بال، فتذكر الحديث الذي دار بينها وبين أخيها فبعد أن خرج من الحمام أراد أن يودع جدته ويرحل فبقائه معها بنفس المكان وبأفكاره المجنونة خشي أن يرتكب حماقة ما، لكن كلمات محمد أجلسته وجعلته ينصت لما سيقال ولا ينكر بأن كلماتها أراحته، فصورتها مع رجل آخر تقتله وتجعله يشعر بالرغبة بالقتل!!
محمد:
" أختي حبيبتي أنت لن تتخلي عني بعد زواجك، أليس كذلك؟ ".
" ما هذا الكلام يا محمد؟ ".
نهرته الجدة.
" ما أقوله صحيح يا أمي، فالفتاة ما أن تتزوج تنسى عائلتها، ويغدوا زوجها هو عالمها، وتأتي فقط مرة كل شهر ".
" من قال لك هذا؟ ".
سألته مريم متعجبة من حديثه.
" أنا لست بغبي ولست بطفل فأنا أرى وأشاهد وأسمع...".
قاطعته مريم بإمساكه يده ونظرت إليه بنظرات قوية ومصممة.
" أنا لن أتخلى عنك يا محمد أبدا، حتى لو تزوجت فلن يمنعني أحد من زيارتي لك وثانيا...".
تركت يده ورفعت رأسها بشموخ وثقة تألقت بوجهها، وقالت:
" أنا لن أتزوج أبدا ".
" مريم!! ".
قالتها الجدة بصدمة، التفتت نحوها وقالت بجرأة اعتادتها الجدة وعيونها تتألق بتصميم:
" نعم جدتي، فلا رغبة لي بالزواج في الوقت الحالي ".
تنهدت الجدة براحة ولم تدعها تكملها، لتنظر إليها عاجزة أمام رغبتها.
" فأنا أمامي مستقبل أفكر فيه والزواج ليس من ضمنها، دراستي أهم بكثير من رجل يتحكم بحياتي وبمصيري، وربما يدمر مستقبلي ".
شاهدت فم الجدة يتحرك بالرفض فبادرتها:
" هذا قراري النهائي ولا رجعة فيه!! ".
نهضت من مكانها ودخلت للداخل، وتطلع الجميع ناحيتها منهم بإعجاب ومنهم بخوف من حياة تخشى الرحيل عنها، تاركتا خلفها فتاة وحيدة تكون عرضة للذئاب التي تنتظر الفتاك بها.
وصل لمنزل عائلته وترجل منها ودخل للمنزل ونادى بصوت عالي لينبه الجميع بدخوله، لأن اثنين من أشقائه المتزوجون يسكنون بنفس المنزل مع زوجاتهم وأطفالهم، كانت تلك هي رغبته أيضا بعدم الابتعاد من منزل العائلة، لكن والدته من ألحت عليه بالسكن هو وزوجته لوحدهما كي ينعما بالراحة دون أي إزعاج، رفض في البداية لكنها أصرت وغضبت منه، فهذه ابنة أختها وترغب لها بالراحة فرضخ لأمرها مجبرا.
سلم على الجميع وعانق والديه وطبع قبلة على رؤوسهم، وجلس يشرب القهوة، أرادت والدته إحضار الافطار له، لكنه رفض وأخبرها بأنه قد أكل عند جدته وبعدها سألته عن زوجته، فابتسم بتهكم وقال:
" عند والدتها أين ستكون!! ".
" كيف حال والدتي؟ ".
سأله الأب مغيرا الحديث عندما شاهد زوجته على وشك قول شيء ما.
" إنها بخير أبي، لا تخشى شيئا، تعرف أن مريم لن تغفل عن صحتها ".
" نعم أعرف، فمريم فتاة يعتمد عليها ".
هز سلطان رأسه موافقا
" هل سمعت بما حدث بالأمس مع النساء؟ ".
" نعم، أخبرتني الجدة بما حصل ".
قالت الأم غاضبة:
" هم لا يستحقون مريم، وما فعلته والدة الفتى شيئا لا يصدق أبدا، لكن ما يفرح بالموضوع هو ما قالته مريم لهم ليصعقوا ويرحلوا وهم صاغرين ".
فتذكرت ما حدث بالتفصيل....
عندما دخلت مريم بأناقة بجلابيتها الزيتونية الواسعة المطرزة بألوان ذهبية وفضية وترتدي ( شيلتها ) السوداء مطرزة من الأمام بلون ذهبي، ووجهها صافي وخالي من مساحيق التجميل، فقط عينيها هي من تجملت بكحل عربي أعطى لوجهها حدة ورونقا وفتنة ( كانت جميلة ), ووضعت القليل من ملمع الشفاه.
سلمت على الحضور وجلست بجانب جدتها، فشاهدت الامتعاض على وجه والدة العريس ما أن رأتها، فعلمت بأنها لم تعجبها.
حزنت عليها فهم يرون شكلها ولا يرون أخلاقها وطيبتها، ففاجأتهم المرأة بقولها فهي لم تنتظر لليوم التالي لتقول رأيها بل قالته بوجههم وبصراحة.
بأن مريم سمينة جدا، وهي تريد لابنها الطبيب فتاة جميلة ورشيقة تناسب مكانته العالية ووضعه كطبيب مشهور بالجراحة، ومريم لا تتوافق بها هذه الشروط.
بهت الجميع من صراحتها إلا مريم التي ظلت تنظر إليها بسخرية، واشترطت عليها إن كانت تريد الزواج من ولدها أن تخفف من وزنها
فوقفت ونظرت إليها من عليائها وبشموخ لم تره قط سوى في تلك الفتاة الصغيرة
" وأنا ولدك لا يشرفني الزواج به، ولا يشرفني أن أمتنع عن اسم عائلتي لأحمل اسم غير ذي شأن مثل عائلتكم المتواضعة، فأنا لم أسمع بحياتي كلها عن اسم قبيلتكم ".
" كيف....".
رفعت كفها بعلامة الصمت وأكملت:
" أنتم من أتيتم لتسعوا لضم اسمكم لاسم عائلتي العريق، وأنا أرفض أن يزحف شخص غريب ويلوث اسم قبيلتي ".
ثم رحلت وتركتهم يتلظون بنار حارقة من كلامها الساحق والحقيقي، حملوا أنفسهم وغادروا.
عادت لحاضرها وهي تنظر لأولادها وتمنت لو كان لديها ولد آخر ما كانت ستختار له سوى مريم زوجة له.
غادر منزل عائلته متوجها لمنزله بعد أن أمسكت به والدته وأمرته بالبقاء ليتغدى معهم، فلم تكن لديه فرصة للرفض.
دخل منزله فأستقبله جسد ناعم الملمس تفوح منه أرقى العطور وكلمات قيلت بدلال وغنج لا تصدر سوى منها هي، نظر إليها للحظات ليحملها بذراعيه القويتين وسار بها لغرفته ليغلق الباب خلفه.
********************
ملامح غشتها ظلال الشوارع، فالليل قد التحف السماء، وظللها بلباسه راحة للأجساد والأهم راحة للأنفس المرهقة من مشاعر جديدة وعواطف غريبة اكتسحت كيانه وكسر قاعدة وضعها لينعم بالراحة، تساءل بداخله وقد كثرت تساؤلاته في الآونة الأخيرة.
" ماذا يحصل معه؟! ".
كره ما يشعر به، بل هو غاضب من هذه الأحاسيس التي لا يعرف ما هي وهو يكره كل ما لا يعرفه!!؟
وصل لمنزله وترجل من سيارته ثم صفق الباب ومشى ناحيته بخطوات واثقة كمن في مركزه وهيبته.
دخل للمنزل فطالعه الهدوء، فعقد حاجبيه بتعجب لما هذا الهدوء الغريب؟
تقدم عدة خطوات ناحية غرفة النوم فتح الباب على مصرعيه فضربه سكون الغرفة، تراجع للخلف باتجاه المطبخ فكان الهدوء هو المسيطر
لحظات ليغلق عينيه بسكينة وهدوء يتلذذ بهذا الصمت المريح لذهنه المرهق من أفكاره الجانحة.
فتح عينيه وسار باتجاه غرفة النوم خلع دشداشته والحمدانية ورماها بإهمال فوق كرسي الزينة ورمى بجسده العضلي بإرهاق نفسي قبل أن يكون جسدي على السرير, ووضع ذراعيه خلف رأسه ونظر للسقف بتأمل كأن الجواب سيطالعه من السقف المزخرف بنقوش جميلة.
تنهد بصوت عالي حملت الحيرة والغضب من شيء لا يستطيع الامساك به، يكره ما يصيبه!! فهو سلطان النعيمي لا يعجز عن القيام بأي شيء، ولديه من المعلومات ما تشمل موسوعة علمية من جميع الكتب لكن هذا الشيء!!!
رنين الهاتف المزعج قطع بحثه المضنِ عن دواء لعلته التي خرجت له من حيث لا يدري!!
التفت للهاتف الموضوع فوق طاولة بالقرب من السرير، مد يده ليتلقفه وطالعه رقمها ليضرب جبهته كمن تذكر شيء ما، لقد نسي إحضار زوجته من منزل عائلتها، لا عجب أن الهدوء هو من استقبله بترحاب أراده بهذه " اللحظة ".
هدئ الهاتف لثواني فقط، ليصدح صوته من جديد فتأفف وعبثت أصابع بشعره الناعم، وأخذ أنفاسا طويلة ثم تركها تخرج لتأخذ معه الضيق الذي تسلل لصدره بغفلة منه
" أين أنت؟ ".
قالتها بصوتها الحاد والمزعج فلقد اكتشف بأن زوجته تفتقد للأسلوب المهذب بالتعامل مع الآخرين
" سلمى!! أخبرتك عدة مرات إياك والصوت العالي بحديثك معي، وثانيا تعرفين مدى كرهي من امرأة تسأل أين كنت؟!! ومع من كنت؟ ".
" حبي لم أقصد أن.... ".
قاطعها بغضب:
" والأهم، اياك ومقاطعتي أثناء حديثي هل هذا مفهوم؟! ".
" أجل حبي، أنا أفهم هذا. لكن كنت...كنت خائفة من أنك لم تتصل ولم تحضر لأخذي من منزل والدتي؟ ".
" أجل لم أحضر ولن أحضر ".
شهقة عالية سمعها في الطرف الآخر وتحدثت معه بصوت ملأه الخوف:
" ماذا تقصد حبي من أنك لن تحضر لأخذي؟ ".
" لقد طلبت منك الذهاب للمنزل مباشرة، لكنك أردت الذهاب لمنزل والدتك كأنك لم تريها منذ مدة طويلة، والعجب بأنها كانت معك طوال الوقت ولم تفترقا أبدا فهي كانت معنا بشهر العسل!! ".
قالها بعصبية:
" أجل....".
قاطع حديثها بصرامة.
" سأحضرك غدا فأنا متعب وأريد النوم ".
" حبي، لا عليك، لا بد وأن ارهاق السفر قد استبد بجسدك وقيادتك للسيارة طوال الطريق لذهابك لمنزل جدتك البعيد أثر عليك، أخبرتك أن لا تذهب اليوم وأن تذهب غدا بعد أن ترتاح لكنك رفضت ".
انحرفت شفتيه بابتسامة متهكمة وقال:
" وأين أبقى معك..في منزل والدتك؟ ".
" وأين المشكلة في المبيت بمنزل والدتي؟! تعرف بأنها جهزت لنا جناحا خاص لنبيت معها ".
" سلمى، أخبرتك عدة مرات بأنني لا أحب النوم في مكان آخر، وثانيا أذهب أينما أريد ومتى ما أردت ".
" إذا سأخبر السائق بأن يعيدني للمنزل ".
" لا... ".
" لا... ماذا تقصد بلا؟! ".
" لا تحضري. ابقي مع والدتك اليوم، وغدا تعالي. ألست مشتاقة لها كثيرا إذا فابقي معها لتشبعي ".
" سلطان!! ".
رفعت السماعة من على أذنها وطالعتها بتعجب.
" لقد أغلق الهاتف بوجهي "
سرى الغضب بداخلها ورمت الهاتف فوق الأريكة وهي تلعن وتسب حظها السيء بهذا الزواج التعيس، بالرغم من أنه يوفر لها كل شيء إلا أنها استصعبت الأهم ألا وهو جعله خاتم بإصبعها.
في الجهة الأخرى أغلق الهاتف من زوجته ثم أجرى اتصال آخر وبعدها أطفأ الهاتف كليا كي لا تتصل به زوجته وتزعجه بطلباتها، وعاد ليفكر بحاله وبزواجه لقد تخيل بأنه سيرتاح مع ابنة خالته وبأنها المرأة المناسبة له، امرأة باردة خالية من العواطف والمشاعر الغبية التي تشعرها كل فتاة، أراد امرأة واقعية تعرف ما تريد، لن تسأله ولن تفرض رأيها، امرأة مطيعة راضية بما يقدمه لها من حياة الثراء التي تحلم بها كل واحدة وهي كانت الأنسب، لكنها أظهرت العكس تماما مما يريد، فهي كانت تصبوا للأعلى، أرادت سلطان النعيمي بكامله، اعتقدت بأنها أمهر اللاعبين ولم تعرف بأنها تلاعب الشيطان بنفسه.
ابتسم بتهكم.. يعرف ما تريد من البداية فهو ليس بغبي، فسايرها بلعبتها، فهو بالنهاية أراد زوجة تناسب متطلباته وتنجب له أبناء ليحملوا اسمه، ولم يجد فتاة تناسبه من بين عائلته، فأكثرهن متزوجات والباقي منهن صغيرات، صغيرات جدا عليه.
غط في النوم قبيل الفجر فالأرق قد صار رفيقه هذه الليلة.
استيقظ على صوت آذان الفجر فتململ بفراشه وشعر بعضلاته متشنجة، اعتدل بجلسته وفرد ظهره ودار بخصره بحركة سريعة يمين ويسار ليسمع صوت تكتكة عظامه ليتنهد براحة.
قفز من فراشه واتجه ناحية الحمام ليستحم بمياه دافئة تعيد لجسده نشاطه، توضئ ثم خرج ملتحفا بمنشفة حول خصره ومنشفة أخرى صغيرة يجفف بها رأسه المبلول، ارتدى ملابسه وخرج من غرفة نومه وتوقف لدقائق ينظر لطاولة الطعام الخالية وانزوت شفتيه بابتسامة وأسر لنفسه..
"هل اعتقدت بأنها ستحضر مبكرة وتجهز لك افطارك؟! أنت واهم!! ".
خرج من منزله وأغلق الباب واستقل سيارته وذهب للمسجد ليصلي وبعد انتهائه توجه لمنزل يعرف بأنه سيستقبله بترحاب وبطعام سيكون متوفرا ويحمل كل ما لذ وطاب.
وصل لوجهته وأوقف سيارته وترجل منها يطالع المنزل بنظرات غريبة، باشتياق غريب يجتاح جسده لأول مرة، وبلهفة لرؤيتها ليشاكسها ويرى تجهمها وتوقد نظراتها ثم تتحول وتتغير لتلتبس تلك الابتسامة الشقية على شفتيها الورديتين، فهذا إن يدل على أنها ستدخل المعركة وستتغلب عليه، سمع صوت انتشله من حالة التوهان التفت لينظر لصاحبه:
" مرحبا بابن العم كيف حالك؟ ".
" أنا بخير، كيف حالك محمد؟ ".
" بخير والحمد الله، تفضل للدخول لما تقف بالخارج؟! ".
" أعتذر، لقد جئت بوقت غير مناسب ولم أعرف إن كنتم مستيقظين أم لا؟! ".
طالعه محمد بنظرات مستنكرة.
" أنت تمزح بالتأكيد!! أنت تعرف بأننا نستيقظ فجرا كل يوم وهذا ليس بجديد، أم تريد من والدتي أن تعلقنا على حبل المشنقة!! ".
فقارن قوله بلف حمدانيته على رقبته ورفع الطرف الآخر كحبل وتدلى لسانه من فمه ليضحك الاثنان، فهم يعرفون كم هي الجدة ملتزمة بأداء فروضها وتشمئز ممن لا يلتزم بدينه وعبادته.
" أدخل يا سلطان ولا تخجل ".
" حسنا، تفضل أنت الأول وخذ لي طريق ".
تقدم محمد للداخل وهو ينادي بصوت عالي بأن معه ضيف، فشعر بعدها بأحدهم يشد بشعره فتأوه بألم:
" ما الأمر؟ ".
" هل تراني ضيف؟؟ أنا من أهل المنزل وتقول عني ضيف!! ".
" إذا... لما لم تدخل مباشرة دون الاستئذان بالدخول؟ ".
" أنسيت بأن لك شقيقة بالداخل؟ ".
" تقصد مريم!! أجل تذكرت، مريم شقيقتي، ما بها؟ ".
قالها وهو يفرك رأسه بتفكير، رفع سلطان رأسه للأعلى يتجلد بالصبر كي لا ينقض ويفتك بهذا الصبي الذي أمامه، نظر إليه بنظرات حارقة فتراجع محمد للخلف في جزع.
" اهدئ يا رجل!! كنت أمزح معك فقط، أنت لا تتحمل المزاح أبدا ".
قاطع حديثه صوت جدته المرحب فيه:
" يا مرحبا بولدي، يا مرحبا بالغالي، أدخل يا بني أدخل ".
قالتها الجدة بفرح وهي ترى حفيدها في المنزل.
اقترب سلطان منها وأمسك رأسها وقبلها باحترام ثم طبع قبلة على كفها، وابتعد، اقترب محمد وفعل المثل لتدعو لهم بطول العمر والرزق الكريم والحفظ من كل شر.
" كيف حالك يا جدتي؟ ".
" أنا بخير وبصحة جيدة، متى وصلت يا بني من سفرك؟ ".
" وصلت بالأمس جدتي ".
" هل استمتعت ببلاد الكفار؟!! لا أعرف لما سافرت هناك وبلادنا ما شاء الله تزخر بالأماكن الجميلة، هل بلادهم أجمل من بلادنا؟ ".
" لا يا جدتي، بلادنا أجمل بكثير من بلادهم ".
" إذا لما ذهبت إلى هناك؟ ".
" لا أريد أن يقال بأن سلطان النعيمي لا يستطيع أخذ زوجته لشهر العسل ".
" نعم، نعم!! الناس!! ماذا نأخذ من ورائهم غير وجع الرأس؟! ".
قالتها بعدم اكتراث ثم التفتت ناحية محمد وقالت:
" أين مريم؟! أذهب وأنظر إذا انتهت من تجهيز الفطور؟ ".
" لا تقلقي يا أمي، لا بد وأن الإفطار جاهز وستحضره بعد قليل ".
" إذا لما جلوسك هنا؟! لما لا تذهب وتساعدها بإحضاره؟! أم تريدها أن تخدمك وتجلبه لمكان جلوسك هيا انهض واذهب لمساعدتها ".
حادثه سلطان وبصرامة، لينهض محمد طائعا لأوامره دون نقاش ويلتفت لجدته وينخرط معها بحديث عن شيء مهم .
" جدتي لقد وصلتني معلومات عن الرجل الذي جاء لخطبة مريم، وهي لا تبشر بالخير؟ ".
نظرت إليه الجدة بعيونها الحادة وقالت:
" وما أدراك أنت بأن هناك من جاء ليخطبها؟! ".
" لقد كنت متواجدا عندما طلب يدها ".
قالها بضيق شعر به يخنق صدره.
" هل كنت تعرف مسبقا بقدومه؟ ".
" لا، فأنا قدمت لزيارتك بعد وصولي من المطار مباشرة، فتفاجأت بالضيوف بالمنزل ولم أستطع رؤيتك فقد غادرت فورا عائدا للمنزل ما أن رحل الزوار ".
هزت الجدة رأسها ثم حدقت إليه بعيون صقرية حادة فباغتته بسؤالها:
" بالأمس فقط جاء الرجل، وأنت تقصيت عنه بهذه السرعة؟! ".
تململ بجلسته على أثر نظرات جدته المدققة وأسئلتها التي لم يتوقعها.
" ولما لا؟! خير البر عاجله، وأنا ارتأيت أن تعرفوا بالتفاصيل قبل أن تتعبوا أنفسكم بتفكير لا طائل منه ".
رفعت الجدة حاجبيها وقالت بتهكم:
" لقد أتعبت نفسك بالبحث يا بني، فصاحبة الشأن قالت كلمتها ".
عقد حاجبيه بعدم فهم وقلبه بدأ يقصف كقنابل توشك على تفجير أضلاعه، وقال:
" لما؟! هل أعطيتم الموافقة مسبقا؟! لما التسرع جدتي لم أعهدك مستعجلة؟ ".
قاطعته الجدة بصرامة لاتهامه بالموافقة بالسرعة دون التريث بالأمر.
" سلطان أنا لا أبيع ابنتي بالرخيص، أختار لها الرجل الذي أعرف بأنه سيحافظ عليها ويصونها، أختار لها العائلة التي أعرف بأنها ستضعها بين رموشها ولا أرمي بابنتي بالتهلكة!! ".
" لم أقصد ما قلته جدتي، فكلامك أوحى لي بأنكم قد وافقتم على الرجل ".
قالها بضيق شعرت به الجدة، وتأملت حفيدها تنظر لهذا الهجوم من قبله وعلامات السهد والأرق واضحة بملامحه وتحت عينيه، لتلمع عينيها بنصر فأخفضتهما ناحية مسبحتها وابتسامه توسدت شفتيها، شعرت بكفها يسحب وبقبلة تطبع على ظاهرها.
" أنا آسف جدتي، لم أقصد ما قلته، فأنا لا أعرف كيف قلت ما قلته!! ".
ربتت الجدة على يده وقالت:
" لا عليك يا بني، فهذه نتائج التسرع، علينا أن نأخذ الأمور بروية وصبر وأن لا نستعجل بما نريده، فكلما طال الصبر كلما استمتعت بعدها بأخذ ما أردته بسهولة، تذكر كلماتي يا بني، تذكرها ولا تنسها ".
" إذا؟ ".
تنهدت الجدة فلا مفر من معرفته لما حدث، فالخبر بالتأكيد سينتشر بين الناس
" لقد أخبرتهم برفضها بالأمس ".
التقى حاجبيه بعدم فهم، فزفرت الجدة وبدأت تسرد له ما حدث
بالتفصيل.........
تألقت عينيه وتحول بياضها لاحمرار لاهب شعرت به الجدة سيحرق كل ما هو أمامه، إحساس ورغبة بالذهاب وقتل المرأة التي أهانت ابنة عمه في عقر دارها، انتشله من دوامة مشاعره صوت جدته تخبره بالهدوء وعدم الاقدام على شيء يرد به اعتبار مريم
" لقد أخذت مريم حقها منهن البارحة ولا داعي لما تفكر فيه ".
" وما أدراكي بما أرغب بفعله؟ ".
قالها وهو يشد على أضراسه يطحنها بقوة، ابتسمت العجوز وقالت:
" صحيح أنني لم أنجبك، لكنني ربيتك وأعرف ما يفكر فيه أبنائي ".
هدأت ملامحه وأصابته عدوى الابتسامة لتتألق شفتيه بهما، قاطعهما قدوم محمد مع مرحه المعتاد.
" أتضحكون لوحدكم دون وجودي!! هذا لا يجوز ولا يصلح بين قبائل العرب ".
ابتسم سلطان لفكاهته وحملت الجدة شبشبها وقذفته ناحيته، فتراجع عنها بسرعة كادت أن تصيبه، فرفع حاجبيه بحركة مغيظة لجدته.
" لقد أخطأت التصويب ".
ليقطع حديثه ويتراجع للخلف بسبب الضربة التي توسدت صدره من قبل الجدة التي باغتته بسرعة بضربه ثانية. استغلت انشغاله بالسخرية من عدم إجادتها إصابته، لتنفجر الجدة مقهقه بصوت عالي ويتبعها سلطان ضاحكا على وجه المصدوم.
لمحتها عيناه تقف بعيدة، تنظر إليهم بابتسامة مشرقة، تأملها من طرف عينيه بلباسها المحتشم والواسع ( مخور ذات نقوش ملونه بحسب لون القماش الذي ترتديه بلون أخضر ممزوج مع اللون الأبيض بورود صغيرة ) وشيلتها تزين رأسها مربوطة بإحكام كي لا تفلت ويظهر شلال شعرها الأسود الطويل والناعم كما يحبه أن يكون عندما شاهده بالصدفة.. فبغير صدفة يستحيل أن يراه!!
أشاح بعينيه بعيدا كي لا يكتشف أحدهم تأمله لها، لكنه كان متأخرا.
تقدمت مريم تقطع وصلة ضحكهم، سلمت على ابن عمها ثم وضعت صحون الإفطار بما تحتويه من كل ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية. ساعدتها الخادمة بإحضار باقي الفطور ليسيل لعاب الجالسين وتصدر معدتهم أصوات تدل على عدم تمكنها من الانتظار، نظر بإعجاب لما يراه، أصناف بأشكال وألوان تنادي بأكلها مغمض العينين تعرف دون أن تتذوق بأنها لذيذة.
باشروا بتناول الطعام وجلست هي بجانب جدتها وأخذت تأكل بخجل من وجود ابن عمها، فتناولت القليل مما أمامها، رفعت عينيها تنظر إليه عندما بدأ بإبداء إعجابه بطعامها فهذه لم تكن المرة الأولى التي يتناول طعامه في منزل جدته فهو يحاول قدر الإمكان أن يأتي ليتناول ما تعده مريم من وجبات فهي فاقت الشيفات بالطبخ، رفع نظراته إليها فتشابكت عينيهما واتسعت شفتيه بابتسامة وقحة بمن أمسك بالجرم، فقالت بصوت هامس:
" شكرا يا ابن العم ".
أشاحت بوجهها مرتبكة من اتساع ابتسامته، فاحمرت وجنتيها بحمرة الخجل ولعنت نفسها لتحديقها فيه.
انسحبت ابتسامته فجأة وظل يحدق بملامحها البريئة وتأمل تألق وجهها، بتخضب وجنتيها وخجل فطري ولدت عليه النساء، أخفض رأسه مجبرا نفسه بأن يتوقف عما يفعله!!
بحق السماء إنها مريم، مريم التي تشاكسها وتسخر منها وتنتظرها لترى ردة فعلها، تتركها تتغلب عليك بل تفوز عليك وبجدارة!! هي الوحيدة القادرة على هزمك!! إنها مريم ابنة العم الصغيرة.
اختلس نظراته نحوها وتجولت عليها فازدرد ريقه بصعوبة وهمس لنفسه:
" لا هي لم تعد صغيرة، لقد أصبحت شابة وكبيرة، والرجال يتهافتون لخطبتها ".
نهض واقفا وهو يردد:
" الحمد الله، نعمة دائمة إن شاء الله ".
" لم تأكل شيء يا بني؟ ".
" جدتي!! لقد أكلت نصف الطعام وذلك المفجوع أكل النصف الآخر "
غص محمد بطعامه وسعل فناولته مريم الماء وهي تمسد ظهره بحنان وأمومة وتسمي عليه، تسمر سلطان بمكانه واقشعر جسده بلذة غريبة وعيونه تتابع يدها ترتفع وتنزل بنعومة ورقه على ظهر شقيقها, شعر بيدها البيضاء على جلده الأسمر تتحرك وأنفاسها المشتعلة قريبة من وجهه وعيونها تنظر إليه بحب.
اجترح أنفاسا عميقة يسحبها كما يسحب تلك العواطف التي هزت كيانه، وصورة له ولها بين أحضانه أشعلت جسده بنار حارقة رغبها وبنفس اللحظة أخافته.
تراجع للخلف ومشى بخطوات سريعة ليدلف للحمام ويغلق الباب خلفه يتنفس بصعوبة.
رفع رأسه وطالعته صورته المنعكسة في المرآة، عيون عاصفة بالمشاعر، ورغبة عنيفة هزت جسده، أزاح الحمدانية من على رأسه ورماها فوق الطاولة وفتح صنبور الماء البارد وأدخل رأسه لتهدئ من ارتعاشه جسمه الراغب بطفلة!!
" إنها طفله يا سلطان!! ماذا دهاك لترغب فيها إنها فـ 19 فقط؟! ".
نهر صورته المنعكسة بالمرآة بعجز، ودون إرادة انخفضت أنظاره ناحية الخاتم المتوسد اصبعه فأغمض عينيه.
استأذن سلطان وخرج من منزل الجدة بعد أن جلس معها لوحدهما لدقائق، واستقل سيارته شاردا محدقا للأمام دون أن يرى ما أمام ناظريه، فعقله سرح بكلماتها القوية التي بزقتها دون تردد كما شخصيتها الفذة التي دائما ما تبهره وتفاجئه بأشياء لا تخطر على بال، فتذكر الحديث الذي دار بينها وبين أخيها فبعد أن خرج من الحمام أراد أن يودع جدته ويرحل فبقائه معها بنفس المكان وبأفكاره المجنونة خشي أن يرتكب حماقة ما، لكن كلمات محمد أجلسته وجعلته ينصت لما سيقال ولا ينكر بأن كلماتها أراحته، فصورتها مع رجل آخر تقتله وتجعله يشعر بالرغبة بالقتل!!
محمد:
" أختي حبيبتي أنت لن تتخلي عني بعد زواجك، أليس كذلك؟ ".
" ما هذا الكلام يا محمد؟ ".
نهرته الجدة.
" ما أقوله صحيح يا أمي، فالفتاة ما أن تتزوج تنسى عائلتها، ويغدوا زوجها هو عالمها، وتأتي فقط مرة كل شهر ".
" من قال لك هذا؟ ".
سألته مريم متعجبة من حديثه.
" أنا لست بغبي ولست بطفل فأنا أرى وأشاهد وأسمع...".
قاطعته مريم بإمساكه يده ونظرت إليه بنظرات قوية ومصممة.
" أنا لن أتخلى عنك يا محمد أبدا، حتى لو تزوجت فلن يمنعني أحد من زيارتي لك وثانيا...".
تركت يده ورفعت رأسها بشموخ وثقة تألقت بوجهها، وقالت:
" أنا لن أتزوج أبدا ".
" مريم!! ".
قالتها الجدة بصدمة، التفتت نحوها وقالت بجرأة اعتادتها الجدة وعيونها تتألق بتصميم:
" نعم جدتي، فلا رغبة لي بالزواج في الوقت الحالي ".
تنهدت الجدة براحة ولم تدعها تكملها، لتنظر إليها عاجزة أمام رغبتها.
" فأنا أمامي مستقبل أفكر فيه والزواج ليس من ضمنها، دراستي أهم بكثير من رجل يتحكم بحياتي وبمصيري، وربما يدمر مستقبلي ".
شاهدت فم الجدة يتحرك بالرفض فبادرتها:
" هذا قراري النهائي ولا رجعة فيه!! ".
نهضت من مكانها ودخلت للداخل، وتطلع الجميع ناحيتها منهم بإعجاب ومنهم بخوف من حياة تخشى الرحيل عنها، تاركتا خلفها فتاة وحيدة تكون عرضة للذئاب التي تنتظر الفتاك بها.
وصل لمنزل عائلته وترجل منها ودخل للمنزل ونادى بصوت عالي لينبه الجميع بدخوله، لأن اثنين من أشقائه المتزوجون يسكنون بنفس المنزل مع زوجاتهم وأطفالهم، كانت تلك هي رغبته أيضا بعدم الابتعاد من منزل العائلة، لكن والدته من ألحت عليه بالسكن هو وزوجته لوحدهما كي ينعما بالراحة دون أي إزعاج، رفض في البداية لكنها أصرت وغضبت منه، فهذه ابنة أختها وترغب لها بالراحة فرضخ لأمرها مجبرا.
سلم على الجميع وعانق والديه وطبع قبلة على رؤوسهم، وجلس يشرب القهوة، أرادت والدته إحضار الافطار له، لكنه رفض وأخبرها بأنه قد أكل عند جدته وبعدها سألته عن زوجته، فابتسم بتهكم وقال:
" عند والدتها أين ستكون!! ".
" كيف حال والدتي؟ ".
سأله الأب مغيرا الحديث عندما شاهد زوجته على وشك قول شيء ما.
" إنها بخير أبي، لا تخشى شيئا، تعرف أن مريم لن تغفل عن صحتها ".
" نعم أعرف، فمريم فتاة يعتمد عليها ".
هز سلطان رأسه موافقا
" هل سمعت بما حدث بالأمس مع النساء؟ ".
" نعم، أخبرتني الجدة بما حصل ".
قالت الأم غاضبة:
" هم لا يستحقون مريم، وما فعلته والدة الفتى شيئا لا يصدق أبدا، لكن ما يفرح بالموضوع هو ما قالته مريم لهم ليصعقوا ويرحلوا وهم صاغرين ".
فتذكرت ما حدث بالتفصيل....
عندما دخلت مريم بأناقة بجلابيتها الزيتونية الواسعة المطرزة بألوان ذهبية وفضية وترتدي ( شيلتها ) السوداء مطرزة من الأمام بلون ذهبي، ووجهها صافي وخالي من مساحيق التجميل، فقط عينيها هي من تجملت بكحل عربي أعطى لوجهها حدة ورونقا وفتنة ( كانت جميلة ), ووضعت القليل من ملمع الشفاه.
سلمت على الحضور وجلست بجانب جدتها، فشاهدت الامتعاض على وجه والدة العريس ما أن رأتها، فعلمت بأنها لم تعجبها.
حزنت عليها فهم يرون شكلها ولا يرون أخلاقها وطيبتها، ففاجأتهم المرأة بقولها فهي لم تنتظر لليوم التالي لتقول رأيها بل قالته بوجههم وبصراحة.
بأن مريم سمينة جدا، وهي تريد لابنها الطبيب فتاة جميلة ورشيقة تناسب مكانته العالية ووضعه كطبيب مشهور بالجراحة، ومريم لا تتوافق بها هذه الشروط.
بهت الجميع من صراحتها إلا مريم التي ظلت تنظر إليها بسخرية، واشترطت عليها إن كانت تريد الزواج من ولدها أن تخفف من وزنها
فوقفت ونظرت إليها من عليائها وبشموخ لم تره قط سوى في تلك الفتاة الصغيرة
" وأنا ولدك لا يشرفني الزواج به، ولا يشرفني أن أمتنع عن اسم عائلتي لأحمل اسم غير ذي شأن مثل عائلتكم المتواضعة، فأنا لم أسمع بحياتي كلها عن اسم قبيلتكم ".
" كيف....".
رفعت كفها بعلامة الصمت وأكملت:
" أنتم من أتيتم لتسعوا لضم اسمكم لاسم عائلتي العريق، وأنا أرفض أن يزحف شخص غريب ويلوث اسم قبيلتي ".
ثم رحلت وتركتهم يتلظون بنار حارقة من كلامها الساحق والحقيقي، حملوا أنفسهم وغادروا.
عادت لحاضرها وهي تنظر لأولادها وتمنت لو كان لديها ولد آخر ما كانت ستختار له سوى مريم زوجة له.
غادر منزل عائلته متوجها لمنزله بعد أن أمسكت به والدته وأمرته بالبقاء ليتغدى معهم، فلم تكن لديه فرصة للرفض.
دخل منزله فأستقبله جسد ناعم الملمس تفوح منه أرقى العطور وكلمات قيلت بدلال وغنج لا تصدر سوى منها هي، نظر إليها للحظات ليحملها بذراعيه القويتين وسار بها لغرفته ليغلق الباب خلفه.
