رواية دوبلير الفصل السادس 6 بقلم فاطمة علي
الفصل السادس.
المقهى الذي يرتاده "أمجد" والذي كان يحتل أحد أركانه بطاولته المخصصة دائمًا له في مثل هذا التوقيت. صفت "داليدا" سيارتها أمام مبنى المقهى وهي تغمغم ببعض السباب والضيق من هذا المغرور قبل أن تترجل عن سيارتها موصده إياها ووالجة إلى الداخل لتجد أحد نُدُل المكان يستقبلها بابتسامة خفيفة مرددًا بتساؤل :
- أستاذة "داليدا الشهاوي"؟
رفعت أحد حاجبيها بدهشة وهي ترمقه بسخط مرددة :
- أفندم.
أشار النادل بإحدى يديه نحو الداخل ومازالت ابتسامته تزين ثغره وهو يردد بحفاوة :
- أستاذ "أمجد" في انتظار حضرتك.. يا ريت تتفضلي معايا.
تمتمت "داليدا" بحنق وضيق وهي تبتسم ابتسامة خفيفة مرددة :
-اتفضل.
وتبعت النادل إلى الداخل لتجد "أمجد" محتلًا رُكنًا مميز حقًا يستطيع من خلاله كشف أغلب زوايا المقهى. أشار بيده نحو المقعد المقابل له مرددًا بابتسامة هادئة :
- اتفضلي.. تحبي تشربي إيه؟
هدوء المكان وأناقته أثلج غضبها وحنقها، لتجد ابتسامتها تنفرج رغمًا عنها، لتجذب مقعدها جالسة أعلاه وهي ترفع أنظارها نحو النادل مرددة بنبرة هادئة : -بيناكولادا.
أومأ لها النادل بابتسامة خفيفة وهو يغادر لإحضار مشروبها، لتلتفت هي بأنظارها نحو "أمجد" الذي كان يرمقها بنظرة مبهمة. تنهدت بهدوء وهي تضع هاتفها أعلى الطاولة بعدما قامت بتشغيل خاصية التسجيل به وهي تردد بجدية :
- نقدر نكمل الإنترڨيو، هما كام سؤال وأقفل المقال.
ارتشف رشفة خفيفة من قهوته وهو يسترخى بجلسته مشيرًا بيده نحوها كعلامة بدأ مرددًا بأريحية :
- اتفضلي.. سامعك.
ما أن أنهى كلمته وكادت هي تطلق سراح سؤالها حتى عمت بعض الفوضى المكان، ليلتفتا نحوها فإذا ببعض الفتيات تركضن نحوه بسعادة مهللين :
- أستاذ "أمجد الصواف".. إحنا بنحبك قوي.
قابلهم "أمجد" بابتسامة واسعة وهو يردد بود كبير :
- ميرسي.. وأنا كمان بحبكم.
شهقت إحداهن بسعادة وهي تقترب منه هاتفة بلا تصديق :
- أنا مش مصدقة عنيا، حضرتك قدامي وشايفاك.. أنا من الفانز بتوع حضرتك، وقريت كل رواياتك.
اتسعت ابتسامة "أمجد" وهو يردد بسعادة :
- وإيه رأيك فيها بقا.
هتفت الفتاة بتهليل كبير :
- تحفة جدًا.. بحس إني شايفة الأحداث قدامي، وكمان الشخصيات تحفة، وعمري ما قدرت أتوقع صح.. دايمًا بتخالف توقعاتنا.
راودت ثغره ابتسامة خجلة للحظات، لتركض نحوه أخرى وهي تحمل جوالها هاتفة بسعادة :
- ممكن أتصور مع حضرتك.
أومأ لها "أمجد" بموافقة ونهض من مقعده مستقيمًا بوقفته إلى جوار الفتاة التي مدت يديها نحو إحدى صديقاتها كي تلتقط لها بعض الصور مع كاتبها المفضل، وتناوبت الفتيات الوقوف إلى جواره والتقاط الصور معه.
كانت "داليدا" تتابع كل هذا ببعض الضيق الذي تبدد وتحول إلى نظرات تمعن وتركيز في حب الفتيات الواضح لهذا الأمجد، كذلك حُسن خلقه معهن، فكلتا يديه أمام ساقيه تتعانق، وتلك المسافة الفاصلة التي حرص على بقائها رغم رغبة الفتيات في إبادتها.
غادرت الفتيات بسعادة والتفت "أمجد" نحوها بابتسامة معتذرة وهو يهم بالجلوس، ليجد أُخريات تركضن إليه وسط نظراته المندهشة، والمعتذرة لها. هزت رأسها بهدوء صاحب ابتسامتها وهي ترتشف مشروبها بتلذذ ضاغطة زر إيقاف التسجيل.
******************
كانت "هيا" تتكئ على ذراع "مروان" وهي تتجه نحو غرفة نومها معصوبة الرأس بقطعة من الضماد الأبيض وصغارها تركض خلفها بلهفة وخوف سكن أحداقهما هاتفين بفزع :
- مالك يا مامي؟
جلست "هيا" بطرف تختها وهي تمسد رأسها بتأوه مغمغمة بابتسامة باهتة :
-مفيش حاجة يا حبايبي.. اتخبطت في الباب وأنا في المستشفى.
تسمرا الأطفال أرضًا على مقربة منها ومازالت نظرات الهلع تسكن أحداقهما لتنفرج ابتسامة خفيفة بثغرها وهي تستقيم بجلستها متصنعة القوة والصلابة، مُشيرة نحوهما بيدها، ليركضا نحوها بسعادة متشبثين بعنقها للحظات طالت تحت أنظاره التي تقدح بنيران الغضب وهو يزفر زفرة خفيفة مرددًا بهدوء فشل في التحلي به :
- مامي تعبانة يا حبايبي.. سيبوها ترتاح والصبح تعالوا اطمنوا عليها.. يلا على أوضكوا.
شددت "هيا" من احتضانهما وهي تُقبل رأسيهما بحنو شديد قبل أن تُخرجهما من حضنها مرددة بعطف وهي تمسد بحنان على وجناتهما :
-أنا كويسة يا حبايبي، بس زي ما قال بابي.. لازم أرتاح شوية.. كل واحد يروح على أوضته وأنا شوية وهاجي أطمن عليكم.
هزت "كادي" و "كريم" رؤوسهما بموافقة وهما يركضا خارج الغرفة ويتبعهما "مروان" بخطاها الواسعة موصدًا الباب خلفهما قبل أن يلتفت نحوها بأعين انفجرت بها براكين الغضب ثائرة.
اقترب منها وهو يغمغم بصوت جاهد لخفضه وهو يصك أسنانه ضاغطًا كل حرف تفوه به :
- أقدر أعرف إيه اللي حصل ده؟
ضيقت أحداقها بدهشة من سؤاله الأحمق هذا، فكل معطيات الحادث عنده بأدق تفاصيلها، لتغمغم مستنكرة :
- تعرف إيه؟!.. ما أنت عارف كل حاجة، وكنت معايا في كل حاجة.
سحب نفسًا عميقًا وهو يقترب منها بغضب أكبر مرددًا :
- إيه اللي دخلك عنده من الأساس؟
قطبت جبينها بصدمة أكبر وهي تُجيبه ببعض السخرية :
- مريض وكان في حالة هياج، وكان لازم دكتور يدخل يسيطر عليه.
صك أسنانه أكثر وهو يفرك كلا كفيه ببعضهما البعض مرددًا :
-وحضرتك الدكتورة بتاعته عشان تسيطري عليه؟
نهضت من مجلسها مغمغمة بتبرير :
- لأ.. دكتور "مراد" هو الطبيب المعالج ليه، بس مجاش النهارده لأنه اشتباه كورونا.
سحب "مروان" نفسًا عميقًا لصدره للحظات قبل أن يزفره بهدوء مرددًا بحدة :
-من يوم ما نزلتي تشتغلي بعد الجواز وإحنا متفقين إن شغلك من الأطفال أو الستات.. كمان متفقين إنك متتعرضيش لمعاملة مع أي مريض راجل، ومعاملتك مع زمايلك الدكاترة تكون في أضيق الحدود.
انتفض غضبها غير عابئًا بآلام رأسها وهي ترفع أحد حاجبيها هاتفة باستنكار :
-وأظن أنك فاكر إني يومها ما كنتش موافقة على كلامك ده لأني دكتورة وأقسمت إني أعالج كل مريض محتاج مساعدتي، وأظن إنك فاكر كمان ازاي أقنعتني بوجهة نظرك الغريبة دي واللي كانت بدافع الغيرة والحب، لكن الراجل اللي قدامي ده لا بيغير ولا بيحب، ده راجل بيشك.
أثارت كلمتها الأخيرة وحش كبريائه الخامد، ليثور بقوة صارخًا بها :
- انتي اتجننتي؟
هزت رأسها الجريحة ككبريائها النازف وهي تهتف به بجم غضبها :
-لأ ما اتجننتش.. أنا بس واجهتك بالحقيقة اللي كانت بتتأكدلي كل يوم أكتر من اللي قبله.. بس أحب أقولك إني عمري ما هخون قسمي زي ما عمري ما هخونك.. هفضل أساعد كل بني آدم محتاجيني لآخر نفس فيا يا "مروان".. وعمري ما هخذل حد احتاجني يوم.. أنا الدكتورة "هيا سمير " اللي اتعرفت عليها وحبتها وهي بتشتغل دكتورة بيحلف بأخلاقها وشطارتها كل الناس، هي البنت اللي أبوها رباها وأحسن تربيتها، هي الزوجة اللي محافظة على اسم جوزها وشرفه، وهي الأم اللي بتربي عيالك تربية تفتخر بيها.. هي كل دول، وهي كده على بعضها ما بتتجزأش يا سيادة المخرج العبقري.
هز "مروان" رأسه بقوة وهو يهتف بها :
- انتي متعرفيش نظرة الرجالة للست بتكون عاملة ازاي.. متعرفيش تفكيرهم فيها وهي بتتكلم معاهم بيكون ازاي.. متعرفيش غايتهم منها بتكون إيه.
اشتعل غضب "هيا" وتطايرت شراراته من أحداقها وهي تصرخ بها بقوة :
- دول يبقوا مرضى نفسيين بيمشوا ورا رغباتهم القذرة.. ولو انت بتفكر زيهم يبقى أنت كمان...
وابتلعت باقي كلماتها وهي ترمقه بامتعاض قبل أن تغادر الغرفة صافعه الباب خلفها بقوة.
*****************
كان "أحمد" ورجاله بسيارة نقل أثاث مجهزة لمثل هذه النوعية من العمليات يراقبون هذا الوكر الإجرامي منتظرين حركة سكون الشارع والتي هدأت كثيرًا ليتنهد بقوة وهي يلتفت نحو رجاله الملثمين مثله والمدججين بالأسلحة المكتومة أصواتها وهو يردد بصرامة وحزم :
-زي ما اتفقنا يا رجالة مش عايزين أي بني آدم بريء يتأذى.. تمام.
هز جميع رجاله رؤوسهم بموافقة مرددين بجدية:
- تمام يا فندم.
هز "أحمد" رأسه بقوة مغمغمًا وهو يتقدمهم:
- على بركة الله.. كل واحد ياخد موقعه.. يلا يا رجالة.
تسلل الجميع بخفة متواريين خلف جُدر متصدعة كحال ساكنيها مطوفين المكان حولهم بأعين كالصقر وهم يتبعون قائدهم الذي التصق بكامل جسده على حائط المبنى وهو يُرسل لهم إشارات توزيع يعلمونها جيدًا، ليتخذ كلا منهم موضعه ومكانه قبل أن يستدير كليًا نحو باب المبنى ويطلق بموضع قفله الداخلي طلقة تعلم هدفها جيدًا متزامنة من هبوط بعض رجاله من فتحات التهوية بالسقف وبالجدار الخلفي للمبنى.
كانت مهمة أسهل مما توقع "أحمد" بكثير، فجميع الرجال وزعيمهم ملتفين حول الطاولة يُعدون أكياس المخدر ويعبئونها وهم يطلقون تنهيدات الانتصار بعدما وصلتهم معلومات من عميلهم السري بالمديرية والتي سربها "أحمد" قصدًا ومفادها أنه يلتهي بمهمة أخرى للإيقاع بأحد المتطرفين والذي يخطط لعملية اغتيال كبيرة.
استقام "أحمد" بوقفته قبالتهم وهو يصوب فوهة سلاحه برأس قائدهم مرددًا بنبرة متشفية :
- تصدق ليك وحشة يا.. قولتلي بينادوك إيه؟.. الأفعى!.. مش اسم حريمي ده شوية؟!.. بس لايق عليك والله.
كانت جميع رجال الشرطة تحاصر رجال الأفعى وهم ينصتون لحديث "أحمد" الذي استرسل بجدية وصرامة :
- ست شهور بدور عليك وكل ما اقربلك ألاقي سراب.. سراب كان زي البنزين بيزود نار حقدي وكرهي ليك.. كان كل ما نقبض على قاتل نلاقي في دمه السموم اللي بتصنعها وتبيعها.. دمرت شباب وبنات كتير.. بس وديني ما هسيبك غير وإنت متعلق على حبل المشنقة إنت والمجرم اللي صنع القرف ده.
****************
صعد "عبد الرحمن" درجات السلم مهرولاً بحذر هو ورجاله حتى وصل إلى الطابق الثالث بتلك البناية القديمة بإحدى مناطق وسط البلد. أشار إلى رجاله أن يتخذوا أماكنهم الصحيحة قبل أن يطرق عدة دقات متتالية على الباب منتظرًا للحظات حتى فتحه ذلك الصيدلي الخائن بتلقائية تامة وابتسامة خفيفة تعلو ثغره قبل أن تتحول لصدمة كبرى حينما وجد كل تلك الفوهات مصوبة إلى رأسه و"عبد الرحمن" يهتف به مرددًا بسخرية :
- ازيك يا دكتور "جمال".
ازدرد ريقه الجاف بصعوبة وهو يطوفهم بأعين زائغة جاهدت كثيرًا لإيجاد أي مخرج لهذا المأزق. قرأ "عبد الرحمن" ما يدور برأس هذا الوغد، ليقبض على كتفه بقوة دافعًا إياه نحو رجاله بغضبٍ ساخط وهو يهتف به :
- اوعى يوسوس لك شيطانك.
المقهى الذي يرتاده "أمجد" والذي كان يحتل أحد أركانه بطاولته المخصصة دائمًا له في مثل هذا التوقيت. صفت "داليدا" سيارتها أمام مبنى المقهى وهي تغمغم ببعض السباب والضيق من هذا المغرور قبل أن تترجل عن سيارتها موصده إياها ووالجة إلى الداخل لتجد أحد نُدُل المكان يستقبلها بابتسامة خفيفة مرددًا بتساؤل :
- أستاذة "داليدا الشهاوي"؟
رفعت أحد حاجبيها بدهشة وهي ترمقه بسخط مرددة :
- أفندم.
أشار النادل بإحدى يديه نحو الداخل ومازالت ابتسامته تزين ثغره وهو يردد بحفاوة :
- أستاذ "أمجد" في انتظار حضرتك.. يا ريت تتفضلي معايا.
تمتمت "داليدا" بحنق وضيق وهي تبتسم ابتسامة خفيفة مرددة :
-اتفضل.
وتبعت النادل إلى الداخل لتجد "أمجد" محتلًا رُكنًا مميز حقًا يستطيع من خلاله كشف أغلب زوايا المقهى. أشار بيده نحو المقعد المقابل له مرددًا بابتسامة هادئة :
- اتفضلي.. تحبي تشربي إيه؟
هدوء المكان وأناقته أثلج غضبها وحنقها، لتجد ابتسامتها تنفرج رغمًا عنها، لتجذب مقعدها جالسة أعلاه وهي ترفع أنظارها نحو النادل مرددة بنبرة هادئة : -بيناكولادا.
أومأ لها النادل بابتسامة خفيفة وهو يغادر لإحضار مشروبها، لتلتفت هي بأنظارها نحو "أمجد" الذي كان يرمقها بنظرة مبهمة. تنهدت بهدوء وهي تضع هاتفها أعلى الطاولة بعدما قامت بتشغيل خاصية التسجيل به وهي تردد بجدية :
- نقدر نكمل الإنترڨيو، هما كام سؤال وأقفل المقال.
ارتشف رشفة خفيفة من قهوته وهو يسترخى بجلسته مشيرًا بيده نحوها كعلامة بدأ مرددًا بأريحية :
- اتفضلي.. سامعك.
ما أن أنهى كلمته وكادت هي تطلق سراح سؤالها حتى عمت بعض الفوضى المكان، ليلتفتا نحوها فإذا ببعض الفتيات تركضن نحوه بسعادة مهللين :
- أستاذ "أمجد الصواف".. إحنا بنحبك قوي.
قابلهم "أمجد" بابتسامة واسعة وهو يردد بود كبير :
- ميرسي.. وأنا كمان بحبكم.
شهقت إحداهن بسعادة وهي تقترب منه هاتفة بلا تصديق :
- أنا مش مصدقة عنيا، حضرتك قدامي وشايفاك.. أنا من الفانز بتوع حضرتك، وقريت كل رواياتك.
اتسعت ابتسامة "أمجد" وهو يردد بسعادة :
- وإيه رأيك فيها بقا.
هتفت الفتاة بتهليل كبير :
- تحفة جدًا.. بحس إني شايفة الأحداث قدامي، وكمان الشخصيات تحفة، وعمري ما قدرت أتوقع صح.. دايمًا بتخالف توقعاتنا.
راودت ثغره ابتسامة خجلة للحظات، لتركض نحوه أخرى وهي تحمل جوالها هاتفة بسعادة :
- ممكن أتصور مع حضرتك.
أومأ لها "أمجد" بموافقة ونهض من مقعده مستقيمًا بوقفته إلى جوار الفتاة التي مدت يديها نحو إحدى صديقاتها كي تلتقط لها بعض الصور مع كاتبها المفضل، وتناوبت الفتيات الوقوف إلى جواره والتقاط الصور معه.
كانت "داليدا" تتابع كل هذا ببعض الضيق الذي تبدد وتحول إلى نظرات تمعن وتركيز في حب الفتيات الواضح لهذا الأمجد، كذلك حُسن خلقه معهن، فكلتا يديه أمام ساقيه تتعانق، وتلك المسافة الفاصلة التي حرص على بقائها رغم رغبة الفتيات في إبادتها.
غادرت الفتيات بسعادة والتفت "أمجد" نحوها بابتسامة معتذرة وهو يهم بالجلوس، ليجد أُخريات تركضن إليه وسط نظراته المندهشة، والمعتذرة لها. هزت رأسها بهدوء صاحب ابتسامتها وهي ترتشف مشروبها بتلذذ ضاغطة زر إيقاف التسجيل.
******************
كانت "هيا" تتكئ على ذراع "مروان" وهي تتجه نحو غرفة نومها معصوبة الرأس بقطعة من الضماد الأبيض وصغارها تركض خلفها بلهفة وخوف سكن أحداقهما هاتفين بفزع :
- مالك يا مامي؟
جلست "هيا" بطرف تختها وهي تمسد رأسها بتأوه مغمغمة بابتسامة باهتة :
-مفيش حاجة يا حبايبي.. اتخبطت في الباب وأنا في المستشفى.
تسمرا الأطفال أرضًا على مقربة منها ومازالت نظرات الهلع تسكن أحداقهما لتنفرج ابتسامة خفيفة بثغرها وهي تستقيم بجلستها متصنعة القوة والصلابة، مُشيرة نحوهما بيدها، ليركضا نحوها بسعادة متشبثين بعنقها للحظات طالت تحت أنظاره التي تقدح بنيران الغضب وهو يزفر زفرة خفيفة مرددًا بهدوء فشل في التحلي به :
- مامي تعبانة يا حبايبي.. سيبوها ترتاح والصبح تعالوا اطمنوا عليها.. يلا على أوضكوا.
شددت "هيا" من احتضانهما وهي تُقبل رأسيهما بحنو شديد قبل أن تُخرجهما من حضنها مرددة بعطف وهي تمسد بحنان على وجناتهما :
-أنا كويسة يا حبايبي، بس زي ما قال بابي.. لازم أرتاح شوية.. كل واحد يروح على أوضته وأنا شوية وهاجي أطمن عليكم.
هزت "كادي" و "كريم" رؤوسهما بموافقة وهما يركضا خارج الغرفة ويتبعهما "مروان" بخطاها الواسعة موصدًا الباب خلفهما قبل أن يلتفت نحوها بأعين انفجرت بها براكين الغضب ثائرة.
اقترب منها وهو يغمغم بصوت جاهد لخفضه وهو يصك أسنانه ضاغطًا كل حرف تفوه به :
- أقدر أعرف إيه اللي حصل ده؟
ضيقت أحداقها بدهشة من سؤاله الأحمق هذا، فكل معطيات الحادث عنده بأدق تفاصيلها، لتغمغم مستنكرة :
- تعرف إيه؟!.. ما أنت عارف كل حاجة، وكنت معايا في كل حاجة.
سحب نفسًا عميقًا وهو يقترب منها بغضب أكبر مرددًا :
- إيه اللي دخلك عنده من الأساس؟
قطبت جبينها بصدمة أكبر وهي تُجيبه ببعض السخرية :
- مريض وكان في حالة هياج، وكان لازم دكتور يدخل يسيطر عليه.
صك أسنانه أكثر وهو يفرك كلا كفيه ببعضهما البعض مرددًا :
-وحضرتك الدكتورة بتاعته عشان تسيطري عليه؟
نهضت من مجلسها مغمغمة بتبرير :
- لأ.. دكتور "مراد" هو الطبيب المعالج ليه، بس مجاش النهارده لأنه اشتباه كورونا.
سحب "مروان" نفسًا عميقًا لصدره للحظات قبل أن يزفره بهدوء مرددًا بحدة :
-من يوم ما نزلتي تشتغلي بعد الجواز وإحنا متفقين إن شغلك من الأطفال أو الستات.. كمان متفقين إنك متتعرضيش لمعاملة مع أي مريض راجل، ومعاملتك مع زمايلك الدكاترة تكون في أضيق الحدود.
انتفض غضبها غير عابئًا بآلام رأسها وهي ترفع أحد حاجبيها هاتفة باستنكار :
-وأظن أنك فاكر إني يومها ما كنتش موافقة على كلامك ده لأني دكتورة وأقسمت إني أعالج كل مريض محتاج مساعدتي، وأظن إنك فاكر كمان ازاي أقنعتني بوجهة نظرك الغريبة دي واللي كانت بدافع الغيرة والحب، لكن الراجل اللي قدامي ده لا بيغير ولا بيحب، ده راجل بيشك.
أثارت كلمتها الأخيرة وحش كبريائه الخامد، ليثور بقوة صارخًا بها :
- انتي اتجننتي؟
هزت رأسها الجريحة ككبريائها النازف وهي تهتف به بجم غضبها :
-لأ ما اتجننتش.. أنا بس واجهتك بالحقيقة اللي كانت بتتأكدلي كل يوم أكتر من اللي قبله.. بس أحب أقولك إني عمري ما هخون قسمي زي ما عمري ما هخونك.. هفضل أساعد كل بني آدم محتاجيني لآخر نفس فيا يا "مروان".. وعمري ما هخذل حد احتاجني يوم.. أنا الدكتورة "هيا سمير " اللي اتعرفت عليها وحبتها وهي بتشتغل دكتورة بيحلف بأخلاقها وشطارتها كل الناس، هي البنت اللي أبوها رباها وأحسن تربيتها، هي الزوجة اللي محافظة على اسم جوزها وشرفه، وهي الأم اللي بتربي عيالك تربية تفتخر بيها.. هي كل دول، وهي كده على بعضها ما بتتجزأش يا سيادة المخرج العبقري.
هز "مروان" رأسه بقوة وهو يهتف بها :
- انتي متعرفيش نظرة الرجالة للست بتكون عاملة ازاي.. متعرفيش تفكيرهم فيها وهي بتتكلم معاهم بيكون ازاي.. متعرفيش غايتهم منها بتكون إيه.
اشتعل غضب "هيا" وتطايرت شراراته من أحداقها وهي تصرخ بها بقوة :
- دول يبقوا مرضى نفسيين بيمشوا ورا رغباتهم القذرة.. ولو انت بتفكر زيهم يبقى أنت كمان...
وابتلعت باقي كلماتها وهي ترمقه بامتعاض قبل أن تغادر الغرفة صافعه الباب خلفها بقوة.
*****************
كان "أحمد" ورجاله بسيارة نقل أثاث مجهزة لمثل هذه النوعية من العمليات يراقبون هذا الوكر الإجرامي منتظرين حركة سكون الشارع والتي هدأت كثيرًا ليتنهد بقوة وهي يلتفت نحو رجاله الملثمين مثله والمدججين بالأسلحة المكتومة أصواتها وهو يردد بصرامة وحزم :
-زي ما اتفقنا يا رجالة مش عايزين أي بني آدم بريء يتأذى.. تمام.
هز جميع رجاله رؤوسهم بموافقة مرددين بجدية:
- تمام يا فندم.
هز "أحمد" رأسه بقوة مغمغمًا وهو يتقدمهم:
- على بركة الله.. كل واحد ياخد موقعه.. يلا يا رجالة.
تسلل الجميع بخفة متواريين خلف جُدر متصدعة كحال ساكنيها مطوفين المكان حولهم بأعين كالصقر وهم يتبعون قائدهم الذي التصق بكامل جسده على حائط المبنى وهو يُرسل لهم إشارات توزيع يعلمونها جيدًا، ليتخذ كلا منهم موضعه ومكانه قبل أن يستدير كليًا نحو باب المبنى ويطلق بموضع قفله الداخلي طلقة تعلم هدفها جيدًا متزامنة من هبوط بعض رجاله من فتحات التهوية بالسقف وبالجدار الخلفي للمبنى.
كانت مهمة أسهل مما توقع "أحمد" بكثير، فجميع الرجال وزعيمهم ملتفين حول الطاولة يُعدون أكياس المخدر ويعبئونها وهم يطلقون تنهيدات الانتصار بعدما وصلتهم معلومات من عميلهم السري بالمديرية والتي سربها "أحمد" قصدًا ومفادها أنه يلتهي بمهمة أخرى للإيقاع بأحد المتطرفين والذي يخطط لعملية اغتيال كبيرة.
استقام "أحمد" بوقفته قبالتهم وهو يصوب فوهة سلاحه برأس قائدهم مرددًا بنبرة متشفية :
- تصدق ليك وحشة يا.. قولتلي بينادوك إيه؟.. الأفعى!.. مش اسم حريمي ده شوية؟!.. بس لايق عليك والله.
كانت جميع رجال الشرطة تحاصر رجال الأفعى وهم ينصتون لحديث "أحمد" الذي استرسل بجدية وصرامة :
- ست شهور بدور عليك وكل ما اقربلك ألاقي سراب.. سراب كان زي البنزين بيزود نار حقدي وكرهي ليك.. كان كل ما نقبض على قاتل نلاقي في دمه السموم اللي بتصنعها وتبيعها.. دمرت شباب وبنات كتير.. بس وديني ما هسيبك غير وإنت متعلق على حبل المشنقة إنت والمجرم اللي صنع القرف ده.
****************
صعد "عبد الرحمن" درجات السلم مهرولاً بحذر هو ورجاله حتى وصل إلى الطابق الثالث بتلك البناية القديمة بإحدى مناطق وسط البلد. أشار إلى رجاله أن يتخذوا أماكنهم الصحيحة قبل أن يطرق عدة دقات متتالية على الباب منتظرًا للحظات حتى فتحه ذلك الصيدلي الخائن بتلقائية تامة وابتسامة خفيفة تعلو ثغره قبل أن تتحول لصدمة كبرى حينما وجد كل تلك الفوهات مصوبة إلى رأسه و"عبد الرحمن" يهتف به مرددًا بسخرية :
- ازيك يا دكتور "جمال".
ازدرد ريقه الجاف بصعوبة وهو يطوفهم بأعين زائغة جاهدت كثيرًا لإيجاد أي مخرج لهذا المأزق. قرأ "عبد الرحمن" ما يدور برأس هذا الوغد، ليقبض على كتفه بقوة دافعًا إياه نحو رجاله بغضبٍ ساخط وهو يهتف به :
- اوعى يوسوس لك شيطانك.
