رواية عديل الروح الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل السابع - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
********************
مشاعر تطفوا، أحاسيس تكسوا، قلب ينبض يكاد يتفجر من غبطة العواطف التي يختزنها، ودم يغلي، وصورة تتجلى أمامه بملامحها ليشتعل جسده راغبا بها يتوق لينهل من شهد شفتيها.
اقترب منها فتجولت أصابعه على صفحة وجهها تتلمس بشرتها النقية والنضرة، عيناه التحفت بعواطف تصهره، وازدادت وتيرة أنفاسه وتسارعت دقات قلبه.
انحنى عليها فلمست شفاهه النابضة الراغبة شفتيها برقة فراشة تحط على بتلات الزهرة بخفة، قبلة أخرى متذوقة ثم أخرى منتشية وشفتيه تنهل من عسلها باستمتاع وشوق....
استعرت المشاعر بداخله وتحولت لطوفان جارف ليحتضنها بقرب جسده المتقد بحرارة دمه الثائر بامتلاك هذا الجسد الذي يدعوه بكل ترحاب ليغوص بين ثنايا أنوثته الساحقة لرجولته الخشنة.... يكاد يدخلها بين أضلاعه.
تحركت يداه بنهم على جسدها يستشعر نعومتها كما تمنى وتخيل, وقبلته اجتاحت شفتيها بعمق يطالبها بأن تبادله إياه!!
شعر بها تطوقه بذراعيها تطالبه بالمزيد لينتشي برغبتها فيه، ليزيد ويبحر بعواطفه المشبوبة معها.
عادا من رحلتهما بأنفاس لاهثة وعرق تنسم مساماتهما، أغمض عينيه يتلذذ طعم هذه المعركة الرابحة, بهذه اللحظة، ليغرق وجهه يستنشق عبير جسدها المختلط برائحة جسده، مرغ وجهه برقبتها يستطعم طعمها، يشعر بأنه سينفجر من الأحاسيس التي اكتسحت كيانه وبلذة استشعرها معها فقط، أرادها مرة أخرى أراد أن يغرق من جديد بتلك الكيمياء المحرقة التي يجربها لأول مرة بحياته.
صوت من بعيد انتشله من غبطة عواطفه.
" سلطان حبي!! وااااااااو ".
قالتها بانتعاش وبمشاعر نارية أحستها لأول مرة منذ زواجهما، عادت تناديه تحاول إزاحته من فوقها بعد أن طال مكوثه، ليستيقظ من غفوته، ابتعد عنها وعلى شفتيه ابتسامة تألقت لها، ليفتح فمه ويخرج حروفا أراد أن يهمس بها لتتوقف على أطراف لسانه وينتفض ويبتعد فجأة ويوليها ظهره جالسا على طرف السرير وعلى ملامحه أثار صدمة، شعر بجسدها العاري يحتضن ظهره وأنفاسها تضرب وجهه قائلة بدلال:
" كانت جولة مدهشة حبي ".
غمغم ببضع كلمات غير مفهومة ثم أبعدها دون أن ينظر ناحيتها واتجه للحمام وأغلق الباب خلفه بالمفتاح واستند عليه وعينيه جاحظة شاخصة للأمام وأحداث ما جرى للتو مازالت تعصف بجسده، فرك وجهه بقلة حيلته وهمس لنفسه:
" هل وصل بك الحال لتتخيلها بزوجتك ".
فتح الماء البارد لتلسعه برودته لكنه لم يهتم، أراد أن يزيحها من داخله، شعر بطعم الخيانة بتفكيره بأخرى، لطالما كره الخيانة بأنواعها وأعتقد بأنه معصوم منها لكن...
خرج من الحمام يلتحفه الهدوء، ارتدى بيجامته ثم خرج باتجاه المطبخ يعد له القهوة العربية التي يحتاجها وبقوة لتفتح عقله المسافر في بحور الأحلام...
جلس يشرب فنجان تلو الفنجان وعقله بدأ يعود لحالته الطبيعية بعد أن كان بحلة من السُكرِ والنشوة.
جلست أمامه تبتسم له وعينيها تلتهم وجهه الوسيم ورجولته الساحقة، فقالت بنعومة:
" أتعرف ماذا اكتشفت؟! ".
لم تمهله ليرد وواصلت حديثها...
" أن لغيابي فعل سحري، فيبدوا أن بعدي عنك قد زاد من اشتياقك لي ".
ابتسم بوقاحة وحدث نفسه:
" أجل.. لو كنت تعرفين من كنت أتخيلها فيك؟؟ "
ازدادت ابتسامته اتساعا خلف فنجان القهوة وهو مازال يحدث نفسه:
" ماذا سيكون رأيها هي لو شاهدتني كيف أتخيلها؟؟ "
قهقه بصوت عالي وهو يتخيل ملامحها المصدومة ثم خجلها أو ربما ستصرخ بوجهه أو...
" سلطان.. ما بك؟؟.. لما تضحك هكذا؟؟.. هل قلت ما يضحك؟! ".
شرب فنجان قهوته الباردة ثم قال ببرود عاد إليه من جديد:
" لا شيء، تذكرت موقف مضحك مع زميل لي بالعمل ".
سكب لنفسه فنجان آخر ليتعلق بالهواء.
" هل صحيح أن مريم قد جاء أحدهم لخطبتها؟؟.. وهو الطبيب الذي عالجها؟! ".
رفع عينيه إليها وشاهد الامتعاض على ملامحها، لا يعرف لما تكرهها!!.. الجميع يحب مريم!! فكر قليلا، نعم الجميع ما عداها ووالدتها، شرب فنجانه واتكئ على كرسيه ثم قال:
" نعم... ".
اتكأت هي الأخرى على كرسيها وقالت باستهزاء:
" لا بد وأنها قد طارت من الفرح من أن أحدهم قد جاء ليخطبها، وهو رجل وسيم ومشهور ولن ترفض هذه الفرصة أبدا ".
ثم أكملت وهي ساهمة دون تفكير بالشخص الجالس أمامها:
" لا أعرف ماذا أعجبه فيها!! فهي بدينة وهو رشيق الجسد، سيخجل منها بعد زواجهما وسيندم على اختياره، كان عليها أن توافق على زواجها من قريبي سلمان، هو يناسبها ولن يخجل من بدانتها فهما متوافقان بالحجم ".
ألم غزى كفها تكاد تشعر بعظامها تتكسر تحت وطأة ضغط كفه العملاق على يدها الرقيقة، لتأن من شدة وجعها ونادت باسمه ليفك حصار يدها قبل أن تنكسر.
" أعيدي ما قلته للتو؟!! ".
قالها بهمس قاتل تكاد أعصابه أن تنفلت مما قالته:
" سلطان... يدي تتحطم!! ".
ضغطه أخرى قوية لتصرخ ودموعها تطفر من عينيها .
" أعيدي ما قلته!! هل تقدم سلمان قريبك لخطبة مريم ابنة عمي؟؟ ".
" يدي تؤلمني، أتركني ".
تركها ليقف ويتحرك ناحيتها بعد أن كانت الطاولة حاجز بينهما لم تنتبه لاقترابه منها، فاهتمامها انصب على يدها المحمرة والألم الذي ينبض بداخلها، لم تشعر سوى بكرسيها يتحرك من مكانه لتكون بمواجهته تماما.
رفعت عيناها لتنظر إليه لتتسع مقلتيها بخوف، ارتعش له جسدها وانكمش باحثا عن الهرب لكن إلى أين؟!!
جلس بالكرسي المقابل لها واستطرد بهدوء مخيف:
" ستخبرينني بكل شيء ".
ثم رفع إصبعه محذرا....
" وإياك والكذب!! ".
لم يكن هناك مجال للمراوغة أو التحجج بشيء آخر فما كان عليها سوى أن تقول الحقيقة رغبة بالنجاة بحياتها من غضبه الكاسح، ولعنت بداخلها لسانها الذي لم تستطع إيقافه عن الكلام.
" والدتي هي من رشحت له مريم ووافق بسرعة، وعندما أخبرت جدتك بالموضوع....".
سكتت وهي ترى الشرارات تقطر من عينيه تكاد تحرقها، ويده تشكل قبضة تكاد تجزم بأنها أحست بقوتها على وجهها، فتراجعت للخلف مرعوبة وأخفضت رأسها خوفا من نظراته، وأكملت بهمس خافت:
" لكن جدتك رفضت ".
نار يشعر بها تحرق جوفه، لهيب مشتعل يفتك بأعصابه مما يسمعه، التقى حاجبيه بتفكير...
" ترى هل علمت مريم بأنه جاء ليخطبها؟؟ ".
لم يعلم بأنه قالها بصوت مسموع سوى بجوابها:
" نعـ... نعم..هي كانت متواجدة مع جدتك ".
توسعت عيناه بصدمة بأنها كانت تستمع لطلبهما المقيت، لا بد بأنها فهمت مغزى طلبهما، أنهم أرادوا الحط من قدرها بأنها شيء لا يستحق وعليها أن ترتضي بأي رجل يتقبلها كما هي.
مال بجسده ناحيتها يريد أن يتأكد من هواجسه التي تنخر عقله لمعرفة المزيد....
" متى كان هذا؟؟ ".
" متى كان ماذا؟؟ ".
ردت متسائلة.
" سلمى... لا تثيري أعصابي بغبائك!! ".
" أرجوك.. سلطان حبي، الموضوع قد انتهى وكان منذ مدة طويلة ".
حاولت استرضاءه، لكنه كان كالنمر الهائج الذي تعدى شخص ما على محميته ويريد الآن الانقضاض عليه والفتك به، ضغط على أضراسه بقوة يكاد يحطمها من شدة فورانه.
" و ألم تجدا رجل ليتزوجها سوى سلمان قريبك؟؟ ".
" وماذا يعيبه؟؟ ".
قالتها بتردد، ليزعق صارخا بها:
" سلمان يا سلمى....سلمان قريبك...سكير!! زوجته لم تحتمله لتطلب الانفصال من شدة الأذى والضرب الذي يطالها يوميا، والدائنون يبحثون عنه ويقفون عند بيته يطالبون بحقوقهم، وكل هذا ولا يعيبه شيء؟!! والآن متى قالت والدتك هذا الكلام؟؟ ".
" لا أعـ... ".
" سلمى!! ".
صرخ باسمها عندما شعر بأنها على وشك الكذب.
" في يوم خطبة شقيقتي ".
قالتها بسرعة وفرت هاربة مستغلة تجمده، نعم يتذكر هذا اليوم عندما خرج ليتحدث بهاتفه وشاهد جدته تقف معها تنتظر سائقها، كانت غريبة كأنها بعالم آخر وجدتها تمسك بيدها كأنها طفلة صغيرة تائهة, لقد شعر باختلافها بأن شيء ما قد حدث لها فهذه لم تكن مريم التي يعرفها كانت تبدوا مكسورة، عاجزة، ضعيفة شعر بقلبه يتفتت من أجلها لقد.... حطموها.
نيران حمراء يشعر بها تخرج من مساماته تحرقه، تشعله، تغضبه، ارتد واقفا ليسقط الكرسي محدثا صوتا عاليا وتحرك ناحية غرفته ليفتح الباب بقوة ويرتد ضاربا بالجدار، فتراجعت سلمى على سريرها وجسمها يرتعش بخوف من أن يقوم بفعل طائش مثل " ضربها ".
طالعها بنظرات مستحقرة ثم توجه ناحية الدولاب وارتدى ملابسه و حمل مفاتيح سيارته وخرج ليصفق الباب خلفه بقوة، لتتنهد هي براحة وتلتقط هاتفها وتنادي بلهفة
" أمي... ".
مر يومان هادئان في منزله خلى من الكلام فالصمت كان لغتهما، يدخل ويخرج من المنزل كأنها غير موجودة، وهي لم تحاول كسر هذا الهدوء الذي غلف حياتهما فهذه كانت نصيحة والدتها بأنه سيأتي لها مطالبا بها وسيسترضيها لهذا هي تنتظر ركوعه.
*****************
حل اليوم المنشود الذي انتظرته لسنوات تجني فيه ثمار مجهودها وسهرها لنيل درجات العلم التي كانت تصبوا لها كما وعدت والدها منذ زمن, بأن تجتهد بدراستها وأن تنال أعلى الدرجات وأن ترفع رأس عائلتهم عاليا وبفخر.
جلست جدتها بمكانها المعتاد وبجانبها مذياعها تضعه على تردد ( إمارات اف ام ) تنتظر من خلاله سماع اسم ابنتها لإعلان نتيجة حصولها على شهادتها في الثانوية العامة، ومحمد يجلس بجانبها ينتظر هو الآخر بشوق لسماع نسبتها، أما هي فكانت بالمطبخ تعد أشهى المأكولات وألذها، وعلى ثغرها ابتسامه مطمئنة فهي اجتهدت وثابرت وقامت بما عليها فعله ووكلت أمرها لله تعالى، وما ستكون عليه نتيجتها هي راضية بها.
أصوات محببة على قلبها وصلت لمسامعها أعمامها وزوجاتهم جاءوا ليشاركوها فرحتها، همست بشكر لله بأنه سخر لها أعماما لم يتخلوا عنهما بل ظلوا بجانبهما كما عاهدوها.
دخل محمد كما الصاروخ واتجه بسرعة ناحية أحد الصحون ليستل منها قطعة من البيتزا الصغيرة ويلتهمها دفعة واحدة وهمهم بكلمات غير مفهومة.
لتهز رأسها بأنه لا فائدة ترجى منه فهو أمام الطعام ينسى ما طلب منه، واصلت عملها دون أن تلتفت ناحيته تجهز صواني الطعام، فهي تشعر بأن جميع عائلتها ستكون متواجدة بهذا اليوم، لهذا باشرت منذ صلاة الفجر بإعداد وجبات خفيفة ترحب بهم
انتهت من رص الطعام بالصواني ثم رفعت عيناها لشقيقها الجالس على كرسي وعلى ذراعيه صحن ممتلئ بأصناف متنوعة.
" هل جاء الجميع؟؟ ".
ابتلع لقمته وقال وهو يحمل أخرى ينوي التهامها:
" لقد أخبرتك بأنهم قد وصلوا ويريدون رؤيتك؟؟ ".
هزت رأسها مرة أخرى والتفتت منادية الخادمة لتقدم الطعام لعائلتها، خرجت هي أيضا محملة بكل ما لذ وطاب وتحركت ناحية غرفة الجلوس التي تتصاعد منها الأصوات السعيدة والفرحة بهذا التجمع.
ألقت التحية ثم وضعت ما بيدها وأخذت تسلم على الجميع.
أعمامها مع زوجاتهم وبناتهم جاءوا ليستمتعوا بهذا الجمع السعيد، مرت ساعات وبعدها عم المكان الهدوء والصمت، يصغون بانتباه لصوت المذياع ( فبالسابق كانت نتائج نسب الثانوية العامة تذاع بالمذياع وبعدها بسنوات أصدر مدير وزارة التربية والتعليم بأن تنشر الأسماء بالجرائد و الإنترنيت )
بدأ المذيع بالتحية والتبريكات مقدمة للناجحين وبعدها بدأ بإعلان الأسماء...
ليضج المنزل بالصراخ والصفير والتهليل والصراخ باسمها، فقد كانت أول اسم ينطقه المقدم لنجاحها على مستوى الدولة كلها، فهي الوحيدة الحاصلة على نسبة عالية جدا من بين جميع المدارس.
هطلت الدموع، وعلت الزغاريد المكان، وبدأت الأحضان وهي جامدة تنتقل من حضن لآخر دون أن تشعر بما يقال لها، إلى أن وصلت لمكان جدتها ووقفت أمامها تنظر إليها وجدتها تتأملها بسعادة ووجهها يحمل أكبر ابتسامة رأتها بحياتها وهنا لم تستطع كتمانها، عاد إليها شعورها فتركتها تنهمر بكل أريحية لتنزل بغزارة.
رفعت الجدة ذراعيها تناديها لتنطلق غارسة نفسها بين أحضانها باكية شاكية فراقهما، مشتاقة لرؤيتهما، لترى سعادتهما لنجاحها, أرادت أن ترى نظرة الفخر بعينيه كما قال، أرادت.. وأرادت ولكن ( ليس كل ما يتمناه المرؤ يدركه )
عانقتها الجدة بقوة أدخلتها بين حنايا أضلاعها، تعرفها وتعرف ما تريده, فهي ابنتها هي ابنة الغالي مهما كابرت وعاندت وأخفت، تعرف ما بداخلها.
أفاضت من دموع حزنها على صدر جدتها تبكيهم، شعرت بذراع قوية تحيط بها فرفعت عيناها الغارقتان ببركة من الدموع لترى خلفهما شقيقها المبتسم بابتسامة حزينة، حركت رأسها ناحية جدتها وشاهدت نفس الابتسامة وحدثت نفسها قائلة:
" لا.. لست وحيدة، معي عائلتي تشهد نجاحاتي ".
مسحت دموعها لتضحك بصوت أجش وقالت:
" أعتذر.. لم أستطع السيطرة على دموعي، كم أنا غبية ".
اقترب شقيقها ومسح دموعها الباقية وقال ليبعد الجو الحزين:
" نعم أنت محقة، أنت غبية، تبكين لأنك نجحت بتفوق!! ماذا إن رسبت هل ستضحكين؟؟ ".
قهقه الجميع من كلمات محمد فاستطاع بروحه المرحة أن يبعد الحزن من عينيها. عاد الجو السعيد والجميع يهنئ ويبارك وتلقت هي مكالمات من صديقاتها يباركن لها نجاحها وتفوقها.
لحظات وسمعت صوته الرخيم مسلما على الجميع، لتتجمد لثواني ثم التفتت ناحيته وسرحت بملامحه مشتاقة، فهي لم تره منذ يومان وكان هذا شيء غريب من ناحيته، فزيارته لهم يومية ولم تنقطع أبدا.
تأملت ملامحه الوسيمة بلحيته، وأنفه، وعيونه الحادة والآسرة، والتي تحدق بها تكاد تخترقها، لم تستطع أن تبعد أنظارها عنه كأن جاذبية من الموجات المغناطيسية تجذبها ناحيته، لم يكسر هذا التلاحم سوى اتساع ابتسامته التي انزوت بأطراف شفتيه بمكر، لترتد مخفضة رأسها بخجل ولاعنة نفسها لانجرافها بمطالعته.
توتر لاحظه بارتجاف يدها التي كانت تعدل ( شيلتها ) التي لم تحتج لتثبيتها، وعيونها تتحرك على الجميع دونه، أعجبه توترها وأحب لونه المفضل على وجنتيها، شعر بطرقات بين جنباته وعيونه لم تحد عنها، شاهد هروبها ورغبتها بالخروج من تحديقه لها، فلم يرد أن تنتهي لعبة المطاردة فاستوقفها قائلا:
" مبروك يا ابنة العم ".
توقفت بمكانها وشاهد شفتيها تتحركان كأنها تلعن نفسها بأنها لم تسرع بالخروج، ليبتسم وتظهر أسنانه البيضاء.
استدارت بعد أن أخذت نفسا عميقا ورفعت رأسها وصوبت نظراتها ناحية صدره تنظر للقلم الذهبي، وقالت:
" الله يبارك فيك يا ابن العم ".
وبعدها صمت... لترغب أذنيه بالمزيد من صوتها الرنان فقال مشاكسا لها:
" ماذا!! هل أعجبك قلمي لدرجة أنك لم تستطيعي إبعاد أنظارك عنه؟؟ ".
رفعت عيناها مصدومة من سؤاله، ورأت حاجبيه يرتفعان وابتسامته الخبيثة تتألق بوجهه يخبرها بأنه بدأ المعركة وأنه الفائز هنا، شعرت بروح المنافسة تجري بأوردتها أبدا لن تجعله يفوز عليها.
ابتسمت هي الأخرى وقالت باستهزاء:
" في الحقيقة يا ابن العم لم يعجبني قلمك فهو يبدوا رخيص الثمن!! ".
حك لحيته بأصابعه وهو يفكر ثم قال:
" في الحقيقة لا أعرف كم هي قيمته!!.. لكنه بالنسبة لي هو غالي الثمن لأنه هدية من والدي ".
توسعت عيناها بفزع ودارت حولها لتتوقف على عمها الذي كان يجلس ويبتسم لما يراه أمامه من أحداث، فلطالما تمتع بمعارك هذين الاثنين وبداخله كانت رغبة وحيدة بأن يحققها، لكن للقدر تصاريف أخرى.
اتسعت عيناها بادراك بأنهم ليسوا لوحدهم فهناك جمهور ينظر إليهم بحبور وينتظر بلهفة من هو الفائز بهذا التحدي، نسيتهم بخضم حربها الدائرة معه، فمعه هو بالذات تنسى نفسها.
أخفضت عينيها بخجل لما قالته فتحدثت موجه كلامها لعمها بتوتر ظهر جليا بكلماتها:
" أنا... أنا.. لم أعرف..أقصد أنا....".
رج المنزل بقهقهات الجميع وصراخ باسم سلطان يعلن بأنه الفائز.
تراجعت للخلف راغبة بالاختفاء عن أعين الجميع وخصوصا هو، فقد استطاع الانتصار عليها بهذه الجولة وقبل أن تخرج استوقفها قائلا:
" ألا تريدين فتح هدية نجاحك؟؟ ".
التفتت إليه غير مصدقة ما يقوله فقالت متفاجئة:
" هدية!! أنت أحضرت لي هدية؟؟ ".
" في الحقيقة الجميع ساهم فيها، وأنا قمت باختيارها ".
طغى عليها طوفان جارف من المشاعر الجميلة وإحساس بأنها ليست يتيمة، نظرت للجميع واحدا واحدا وعيونها تماوجت بدموع السعادة وابتسامة صغيرة زارت شفتيها توجهت أنظارها لشقيقها يحدثها بعيون ضيقة:
" أنت لن تبكي صحيح!! ".
ضحكت بخفوت وهزت رأسها بنفي، رفرفت برموشها الكثيفة تبعد دموعها.
لا تريده أن يراها ضعيفة مهزوزة، استرقت ناحيته نظرة لترى عيونه الحنونة موجهة ناحيتها، فارتبكت وأخذت تمسد ملابسها بتوتر، رحم حالها فقال بصوت يعصف دفئا وحنانا:
" ألا تريدين مشاهدتها؟؟ ".
فاستبقه والده محدثا إياها:
" تعالي يا ابنتي للخارج لتري هديتك ".
عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكنها انقادت خلفه متسائلة عن الهدية التي تركت بالخارج؟!!.
خرج الجميع أيضا ليشاهدوا الهدية فهم لا يعرفون ما هي سوى بأن الجميع اشتركوا بهدية من أجل مريم.
تعالى التصفيق بينهم وكلمات الإعجاب انطلقت بينهم ووقفت هي تنظر لهديتها
{ سيارة من نوع رينج روفر سوداء } كما تمنت أن تكون سيارتها.
وقفت مذهولة...كيف علموا برغبتها وأمنيتها؟؟.
التفتت دون إرادة ناحيته بعيون غشيتها المشاعر وتساؤل؟! تشابكت عيونهما وتألقت بنظرات غريبة ارتجفت أجسادهما على أثرها، فأشاح كل منهما برأسه خوفا من أن يلاحظ ويشاهد ما بداخلهما فتنكشف أرواحهم وتتعرى دواخلهم.
اقترب محمد من سلطان سعيدا وفرحا للسيارة ففرد كفه ناحيته وحرك أصابعه للأمام والخلف، لم يفهم سلطان ما يريده فتحدث معه وخرج صوته صلبا كما أراد:
" ماذا تريد محمد؟؟ ".
رفع حاجبيه للأعلى والأسفل بحركة مستفزة وهو يقول:
" مفاتيح السيارة ".
ضرب سلطان يد محمد وأبعدها من أمامه ليقول ساخرا منه:
" ولكنك لست بصاحب السيارة!! ".
تحرك متقدما ناحيتها وعيونه الحادة تحدق بها تخترقها فتحرقها، وتشلها عن الحركة والابتعاد، لتتصلب بمكانها تنتظره، فيخفق قلبها ويقفز قفزاته المشهورة عند رؤيته، توقف على مسافة قريبة منها لتلفحها رائحة عطره القوية وتتسلل لرئتيها تتنفس رائحته وتخزنها بداخلها، اقشعر جلدها لقربه منها وللحرارة التي شعرت بها تضرب ببشرتها مخترقا قماشها الحريري.
ابتلعت لعابها ومازالت عيناها تناظره تغوص بأعماقه وتبحر بسحرها، وصلها صوته الأجش ليصيب قلبها بمقتل.
" أعطني يدك!! ".
فتحت كفها دون إرادة ومدتها ناحيته ليكسر نظراته ليتطلع لمدى بياض بشرتها، مد يده لجيب دشداشته وأخرج المفاتيح ووضعها على كفها فتلامست أصابعهما وسرت كهرباء قوية على كامل جسدها، فتراجعت للخلف مصعوقة لهذا التلامس، أما هو فلم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بهذه الصاعقة، يتذكر ذلك اليوم الذي وقعت فيه مريضة وحملها بين ذراعيه، سرت أمواج من الكهرباء ارتج له جسده على أثرها، فشعر بقلبه يطرق بشدة يكاد يخرج من بين أضلاعه، شعر بشيء غريب يسري بأحشائه لم يعرفه من قبل، فسافر في بحر ذاكرته يتصفح الصورة المطبوعة بأعماق رأسه، كان منجذبا لتلك الأنثى القابعة بين يديه جميلة بل رائعة الجمال بشعرها الأسود كسواد الليل بغرتها المتساقطة على جبهتها بكثافة، وعيونها!! آه من عيونها الكحيلة التي سلبت النوم من عينيه، كانت بلون أسود أظهر مدى اتساع عينيها، وثغرها الوردي الممتلئ، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يعود لواقعه وعيناه تتابعها متجهة ناحية أعمامها تهرب منه لأحضانهم، سعادة كبيرة زلزلت روحه من أن تلك الحديدية تمتلك مشاعر ناحيته.
احتضنت كل واحد منهم وهمست لهم بشكر لهذه الهدية الثمينة وبقي هو، فحرك شفتيه ناحيتها بغفلة من الجميع الذي انشغل برؤية السيارة.
" ماذا عن شكري أنا؟؟ ".
جحظت عيناها للخارج من كلامه الجريء وطلبه منها بأن تشكره كما الجميع، هزت رأسها دون إرادة منها بالرفض لما يطلبه، فاتسعت ابتسامته بادراك لما فهمته من طلبه لم يعتقد بأنها ستسيئ الفهم، بأنه يريد أن تحتضنه وتقبله كما فعلت معهم، لا ينكر بأنه تمنى هذا بداخله لكن هذا من سابع المستحيلات.
عاد الجميع لمنازلهم سعداء مسرورين على أمل اللقاء بالحفل الذي سيقام على شرف نجاح مريم بنسبة عالية على جميع إمارات الدولة.
مرت الأيام سعيدة للعائلة وأقيمت مأدبة الطعام على شرف مريم حضر الجميع من كل أقطار الدولة، فعائلتها معروفة عند الجميع، مرت الحفلة دون أي عواقب أو استفزازات من زوجة سلطان أو والدتها فهما جلستا بركن منزوي وجلستا تنظران بعين حاقدة عليها وعلى الهدايا الثمينة التي حصلت عليها من العائلة ومن خارج العائلة فباعتقادهما بأنها لا تستحق تلك العطايا.
أيام أخرى مضت وتناقلت مريم بسيارتها بكل مكان أرادت الذهاب إليه... المزرعة، التسوق، زيارة صديقاتها آخذة معها شقيقها أينما ذهبت، فهذا كان شرط جدتها بأن لا تذهب وحدها لأي مكان دون شقيقها أو هي، ومريم وافقت دون أي اعتراض فهي أيضا لم تحبذ خروجها لوحدها.
**************
طرقات على الباب ثم دخل الرقيب لغرفة المقدم سلطان أدى تحيته العسكرية ثم بدأ بالحديث:
" سيدي... لقد وصلتنا شكوى أخرى منذ يومين عن عصابة السيارات، فقد أكتشف مكانها بالقرب من شارع الكورنيش، ولكن للأسف لم تستطع القوات هناك القبض عليهم بسبب هروبهم السريع ".
طرب بقبضته على الطاولة وهتف:
" تبا لهم!! كيف استطاعوا الإفلات والهرب؟؟ ".
" لا علم لي سيدي؟؟ ربما لديهم جاسوس مندس بين قواتنا؟؟ ".
" نعم، هذا ما نعتقده نحن أيضا!! هل من معلومات أخرى تخبرنا إلى أين توجهوا؟؟ ".
" للأسف لا يا سيدي، فهم دائمي الحركة ولا نعرف أين سيكون اختيارهم التالي؟! ".
تنهد سلطان بضيق وفرك يديه، ثم قال:
" علينا الإكثار من دوريات الشرطة لتجوب الشوارع ".
" نعم سيدي ".
" وأيضا القيام بتفتيش جميع السيارات ".
" نعم سيدي...هل من أوامر أخرى؟؟ ".
" لا، هذا يكفي لهذا الوقت. وسنرى بعدها ماذا سنفعل؟! فهناك اجتماع سيعقد بين مراكز الشرطة وسنتداول موضوع هذه العصابة، وبعدها لكل حادث حديث ".
أومأ الرقيب بالموافقة ثم غادر ليقوم بواجبه لحماية وطنه من كل من يرغب بالاعتداء على وطنه الغالي...
ما هي إلا ثواني حتى دخل الملازم أحمد أحد أصدقاء سلطان فتقدم ناحيته وعلى وجهه ملامح الاضطراب، لاحظها سلطان فورا فسأله فورا:
" ما الأمر؟؟ ".
تردد أحمد لدقائق قبل أن يسأله وهو يتمنى أن يكون ما يفكر به خاطئ.
" هل تعرف عائلة باسم خالد النعيمي؟! هل هم من أحد أقاربكم؟؟ ".
نهض سلطان فزعا وتحدث مع صديقه وقد ملأه الجزع، وبدأ قلبه يدق بقوة يكاد يحطم قفصه الصدري:
" تحدث يا أحمد، ماذا حدث لهم؟؟ ".
" في الحقيقة....".
جز على أسنانه بغضب بدأ ينسل من جسده.
" أحمد.. تحدث بسرعة حبا بالله!! ".
" لقد تعرضوا لحادث ".
****************
********************
مشاعر تطفوا، أحاسيس تكسوا، قلب ينبض يكاد يتفجر من غبطة العواطف التي يختزنها، ودم يغلي، وصورة تتجلى أمامه بملامحها ليشتعل جسده راغبا بها يتوق لينهل من شهد شفتيها.
اقترب منها فتجولت أصابعه على صفحة وجهها تتلمس بشرتها النقية والنضرة، عيناه التحفت بعواطف تصهره، وازدادت وتيرة أنفاسه وتسارعت دقات قلبه.
انحنى عليها فلمست شفاهه النابضة الراغبة شفتيها برقة فراشة تحط على بتلات الزهرة بخفة، قبلة أخرى متذوقة ثم أخرى منتشية وشفتيه تنهل من عسلها باستمتاع وشوق....
استعرت المشاعر بداخله وتحولت لطوفان جارف ليحتضنها بقرب جسده المتقد بحرارة دمه الثائر بامتلاك هذا الجسد الذي يدعوه بكل ترحاب ليغوص بين ثنايا أنوثته الساحقة لرجولته الخشنة.... يكاد يدخلها بين أضلاعه.
تحركت يداه بنهم على جسدها يستشعر نعومتها كما تمنى وتخيل, وقبلته اجتاحت شفتيها بعمق يطالبها بأن تبادله إياه!!
شعر بها تطوقه بذراعيها تطالبه بالمزيد لينتشي برغبتها فيه، ليزيد ويبحر بعواطفه المشبوبة معها.
عادا من رحلتهما بأنفاس لاهثة وعرق تنسم مساماتهما، أغمض عينيه يتلذذ طعم هذه المعركة الرابحة, بهذه اللحظة، ليغرق وجهه يستنشق عبير جسدها المختلط برائحة جسده، مرغ وجهه برقبتها يستطعم طعمها، يشعر بأنه سينفجر من الأحاسيس التي اكتسحت كيانه وبلذة استشعرها معها فقط، أرادها مرة أخرى أراد أن يغرق من جديد بتلك الكيمياء المحرقة التي يجربها لأول مرة بحياته.
صوت من بعيد انتشله من غبطة عواطفه.
" سلطان حبي!! وااااااااو ".
قالتها بانتعاش وبمشاعر نارية أحستها لأول مرة منذ زواجهما، عادت تناديه تحاول إزاحته من فوقها بعد أن طال مكوثه، ليستيقظ من غفوته، ابتعد عنها وعلى شفتيه ابتسامة تألقت لها، ليفتح فمه ويخرج حروفا أراد أن يهمس بها لتتوقف على أطراف لسانه وينتفض ويبتعد فجأة ويوليها ظهره جالسا على طرف السرير وعلى ملامحه أثار صدمة، شعر بجسدها العاري يحتضن ظهره وأنفاسها تضرب وجهه قائلة بدلال:
" كانت جولة مدهشة حبي ".
غمغم ببضع كلمات غير مفهومة ثم أبعدها دون أن ينظر ناحيتها واتجه للحمام وأغلق الباب خلفه بالمفتاح واستند عليه وعينيه جاحظة شاخصة للأمام وأحداث ما جرى للتو مازالت تعصف بجسده، فرك وجهه بقلة حيلته وهمس لنفسه:
" هل وصل بك الحال لتتخيلها بزوجتك ".
فتح الماء البارد لتلسعه برودته لكنه لم يهتم، أراد أن يزيحها من داخله، شعر بطعم الخيانة بتفكيره بأخرى، لطالما كره الخيانة بأنواعها وأعتقد بأنه معصوم منها لكن...
خرج من الحمام يلتحفه الهدوء، ارتدى بيجامته ثم خرج باتجاه المطبخ يعد له القهوة العربية التي يحتاجها وبقوة لتفتح عقله المسافر في بحور الأحلام...
جلس يشرب فنجان تلو الفنجان وعقله بدأ يعود لحالته الطبيعية بعد أن كان بحلة من السُكرِ والنشوة.
جلست أمامه تبتسم له وعينيها تلتهم وجهه الوسيم ورجولته الساحقة، فقالت بنعومة:
" أتعرف ماذا اكتشفت؟! ".
لم تمهله ليرد وواصلت حديثها...
" أن لغيابي فعل سحري، فيبدوا أن بعدي عنك قد زاد من اشتياقك لي ".
ابتسم بوقاحة وحدث نفسه:
" أجل.. لو كنت تعرفين من كنت أتخيلها فيك؟؟ "
ازدادت ابتسامته اتساعا خلف فنجان القهوة وهو مازال يحدث نفسه:
" ماذا سيكون رأيها هي لو شاهدتني كيف أتخيلها؟؟ "
قهقه بصوت عالي وهو يتخيل ملامحها المصدومة ثم خجلها أو ربما ستصرخ بوجهه أو...
" سلطان.. ما بك؟؟.. لما تضحك هكذا؟؟.. هل قلت ما يضحك؟! ".
شرب فنجان قهوته الباردة ثم قال ببرود عاد إليه من جديد:
" لا شيء، تذكرت موقف مضحك مع زميل لي بالعمل ".
سكب لنفسه فنجان آخر ليتعلق بالهواء.
" هل صحيح أن مريم قد جاء أحدهم لخطبتها؟؟.. وهو الطبيب الذي عالجها؟! ".
رفع عينيه إليها وشاهد الامتعاض على ملامحها، لا يعرف لما تكرهها!!.. الجميع يحب مريم!! فكر قليلا، نعم الجميع ما عداها ووالدتها، شرب فنجانه واتكئ على كرسيه ثم قال:
" نعم... ".
اتكأت هي الأخرى على كرسيها وقالت باستهزاء:
" لا بد وأنها قد طارت من الفرح من أن أحدهم قد جاء ليخطبها، وهو رجل وسيم ومشهور ولن ترفض هذه الفرصة أبدا ".
ثم أكملت وهي ساهمة دون تفكير بالشخص الجالس أمامها:
" لا أعرف ماذا أعجبه فيها!! فهي بدينة وهو رشيق الجسد، سيخجل منها بعد زواجهما وسيندم على اختياره، كان عليها أن توافق على زواجها من قريبي سلمان، هو يناسبها ولن يخجل من بدانتها فهما متوافقان بالحجم ".
ألم غزى كفها تكاد تشعر بعظامها تتكسر تحت وطأة ضغط كفه العملاق على يدها الرقيقة، لتأن من شدة وجعها ونادت باسمه ليفك حصار يدها قبل أن تنكسر.
" أعيدي ما قلته للتو؟!! ".
قالها بهمس قاتل تكاد أعصابه أن تنفلت مما قالته:
" سلطان... يدي تتحطم!! ".
ضغطه أخرى قوية لتصرخ ودموعها تطفر من عينيها .
" أعيدي ما قلته!! هل تقدم سلمان قريبك لخطبة مريم ابنة عمي؟؟ ".
" يدي تؤلمني، أتركني ".
تركها ليقف ويتحرك ناحيتها بعد أن كانت الطاولة حاجز بينهما لم تنتبه لاقترابه منها، فاهتمامها انصب على يدها المحمرة والألم الذي ينبض بداخلها، لم تشعر سوى بكرسيها يتحرك من مكانه لتكون بمواجهته تماما.
رفعت عيناها لتنظر إليه لتتسع مقلتيها بخوف، ارتعش له جسدها وانكمش باحثا عن الهرب لكن إلى أين؟!!
جلس بالكرسي المقابل لها واستطرد بهدوء مخيف:
" ستخبرينني بكل شيء ".
ثم رفع إصبعه محذرا....
" وإياك والكذب!! ".
لم يكن هناك مجال للمراوغة أو التحجج بشيء آخر فما كان عليها سوى أن تقول الحقيقة رغبة بالنجاة بحياتها من غضبه الكاسح، ولعنت بداخلها لسانها الذي لم تستطع إيقافه عن الكلام.
" والدتي هي من رشحت له مريم ووافق بسرعة، وعندما أخبرت جدتك بالموضوع....".
سكتت وهي ترى الشرارات تقطر من عينيه تكاد تحرقها، ويده تشكل قبضة تكاد تجزم بأنها أحست بقوتها على وجهها، فتراجعت للخلف مرعوبة وأخفضت رأسها خوفا من نظراته، وأكملت بهمس خافت:
" لكن جدتك رفضت ".
نار يشعر بها تحرق جوفه، لهيب مشتعل يفتك بأعصابه مما يسمعه، التقى حاجبيه بتفكير...
" ترى هل علمت مريم بأنه جاء ليخطبها؟؟ ".
لم يعلم بأنه قالها بصوت مسموع سوى بجوابها:
" نعـ... نعم..هي كانت متواجدة مع جدتك ".
توسعت عيناه بصدمة بأنها كانت تستمع لطلبهما المقيت، لا بد بأنها فهمت مغزى طلبهما، أنهم أرادوا الحط من قدرها بأنها شيء لا يستحق وعليها أن ترتضي بأي رجل يتقبلها كما هي.
مال بجسده ناحيتها يريد أن يتأكد من هواجسه التي تنخر عقله لمعرفة المزيد....
" متى كان هذا؟؟ ".
" متى كان ماذا؟؟ ".
ردت متسائلة.
" سلمى... لا تثيري أعصابي بغبائك!! ".
" أرجوك.. سلطان حبي، الموضوع قد انتهى وكان منذ مدة طويلة ".
حاولت استرضاءه، لكنه كان كالنمر الهائج الذي تعدى شخص ما على محميته ويريد الآن الانقضاض عليه والفتك به، ضغط على أضراسه بقوة يكاد يحطمها من شدة فورانه.
" و ألم تجدا رجل ليتزوجها سوى سلمان قريبك؟؟ ".
" وماذا يعيبه؟؟ ".
قالتها بتردد، ليزعق صارخا بها:
" سلمان يا سلمى....سلمان قريبك...سكير!! زوجته لم تحتمله لتطلب الانفصال من شدة الأذى والضرب الذي يطالها يوميا، والدائنون يبحثون عنه ويقفون عند بيته يطالبون بحقوقهم، وكل هذا ولا يعيبه شيء؟!! والآن متى قالت والدتك هذا الكلام؟؟ ".
" لا أعـ... ".
" سلمى!! ".
صرخ باسمها عندما شعر بأنها على وشك الكذب.
" في يوم خطبة شقيقتي ".
قالتها بسرعة وفرت هاربة مستغلة تجمده، نعم يتذكر هذا اليوم عندما خرج ليتحدث بهاتفه وشاهد جدته تقف معها تنتظر سائقها، كانت غريبة كأنها بعالم آخر وجدتها تمسك بيدها كأنها طفلة صغيرة تائهة, لقد شعر باختلافها بأن شيء ما قد حدث لها فهذه لم تكن مريم التي يعرفها كانت تبدوا مكسورة، عاجزة، ضعيفة شعر بقلبه يتفتت من أجلها لقد.... حطموها.
نيران حمراء يشعر بها تخرج من مساماته تحرقه، تشعله، تغضبه، ارتد واقفا ليسقط الكرسي محدثا صوتا عاليا وتحرك ناحية غرفته ليفتح الباب بقوة ويرتد ضاربا بالجدار، فتراجعت سلمى على سريرها وجسمها يرتعش بخوف من أن يقوم بفعل طائش مثل " ضربها ".
طالعها بنظرات مستحقرة ثم توجه ناحية الدولاب وارتدى ملابسه و حمل مفاتيح سيارته وخرج ليصفق الباب خلفه بقوة، لتتنهد هي براحة وتلتقط هاتفها وتنادي بلهفة
" أمي... ".
مر يومان هادئان في منزله خلى من الكلام فالصمت كان لغتهما، يدخل ويخرج من المنزل كأنها غير موجودة، وهي لم تحاول كسر هذا الهدوء الذي غلف حياتهما فهذه كانت نصيحة والدتها بأنه سيأتي لها مطالبا بها وسيسترضيها لهذا هي تنتظر ركوعه.
*****************
حل اليوم المنشود الذي انتظرته لسنوات تجني فيه ثمار مجهودها وسهرها لنيل درجات العلم التي كانت تصبوا لها كما وعدت والدها منذ زمن, بأن تجتهد بدراستها وأن تنال أعلى الدرجات وأن ترفع رأس عائلتهم عاليا وبفخر.
جلست جدتها بمكانها المعتاد وبجانبها مذياعها تضعه على تردد ( إمارات اف ام ) تنتظر من خلاله سماع اسم ابنتها لإعلان نتيجة حصولها على شهادتها في الثانوية العامة، ومحمد يجلس بجانبها ينتظر هو الآخر بشوق لسماع نسبتها، أما هي فكانت بالمطبخ تعد أشهى المأكولات وألذها، وعلى ثغرها ابتسامه مطمئنة فهي اجتهدت وثابرت وقامت بما عليها فعله ووكلت أمرها لله تعالى، وما ستكون عليه نتيجتها هي راضية بها.
أصوات محببة على قلبها وصلت لمسامعها أعمامها وزوجاتهم جاءوا ليشاركوها فرحتها، همست بشكر لله بأنه سخر لها أعماما لم يتخلوا عنهما بل ظلوا بجانبهما كما عاهدوها.
دخل محمد كما الصاروخ واتجه بسرعة ناحية أحد الصحون ليستل منها قطعة من البيتزا الصغيرة ويلتهمها دفعة واحدة وهمهم بكلمات غير مفهومة.
لتهز رأسها بأنه لا فائدة ترجى منه فهو أمام الطعام ينسى ما طلب منه، واصلت عملها دون أن تلتفت ناحيته تجهز صواني الطعام، فهي تشعر بأن جميع عائلتها ستكون متواجدة بهذا اليوم، لهذا باشرت منذ صلاة الفجر بإعداد وجبات خفيفة ترحب بهم
انتهت من رص الطعام بالصواني ثم رفعت عيناها لشقيقها الجالس على كرسي وعلى ذراعيه صحن ممتلئ بأصناف متنوعة.
" هل جاء الجميع؟؟ ".
ابتلع لقمته وقال وهو يحمل أخرى ينوي التهامها:
" لقد أخبرتك بأنهم قد وصلوا ويريدون رؤيتك؟؟ ".
هزت رأسها مرة أخرى والتفتت منادية الخادمة لتقدم الطعام لعائلتها، خرجت هي أيضا محملة بكل ما لذ وطاب وتحركت ناحية غرفة الجلوس التي تتصاعد منها الأصوات السعيدة والفرحة بهذا التجمع.
ألقت التحية ثم وضعت ما بيدها وأخذت تسلم على الجميع.
أعمامها مع زوجاتهم وبناتهم جاءوا ليستمتعوا بهذا الجمع السعيد، مرت ساعات وبعدها عم المكان الهدوء والصمت، يصغون بانتباه لصوت المذياع ( فبالسابق كانت نتائج نسب الثانوية العامة تذاع بالمذياع وبعدها بسنوات أصدر مدير وزارة التربية والتعليم بأن تنشر الأسماء بالجرائد و الإنترنيت )
بدأ المذيع بالتحية والتبريكات مقدمة للناجحين وبعدها بدأ بإعلان الأسماء...
ليضج المنزل بالصراخ والصفير والتهليل والصراخ باسمها، فقد كانت أول اسم ينطقه المقدم لنجاحها على مستوى الدولة كلها، فهي الوحيدة الحاصلة على نسبة عالية جدا من بين جميع المدارس.
هطلت الدموع، وعلت الزغاريد المكان، وبدأت الأحضان وهي جامدة تنتقل من حضن لآخر دون أن تشعر بما يقال لها، إلى أن وصلت لمكان جدتها ووقفت أمامها تنظر إليها وجدتها تتأملها بسعادة ووجهها يحمل أكبر ابتسامة رأتها بحياتها وهنا لم تستطع كتمانها، عاد إليها شعورها فتركتها تنهمر بكل أريحية لتنزل بغزارة.
رفعت الجدة ذراعيها تناديها لتنطلق غارسة نفسها بين أحضانها باكية شاكية فراقهما، مشتاقة لرؤيتهما، لترى سعادتهما لنجاحها, أرادت أن ترى نظرة الفخر بعينيه كما قال، أرادت.. وأرادت ولكن ( ليس كل ما يتمناه المرؤ يدركه )
عانقتها الجدة بقوة أدخلتها بين حنايا أضلاعها، تعرفها وتعرف ما تريده, فهي ابنتها هي ابنة الغالي مهما كابرت وعاندت وأخفت، تعرف ما بداخلها.
أفاضت من دموع حزنها على صدر جدتها تبكيهم، شعرت بذراع قوية تحيط بها فرفعت عيناها الغارقتان ببركة من الدموع لترى خلفهما شقيقها المبتسم بابتسامة حزينة، حركت رأسها ناحية جدتها وشاهدت نفس الابتسامة وحدثت نفسها قائلة:
" لا.. لست وحيدة، معي عائلتي تشهد نجاحاتي ".
مسحت دموعها لتضحك بصوت أجش وقالت:
" أعتذر.. لم أستطع السيطرة على دموعي، كم أنا غبية ".
اقترب شقيقها ومسح دموعها الباقية وقال ليبعد الجو الحزين:
" نعم أنت محقة، أنت غبية، تبكين لأنك نجحت بتفوق!! ماذا إن رسبت هل ستضحكين؟؟ ".
قهقه الجميع من كلمات محمد فاستطاع بروحه المرحة أن يبعد الحزن من عينيها. عاد الجو السعيد والجميع يهنئ ويبارك وتلقت هي مكالمات من صديقاتها يباركن لها نجاحها وتفوقها.
لحظات وسمعت صوته الرخيم مسلما على الجميع، لتتجمد لثواني ثم التفتت ناحيته وسرحت بملامحه مشتاقة، فهي لم تره منذ يومان وكان هذا شيء غريب من ناحيته، فزيارته لهم يومية ولم تنقطع أبدا.
تأملت ملامحه الوسيمة بلحيته، وأنفه، وعيونه الحادة والآسرة، والتي تحدق بها تكاد تخترقها، لم تستطع أن تبعد أنظارها عنه كأن جاذبية من الموجات المغناطيسية تجذبها ناحيته، لم يكسر هذا التلاحم سوى اتساع ابتسامته التي انزوت بأطراف شفتيه بمكر، لترتد مخفضة رأسها بخجل ولاعنة نفسها لانجرافها بمطالعته.
توتر لاحظه بارتجاف يدها التي كانت تعدل ( شيلتها ) التي لم تحتج لتثبيتها، وعيونها تتحرك على الجميع دونه، أعجبه توترها وأحب لونه المفضل على وجنتيها، شعر بطرقات بين جنباته وعيونه لم تحد عنها، شاهد هروبها ورغبتها بالخروج من تحديقه لها، فلم يرد أن تنتهي لعبة المطاردة فاستوقفها قائلا:
" مبروك يا ابنة العم ".
توقفت بمكانها وشاهد شفتيها تتحركان كأنها تلعن نفسها بأنها لم تسرع بالخروج، ليبتسم وتظهر أسنانه البيضاء.
استدارت بعد أن أخذت نفسا عميقا ورفعت رأسها وصوبت نظراتها ناحية صدره تنظر للقلم الذهبي، وقالت:
" الله يبارك فيك يا ابن العم ".
وبعدها صمت... لترغب أذنيه بالمزيد من صوتها الرنان فقال مشاكسا لها:
" ماذا!! هل أعجبك قلمي لدرجة أنك لم تستطيعي إبعاد أنظارك عنه؟؟ ".
رفعت عيناها مصدومة من سؤاله، ورأت حاجبيه يرتفعان وابتسامته الخبيثة تتألق بوجهه يخبرها بأنه بدأ المعركة وأنه الفائز هنا، شعرت بروح المنافسة تجري بأوردتها أبدا لن تجعله يفوز عليها.
ابتسمت هي الأخرى وقالت باستهزاء:
" في الحقيقة يا ابن العم لم يعجبني قلمك فهو يبدوا رخيص الثمن!! ".
حك لحيته بأصابعه وهو يفكر ثم قال:
" في الحقيقة لا أعرف كم هي قيمته!!.. لكنه بالنسبة لي هو غالي الثمن لأنه هدية من والدي ".
توسعت عيناها بفزع ودارت حولها لتتوقف على عمها الذي كان يجلس ويبتسم لما يراه أمامه من أحداث، فلطالما تمتع بمعارك هذين الاثنين وبداخله كانت رغبة وحيدة بأن يحققها، لكن للقدر تصاريف أخرى.
اتسعت عيناها بادراك بأنهم ليسوا لوحدهم فهناك جمهور ينظر إليهم بحبور وينتظر بلهفة من هو الفائز بهذا التحدي، نسيتهم بخضم حربها الدائرة معه، فمعه هو بالذات تنسى نفسها.
أخفضت عينيها بخجل لما قالته فتحدثت موجه كلامها لعمها بتوتر ظهر جليا بكلماتها:
" أنا... أنا.. لم أعرف..أقصد أنا....".
رج المنزل بقهقهات الجميع وصراخ باسم سلطان يعلن بأنه الفائز.
تراجعت للخلف راغبة بالاختفاء عن أعين الجميع وخصوصا هو، فقد استطاع الانتصار عليها بهذه الجولة وقبل أن تخرج استوقفها قائلا:
" ألا تريدين فتح هدية نجاحك؟؟ ".
التفتت إليه غير مصدقة ما يقوله فقالت متفاجئة:
" هدية!! أنت أحضرت لي هدية؟؟ ".
" في الحقيقة الجميع ساهم فيها، وأنا قمت باختيارها ".
طغى عليها طوفان جارف من المشاعر الجميلة وإحساس بأنها ليست يتيمة، نظرت للجميع واحدا واحدا وعيونها تماوجت بدموع السعادة وابتسامة صغيرة زارت شفتيها توجهت أنظارها لشقيقها يحدثها بعيون ضيقة:
" أنت لن تبكي صحيح!! ".
ضحكت بخفوت وهزت رأسها بنفي، رفرفت برموشها الكثيفة تبعد دموعها.
لا تريده أن يراها ضعيفة مهزوزة، استرقت ناحيته نظرة لترى عيونه الحنونة موجهة ناحيتها، فارتبكت وأخذت تمسد ملابسها بتوتر، رحم حالها فقال بصوت يعصف دفئا وحنانا:
" ألا تريدين مشاهدتها؟؟ ".
فاستبقه والده محدثا إياها:
" تعالي يا ابنتي للخارج لتري هديتك ".
عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكنها انقادت خلفه متسائلة عن الهدية التي تركت بالخارج؟!!.
خرج الجميع أيضا ليشاهدوا الهدية فهم لا يعرفون ما هي سوى بأن الجميع اشتركوا بهدية من أجل مريم.
تعالى التصفيق بينهم وكلمات الإعجاب انطلقت بينهم ووقفت هي تنظر لهديتها
{ سيارة من نوع رينج روفر سوداء } كما تمنت أن تكون سيارتها.
وقفت مذهولة...كيف علموا برغبتها وأمنيتها؟؟.
التفتت دون إرادة ناحيته بعيون غشيتها المشاعر وتساؤل؟! تشابكت عيونهما وتألقت بنظرات غريبة ارتجفت أجسادهما على أثرها، فأشاح كل منهما برأسه خوفا من أن يلاحظ ويشاهد ما بداخلهما فتنكشف أرواحهم وتتعرى دواخلهم.
اقترب محمد من سلطان سعيدا وفرحا للسيارة ففرد كفه ناحيته وحرك أصابعه للأمام والخلف، لم يفهم سلطان ما يريده فتحدث معه وخرج صوته صلبا كما أراد:
" ماذا تريد محمد؟؟ ".
رفع حاجبيه للأعلى والأسفل بحركة مستفزة وهو يقول:
" مفاتيح السيارة ".
ضرب سلطان يد محمد وأبعدها من أمامه ليقول ساخرا منه:
" ولكنك لست بصاحب السيارة!! ".
تحرك متقدما ناحيتها وعيونه الحادة تحدق بها تخترقها فتحرقها، وتشلها عن الحركة والابتعاد، لتتصلب بمكانها تنتظره، فيخفق قلبها ويقفز قفزاته المشهورة عند رؤيته، توقف على مسافة قريبة منها لتلفحها رائحة عطره القوية وتتسلل لرئتيها تتنفس رائحته وتخزنها بداخلها، اقشعر جلدها لقربه منها وللحرارة التي شعرت بها تضرب ببشرتها مخترقا قماشها الحريري.
ابتلعت لعابها ومازالت عيناها تناظره تغوص بأعماقه وتبحر بسحرها، وصلها صوته الأجش ليصيب قلبها بمقتل.
" أعطني يدك!! ".
فتحت كفها دون إرادة ومدتها ناحيته ليكسر نظراته ليتطلع لمدى بياض بشرتها، مد يده لجيب دشداشته وأخرج المفاتيح ووضعها على كفها فتلامست أصابعهما وسرت كهرباء قوية على كامل جسدها، فتراجعت للخلف مصعوقة لهذا التلامس، أما هو فلم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بهذه الصاعقة، يتذكر ذلك اليوم الذي وقعت فيه مريضة وحملها بين ذراعيه، سرت أمواج من الكهرباء ارتج له جسده على أثرها، فشعر بقلبه يطرق بشدة يكاد يخرج من بين أضلاعه، شعر بشيء غريب يسري بأحشائه لم يعرفه من قبل، فسافر في بحر ذاكرته يتصفح الصورة المطبوعة بأعماق رأسه، كان منجذبا لتلك الأنثى القابعة بين يديه جميلة بل رائعة الجمال بشعرها الأسود كسواد الليل بغرتها المتساقطة على جبهتها بكثافة، وعيونها!! آه من عيونها الكحيلة التي سلبت النوم من عينيه، كانت بلون أسود أظهر مدى اتساع عينيها، وثغرها الوردي الممتلئ، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يعود لواقعه وعيناه تتابعها متجهة ناحية أعمامها تهرب منه لأحضانهم، سعادة كبيرة زلزلت روحه من أن تلك الحديدية تمتلك مشاعر ناحيته.
احتضنت كل واحد منهم وهمست لهم بشكر لهذه الهدية الثمينة وبقي هو، فحرك شفتيه ناحيتها بغفلة من الجميع الذي انشغل برؤية السيارة.
" ماذا عن شكري أنا؟؟ ".
جحظت عيناها للخارج من كلامه الجريء وطلبه منها بأن تشكره كما الجميع، هزت رأسها دون إرادة منها بالرفض لما يطلبه، فاتسعت ابتسامته بادراك لما فهمته من طلبه لم يعتقد بأنها ستسيئ الفهم، بأنه يريد أن تحتضنه وتقبله كما فعلت معهم، لا ينكر بأنه تمنى هذا بداخله لكن هذا من سابع المستحيلات.
عاد الجميع لمنازلهم سعداء مسرورين على أمل اللقاء بالحفل الذي سيقام على شرف نجاح مريم بنسبة عالية على جميع إمارات الدولة.
مرت الأيام سعيدة للعائلة وأقيمت مأدبة الطعام على شرف مريم حضر الجميع من كل أقطار الدولة، فعائلتها معروفة عند الجميع، مرت الحفلة دون أي عواقب أو استفزازات من زوجة سلطان أو والدتها فهما جلستا بركن منزوي وجلستا تنظران بعين حاقدة عليها وعلى الهدايا الثمينة التي حصلت عليها من العائلة ومن خارج العائلة فباعتقادهما بأنها لا تستحق تلك العطايا.
أيام أخرى مضت وتناقلت مريم بسيارتها بكل مكان أرادت الذهاب إليه... المزرعة، التسوق، زيارة صديقاتها آخذة معها شقيقها أينما ذهبت، فهذا كان شرط جدتها بأن لا تذهب وحدها لأي مكان دون شقيقها أو هي، ومريم وافقت دون أي اعتراض فهي أيضا لم تحبذ خروجها لوحدها.
**************
طرقات على الباب ثم دخل الرقيب لغرفة المقدم سلطان أدى تحيته العسكرية ثم بدأ بالحديث:
" سيدي... لقد وصلتنا شكوى أخرى منذ يومين عن عصابة السيارات، فقد أكتشف مكانها بالقرب من شارع الكورنيش، ولكن للأسف لم تستطع القوات هناك القبض عليهم بسبب هروبهم السريع ".
طرب بقبضته على الطاولة وهتف:
" تبا لهم!! كيف استطاعوا الإفلات والهرب؟؟ ".
" لا علم لي سيدي؟؟ ربما لديهم جاسوس مندس بين قواتنا؟؟ ".
" نعم، هذا ما نعتقده نحن أيضا!! هل من معلومات أخرى تخبرنا إلى أين توجهوا؟؟ ".
" للأسف لا يا سيدي، فهم دائمي الحركة ولا نعرف أين سيكون اختيارهم التالي؟! ".
تنهد سلطان بضيق وفرك يديه، ثم قال:
" علينا الإكثار من دوريات الشرطة لتجوب الشوارع ".
" نعم سيدي ".
" وأيضا القيام بتفتيش جميع السيارات ".
" نعم سيدي...هل من أوامر أخرى؟؟ ".
" لا، هذا يكفي لهذا الوقت. وسنرى بعدها ماذا سنفعل؟! فهناك اجتماع سيعقد بين مراكز الشرطة وسنتداول موضوع هذه العصابة، وبعدها لكل حادث حديث ".
أومأ الرقيب بالموافقة ثم غادر ليقوم بواجبه لحماية وطنه من كل من يرغب بالاعتداء على وطنه الغالي...
ما هي إلا ثواني حتى دخل الملازم أحمد أحد أصدقاء سلطان فتقدم ناحيته وعلى وجهه ملامح الاضطراب، لاحظها سلطان فورا فسأله فورا:
" ما الأمر؟؟ ".
تردد أحمد لدقائق قبل أن يسأله وهو يتمنى أن يكون ما يفكر به خاطئ.
" هل تعرف عائلة باسم خالد النعيمي؟! هل هم من أحد أقاربكم؟؟ ".
نهض سلطان فزعا وتحدث مع صديقه وقد ملأه الجزع، وبدأ قلبه يدق بقوة يكاد يحطم قفصه الصدري:
" تحدث يا أحمد، ماذا حدث لهم؟؟ ".
" في الحقيقة....".
جز على أسنانه بغضب بدأ ينسل من جسده.
" أحمد.. تحدث بسرعة حبا بالله!! ".
" لقد تعرضوا لحادث ".
****************
