رواية انتصر قلبي الفصل السادس 6 بقلم قسمة الشبيني
6=الفصل السادس
دخلت هبة للمنزل برفقة ابنها الذى لم تعد تفارقه وتصحبه معها دائما للمطاعم وهى تتوقع خلو البيت كالعادة مؤخرا لكنها وجدت عمتها وأبيها يجلسان بصمت مريب لتقترب منهما بتوتر
_ فى إيه يا عمتو قاعدين كده ليه؟
_ أبدا يا بنتى جاد رجع ومن ساعة ما دخل وهو فى أوضة المرحوم .
بهتت هبة من سرعة استجابة جاد لغضبها لكنها عادته معها لم يخذلها مطلقاً ولم تشعر أنها تفتقد شعور الإخوة بوجوده ورغم ذلك تشعر بالحرج لوجوده حالياً بغرفة زوجها الراحل التى كانت مقرا لراحتها وزوجها فى شقة عمتها .
_ ممكن ادخل اسلم على عمو جاد يا تيتة؟
خرق الصغير الصمت بتساؤله البرئ لتتشبث به مرڤت كأنه طوق النجاة
_ ادخل يا حبيبي
ركض الصغير للداخل لتنظر فى أثره معلنة عن أمنيتها
_ يارب تقدر تخرجه من حزنه ويشوف النور تانى
لم تشعر هبة بالراحة لهذه العودة رغم أنه عاد بناءً على طلبها هى الذى لم تفصح عنه لكن لايزال القلق ينهش صدرها وتشعر أن القادم لن يكون جيد، تهكمت ملامح وجهها محملة بالألم فكيف تنتظر أن يأتى الغد ليحمل لها خيراً بعد أن فارقها جزء من روحها مع فراق ياسر .
نهدة حارة عبرت سكون الجلسة فرت من صدرها لترتفع الأعين تجاهها لكنها لم تفكر في مواجهة النظرات هى مكتفية بما يحمل قلبها.
.......
دخل جاد لغرفة أخيه باحثا عن عبقه بين محتوياتها ، تحسس طريقه للخزانة ليلتقط ما تصل إليه يده من ملابس ياسر ، قربها لأنفه لتتجهم ملامحه فذلك العطر لا يخص أخيه مؤكدا ألقاها داخل الخزانة مرة أخرى وهو يتراجع بمقعده للخلف وقد انتفض قلبه فزعا لمجرد اقتحام هذه الرائحة رئتيه .
اصطدم مقعده بالفراش ليتوقف ويرتفع كفه ملتقطا الوسادة ليضمها بحزن لكنها تلك الرائحة مجدداً تطارد أنفه كأنها تنتقم منه أو ألقيت عليه لتعذيبه.
عاد يتراجع عن الفراش ليستقر بمنتصف الغرفة وعينيه تهيم بين الأركان يتمنى أن يراها فيصفعه ظلامه المحيط والمحكم ليسمح لنزف صدره أن يعبر مقلتيه عل هذا الاحتراق داخله يهدأ أو يتركه لعذابه وكأن عذابه لا يكفيه .
طرقة خفيفة تبعتها خطوات صغيرة مع صوت مألوف
_ عمو جاد وحشتنى اوى
دار بمقعده تجاه الصوت ثم فتح ذراعيه مرحباً فهذا هو عبق أخيه الذى يبغى
_ انت كمان وحشتنى اوى يا هيثم
_ انا بروح مع ماما المطعم والسوبر ماركت كمان
لف ذراعيه حول الكيان الصغير مكتفياً بسكونه قرب قلبه لعله يجد السكينة بعد خطيئته التى لا تغفر فحين واجهته هبة هذا الصباح تتهمه بتدمير حياتها كانت محقة تماماً هو داخله يعترف بجريمته دون أن تتوجه إليه أصابع الاتهام.
.........
مر يومين منذ عاد للمنزل بالكاد يغادر حجرته فقد كره اصطدامه بقطع الأثاث وشهقة أمه المتألمة لأجله لذا قرر الاستغناء عن هذا المقعد اللعين عله يتمكن من الحركة بشكل أفضل
غادر الغرفة متكئا على عكازين لتفزع مرڤت وهى تراه مستعد للمغادرة وحده
_ إيه ده انت رايح فين ؟
_ ماما هدومى مظبوطة ولا ملخبط فى الألوان ؟
_ مظبوطة يا حبيبي بس هتروح فين ؟
تقدم خطوة وعاد يتوقف متلعثما بحرج
_ ماما قولى لى احسن ما حد يضحك عليا
تألم قلب أمه فهى تعلم مدى حبه للتأنق حاولت تمرير الألم دون أن يرى أثر كلماته لتبتلع ألمها وتنفى مخاوفه
_ ماتخفش يا جاد انا عاملة حسابى ومرتبة لك الهدوم
_ طيب انا رايح المطاعم هلف عليهم
انخلع قلب مرڤت فكيف يمكنه أن يقوم بما يخبرها عنه لكنه أدرك مخاوفها ليجيب دون أن تسأل
_ عبيد هيعدى عليا يودينى
شعرت مرڤت بالمزيد من القلق فقد أرادت أن تقصى عبيد عن منزلهم بعد عودة جاد لتتفاجئ أن جاد نفسه من يقحمه بينهم ويزداد عجبها فهى تعلم أن العلاقة بينهما لا تسمح بالتقرب أو المودة وتعلم أيضاً أن جاد لا يكن الضغينة ولا يحتفظ بالاحقاد وتخشى أن يسمح لعبيد بالمزيد من القرب.
ترى ما الذى يدفع عبيد للتخلى عن احقاده والتقرب من جاد
علا رنين الجرس ليشير نحو الباب
_ ده اكيد هو
بالفعل صحبه عبيد لكنه صحب قلب أمه الذى ترعى داخله المخاوف عن تقرب عبيد من جاد فقد اعتاد جاد المحافظة على مساحة بينه وبين الجميع ليكن عبيد أول من يسمح له بالقرب ! أمر محير تماماً بالنسبة لها .
غادر جاد وقد راهن نفسه أنه سيفعل دون أن يسأل عن مكان هبة أو يتحايل ويسأل عن هيثم الذى يرافقها بالطبع وقد كسب رهانه مع نفسه لكنه عجز عن دفن أمنية قلبه أن يجدها في طريقه.
...........
غادرت هبة المطبخ بمنزل أبيها لشعورها بالتوعك والدوار ، ألقت بنفسها فوق الأريكة وهى تغمض عينيها وقبل أن تستسلم للدوار المسيطر عليها جاء صوت أمها
_ لا ماتناميش خدى اشربى ده هتفوقى.
_ مش عاوزة يا ماما خلينى ارتاح شوية هفوق
_ لو ابنك جه لقاك كده هيتخض يا هبة اسمعى الكلام
اعتدلت بروية لتلتقط الكوب من بين أنامل أمها التى أسرعت تدعم جلوسها ببدنها ، لم ترغب سندس بمساعدتها لها لكنها رضخت أمام لمحة من الفرحة تشرق بوجه هبة لعودة أخيها الوحيد بعد هذه السنوات الطويلة التي عاشها بالخارج فهو لم يزرهم لمرة واحدة طيلة سبع سنوات ولم يحضر زفاف هبة وياسر بالكاد حضر الخطبة وغادر بعدها دون أن يفكر في زيارة وعودته خاصة مع قراره بالاستقرار فى مصر يسعدهم جميعاً.
أعادت هبة الكوب إلى الطاولة
_ يلا نكمل يا ماما زمانهم على وصول
_ لا خليك انت وانا هكمل احنا خلصنا خلاص
اتبعت قولها بالتحرك نحو المطبخ بينما عادت هبة لذكرياتها مع ياسر والتى كانت في بداية عشقهما متذبذبة بسبب هانى وأفعاله الصبيانية
عودة للوراء
اندفع ياسر لداخل منزله حيث تجلس هبة برفقة عمتها كما تحب لتنظر أمه إلى خطواته الغاضبة
_ مالك يا ياسر ؟
_ انا زهقت من هانى يا ماما يبطل يتحشر بينى وبين أصحابى ويوقعنا فى بعض
_ يمكن بيغير يا حبيبي هو ابن خالك والاحق أنه يبقى صاحبك
_ هى الصحاب كمان فيها أحق يا ماما؟ انا وهو مختلفين في كل حاجة هنبقى أصحاب ازاى بس؟
كانت تراقب ثورته وحواره وأمه بصمت فهو واخيها مثل الكبريت والبنزين لا يجتمعان إلا ويشعل أحدهما غضب الآخر كما أن هانى سئ الطباع مع الجميع وهى فى مقدمة سوء معاملته لكن رغم ذلك يظل هانى شقيقها الوحيد لذا احتدت
_ يعنى هانى وحش وانت ملاك برئ ؟
_ لا العيلة دى مافيهاش ملاك غيرك صراحة
ضحكت عمتها بينما ألجمتها كلماته لتعلن رفع راية الحياء وهى تشيح وجهها بعيدا عنه ولم تنس مطلقاً نظرة عينيه المشبعة بالشغف الذى تزايدت لأجله خفقات قلبها.
تنهدت وهى تعود للواقع مع اتجاه عينيها إلى صورة زفافها التى أصر أبيها على الاحتفاظ بها لتحيط ملامح ياسر بحزن ، لقد كان حلو منطقه ومعسول كلماته هى أول ما فتحت قلبها له .
طرقات سريعة صغيرة نبأت بوصول أبيها الذى صحب هيثم لمقابلة هانى فى المطار ورغم أن أبيها سيفتح الباب خلال لحظات لكن لهفتها لرؤية هانى طغت عليها لتهرول إلى الباب
كان استقبالاً حافلا مؤلماً كللته دموع أمها بطوق من الحزن ليتعاطف مع دموعها قلب عبدالقادر الذى عايش كل الحرمان الذى عانته زوجته لدرجة أن اتهم إبنه بالجحود .
إلتفوا حول طاولة الطعام التى أعدت فى لحظات بكل ما تشتهى الأنفس لينظر هانى إلى الطعام برفض واضح
_ انا لو اكلت الأكل ده يا ماما يبقى بنتحر
نهرته أمه وهى تدفع بالطبق الرئيسى أمامه
_ كل انت هفتان خالص
صمتت هبة فقد شعرت بالفتور فى لقاء هانى رغم شوقها الشديد لرؤيته بينما نظر نحوها بنفس الفتور متسائلاً وكأنه يحاول إبداء بعض المودة لا يشعر بها قلب هبة
_ مش هتاكلى زينا ليه يا هبة عاملة دايت؟
لم تجب بل أجابت امها بلا تفكير
_ هو الوحم فى الأول بيقلل الأكل
_ بس انت دخلتى فى التالت يا هبة لازم تاكلى شوية
ابتسمت لأبيها ابتسامة مهزوزة أرجعها لحزنها الذى لم يزل بينما كانت تنظر إلى هانى والصدمة التى سطعت فوق قسماته
_ انت حامل تانى؟ وخلتيه ليه لما ياسر مات انت ناقصة حمل مش كفاية هيثم!!
ضرب الصمت صدور الجميع مع حدة هانى والغضب غير المبرر الذى تحدث به وكلماته التى هى الجنون بعينه لينهره أبيه بعد لحظات
_ انت بتقول إيه يا هانى ؟
تشابكت اصابع هانى وهو ينظر إلى أبيه بجدية
_ بقول كلام العقل والمنطق يا بابا
نهضت سندس فوراً بتوتر وهى تحمل طبق هيثم وتمسك كفه
_ تعالى يا حبيبي ناكل جوه
ظلت صامتة حتى اختفى صغيرها لتنظر نحو هانى مستنكرة
_ أي عقل وأي منطق ؟ انت عاوزنى اقتل ابنى؟ حتة منى ومن ياسر ؟
ضرب الطاولة بنفس الحدة
_ بلاش كلام عاطفى لا هيودى ولا هيجيب ، العقل بيقول الأرملة تحاول تخفف مسئولياتها مش تتحمل مسئولية طفل تانى لسه مش موجود اصلا وفى أيدها أنه مايبقاش موجود
وقفت تعلن اعتراضها على هذا الحوار
_ انا بتكلم معاك في إيه من الأساس؟ انا ماشية يا بابا راجعة بيتى علشان مسئوليتى ماتزعجش هانى . يا هيثم
اتجهت للداخل لينظر عبدالقادر إلى ابنه لائما ومستنكرا أفكاره
_ ليه يا بنى كده! انا مش هقولك حرام وحلال بس انت مش عارف هبة كانت بتحبه ازاى ؟
انتفض هانى أيضاً معلنا رفضه
_ كانت بتحبه ومات خلاص هتربط نفسها بيه اجبارى حى وميت ؟ وبعدين هى كلمتى نزلت اللى فى بطنها دى حاجة غريبة اوى
واتجه نحو غرفته القديمة بينما عبرت هبة تجذب ابنها فى إتجاه الباب ولم يملك عبدالقادر إيقافها فقد ظن أن هانى سيعود ليكون سندا لشقيقته فى محنتها لكن هذا العائد ليس من تمنى أبدا.
..........
لم تتجه للمنزل فهى لا تريد أن تعود إليه بهذه الحالة من الإحباط والألم النفسى، لقد شعرت بخذلان لا تتحمله ، تعلم أن هانى كان يرفض زواجها من ياسر رفضا قاطعا ولولا أن أجبره أبيها ما حضر حفلة الخطبة كما هدد كثيرا .
لكنها شعرت بالحنين لتواجده في الزفاف رغم أنه بعد سفره لم يعد يتحدث بشأن زواجها أو يبدى غضبا لتمامه فما الذي أعاد لصدره هذا الرفض والجحود الذى يدفعه فى التفكير في التخلص من جنينها خاصة أنه علم بشأنه للتو؟
أي قسوة تسكن صدر أخيها وموضع قلبه!!
اتجهت إلى أحد المطاعم ليتناول صغيرها وجبة عوضا عن تلك التى فوتها فى منزل جده وبالطبع لم تشعر بأي رغبة في تناول الطعام
أنهى الصغير وجبته لتقرر العودة للمنزل فقلبها لن يصفو فى وقت قريب مهما حاولت فهذا الألم الذى يتكاثر يصعب التحكم فيه .
.........
فى صباح اليوم التالي دخلت شقة عمتها مستخدمة المفتاح الذي تملكه دون أن تنتبه لوجود جاد والذى كان بالمصادفة يجلس برفقة أمه ليهرول نحوه ابنها دون أن تحاول منعه فيبدو لها أن جاد فقط قد يعوضه قليلا عن ألم اليتم ويعوضها هى عن جحود هانى وقسوته .
استقبله جاد بين ذراعيه بمودة أسعدت قلب أمه لكن لم تفلح مع قلب هبة الملبد بغيوم الحزن لتنظر لها عمتها
_ مالك يا هبة؟ انت رجعتي امته امبارح؟
جلست بلا حماس
_ سلامتك يا عمتو جيت بدرى بس كنت مرهقة شوية طلعت ارتاح
_ المفروض تحافظى على نفسك يا هبة انت حامل ومحتاجة للراحة
نظرت هبة نحوه كأنها تستنكر تدخله في هذا الشأن بهذا الشكل المباشر وربما كانت تتمنى أن تسمع هذا الاهتمام بصوت أخيها أو صوت أخيه.
_ انا كويسة الحمدلله
_ متابعة مع دكتورة ؟ انا فاكر ايام حمل هيثم كنتى تعبانة اوى
عادت تستنكر نظراتها احتفاظه بهذه التفاصيل بينما أدرك تماديه ليحاول تغطية هفوته
_ يمكن ياسر مش موجود بس ماما وانا موجودين
تنهدت ولم تجب لكن بدأت عمتها تخبره بعض التفاصيل التى لم تكن بالخصوصية لاندفاع كل هذا القدر من الحرج للسيطرة على ملامحها ، عزاءها الوحيد أنه لا يرى هذا الانفعال فهى لا تريد أن تخسر دعمه فالفترة القادمة من حياتها غير مأمونة وتحتاج لدعم الجميع.
...........
انتهوا من تناول الفطور الذى أعدته مرڤت لينهض معتمدا على عكازيه تجاه غرفته
_ هيثم تعالى ساعدنى ألبس علشان انزل ألف على المطاعم
انتفض الصغير بحماس لهذه المهمة التي تشعره بأهمية وجوده في حياة عمه بينما تعجبت
_ تلف على المطاعم ازاى؟
_ عبيد بيجى ياخدنى بس بدور على سواق كويس وأمين يمشى معايا مش معقول هعطله كل يوم
_ لا هو مش معقول بيساعدك لوجه الله أصلا ، بنى آدم غير مريح وانا كنت هطرده
_ تتطاول عليكى فى حاجة ؟
_ ابدا يا بنى انت عارف ابن عمك دمه تقيل
أومأ بتفهم مكتفيا بتوضيح أمه التى أشارت لها لتصمت بينما اتجه للداخل يتبعه هيثم
ما إن اغلق الباب حتى احتدت هبة بصوت خفيض
_ ليه يا عمتو كان لازم يعرف ابن عمه بيعمل ايه ؟
_ يا بنتى أول حاجة عبيد رغم أن نوياه مش سليمة لكن ماظهرهاش ومش هنقدر نحاسبه على النية ده غير أن عجز جاد عن أنه يجيب حقك هيحسسه بعجزه اكتر وانا منى عينى يتم شفاه على خير .
صمتت هبة فرغم ما يفيض من محبة بكلمات عمتها عن جاد تشعرها بكونه طفلا أو غير مسئول لكنها تكره أن تشعره بمزيد من العجز خاصة بعد أن شعرت هى بالعجز أمام كلمات أخيها ولم تتمكن من تأديبه على تجاوزه فى حق جنينها لذا يمكنها أن تتغافل مؤقتاً.
لم تكن تعلم حين قررت أن تتغافل أنها لن تحتاج التغافل ففى دقائق غادر جاد الغرفة يتبعه هيثم
_ انا هنزل استنى عبيد تحت مفيش داعى يطلع هنا وهاخد هيثم معايا ماتخافوش عليه
وغادر بهدوء لتبتسم أمه فقد هون الأمر دون أن يحتاج للحدة كما اعتاد أن يفعل بعقلية راجحة
.............
وصل هانى لمنطقة المقابر ليتجه إلى مقابر الأسرة ، وقف يطالع هذا العدد من القبور المتلاصقة بقلب ثابت وأعين قوية ، دارت عينيه فوق الأشهاد تقرأ أسماء الموتى دون أن يرجف قلبه لوهلة بل كللت شفتيه ابتسامة غريبة وكأنه يشمت فى البعض منهم .
وصلت عينيه لقبر تقدم منه بثبات حيث كتبت بعض الأسماء وفى نهايتها الإسم الذى جاء إلى هنا من أجله.
وضع كف فوق كتفه لينظر إلى صاحبه بثبات
_ أي خدمة؟؟
_ حضرتك اللى اي خدمة؟ انا حارس المقابر هنا
إلتقى حاجبيه معبراً عن أسف لا يشعر بذرة منه
_ من فضلك انا ماقدرتش احضر دفنة ابن عمتى خلينى معاه شوية
رغم أن ملامح الرجل القاسية لا تعبر عن التأثر لكنه تراجع مفسحا له المجال وانتظر هو حتى غاب عن ناظريه لتعود ملامحه لطبيعة انفعالاته الداخلية
نظر نحو القبر بثبات واقترب منه ليضع كفه فوقه ويقرب رأسه منه هامسا
_ انت سامعنى يا ياسر ؟
صمت مطبق بعد سؤاله استمع خلاله لصوت الريح وكأنه ينتظر أن يحمل له صوت ياسر قبل أن يتلفت حوله بريبة قبل أن يتابع حديثه الهامس
_ فاكر لما هددتنى بالفضيحة قدام سكوتى على جوازك من هبة؟ انت ليه مت قبل ما أقدر انتقم منك ؟ تعرف انا فرحان أوى انك مت ولو كان عمرك طول شوية كنت قتلتك عارف ليه ؟؟ علشان انت ذلتنى وقهرتنى وانا هعوض كل ده فى حبيبتك وابنك استنى يمكن ابعت لك حد منهم قريب أو الاتنين.
دخلت هبة للمنزل برفقة ابنها الذى لم تعد تفارقه وتصحبه معها دائما للمطاعم وهى تتوقع خلو البيت كالعادة مؤخرا لكنها وجدت عمتها وأبيها يجلسان بصمت مريب لتقترب منهما بتوتر
_ فى إيه يا عمتو قاعدين كده ليه؟
_ أبدا يا بنتى جاد رجع ومن ساعة ما دخل وهو فى أوضة المرحوم .
بهتت هبة من سرعة استجابة جاد لغضبها لكنها عادته معها لم يخذلها مطلقاً ولم تشعر أنها تفتقد شعور الإخوة بوجوده ورغم ذلك تشعر بالحرج لوجوده حالياً بغرفة زوجها الراحل التى كانت مقرا لراحتها وزوجها فى شقة عمتها .
_ ممكن ادخل اسلم على عمو جاد يا تيتة؟
خرق الصغير الصمت بتساؤله البرئ لتتشبث به مرڤت كأنه طوق النجاة
_ ادخل يا حبيبي
ركض الصغير للداخل لتنظر فى أثره معلنة عن أمنيتها
_ يارب تقدر تخرجه من حزنه ويشوف النور تانى
لم تشعر هبة بالراحة لهذه العودة رغم أنه عاد بناءً على طلبها هى الذى لم تفصح عنه لكن لايزال القلق ينهش صدرها وتشعر أن القادم لن يكون جيد، تهكمت ملامح وجهها محملة بالألم فكيف تنتظر أن يأتى الغد ليحمل لها خيراً بعد أن فارقها جزء من روحها مع فراق ياسر .
نهدة حارة عبرت سكون الجلسة فرت من صدرها لترتفع الأعين تجاهها لكنها لم تفكر في مواجهة النظرات هى مكتفية بما يحمل قلبها.
.......
دخل جاد لغرفة أخيه باحثا عن عبقه بين محتوياتها ، تحسس طريقه للخزانة ليلتقط ما تصل إليه يده من ملابس ياسر ، قربها لأنفه لتتجهم ملامحه فذلك العطر لا يخص أخيه مؤكدا ألقاها داخل الخزانة مرة أخرى وهو يتراجع بمقعده للخلف وقد انتفض قلبه فزعا لمجرد اقتحام هذه الرائحة رئتيه .
اصطدم مقعده بالفراش ليتوقف ويرتفع كفه ملتقطا الوسادة ليضمها بحزن لكنها تلك الرائحة مجدداً تطارد أنفه كأنها تنتقم منه أو ألقيت عليه لتعذيبه.
عاد يتراجع عن الفراش ليستقر بمنتصف الغرفة وعينيه تهيم بين الأركان يتمنى أن يراها فيصفعه ظلامه المحيط والمحكم ليسمح لنزف صدره أن يعبر مقلتيه عل هذا الاحتراق داخله يهدأ أو يتركه لعذابه وكأن عذابه لا يكفيه .
طرقة خفيفة تبعتها خطوات صغيرة مع صوت مألوف
_ عمو جاد وحشتنى اوى
دار بمقعده تجاه الصوت ثم فتح ذراعيه مرحباً فهذا هو عبق أخيه الذى يبغى
_ انت كمان وحشتنى اوى يا هيثم
_ انا بروح مع ماما المطعم والسوبر ماركت كمان
لف ذراعيه حول الكيان الصغير مكتفياً بسكونه قرب قلبه لعله يجد السكينة بعد خطيئته التى لا تغفر فحين واجهته هبة هذا الصباح تتهمه بتدمير حياتها كانت محقة تماماً هو داخله يعترف بجريمته دون أن تتوجه إليه أصابع الاتهام.
.........
مر يومين منذ عاد للمنزل بالكاد يغادر حجرته فقد كره اصطدامه بقطع الأثاث وشهقة أمه المتألمة لأجله لذا قرر الاستغناء عن هذا المقعد اللعين عله يتمكن من الحركة بشكل أفضل
غادر الغرفة متكئا على عكازين لتفزع مرڤت وهى تراه مستعد للمغادرة وحده
_ إيه ده انت رايح فين ؟
_ ماما هدومى مظبوطة ولا ملخبط فى الألوان ؟
_ مظبوطة يا حبيبي بس هتروح فين ؟
تقدم خطوة وعاد يتوقف متلعثما بحرج
_ ماما قولى لى احسن ما حد يضحك عليا
تألم قلب أمه فهى تعلم مدى حبه للتأنق حاولت تمرير الألم دون أن يرى أثر كلماته لتبتلع ألمها وتنفى مخاوفه
_ ماتخفش يا جاد انا عاملة حسابى ومرتبة لك الهدوم
_ طيب انا رايح المطاعم هلف عليهم
انخلع قلب مرڤت فكيف يمكنه أن يقوم بما يخبرها عنه لكنه أدرك مخاوفها ليجيب دون أن تسأل
_ عبيد هيعدى عليا يودينى
شعرت مرڤت بالمزيد من القلق فقد أرادت أن تقصى عبيد عن منزلهم بعد عودة جاد لتتفاجئ أن جاد نفسه من يقحمه بينهم ويزداد عجبها فهى تعلم أن العلاقة بينهما لا تسمح بالتقرب أو المودة وتعلم أيضاً أن جاد لا يكن الضغينة ولا يحتفظ بالاحقاد وتخشى أن يسمح لعبيد بالمزيد من القرب.
ترى ما الذى يدفع عبيد للتخلى عن احقاده والتقرب من جاد
علا رنين الجرس ليشير نحو الباب
_ ده اكيد هو
بالفعل صحبه عبيد لكنه صحب قلب أمه الذى ترعى داخله المخاوف عن تقرب عبيد من جاد فقد اعتاد جاد المحافظة على مساحة بينه وبين الجميع ليكن عبيد أول من يسمح له بالقرب ! أمر محير تماماً بالنسبة لها .
غادر جاد وقد راهن نفسه أنه سيفعل دون أن يسأل عن مكان هبة أو يتحايل ويسأل عن هيثم الذى يرافقها بالطبع وقد كسب رهانه مع نفسه لكنه عجز عن دفن أمنية قلبه أن يجدها في طريقه.
...........
غادرت هبة المطبخ بمنزل أبيها لشعورها بالتوعك والدوار ، ألقت بنفسها فوق الأريكة وهى تغمض عينيها وقبل أن تستسلم للدوار المسيطر عليها جاء صوت أمها
_ لا ماتناميش خدى اشربى ده هتفوقى.
_ مش عاوزة يا ماما خلينى ارتاح شوية هفوق
_ لو ابنك جه لقاك كده هيتخض يا هبة اسمعى الكلام
اعتدلت بروية لتلتقط الكوب من بين أنامل أمها التى أسرعت تدعم جلوسها ببدنها ، لم ترغب سندس بمساعدتها لها لكنها رضخت أمام لمحة من الفرحة تشرق بوجه هبة لعودة أخيها الوحيد بعد هذه السنوات الطويلة التي عاشها بالخارج فهو لم يزرهم لمرة واحدة طيلة سبع سنوات ولم يحضر زفاف هبة وياسر بالكاد حضر الخطبة وغادر بعدها دون أن يفكر في زيارة وعودته خاصة مع قراره بالاستقرار فى مصر يسعدهم جميعاً.
أعادت هبة الكوب إلى الطاولة
_ يلا نكمل يا ماما زمانهم على وصول
_ لا خليك انت وانا هكمل احنا خلصنا خلاص
اتبعت قولها بالتحرك نحو المطبخ بينما عادت هبة لذكرياتها مع ياسر والتى كانت في بداية عشقهما متذبذبة بسبب هانى وأفعاله الصبيانية
عودة للوراء
اندفع ياسر لداخل منزله حيث تجلس هبة برفقة عمتها كما تحب لتنظر أمه إلى خطواته الغاضبة
_ مالك يا ياسر ؟
_ انا زهقت من هانى يا ماما يبطل يتحشر بينى وبين أصحابى ويوقعنا فى بعض
_ يمكن بيغير يا حبيبي هو ابن خالك والاحق أنه يبقى صاحبك
_ هى الصحاب كمان فيها أحق يا ماما؟ انا وهو مختلفين في كل حاجة هنبقى أصحاب ازاى بس؟
كانت تراقب ثورته وحواره وأمه بصمت فهو واخيها مثل الكبريت والبنزين لا يجتمعان إلا ويشعل أحدهما غضب الآخر كما أن هانى سئ الطباع مع الجميع وهى فى مقدمة سوء معاملته لكن رغم ذلك يظل هانى شقيقها الوحيد لذا احتدت
_ يعنى هانى وحش وانت ملاك برئ ؟
_ لا العيلة دى مافيهاش ملاك غيرك صراحة
ضحكت عمتها بينما ألجمتها كلماته لتعلن رفع راية الحياء وهى تشيح وجهها بعيدا عنه ولم تنس مطلقاً نظرة عينيه المشبعة بالشغف الذى تزايدت لأجله خفقات قلبها.
تنهدت وهى تعود للواقع مع اتجاه عينيها إلى صورة زفافها التى أصر أبيها على الاحتفاظ بها لتحيط ملامح ياسر بحزن ، لقد كان حلو منطقه ومعسول كلماته هى أول ما فتحت قلبها له .
طرقات سريعة صغيرة نبأت بوصول أبيها الذى صحب هيثم لمقابلة هانى فى المطار ورغم أن أبيها سيفتح الباب خلال لحظات لكن لهفتها لرؤية هانى طغت عليها لتهرول إلى الباب
كان استقبالاً حافلا مؤلماً كللته دموع أمها بطوق من الحزن ليتعاطف مع دموعها قلب عبدالقادر الذى عايش كل الحرمان الذى عانته زوجته لدرجة أن اتهم إبنه بالجحود .
إلتفوا حول طاولة الطعام التى أعدت فى لحظات بكل ما تشتهى الأنفس لينظر هانى إلى الطعام برفض واضح
_ انا لو اكلت الأكل ده يا ماما يبقى بنتحر
نهرته أمه وهى تدفع بالطبق الرئيسى أمامه
_ كل انت هفتان خالص
صمتت هبة فقد شعرت بالفتور فى لقاء هانى رغم شوقها الشديد لرؤيته بينما نظر نحوها بنفس الفتور متسائلاً وكأنه يحاول إبداء بعض المودة لا يشعر بها قلب هبة
_ مش هتاكلى زينا ليه يا هبة عاملة دايت؟
لم تجب بل أجابت امها بلا تفكير
_ هو الوحم فى الأول بيقلل الأكل
_ بس انت دخلتى فى التالت يا هبة لازم تاكلى شوية
ابتسمت لأبيها ابتسامة مهزوزة أرجعها لحزنها الذى لم يزل بينما كانت تنظر إلى هانى والصدمة التى سطعت فوق قسماته
_ انت حامل تانى؟ وخلتيه ليه لما ياسر مات انت ناقصة حمل مش كفاية هيثم!!
ضرب الصمت صدور الجميع مع حدة هانى والغضب غير المبرر الذى تحدث به وكلماته التى هى الجنون بعينه لينهره أبيه بعد لحظات
_ انت بتقول إيه يا هانى ؟
تشابكت اصابع هانى وهو ينظر إلى أبيه بجدية
_ بقول كلام العقل والمنطق يا بابا
نهضت سندس فوراً بتوتر وهى تحمل طبق هيثم وتمسك كفه
_ تعالى يا حبيبي ناكل جوه
ظلت صامتة حتى اختفى صغيرها لتنظر نحو هانى مستنكرة
_ أي عقل وأي منطق ؟ انت عاوزنى اقتل ابنى؟ حتة منى ومن ياسر ؟
ضرب الطاولة بنفس الحدة
_ بلاش كلام عاطفى لا هيودى ولا هيجيب ، العقل بيقول الأرملة تحاول تخفف مسئولياتها مش تتحمل مسئولية طفل تانى لسه مش موجود اصلا وفى أيدها أنه مايبقاش موجود
وقفت تعلن اعتراضها على هذا الحوار
_ انا بتكلم معاك في إيه من الأساس؟ انا ماشية يا بابا راجعة بيتى علشان مسئوليتى ماتزعجش هانى . يا هيثم
اتجهت للداخل لينظر عبدالقادر إلى ابنه لائما ومستنكرا أفكاره
_ ليه يا بنى كده! انا مش هقولك حرام وحلال بس انت مش عارف هبة كانت بتحبه ازاى ؟
انتفض هانى أيضاً معلنا رفضه
_ كانت بتحبه ومات خلاص هتربط نفسها بيه اجبارى حى وميت ؟ وبعدين هى كلمتى نزلت اللى فى بطنها دى حاجة غريبة اوى
واتجه نحو غرفته القديمة بينما عبرت هبة تجذب ابنها فى إتجاه الباب ولم يملك عبدالقادر إيقافها فقد ظن أن هانى سيعود ليكون سندا لشقيقته فى محنتها لكن هذا العائد ليس من تمنى أبدا.
..........
لم تتجه للمنزل فهى لا تريد أن تعود إليه بهذه الحالة من الإحباط والألم النفسى، لقد شعرت بخذلان لا تتحمله ، تعلم أن هانى كان يرفض زواجها من ياسر رفضا قاطعا ولولا أن أجبره أبيها ما حضر حفلة الخطبة كما هدد كثيرا .
لكنها شعرت بالحنين لتواجده في الزفاف رغم أنه بعد سفره لم يعد يتحدث بشأن زواجها أو يبدى غضبا لتمامه فما الذي أعاد لصدره هذا الرفض والجحود الذى يدفعه فى التفكير في التخلص من جنينها خاصة أنه علم بشأنه للتو؟
أي قسوة تسكن صدر أخيها وموضع قلبه!!
اتجهت إلى أحد المطاعم ليتناول صغيرها وجبة عوضا عن تلك التى فوتها فى منزل جده وبالطبع لم تشعر بأي رغبة في تناول الطعام
أنهى الصغير وجبته لتقرر العودة للمنزل فقلبها لن يصفو فى وقت قريب مهما حاولت فهذا الألم الذى يتكاثر يصعب التحكم فيه .
.........
فى صباح اليوم التالي دخلت شقة عمتها مستخدمة المفتاح الذي تملكه دون أن تنتبه لوجود جاد والذى كان بالمصادفة يجلس برفقة أمه ليهرول نحوه ابنها دون أن تحاول منعه فيبدو لها أن جاد فقط قد يعوضه قليلا عن ألم اليتم ويعوضها هى عن جحود هانى وقسوته .
استقبله جاد بين ذراعيه بمودة أسعدت قلب أمه لكن لم تفلح مع قلب هبة الملبد بغيوم الحزن لتنظر لها عمتها
_ مالك يا هبة؟ انت رجعتي امته امبارح؟
جلست بلا حماس
_ سلامتك يا عمتو جيت بدرى بس كنت مرهقة شوية طلعت ارتاح
_ المفروض تحافظى على نفسك يا هبة انت حامل ومحتاجة للراحة
نظرت هبة نحوه كأنها تستنكر تدخله في هذا الشأن بهذا الشكل المباشر وربما كانت تتمنى أن تسمع هذا الاهتمام بصوت أخيها أو صوت أخيه.
_ انا كويسة الحمدلله
_ متابعة مع دكتورة ؟ انا فاكر ايام حمل هيثم كنتى تعبانة اوى
عادت تستنكر نظراتها احتفاظه بهذه التفاصيل بينما أدرك تماديه ليحاول تغطية هفوته
_ يمكن ياسر مش موجود بس ماما وانا موجودين
تنهدت ولم تجب لكن بدأت عمتها تخبره بعض التفاصيل التى لم تكن بالخصوصية لاندفاع كل هذا القدر من الحرج للسيطرة على ملامحها ، عزاءها الوحيد أنه لا يرى هذا الانفعال فهى لا تريد أن تخسر دعمه فالفترة القادمة من حياتها غير مأمونة وتحتاج لدعم الجميع.
...........
انتهوا من تناول الفطور الذى أعدته مرڤت لينهض معتمدا على عكازيه تجاه غرفته
_ هيثم تعالى ساعدنى ألبس علشان انزل ألف على المطاعم
انتفض الصغير بحماس لهذه المهمة التي تشعره بأهمية وجوده في حياة عمه بينما تعجبت
_ تلف على المطاعم ازاى؟
_ عبيد بيجى ياخدنى بس بدور على سواق كويس وأمين يمشى معايا مش معقول هعطله كل يوم
_ لا هو مش معقول بيساعدك لوجه الله أصلا ، بنى آدم غير مريح وانا كنت هطرده
_ تتطاول عليكى فى حاجة ؟
_ ابدا يا بنى انت عارف ابن عمك دمه تقيل
أومأ بتفهم مكتفيا بتوضيح أمه التى أشارت لها لتصمت بينما اتجه للداخل يتبعه هيثم
ما إن اغلق الباب حتى احتدت هبة بصوت خفيض
_ ليه يا عمتو كان لازم يعرف ابن عمه بيعمل ايه ؟
_ يا بنتى أول حاجة عبيد رغم أن نوياه مش سليمة لكن ماظهرهاش ومش هنقدر نحاسبه على النية ده غير أن عجز جاد عن أنه يجيب حقك هيحسسه بعجزه اكتر وانا منى عينى يتم شفاه على خير .
صمتت هبة فرغم ما يفيض من محبة بكلمات عمتها عن جاد تشعرها بكونه طفلا أو غير مسئول لكنها تكره أن تشعره بمزيد من العجز خاصة بعد أن شعرت هى بالعجز أمام كلمات أخيها ولم تتمكن من تأديبه على تجاوزه فى حق جنينها لذا يمكنها أن تتغافل مؤقتاً.
لم تكن تعلم حين قررت أن تتغافل أنها لن تحتاج التغافل ففى دقائق غادر جاد الغرفة يتبعه هيثم
_ انا هنزل استنى عبيد تحت مفيش داعى يطلع هنا وهاخد هيثم معايا ماتخافوش عليه
وغادر بهدوء لتبتسم أمه فقد هون الأمر دون أن يحتاج للحدة كما اعتاد أن يفعل بعقلية راجحة
.............
وصل هانى لمنطقة المقابر ليتجه إلى مقابر الأسرة ، وقف يطالع هذا العدد من القبور المتلاصقة بقلب ثابت وأعين قوية ، دارت عينيه فوق الأشهاد تقرأ أسماء الموتى دون أن يرجف قلبه لوهلة بل كللت شفتيه ابتسامة غريبة وكأنه يشمت فى البعض منهم .
وصلت عينيه لقبر تقدم منه بثبات حيث كتبت بعض الأسماء وفى نهايتها الإسم الذى جاء إلى هنا من أجله.
وضع كف فوق كتفه لينظر إلى صاحبه بثبات
_ أي خدمة؟؟
_ حضرتك اللى اي خدمة؟ انا حارس المقابر هنا
إلتقى حاجبيه معبراً عن أسف لا يشعر بذرة منه
_ من فضلك انا ماقدرتش احضر دفنة ابن عمتى خلينى معاه شوية
رغم أن ملامح الرجل القاسية لا تعبر عن التأثر لكنه تراجع مفسحا له المجال وانتظر هو حتى غاب عن ناظريه لتعود ملامحه لطبيعة انفعالاته الداخلية
نظر نحو القبر بثبات واقترب منه ليضع كفه فوقه ويقرب رأسه منه هامسا
_ انت سامعنى يا ياسر ؟
صمت مطبق بعد سؤاله استمع خلاله لصوت الريح وكأنه ينتظر أن يحمل له صوت ياسر قبل أن يتلفت حوله بريبة قبل أن يتابع حديثه الهامس
_ فاكر لما هددتنى بالفضيحة قدام سكوتى على جوازك من هبة؟ انت ليه مت قبل ما أقدر انتقم منك ؟ تعرف انا فرحان أوى انك مت ولو كان عمرك طول شوية كنت قتلتك عارف ليه ؟؟ علشان انت ذلتنى وقهرتنى وانا هعوض كل ده فى حبيبتك وابنك استنى يمكن ابعت لك حد منهم قريب أو الاتنين.
