رواية عديل الروح الفصل الخامس 5 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الخامس - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
********************
بسيارته الدفع الرباعي من نوع ليكزس جلس أربعة أشخاص يتسامرون ويتحدثون بشؤون المزرعة التي لم يستطع أي شخص الذهاب وتفقد شؤونها.
سلطان بدشداشته البنية، والحمدانية الحمراء, ونظارته السوداء، يجلس خلف مقود سيارته يقودها بسهولة وبجانبه الجدة التي ترتدي شيلتها وعباءتها الواسعة التي لا تظهر ما تحتها، وخلفه يجلس محمد الذي ينظر للنافذة بشرود، وبالجهة الأخرى زوجته سلمى.
ضيق عينيه لما ترتديه فقد خرج من المنزل غاضبا منها بعد أن أمرها بحزم أن ترتدي ملابسها للذهاب لزيارة ابنة عمه، فالجميع سيكونون هناك للتحمد بسلامتها، لكن ما يحرق أعصابه هي تلك الكلمات التي رمتها دون وجه حق بابنة عمه قبل عدة دقائق من خروجهم!!
" لا أريد الذهاب للمشفى!! ".
وضع المشط من بين يديه وشاهد انعكاس صورتها في المرآة، تجلس بإغراء وشعرها القصير يحيط بوجهها بهالة من الفتنة، ترتدي ملابس نوم أقل من محتشمة وأصابعها النحيلة تتلاعب بالهاتف.
ينظر إليها ويرى أنثى فاتنة يتقاتل الرجال من أجلها، وهذا ما جذبه ناحيتها جمالها، ولم يهتم أو يسأل لما انفصلت عن زوجها، فالماضي هو الماضي ولا يهم، لكن بعد الزواج شعر بشيء ينقصه، شيء لا يعرف ما هو لكن يفتقده معها، أغمض عينيه واستغفر ربه ثم تحدث معها بهدوء:
" لما لا تريدين الذهاب؟؟.. الجميع سيكونون هناك؟! ".
" لا أحب جو المستشفيات، وثانيا...أذهب لمن أفسدت زواجي وليلة فرحي، مستحيل!! ".
" ماذا كنت تريدين منها أن تفعل؟! تتحمل ألمها وأن لا يغمى عليها لحين الانتهاء من الزفاف!! ".
" نعم...".
قالتها بغضب ورمت الهاتف من بين يديها وتألقت عينيها بحقد كبير، أثار بنفسه الاشمئزاز من تفكيرها السطحي، فحياة إنسان كانت على المحك وهي تطالب بأن تنتظر ريثما ينتهي حفلها!! وصله فحيح صوتها:
" نعم، هي قصدت أن تنتظر ليوم زفافي, كانت تريد إفساده، فهي غيورة وحقودة لأنك اخترتني أنا لأكون زوجتك وليس هي!! ".
كانت تتحدث بعصبية وثقة مما تقوله، أما هو فقد تجمدت أوصاله وبهتت ملامحه من هذا التصريح الفج، وأخذ يستوعب ما قالته كلمة...كلمة، فالتفت إليها زاعقا بقوة:
" سلمى!! ".
انتفضت من جلستها وتسلل الرعب بداخلها، ولعنت نفسها لاسترسالها بالكلام دون أن تنتبه لما تقوله
" ما الذي قلته للتو؟!! ".
" أنا...أنا...".
" تحدثي... ".
" أنا لا شأن لي بهذا، فوالدتي هي...".
وضعت كفها على فمها وعضت شفتيها بندم.
جحظت عيناه وانطلق الشرر منها لما قالته، وبما أن والدتها هي من بدأت، لا بد وأن الخبر قد انتشر بين الجميع!!
" ألا تخشون الله أيها الناس، اتقوا الله فيما تقولونه من تشويه سمعة الفتاة ".
اقترب منها وأمسك بيدها يضغط عليها بقوة، ولم يهتم لمدى ألمها فهم يتهمون ابنة عمه الشريفة الطاهرة بشيء لا يبت للواقع بصحة.
" ألا تعرفين كم تبلغ مريم من العمر ها؟؟..انطقي!!...إنها بالتاسعة عشر من عمرها.....وأنا هل تعرفين كم أبلغ من العمر؟! ثمانية وعشرون، هل ترين فرق العمر؟؟ ".
فهمست بألم يفتك بذراعيها لكن لسانها عجز عن عدم التكلم، فانزلقت كلماتها لتندم بعدها لما قالته:
" لكن هذا لا يمنع من أن تقع بهواك!! ".
دفعها من يده كشيء مقزز من تفكيرها القذر هي ووالدتها ونظر إليها من علوه بنظرات غريبة وغامضة لم تعرف بما يفكر، فقال ببرود يخالف العاصفة التي تدور بعينيه:
" ابنة عمي أطهر من أن تفكر بهذه الأشياء السخيفة، وما لا تعرفينه أنا وهي كالزيت والماء ما أن يتقاربا حتى يفترقا ويتنافرا، وقولي لوالدتك أن تكف لسانها عن القيل والقال " فيوم لك ويوم عليك " هذه المرة سأمررها وكأنني لم أسمعها لكن....!! "
سكت لتستوعب تهديده واستطرد مكملا:
" إن سمعت حرفا واحدا يمس بشرفها ستندمان، هل تفهمين ما أقوله؟؟ ".
هزت رأسها ثم صرخ بها مجددا:
" انهضي وغيري ملابسك هذه واستعدي للذهاب لزيارتها، وستتحدثين معها بأدب واحترام وإن لم تريدي فاصمتي!! ".
خرج بعد أن تلقف بيده الحمدانية وأغلق خلفه الباب بقوة، فتنهدت براحة وفركت يدها وأخذت تلعن وتسب مريم وتدعوا بأن يخلصها الله من هذه السمينة التي تقلب حياتها رأسا على عقب.
وصلا لوجهتهما وترجل محمد من السيارة بسرعة وتنفس بعمق هواءً نقيا، فلقد شعر بصدره يضيق من جلوس زوجة ابن عمه بجانبه ورائحة عطرها القوية كتمت أنفاسه، كم يمقتها؟! فهو يعلم كم هي مثابرة مع والدتها باستفزاز شقيقته ومحاولتهم سحقها.
أسرع للجهة الأخرى وفتح الباب لجدته يساعدها بالترجل منها وسار بجانبها ممسكا بيدها وهي تدعوا له بالبركة وطول العمر، اقترب سلطان من زوجته بعد أن تعمد تأخره بالنزول وأمسكها من زندها بقوة فأنت بألم وقالت:
" سلطان.. أنت تؤلم يدي؟؟ ".
" ألم أنبهك من قبل بأن ترتدي عباءة مغلقة؟؟ وإن ارتديت العباءة المفتوحة أن ترتدي ملابس محتشمة وثانيا: هل أبقيت شيء من زجاجة العطر؟؟ ".
" حبيبي لما تقول هذا، فملابسي محتشمة!! ".
" أجل.. جينز ضيق يحدد ساقيك، وقميص أيضا ضيق وعباءة مفتوحة وشعرك يرفل بالهواء، لا أعرف لما ترتدين الشيلة ونصف شعرك بالخارج، هذه هي الملابس المحتشمة برأيك؟!! ".
" من حقي أن أرتدي ملابس جميلة وأن أتعطر، فأنا عروس جديدة!! ".
" أجل من حقك التعطر والتزين، لكن في المنزل من أجلي، لكن في حالة خروجنا لمن تتزينين؟!! ".
أخذ أنفاسا عميقة يهدئ من أعصابه قبل أن يقدم لعمل متهور.
" سلمى... لقد أخبرتك من قبل بما أريد من زوجتي أن تكون، ويبدوا بأنه لم تعجبك شروطي تجعلينني أغير رأي في.... ".
قاطعته بخوف ووضعت أصابعها على شفتيه:
" لا يا حبي، أنا أعتذر، وسأفعل ما تطلبه مني، أرجوك لا تغضب ".
رماها بنظرات متوعدة ثم دفعها لتسير بجانبه، فتأبطت ذراعيه ومشت بغرور وتملك لهذا الرجل الوسيم وابتسامة سعادة تألقت بشفتيها .
وصلا للغرفة المطلوبة وطرقا الباب ودخلا ليجدا الجميع بالداخل، تجولت عيون الجدة بسعادة لتواجد جميع أولادها مع زوجاتهم وبناتهم، وتوقفت نظراتها عليها فارتجف جسدها لمرآها تبتسم، تأملتها فشاهدت الضعف بملامحها لكن عيناها تشع بالقوة.
اقتربت منها بسرعة بعد أن رأتها تحاول النزول من سريرها لتلاقيها فتقدمت ناحيتها تمنعها، وقالت بصوت شابه البكاء:
" إياك أن تفعليها مرة أخرى يا ابنة الغالي!! ".
هزت رأسها بالموافقة وترقرقت الدموع من مقلتيها، وقالت بصوت مبحوح:
" ألا تريدين احتضاني؟؟.ز لقد مرت فترة طويلة دون أن يحتضنني أحد ".
انحنت لها الجدة وأخذتها بين أضلاعها دون إضاعة للوقت، ونزلت دموع الفرح مختلطة مع دموع الخوف من فقد هذه الفتاة التي تجعل حياتها نعيما ونورا يضيء عتمة منزلها، احتضنتها مريم بالرغم من شعورها بالألم للضغط الذي تمارسه الجدة دون أن تشعر بها، وربتت على ظهرها تهدئ نوبة دموعها وخوفها، ومسدت عليها بحنان ورقة كأنها أم تهدئ من روع صغيرها .
كان موقف عجيب ومؤلم للواقفين ينظرون لهذا المشهد الذي تركهم يذرفون دموع الفرح والسعادة لانقشاع تلك الغيمة التي حلت على دار آل النعيمي ...
(( فمريم هي درة الدار ))
يقف عند الباب ينظر للمشهد الخيالي بنظرة غريبة، لم يتوقع بأن جدته ستنهار هكذا لرؤيتها، يعلم بمدى حبها لها لكن.........
لم يعرف كيف يصف هذا الشعور الذي يشعره الآن في هذه اللحظة، شيء غريب سرى بجسده كرعشة ليس من البرد، بل رعشة لذيذة راغبة بأن يكون هناك بدل.........
توسعت عينيه لإدراك ما كان سيقوله وابتلع لعابه, أراد أن يجبر عينيه أن تنخفض وأن تغلق عن هذا المشهد لكنه لم يستطع، فكأنما لها إرادتها الحرة فتشبثت بما تراه تلتهم كل اختلاجة كأنها عطشة لهذا الارتواء وهذه العاطفة.
اقتحام محمد بمرحه ساعده بأن يشيح وجهه ويستغفر ربه ويتعوذ من الشيطان
" مريوم!! اياك أن تفعليها مرة أخرى يا فتاة ".
ابتعدت الجدة فرفعت مريم يدها بضعف ومسحت دموعها وقبلتها على رأسها بحب، ثم التفتت لشقيقها تلتهم ملامحه الوسيمة والشقية وقالت بصعوبة:
" هل اشتقت إلي؟؟ ".
وقف يحك رأسه وهو يفكر.
" في الحقيقة أجل، اشتقت إليك. لكن الأكثر اشتقت لطعامك فلقد مت من الجوع ولم يطعمني أحد، أنظري إلي كم صرت هزيلا؟؟ ".
" حمود!! ".
صرخت فيه الجدة.
قهقه الجميع لكلامه، وشعرت مريم بالألم من ضحكها فتأوهت بخفوت وانكمش وجهها، فأسرعت بإخفائه فهي لا تريد افساد سعادة الجميع، لكن أحدهم التقط ما أخفته بمهارة، نعم...فهذه هي مريم تعطي ما لديها لغيرها، كريمة معطاءة لا تمتلك صفة الأنانية، فالكرم من محاسن أخلاقها، سمع صوتها المرهق:
" تعال يا حمود لقد اشتقت إليك "
رفعت يدها تناديه فاقترب منها وقد تبدلت ملامحه وفرت دمعة يتيمة التقطتها مريم وأخفتها بصدرها، فاعتصرها بقوة يريد الشعور بها بدفئها بحنانها بعطفها فهي الباقي من عائلته، لم يشعر بقوته وهو يحتضنها بعضلاته الساحقة لجسدها الهش شعرت بقوتها تخور وبعضلاتها تكاد تتمزق من قبضته كأنه خائف من الضياع، فأمسك بوالدته من أن يتوه بين باقي البشر فأخفت ملامحها المتألمة بمنحنى رقبته تكتم وجعها، أنقذها من هذا الاحتضان المتملك صوته الجهوري:
" اتركها تتنفس يا محمد، فمريم أمامك ولن تترك أبدا ".
ابتعد محمد ومسح دمعته بكم دشداشته وفرك شعره بأصابعه وقهقه بخجل، فربتت على وجنته بأمومة امتلكتها منذ الصغر، فتحرك من مكانه وجلس بجانب عمه الذي احتضنه من كتفه.
رفعت رأسها بعد أن استجمعت قوتها المتبقية لها باتجاهه، فتشابكت نظراتهما تتحدث وحدها بلغة لم تفهمها عقولهم المتبلدة، ابتلع ريقه وكلمات سلمى ترن بعقله فهل ما قالته صحيح؟!!
مريم تكن له مشاعر الحب!!.. رفعت حاجبها كما المعتاد لتكسر التواصل فيما بينهما، فأجلى حنجرته وتحدث بصوت غريب على نفسه:
" كيف حالك يا ابنة العم؟؟ ".
" أنا بخير والحمد الله، كيف حالك أنت؟؟ ".
قاطعته سلمى، ووقفت تمسك بذراعه بتملك:
" حمد الله على سلامتك يا مريم، لقد أخفتنا عليك أنا وسلطان ".
الغبي وحده هو الذي لن يفهم تلميحها، ومريم ليست بهذا الغباء فقالت:
" الله يسلمك يا سلمى، ومبارك عليكم زواجكم، للأسف لم أستطع أن أحضره للنهاية ".
" أجل فبسببك كانت أسوء ليلة بحياتي، فزوجي ترك الحفل ليبقى بجانبك، أليس هذا من كرم أخلاقه؟؟ ".
قالتها دون أن تشعر، فرؤيتها أمامها أشعل غيظها وحقدها لسعادتها بوجود الجميع حولها، أما هي فقد تركت لوحدها في يوم كان ليكون أسعد يوم بحياتها.
لم تشعر بفداحة قولها سوى بعد شعورها بالألم بأصابعها، فسحبتها بسرعة من بين يديه قبل أن يسحقها، فأخذت تمسد أصابعها المتألمة وهي تنظر بحقد ناحيتها.
ضحكت لتنقذ الموقف الذي وضعت نفسها فيه عندما شاهدت وجوم ملامح الجميع، التي تنظر إليها بلوم وتلك الجدة نظراتها مخيفة تذكرها بنظرات زوجها عندما يغضب
" كنت أمزح معك!! فصحتك كانت أهم بكثير من سفرنا بشهر العسل، لا عليك حبيبتي، فسلطان سيعوضني عنها، أليس هذا صحيح حبي؟؟ ".
نظراته مصوبة ناحيتها وعقله يدور بدوامة أدخل فيها مجبرا، أراد ضرب سلمى لما قالته وبلحظة أخرى أراد أن يستشفي ردة فعلها لما سمعته، شاهدها ترفع حاجبيها الأنيقين ليختفي تحت ( شيلتها ) وعينيها تتحرك بينهما، فالتقطت نظراته المصوبة ناحيتها تحدق إليها كأنه ينتظر شيء ما لا تفقهه، فأخفضت عينيها ثم رفعتهما تحمل بداخلها العزم والتحدي، فقالت بتهكم وضح بصوتها المتعب:
" وما كان الداعي لإلغاء سفركم؟!فما أعلمه بأن ابن عمي يعمل بقسم الشرطة!! ولم أعرف بأنه حول عمله ليكون طبيبا؟!! ".
فغر الجميع أفواههم لردها القوي، ومالت سلمى برأسها ناحيته وهمست بغيض:
" ألم أقل لك أن تتركها بين عائلتها؟! أنظر إليها كم هي جاحدة!! ".
" سلمى!! ".
صرخ فيها وبداخله بركان من ردها بأنها لا تهتم بزواجه من أخرى، صمت وأخذ يحادث نفسه ماذا حصل له؟!! لما يهتم بما تقوله؟!! لعن بداخله والدة سلمى لتسببها بحيرته، والخجل من تفكيره بفتاة صغيرة بأنها تحبه.
" مريم ما الذي تقولينه؟!! هل هذا جزاءه بأنه فضل البقاء بجانبنا بدل سفره مع زوجته؟!! ".
أنبتها جدتها التي شعرت بضيق من ردها، وبداخلها أسعدها قولها وأراحها ليدرك الجميع خطأ ما قيل بحقها.
" لا عليك يا جدتي، دعيها تقول ما تريده، فلقد سمعت كلمات كانت أقوى بكثير من هذه الكلمات "
" لا، جدتي محقة. أنا أعتذر على فظاظتي، وشكرا يا ابن العم على وقوفك بجانب جدتي في وقت محنتها ".
رفع حاجبيه هذه المرة لفهمه لمقصدها، بأن جدته هي من ساعدها بتجاوز محنتها، وهي لا يد له فيها فالطبيب هو من عالجها.
طرقات على الباب ثم دخل الطبيب المشرف عليها بابتسامته الدافئة مرحبا بالجميع
" حمد الله على سلامة ابنتكم ".
" شكرا يا دكتور عمر، هذا بفضل الله ثم بفضلك ".
" لا تقل هذا يا أبو سلطان، فهذا عملي وواجبي مساعدة المرضى ".
التفت لمريضته يحدجها بنظراته وحدثها بحنان:
" كيف حالك يا مريم؟؟ ".
خجلت من تحديقه فأخفضت أنظارها، وقالت بهمس خفيض:
" بخير يا دكتور، متى سأخرج من المستشفى؟؟ ".
ضحك الجميع من طلبها، وقال الطبيب:
" هل مللت منا بهذه السرعة؟؟ ".
" لا ليس هذا، وإنما أنا أريد العودة لمنزلي ".
" للأسف لا أستطيع تركك تخرجين، فستشرفينا لمدة ثلاث أيام أخرى لنطمئن عليك ".
شهقت بصوت عالي.
" أنت تمزح بالتأكيد؟؟ ".
هز رأسه بعلامة لا، فعبست بطفولية وقاطعت ذراعيها بعدم الموافقة.
رحل الجميع مخلفين خلفهم فتاة ناقمة وتتوعد بأنها ستخرج غدا.
استقل الجميع سياراتهم وركب محمد مع عمه علي بجانب ابن عمه عبدالله الذي يماثله بالسن، وركبت الجدة أيضا مع ولدها أحمد لتتحدث معه بشؤون المزرعة،
وصعد سلطان مع زوجته لوحدهما فانطلق بسرعة عالية ولم تستطع النطق، فإن فتحت فمها فسيكون يوم هلاكها لا محال، وصلا للمنزل وتوقف ولم يطفئ السيارة
" انزلي!! ".
" ألن... تنزل معي؟؟ ".
" انزلي يا سلمى، فأنا لا أريد أن أؤذيك!! ".
ترجلت من السيارة بخوف وأغلقت الباب، وقبل أن ينطلق فتح النافذة وقال لها.
" لا تنتظريني الليلة لن أحضر ".
فداس على عصى البنزين محدثا صوتا مفزعا كأن انفجار قد حدث، وظلت تنظر أمامها إلى أن اختفت السيارة من أمامها بلمح البصر، ودخلت وهي تعود لسب مريم وتدعو لها بالهلاك .
في اليوم التالي خرجت مريم من المستشفى كما وعدت، وجدتها ترغي وتزبد من خروجها وهي ما تزال مريضة فلقد أجبرتها أن توقع ورقة الخروج على مسؤوليتها، فانصاعت الجدة مجبرة لطلبها، فهي كانت ستخرج بورقة أو بدون ورقة، الجميع حاول إثنائها لكن باءت محاولاتهم بالفشل وها هي الآن بسيارة عمها أحمد مغمضة العينين مسندة الرأس على نافذة السيارة ويصلها حديثهم الخفيض، فهي لم تكن نائمة لكن أرادت أن تريح عينيها، وصلتها كلمات جعلتها تفتح عينيها وتستمع بإنصات لما يقال:
" هل زارك سلطان اليوم يا أمي؟؟ ".
" نعم يا بني، لقد جاء ليخبرني بأنه سيسافر مع زوجته ويودعني لأن طائرته ستقلع هذا الصباح ".
تنهد الأب بحيرة، فسمعته والدته:
" ما بك يا أحمد؟؟.. استغفر ربك فيزول ما يضيق صدرك ".
" أنا قلق على سلطان يا أمي!! ".
خبطت على صدرها بهلع من كلماته:
" ما به قرة عيني؟! ما علة سلطان؟! أرجوك لا تفجعني فيه، فيكفيني ما أصاب مريم ولن أحتمل أن يصيب شيء ما ابني الآخر ".
" اهدئي أمي، ولا تقلقي. فسلطان بخير، وقلقي هو عن شيء آخر ".
" أخفتني يا أحمد ما هو الأمر؟؟ ".
" لا أعرف أمي، لقد سمعت بعض الكلام عن زوجته سلمى، وهو ليس بالهين، وجعلني أشعر بالخوف من ردة فعل سلطان لو كان ما قيل حقيقي ".
" أحمد ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )) صدق الله العظيم ".
" لا تستمع للقيل والقال يا بني، فأنت لا تعرف قصدهم من إخبارك، فربما هم أناس حاقدون يريدون أن يعيثوا الفساد ويسببوا التفرق، احرص يا بني بأن تتأكد قبل أن تقول أي شيء ".
" أعرف هذا أمي ".
انقبض قلبها وضاق صدرها بما سمعته وخوف نهش قلبها بابن عمها، يا ترى هل هو بخطر ومن يضمر له الشر؟!
ظلت الهواجس تلعب بعقلها وانشغل تفكيرها به إلى أن وصلت للمنزل وترجلت بصعوبة بمساعدة شقيقها الذي استقبلها بالترحاب والتهليل وضمها لصدره، احتضنتها ذراعه وسار معها بخطوات متمهلة إلى أن دخلت فتوقفت تجترح أنفاسا عميقة لتعبق برئتيها شذى رائحة المنزل، وقالت بصوت مسموع:
" ما أحلى العودة للمنزل بعد طول غياب ".
" إنهما أربعة أيام يا أختي ".
" كأنها الدهر يا محمد ".
سارت بخطوات متمهلة لغرفتها، فساعدها بخلع عباءتها ووضعها برفق على السرير، فقال بتفكه:
" من هو مثل شأنك يا شقيقتي؟؟ ".
"ماذا تقصد بقولك محمد؟! ".
" الجميع يراعيك ويهتم بما تريدين، وأنا شخصيا أقف لأساعدك بما تحتاجين، أين ستجدين أخ مثلي؟! فلو درت العالم كله لن تجدي من يشبهني ".
ابتسمت بخفوت وتأملت شقيقها بحب...وسيم، ذا بشرة سمراء، شعر ناعم، عيون كعيون الصقر بشكلها، أنف طويل، وجسد بعضلات قوية للرياضة التي يداوم عليها.
" هل أخبرتك أنك تشبه والدي كثيرا؟؟ ".
" نعم أعرف ".
اقترب وجلس بجانبها على السرير، وقال:
" هل تفتقدينهم؟؟ ".
" أحيانا... وأحيانا يكفيني وجودك أنت وجدتي ".
" أنا أيضا، فيكفيني أنك موجودة بجانبي. لقد عوضتني عن حنان أمي وصرامة أبي، أنت دنيتي كلها ولا أعرف ما سيحدث لي لو أصابك مكروه!! "
" لا تقل هذا يا محمد، فهذه سنة الحياة. فكلنا زائلون ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، احزن وأبكي علي، لكن لا تدفن نفسك بالحزن، فنحن مؤقتون بهذا المكان وسيأتي اليوم الذي نرحل فيه من هذه الدنيا، لكن هذا لا يمنع من استمرار الحياة فهي تمشي وتسير دون توقف, أبدا لا توقف حياتك وتجلس تبكي وتندب، فلن يخسر أحد شيء سواك، ستكون الخاسر الوحيد، عمرك سيمضي دون أن تفعل شيء سوى البكاء على الأطلال، هل تفهم ما أقوله؟؟ ".
" نعم أفهم، لكنه صعب لمن اختبره ".
" لا ليس بصعب، أنظر مات والدينا هل توقفت الحياة؟! نحن نعيش بترف وسعادة، نمضي قدما نفكر بمستقبلنا ودراستنا، الحياة لا تتوقف بموت شخص عزيز عليك ".
" أنت محقة، سأتركك ترتاحين، فأنت ما تزالين متعبة ".
خرج وأغلق الباب، لتغلق عينيها وترحل بنوم عميق دون أي أحلام .
..................
مر أسبوعان بعد خروجها من المستشفى عادت فيهما مريم لحياتها الطبيعية وعادت لمدرستها، فهذه سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية وأقبلت الامتحانات اجتهدت بالمذاكرة بقوة كما اعتادت لتنال المراكز الأولى مع مرتبة الشرف، فهي دائما تحب أن تكون الأفضل، وتحلم بأن تكون معلمة لرياض الأطفال فهم في مرحلة متبلورة من العمر ففيها يختزن الطفل ما تربى عليه, فهي تعشق الأطفال وتحلم بإنجاب الكثير منهم في المستقبل.
بعد انتهاء الامتحانات بأسبوع وبدأ الأجازة الصيفية، عاد سلطان من سفرته أوصل زوجته لمنزل والديها ثم توجه بسرعة ناحية منزلها، منزل جدته التي اشتاق لها بالرغم من مكالماتهم التي لم تنقطع بينهم.
أراد مفاجأة الجميع بقدومه فهو لم يخبر أحدا متى سيصل، وصل لمنزل الجدة وترجل من سيارته فعقد حاجبيه لرؤية عمال يحملون صواني التقديم للضيوف المتواجدون في المجلس، وصلت أصواتهم الصاخبة لمسامعه، خطوات قليلة ودفع الباب وينطلق صوته الجهوري بالتحية لينهض الجميع احتراما لهذا الرجل الفذ.
سلم على الجميع وارتفع حاجبه بتعجب لرؤية شخص لم يتوقع أن يراه بهذا المكان بذات، فسرى خوف مس شغاف قلبه بأن مكروه قد حدث لها.
جلس والحيرة تنهش قلبه، لكنه لم يستطع السؤال فما يراه أمامه دليل على أن الأمور على ما يرام، هناك شيء آخر لتجمعهم!!
أمسك بفنجان قهوته وما كاد يرتشفه حتى علق بالهواء، وقد تجمدت أوصاله لما سمعه من كلمات، كانت كالصدمة الكهربائية التي دوت كالصاعقة بداخله ليتوقف خافقة كمن فقد روحه.
" نحن نطلب القرب لابننا عمر بابنتكم المصون مريم على سنة الله ورسوله ".
********************
بسيارته الدفع الرباعي من نوع ليكزس جلس أربعة أشخاص يتسامرون ويتحدثون بشؤون المزرعة التي لم يستطع أي شخص الذهاب وتفقد شؤونها.
سلطان بدشداشته البنية، والحمدانية الحمراء, ونظارته السوداء، يجلس خلف مقود سيارته يقودها بسهولة وبجانبه الجدة التي ترتدي شيلتها وعباءتها الواسعة التي لا تظهر ما تحتها، وخلفه يجلس محمد الذي ينظر للنافذة بشرود، وبالجهة الأخرى زوجته سلمى.
ضيق عينيه لما ترتديه فقد خرج من المنزل غاضبا منها بعد أن أمرها بحزم أن ترتدي ملابسها للذهاب لزيارة ابنة عمه، فالجميع سيكونون هناك للتحمد بسلامتها، لكن ما يحرق أعصابه هي تلك الكلمات التي رمتها دون وجه حق بابنة عمه قبل عدة دقائق من خروجهم!!
" لا أريد الذهاب للمشفى!! ".
وضع المشط من بين يديه وشاهد انعكاس صورتها في المرآة، تجلس بإغراء وشعرها القصير يحيط بوجهها بهالة من الفتنة، ترتدي ملابس نوم أقل من محتشمة وأصابعها النحيلة تتلاعب بالهاتف.
ينظر إليها ويرى أنثى فاتنة يتقاتل الرجال من أجلها، وهذا ما جذبه ناحيتها جمالها، ولم يهتم أو يسأل لما انفصلت عن زوجها، فالماضي هو الماضي ولا يهم، لكن بعد الزواج شعر بشيء ينقصه، شيء لا يعرف ما هو لكن يفتقده معها، أغمض عينيه واستغفر ربه ثم تحدث معها بهدوء:
" لما لا تريدين الذهاب؟؟.. الجميع سيكونون هناك؟! ".
" لا أحب جو المستشفيات، وثانيا...أذهب لمن أفسدت زواجي وليلة فرحي، مستحيل!! ".
" ماذا كنت تريدين منها أن تفعل؟! تتحمل ألمها وأن لا يغمى عليها لحين الانتهاء من الزفاف!! ".
" نعم...".
قالتها بغضب ورمت الهاتف من بين يديها وتألقت عينيها بحقد كبير، أثار بنفسه الاشمئزاز من تفكيرها السطحي، فحياة إنسان كانت على المحك وهي تطالب بأن تنتظر ريثما ينتهي حفلها!! وصله فحيح صوتها:
" نعم، هي قصدت أن تنتظر ليوم زفافي, كانت تريد إفساده، فهي غيورة وحقودة لأنك اخترتني أنا لأكون زوجتك وليس هي!! ".
كانت تتحدث بعصبية وثقة مما تقوله، أما هو فقد تجمدت أوصاله وبهتت ملامحه من هذا التصريح الفج، وأخذ يستوعب ما قالته كلمة...كلمة، فالتفت إليها زاعقا بقوة:
" سلمى!! ".
انتفضت من جلستها وتسلل الرعب بداخلها، ولعنت نفسها لاسترسالها بالكلام دون أن تنتبه لما تقوله
" ما الذي قلته للتو؟!! ".
" أنا...أنا...".
" تحدثي... ".
" أنا لا شأن لي بهذا، فوالدتي هي...".
وضعت كفها على فمها وعضت شفتيها بندم.
جحظت عيناه وانطلق الشرر منها لما قالته، وبما أن والدتها هي من بدأت، لا بد وأن الخبر قد انتشر بين الجميع!!
" ألا تخشون الله أيها الناس، اتقوا الله فيما تقولونه من تشويه سمعة الفتاة ".
اقترب منها وأمسك بيدها يضغط عليها بقوة، ولم يهتم لمدى ألمها فهم يتهمون ابنة عمه الشريفة الطاهرة بشيء لا يبت للواقع بصحة.
" ألا تعرفين كم تبلغ مريم من العمر ها؟؟..انطقي!!...إنها بالتاسعة عشر من عمرها.....وأنا هل تعرفين كم أبلغ من العمر؟! ثمانية وعشرون، هل ترين فرق العمر؟؟ ".
فهمست بألم يفتك بذراعيها لكن لسانها عجز عن عدم التكلم، فانزلقت كلماتها لتندم بعدها لما قالته:
" لكن هذا لا يمنع من أن تقع بهواك!! ".
دفعها من يده كشيء مقزز من تفكيرها القذر هي ووالدتها ونظر إليها من علوه بنظرات غريبة وغامضة لم تعرف بما يفكر، فقال ببرود يخالف العاصفة التي تدور بعينيه:
" ابنة عمي أطهر من أن تفكر بهذه الأشياء السخيفة، وما لا تعرفينه أنا وهي كالزيت والماء ما أن يتقاربا حتى يفترقا ويتنافرا، وقولي لوالدتك أن تكف لسانها عن القيل والقال " فيوم لك ويوم عليك " هذه المرة سأمررها وكأنني لم أسمعها لكن....!! "
سكت لتستوعب تهديده واستطرد مكملا:
" إن سمعت حرفا واحدا يمس بشرفها ستندمان، هل تفهمين ما أقوله؟؟ ".
هزت رأسها ثم صرخ بها مجددا:
" انهضي وغيري ملابسك هذه واستعدي للذهاب لزيارتها، وستتحدثين معها بأدب واحترام وإن لم تريدي فاصمتي!! ".
خرج بعد أن تلقف بيده الحمدانية وأغلق خلفه الباب بقوة، فتنهدت براحة وفركت يدها وأخذت تلعن وتسب مريم وتدعوا بأن يخلصها الله من هذه السمينة التي تقلب حياتها رأسا على عقب.
وصلا لوجهتهما وترجل محمد من السيارة بسرعة وتنفس بعمق هواءً نقيا، فلقد شعر بصدره يضيق من جلوس زوجة ابن عمه بجانبه ورائحة عطرها القوية كتمت أنفاسه، كم يمقتها؟! فهو يعلم كم هي مثابرة مع والدتها باستفزاز شقيقته ومحاولتهم سحقها.
أسرع للجهة الأخرى وفتح الباب لجدته يساعدها بالترجل منها وسار بجانبها ممسكا بيدها وهي تدعوا له بالبركة وطول العمر، اقترب سلطان من زوجته بعد أن تعمد تأخره بالنزول وأمسكها من زندها بقوة فأنت بألم وقالت:
" سلطان.. أنت تؤلم يدي؟؟ ".
" ألم أنبهك من قبل بأن ترتدي عباءة مغلقة؟؟ وإن ارتديت العباءة المفتوحة أن ترتدي ملابس محتشمة وثانيا: هل أبقيت شيء من زجاجة العطر؟؟ ".
" حبيبي لما تقول هذا، فملابسي محتشمة!! ".
" أجل.. جينز ضيق يحدد ساقيك، وقميص أيضا ضيق وعباءة مفتوحة وشعرك يرفل بالهواء، لا أعرف لما ترتدين الشيلة ونصف شعرك بالخارج، هذه هي الملابس المحتشمة برأيك؟!! ".
" من حقي أن أرتدي ملابس جميلة وأن أتعطر، فأنا عروس جديدة!! ".
" أجل من حقك التعطر والتزين، لكن في المنزل من أجلي، لكن في حالة خروجنا لمن تتزينين؟!! ".
أخذ أنفاسا عميقة يهدئ من أعصابه قبل أن يقدم لعمل متهور.
" سلمى... لقد أخبرتك من قبل بما أريد من زوجتي أن تكون، ويبدوا بأنه لم تعجبك شروطي تجعلينني أغير رأي في.... ".
قاطعته بخوف ووضعت أصابعها على شفتيه:
" لا يا حبي، أنا أعتذر، وسأفعل ما تطلبه مني، أرجوك لا تغضب ".
رماها بنظرات متوعدة ثم دفعها لتسير بجانبه، فتأبطت ذراعيه ومشت بغرور وتملك لهذا الرجل الوسيم وابتسامة سعادة تألقت بشفتيها .
وصلا للغرفة المطلوبة وطرقا الباب ودخلا ليجدا الجميع بالداخل، تجولت عيون الجدة بسعادة لتواجد جميع أولادها مع زوجاتهم وبناتهم، وتوقفت نظراتها عليها فارتجف جسدها لمرآها تبتسم، تأملتها فشاهدت الضعف بملامحها لكن عيناها تشع بالقوة.
اقتربت منها بسرعة بعد أن رأتها تحاول النزول من سريرها لتلاقيها فتقدمت ناحيتها تمنعها، وقالت بصوت شابه البكاء:
" إياك أن تفعليها مرة أخرى يا ابنة الغالي!! ".
هزت رأسها بالموافقة وترقرقت الدموع من مقلتيها، وقالت بصوت مبحوح:
" ألا تريدين احتضاني؟؟.ز لقد مرت فترة طويلة دون أن يحتضنني أحد ".
انحنت لها الجدة وأخذتها بين أضلاعها دون إضاعة للوقت، ونزلت دموع الفرح مختلطة مع دموع الخوف من فقد هذه الفتاة التي تجعل حياتها نعيما ونورا يضيء عتمة منزلها، احتضنتها مريم بالرغم من شعورها بالألم للضغط الذي تمارسه الجدة دون أن تشعر بها، وربتت على ظهرها تهدئ نوبة دموعها وخوفها، ومسدت عليها بحنان ورقة كأنها أم تهدئ من روع صغيرها .
كان موقف عجيب ومؤلم للواقفين ينظرون لهذا المشهد الذي تركهم يذرفون دموع الفرح والسعادة لانقشاع تلك الغيمة التي حلت على دار آل النعيمي ...
(( فمريم هي درة الدار ))
يقف عند الباب ينظر للمشهد الخيالي بنظرة غريبة، لم يتوقع بأن جدته ستنهار هكذا لرؤيتها، يعلم بمدى حبها لها لكن.........
لم يعرف كيف يصف هذا الشعور الذي يشعره الآن في هذه اللحظة، شيء غريب سرى بجسده كرعشة ليس من البرد، بل رعشة لذيذة راغبة بأن يكون هناك بدل.........
توسعت عينيه لإدراك ما كان سيقوله وابتلع لعابه, أراد أن يجبر عينيه أن تنخفض وأن تغلق عن هذا المشهد لكنه لم يستطع، فكأنما لها إرادتها الحرة فتشبثت بما تراه تلتهم كل اختلاجة كأنها عطشة لهذا الارتواء وهذه العاطفة.
اقتحام محمد بمرحه ساعده بأن يشيح وجهه ويستغفر ربه ويتعوذ من الشيطان
" مريوم!! اياك أن تفعليها مرة أخرى يا فتاة ".
ابتعدت الجدة فرفعت مريم يدها بضعف ومسحت دموعها وقبلتها على رأسها بحب، ثم التفتت لشقيقها تلتهم ملامحه الوسيمة والشقية وقالت بصعوبة:
" هل اشتقت إلي؟؟ ".
وقف يحك رأسه وهو يفكر.
" في الحقيقة أجل، اشتقت إليك. لكن الأكثر اشتقت لطعامك فلقد مت من الجوع ولم يطعمني أحد، أنظري إلي كم صرت هزيلا؟؟ ".
" حمود!! ".
صرخت فيه الجدة.
قهقه الجميع لكلامه، وشعرت مريم بالألم من ضحكها فتأوهت بخفوت وانكمش وجهها، فأسرعت بإخفائه فهي لا تريد افساد سعادة الجميع، لكن أحدهم التقط ما أخفته بمهارة، نعم...فهذه هي مريم تعطي ما لديها لغيرها، كريمة معطاءة لا تمتلك صفة الأنانية، فالكرم من محاسن أخلاقها، سمع صوتها المرهق:
" تعال يا حمود لقد اشتقت إليك "
رفعت يدها تناديه فاقترب منها وقد تبدلت ملامحه وفرت دمعة يتيمة التقطتها مريم وأخفتها بصدرها، فاعتصرها بقوة يريد الشعور بها بدفئها بحنانها بعطفها فهي الباقي من عائلته، لم يشعر بقوته وهو يحتضنها بعضلاته الساحقة لجسدها الهش شعرت بقوتها تخور وبعضلاتها تكاد تتمزق من قبضته كأنه خائف من الضياع، فأمسك بوالدته من أن يتوه بين باقي البشر فأخفت ملامحها المتألمة بمنحنى رقبته تكتم وجعها، أنقذها من هذا الاحتضان المتملك صوته الجهوري:
" اتركها تتنفس يا محمد، فمريم أمامك ولن تترك أبدا ".
ابتعد محمد ومسح دمعته بكم دشداشته وفرك شعره بأصابعه وقهقه بخجل، فربتت على وجنته بأمومة امتلكتها منذ الصغر، فتحرك من مكانه وجلس بجانب عمه الذي احتضنه من كتفه.
رفعت رأسها بعد أن استجمعت قوتها المتبقية لها باتجاهه، فتشابكت نظراتهما تتحدث وحدها بلغة لم تفهمها عقولهم المتبلدة، ابتلع ريقه وكلمات سلمى ترن بعقله فهل ما قالته صحيح؟!!
مريم تكن له مشاعر الحب!!.. رفعت حاجبها كما المعتاد لتكسر التواصل فيما بينهما، فأجلى حنجرته وتحدث بصوت غريب على نفسه:
" كيف حالك يا ابنة العم؟؟ ".
" أنا بخير والحمد الله، كيف حالك أنت؟؟ ".
قاطعته سلمى، ووقفت تمسك بذراعه بتملك:
" حمد الله على سلامتك يا مريم، لقد أخفتنا عليك أنا وسلطان ".
الغبي وحده هو الذي لن يفهم تلميحها، ومريم ليست بهذا الغباء فقالت:
" الله يسلمك يا سلمى، ومبارك عليكم زواجكم، للأسف لم أستطع أن أحضره للنهاية ".
" أجل فبسببك كانت أسوء ليلة بحياتي، فزوجي ترك الحفل ليبقى بجانبك، أليس هذا من كرم أخلاقه؟؟ ".
قالتها دون أن تشعر، فرؤيتها أمامها أشعل غيظها وحقدها لسعادتها بوجود الجميع حولها، أما هي فقد تركت لوحدها في يوم كان ليكون أسعد يوم بحياتها.
لم تشعر بفداحة قولها سوى بعد شعورها بالألم بأصابعها، فسحبتها بسرعة من بين يديه قبل أن يسحقها، فأخذت تمسد أصابعها المتألمة وهي تنظر بحقد ناحيتها.
ضحكت لتنقذ الموقف الذي وضعت نفسها فيه عندما شاهدت وجوم ملامح الجميع، التي تنظر إليها بلوم وتلك الجدة نظراتها مخيفة تذكرها بنظرات زوجها عندما يغضب
" كنت أمزح معك!! فصحتك كانت أهم بكثير من سفرنا بشهر العسل، لا عليك حبيبتي، فسلطان سيعوضني عنها، أليس هذا صحيح حبي؟؟ ".
نظراته مصوبة ناحيتها وعقله يدور بدوامة أدخل فيها مجبرا، أراد ضرب سلمى لما قالته وبلحظة أخرى أراد أن يستشفي ردة فعلها لما سمعته، شاهدها ترفع حاجبيها الأنيقين ليختفي تحت ( شيلتها ) وعينيها تتحرك بينهما، فالتقطت نظراته المصوبة ناحيتها تحدق إليها كأنه ينتظر شيء ما لا تفقهه، فأخفضت عينيها ثم رفعتهما تحمل بداخلها العزم والتحدي، فقالت بتهكم وضح بصوتها المتعب:
" وما كان الداعي لإلغاء سفركم؟!فما أعلمه بأن ابن عمي يعمل بقسم الشرطة!! ولم أعرف بأنه حول عمله ليكون طبيبا؟!! ".
فغر الجميع أفواههم لردها القوي، ومالت سلمى برأسها ناحيته وهمست بغيض:
" ألم أقل لك أن تتركها بين عائلتها؟! أنظر إليها كم هي جاحدة!! ".
" سلمى!! ".
صرخ فيها وبداخله بركان من ردها بأنها لا تهتم بزواجه من أخرى، صمت وأخذ يحادث نفسه ماذا حصل له؟!! لما يهتم بما تقوله؟!! لعن بداخله والدة سلمى لتسببها بحيرته، والخجل من تفكيره بفتاة صغيرة بأنها تحبه.
" مريم ما الذي تقولينه؟!! هل هذا جزاءه بأنه فضل البقاء بجانبنا بدل سفره مع زوجته؟!! ".
أنبتها جدتها التي شعرت بضيق من ردها، وبداخلها أسعدها قولها وأراحها ليدرك الجميع خطأ ما قيل بحقها.
" لا عليك يا جدتي، دعيها تقول ما تريده، فلقد سمعت كلمات كانت أقوى بكثير من هذه الكلمات "
" لا، جدتي محقة. أنا أعتذر على فظاظتي، وشكرا يا ابن العم على وقوفك بجانب جدتي في وقت محنتها ".
رفع حاجبيه هذه المرة لفهمه لمقصدها، بأن جدته هي من ساعدها بتجاوز محنتها، وهي لا يد له فيها فالطبيب هو من عالجها.
طرقات على الباب ثم دخل الطبيب المشرف عليها بابتسامته الدافئة مرحبا بالجميع
" حمد الله على سلامة ابنتكم ".
" شكرا يا دكتور عمر، هذا بفضل الله ثم بفضلك ".
" لا تقل هذا يا أبو سلطان، فهذا عملي وواجبي مساعدة المرضى ".
التفت لمريضته يحدجها بنظراته وحدثها بحنان:
" كيف حالك يا مريم؟؟ ".
خجلت من تحديقه فأخفضت أنظارها، وقالت بهمس خفيض:
" بخير يا دكتور، متى سأخرج من المستشفى؟؟ ".
ضحك الجميع من طلبها، وقال الطبيب:
" هل مللت منا بهذه السرعة؟؟ ".
" لا ليس هذا، وإنما أنا أريد العودة لمنزلي ".
" للأسف لا أستطيع تركك تخرجين، فستشرفينا لمدة ثلاث أيام أخرى لنطمئن عليك ".
شهقت بصوت عالي.
" أنت تمزح بالتأكيد؟؟ ".
هز رأسه بعلامة لا، فعبست بطفولية وقاطعت ذراعيها بعدم الموافقة.
رحل الجميع مخلفين خلفهم فتاة ناقمة وتتوعد بأنها ستخرج غدا.
استقل الجميع سياراتهم وركب محمد مع عمه علي بجانب ابن عمه عبدالله الذي يماثله بالسن، وركبت الجدة أيضا مع ولدها أحمد لتتحدث معه بشؤون المزرعة،
وصعد سلطان مع زوجته لوحدهما فانطلق بسرعة عالية ولم تستطع النطق، فإن فتحت فمها فسيكون يوم هلاكها لا محال، وصلا للمنزل وتوقف ولم يطفئ السيارة
" انزلي!! ".
" ألن... تنزل معي؟؟ ".
" انزلي يا سلمى، فأنا لا أريد أن أؤذيك!! ".
ترجلت من السيارة بخوف وأغلقت الباب، وقبل أن ينطلق فتح النافذة وقال لها.
" لا تنتظريني الليلة لن أحضر ".
فداس على عصى البنزين محدثا صوتا مفزعا كأن انفجار قد حدث، وظلت تنظر أمامها إلى أن اختفت السيارة من أمامها بلمح البصر، ودخلت وهي تعود لسب مريم وتدعو لها بالهلاك .
في اليوم التالي خرجت مريم من المستشفى كما وعدت، وجدتها ترغي وتزبد من خروجها وهي ما تزال مريضة فلقد أجبرتها أن توقع ورقة الخروج على مسؤوليتها، فانصاعت الجدة مجبرة لطلبها، فهي كانت ستخرج بورقة أو بدون ورقة، الجميع حاول إثنائها لكن باءت محاولاتهم بالفشل وها هي الآن بسيارة عمها أحمد مغمضة العينين مسندة الرأس على نافذة السيارة ويصلها حديثهم الخفيض، فهي لم تكن نائمة لكن أرادت أن تريح عينيها، وصلتها كلمات جعلتها تفتح عينيها وتستمع بإنصات لما يقال:
" هل زارك سلطان اليوم يا أمي؟؟ ".
" نعم يا بني، لقد جاء ليخبرني بأنه سيسافر مع زوجته ويودعني لأن طائرته ستقلع هذا الصباح ".
تنهد الأب بحيرة، فسمعته والدته:
" ما بك يا أحمد؟؟.. استغفر ربك فيزول ما يضيق صدرك ".
" أنا قلق على سلطان يا أمي!! ".
خبطت على صدرها بهلع من كلماته:
" ما به قرة عيني؟! ما علة سلطان؟! أرجوك لا تفجعني فيه، فيكفيني ما أصاب مريم ولن أحتمل أن يصيب شيء ما ابني الآخر ".
" اهدئي أمي، ولا تقلقي. فسلطان بخير، وقلقي هو عن شيء آخر ".
" أخفتني يا أحمد ما هو الأمر؟؟ ".
" لا أعرف أمي، لقد سمعت بعض الكلام عن زوجته سلمى، وهو ليس بالهين، وجعلني أشعر بالخوف من ردة فعل سلطان لو كان ما قيل حقيقي ".
" أحمد ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )) صدق الله العظيم ".
" لا تستمع للقيل والقال يا بني، فأنت لا تعرف قصدهم من إخبارك، فربما هم أناس حاقدون يريدون أن يعيثوا الفساد ويسببوا التفرق، احرص يا بني بأن تتأكد قبل أن تقول أي شيء ".
" أعرف هذا أمي ".
انقبض قلبها وضاق صدرها بما سمعته وخوف نهش قلبها بابن عمها، يا ترى هل هو بخطر ومن يضمر له الشر؟!
ظلت الهواجس تلعب بعقلها وانشغل تفكيرها به إلى أن وصلت للمنزل وترجلت بصعوبة بمساعدة شقيقها الذي استقبلها بالترحاب والتهليل وضمها لصدره، احتضنتها ذراعه وسار معها بخطوات متمهلة إلى أن دخلت فتوقفت تجترح أنفاسا عميقة لتعبق برئتيها شذى رائحة المنزل، وقالت بصوت مسموع:
" ما أحلى العودة للمنزل بعد طول غياب ".
" إنهما أربعة أيام يا أختي ".
" كأنها الدهر يا محمد ".
سارت بخطوات متمهلة لغرفتها، فساعدها بخلع عباءتها ووضعها برفق على السرير، فقال بتفكه:
" من هو مثل شأنك يا شقيقتي؟؟ ".
"ماذا تقصد بقولك محمد؟! ".
" الجميع يراعيك ويهتم بما تريدين، وأنا شخصيا أقف لأساعدك بما تحتاجين، أين ستجدين أخ مثلي؟! فلو درت العالم كله لن تجدي من يشبهني ".
ابتسمت بخفوت وتأملت شقيقها بحب...وسيم، ذا بشرة سمراء، شعر ناعم، عيون كعيون الصقر بشكلها، أنف طويل، وجسد بعضلات قوية للرياضة التي يداوم عليها.
" هل أخبرتك أنك تشبه والدي كثيرا؟؟ ".
" نعم أعرف ".
اقترب وجلس بجانبها على السرير، وقال:
" هل تفتقدينهم؟؟ ".
" أحيانا... وأحيانا يكفيني وجودك أنت وجدتي ".
" أنا أيضا، فيكفيني أنك موجودة بجانبي. لقد عوضتني عن حنان أمي وصرامة أبي، أنت دنيتي كلها ولا أعرف ما سيحدث لي لو أصابك مكروه!! "
" لا تقل هذا يا محمد، فهذه سنة الحياة. فكلنا زائلون ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، احزن وأبكي علي، لكن لا تدفن نفسك بالحزن، فنحن مؤقتون بهذا المكان وسيأتي اليوم الذي نرحل فيه من هذه الدنيا، لكن هذا لا يمنع من استمرار الحياة فهي تمشي وتسير دون توقف, أبدا لا توقف حياتك وتجلس تبكي وتندب، فلن يخسر أحد شيء سواك، ستكون الخاسر الوحيد، عمرك سيمضي دون أن تفعل شيء سوى البكاء على الأطلال، هل تفهم ما أقوله؟؟ ".
" نعم أفهم، لكنه صعب لمن اختبره ".
" لا ليس بصعب، أنظر مات والدينا هل توقفت الحياة؟! نحن نعيش بترف وسعادة، نمضي قدما نفكر بمستقبلنا ودراستنا، الحياة لا تتوقف بموت شخص عزيز عليك ".
" أنت محقة، سأتركك ترتاحين، فأنت ما تزالين متعبة ".
خرج وأغلق الباب، لتغلق عينيها وترحل بنوم عميق دون أي أحلام .
..................
مر أسبوعان بعد خروجها من المستشفى عادت فيهما مريم لحياتها الطبيعية وعادت لمدرستها، فهذه سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية وأقبلت الامتحانات اجتهدت بالمذاكرة بقوة كما اعتادت لتنال المراكز الأولى مع مرتبة الشرف، فهي دائما تحب أن تكون الأفضل، وتحلم بأن تكون معلمة لرياض الأطفال فهم في مرحلة متبلورة من العمر ففيها يختزن الطفل ما تربى عليه, فهي تعشق الأطفال وتحلم بإنجاب الكثير منهم في المستقبل.
بعد انتهاء الامتحانات بأسبوع وبدأ الأجازة الصيفية، عاد سلطان من سفرته أوصل زوجته لمنزل والديها ثم توجه بسرعة ناحية منزلها، منزل جدته التي اشتاق لها بالرغم من مكالماتهم التي لم تنقطع بينهم.
أراد مفاجأة الجميع بقدومه فهو لم يخبر أحدا متى سيصل، وصل لمنزل الجدة وترجل من سيارته فعقد حاجبيه لرؤية عمال يحملون صواني التقديم للضيوف المتواجدون في المجلس، وصلت أصواتهم الصاخبة لمسامعه، خطوات قليلة ودفع الباب وينطلق صوته الجهوري بالتحية لينهض الجميع احتراما لهذا الرجل الفذ.
سلم على الجميع وارتفع حاجبه بتعجب لرؤية شخص لم يتوقع أن يراه بهذا المكان بذات، فسرى خوف مس شغاف قلبه بأن مكروه قد حدث لها.
جلس والحيرة تنهش قلبه، لكنه لم يستطع السؤال فما يراه أمامه دليل على أن الأمور على ما يرام، هناك شيء آخر لتجمعهم!!
أمسك بفنجان قهوته وما كاد يرتشفه حتى علق بالهواء، وقد تجمدت أوصاله لما سمعه من كلمات، كانت كالصدمة الكهربائية التي دوت كالصاعقة بداخله ليتوقف خافقة كمن فقد روحه.
" نحن نطلب القرب لابننا عمر بابنتكم المصون مريم على سنة الله ورسوله ".
