رواية انتصر قلبي الفصل السابع 7 بقلم قسمة الشبيني
الفصل السابع
زاد هانى من إلتصاقه بالقبر محرراً أحقاد نفسه التى لم يدركها بالسابق سوى من يرقد في قبره بلا حول ولا قوة حتى شعر أن قلبه قد هدأت نيران استعاره التى عاشت تأكل فى روحه لسنوات طويلة.
ابتعد عن القبر وعاد يطالع الأسماء قبل أن يولى مبتعدا ليغادر منطقة المقابر كلها عازما على تحسين صورته أمام الجميع فهو ليصل للنهاية التى يريد عليه أن يمنحهم الصورة التى يريدون.
التقط هاتفه لينظر للشاشة ويجيب بهدوء كأنه على موعد مسبق مع المتصل
_ انا لسه واصل بالليل
تساءل محدثه فورا بلهفة واضحة
_ وهنتقابل امته؟
_ لا مش اليومين دول انا وقتى الأيام دى مضغوط جدا
_ انت لسه قلقان منى صح ؟
_ لا أبدا بس انا عارف الناس هنا معلش خلينا نأجل يومين
صمت على الطرف الآخر يعبر عن مجاهدة المتصل للحفاظ على ثباته قبل أن يقول
_ تمام خد وقتك بس فى الاخر انت محتاج لى
أنهى المحادثة بهدوء ليعيد هاتفه لموضعه وعقله يبث له صورا من الماضى تزيد من تصاعد مخاوفه رغم قناعته بما يريد.
وصل للمنزل وكان أبويه يجلسان بصمت مؤلم ويكتفى كل منهما بما يحمل من ألم زرعه هو فى يوم واحد لكنه تغاضى عن هذه الصورة رغم وضوحها له واقترب ليجلس مبتسما بهدوء وكأنه لم يشعل نيرانا بهذا المنزل منذ ساعات
_ صباح الخير ، اوعوا تكونوا فطرتوا من غيرى!
_ صباح الخير، انت كنت فين؟
تغاضى عن الحدة فى تساؤل أبيه وتغاضى أيضا عن معاملته كطفل يحتاج لتقديم تقريراً عن خطواته واجاب بنفس الهدوء لكنه محى ابتسامته ورسم حزنا كاذبا
_ في المقابر
بدت الدهشة فوق الملامح وتساءلت الأعين ليعبر لسان أمه عن دهشتها
_ بتعمل ايه في المقابر؟
والغريب أنه ابتسم وربت فوق ساقها لتزداد دهشتها ويظهر أنه لا يستطيع أن يتحدث بشأن الأمر بينما شعر والده أنه أكثر هدوءا بشكل ملحوظ ورغم أن هذا يسعده لكنه يدهشه أيضاً ويحيره لسرعة تبدل أحواله.
_ يلا نفطر علشان عاوز اروح أراضى هبة، ماينفعش ازعلها منى وانا اخوها الوحيد، انا هحضر الفطار النهاردة
وشرع فى تنفيذ ما قاله وهو ينزع سترته ويتجه للمطبخ بخطوات سريعة حماسية تبعتها أعين ابيه برضا بينما أسرعت سندس تلحق به
_ فطار إيه اللى هتحضره يابنى تعالى هنا اقعد وانا خمس دقايق اجهز احلى فطار
_ ماتحاوليش يا ست الكل ده انا هنافسك من النهاردة
تعالت ضحكات سندس التى ترضا فعلياً عن هذا الجزء المراعى من هانى والذى طالما كان فى الماضى .
............
جلس جاد خلف مكتبه فى المطعم كعادة مستحدثة لظروفه الصحية ، كان هيثم بالقرب يجلس احيانا ويهرول أخرى بين الطاولات ويتابعه أحد العاملين المقربين من جاد والذى يأتمنه لعمله معه منذ أولى خطواته في المجال
اقترب أنس ليضع كوبا من الحليب بالفراولة أمام هيثم مبتسما
_ وادى العصير اللى كنت بتشربه لما تيجى مع ماما
_ أنس
بعثر خصلات الصغير بعناد طفولى قبل أن يتجه نحو جاد
_ نعم يا استاذ جاد
_ أنس انا طالب منك خدمة
_ اكيد لو اقدر مش هتأخر اتفضل
_ انا محتاج سواق يكون امين ومتفرغ وعلى مسؤوليتك
فطن أنس لرغبة جاد في التخلص من رفقة عبيد ويرى أن له كل الحق في هذا فالأخير لا تخفى مطامعه ومحاولته دس أنفه فى كل شئون العمل كما أن تقديم هذه الخدمة لجاد سيعنى خدمة له بالمقابل لذا رحب بالفكرة
_ موجود وجاهز من بكرة، اخويا الصغير معاه دبلوم تجارة ومطلع رخصة من سنتين وشغال على تاكسى
_ بس انا عاوزه متفرغ يا أنس انت شايف وضعى دلوقتى
_ بسيطة يا استاذ هو التاكسى مش بتاعه بيشتغل عليه وردية ليل وصراحة كنت مقلق من الموضوع ده
_ خلاص خليه يجى يقابلنى بالليل النهاردة لو اتفقنا يشتغل من بكرة
_ حاضر خدمة تانية؟
_ لما هيثم يخلص العصير شوف لى تاكس يودينى مدينة نصر
شعر جاد بالراحة فهو بالفعل لا يثق في نوايا عبيد لكنه لم يكن يملك خيارا آخر لذا قبل مساعدته التى كانت تعتبر مفروضة عليه من عبيد نفسه فيمكنه أن يقبل ادعاء عبيد بتعاطفه معه ويمكنه أن يقبل تطفله على حياته لكنه لن يقبل أبدا بتطفله عليها.
.........
وصل هانى برفقة والديه لمنزل مرڤت الذى غلفته الأحزان برداء قاتم ورغم أحزانها استقبلته عمته بالكثير من المودة والترحيب
جلسوا جميعا بينما اقبلت مرڤت تحمل الضيافة مرحبة
_ أخيراً يا هانى رجعت لنا بالسلامة
_ وحشتينى جدا يا عمتى
_ وانت كمان يا حبيبى انا الود ودى اجيب لك حتة من السما النهاردة
_ هى هبة فين يا عمتى؟
_ فوق يا حبيبي طلعت ترتاح شوية بردو الحمل والحزن كتير عليها ربنا يعينها
_ طيب انا هطلع ابص عليها
ود أبيه أن يصحبه فهو لازال يتشكك فى تحول تفكيره لهذه الدرجة فى ساعات كما أنه ابنه الوحيد ويعلم جيداً مدى سوء العلاقة بينه وبين أخته فى الماضى رغم كل محاولاته المضنية للتقريب بينهما إلا أن هانى كان يرفض اى محاولة منه و لكنه ايضا لم يرغب في إثارة مخاوف أخته لكن سندس كانت أسرع منه بديهة فهى لن تغامر بمشادة أخرى بينهما تكن فيها ابنتها وحدها لذا نهضت أيضاً
_ وانا كمان هبص عليها امبارح ماكانتش عجبانى
لم يستطع رفض صحبة أمه بل توقف من باب اللياقة ليفسح لها مجالا للمرور أولا ثم يتبعها وهو يثق أنه سيجد طريقة لنيل ما يريد .
..........
كانت تشعر بدوار شديد وتبدو حالتها الصحية غير مستقرة خاصة مع فقدها عدة كيلو جرامات ليزيد شعورها بالإرهاق والرغبة الدائمة في متابعة النوم.
تسطحت فوق أريكة تنتظر عودة هيثم وتفضل الاسترخاء لتغفو دون أن تشعر وسرعان ما سحبتها امواج السكينة من الواقع لتستيفظ على صوت طرقات متتالية ، خيل إليها أن الصغير قد عاد لتنهض رغم دوارها الشديد تهرول إلى الباب وتجاهد لضبط أنفاسها المتلاحقة.
فتحته ووقفت تنظر لأخيها وكأنها لا تتوقع وجوده أمامها أو لا تصدقه ليتحدث أولا
_ انا آسف يا هبة ماكنتش اقصد ازعلك
لكنها ظلت تنظر له دون أن تدرك أمها أو يدرك هو أنها تقاوم الدوار والظلام الذى يبتلع وعيها بنهم لتسقط بعد لحظة فيتلقاها هانى ويساهم فزع أمه فى عدم انتباهها لملامح وجهه التى تعكس مشاعره .
حملها للداخل لتجلس أمه بجوارها وهى تشير إليه
_ بسرعة يا هانى هات حاجة نفوقها من على التسريحة
تسارعت خطواته بلهفة حقيقية إلى الغرفة لتحيطها عينيه فى لحظة رغم أنه يراها لأول مرة ، لم تكن هبة تحتفظ بالعطور على مرأى خوفا من عبث الصغير ليمنحه هذا لحظات إضافية فى الغرفة ليفتح الخزانة ويلتقط بعض الأغراض صغيرة الحجم دسها فى جيبه قبل أن يلتقط زجاجة العطر التى تخص ياسر متعمداً ويعود إلى حيث تتعجل أمه خطواته.
_ اعمل ايه يا ماما مش لاقى حاجة على التسريحة حد يشيل البرفان جوه الدولاب
لم تنتبه سندس لتلك الحيلة الماكرة منه لذا بدأت رش العطر فوق كفها وقربته من ابنتها التى بدأت مقلتا عينيها تهرولان يمينا ويسارا ليبتسم هانى بسعادة لما تعانيه من ألم وسرعان ما انتفضت جالسة لترفع كفيها وتضغط جانبى رأسها بقوة متآوهة تتنازع أنفاسها ألما وحرمانا.
ضمتها أمها لتبدأ نوبة بكاءها فيجاهد هو لطمر ابتسامته الشامتة ولم تكن أمه في حال يسمح لها بمتابعة ردود أفعاله .
_ أهدى بس يا هبة مش قولنا بلاش العياط ده هتضرى نفسك اخوكى جاى يعتذر لك تقومى تعيطى
ابتسامة ساخرة كللت شفتى هانى لسذاجة أمه المطلقة لتثبت هبة أنها أشد سذاجة وهى تمسك زجاجة العطر بكف مرتعش لائمة سبب ألمها الحقيقى
_ جبتى دى منين ؟ ليه يا ماما؟
لم تفهم سندس حتى الآن ما يحدث مع ابنتها بينما قرر هانى إنهاء دوره كمتفرج وجلس مدعيا البراءة التى تتبرأ من أفعاله
_ انا اللى جبتها، آسف يا هبة أول مرة ادخل شقتك ومش عارف حاجة
عذر مقبول تماما من وجهة نظر هبة لم تتردد في إعلانه وهى تضم الزجاجة إلى صدرها لكنه مد كفه وسحبها من بين أناملها بحدة
_ لا خلاص هاتى ارجعها واهدى
بدت حدته لأمه فى هذه اللحظة منتهى المراعاة ليحمل الزجاجة ويتجه للداخل فيعيدها لموضعها ويلتقط أخرى دسها بجيب سترته الداخلى قبل أن يعود للخارج حيث بدأت تهدأ قليلا بين ذراعى أمها وإن كان الإرهاق هو سبب هدوءها الأول.
جلس لدقيقة قربها صامتاً عينيه تجوب المكان حوله لينقش تفاصيله داخله رغم ما يشعره هذا من ألم كأنه يجلد ذاته معاقبا لنفسه على أخطاء لا يعلمها سواه .
_ هبة انت فطرتى؟
نظرتا له مع سؤاله الذى يظهر به مدى مراعاته بحرفية شديدة لتهز رأسها فتعترض أمها
_ اكلك باين عليكى ، ده انت خسيتى النص
حصل على فرصته كاملة لينهض فوراً
_ انا عليا فطار عظمة واسألى ماما بس فين المطبخ؟
ابتسمت سندس بمحبة فقد رأت منه بالفعل الكثير من المهارة في أعمال الطبخ أثناء إعداد الفطور لذا أشارت له ليتجه للداخل باحثا عما يمكنه تقديمه فيزيد من إظهار حسن نواياه ومودته وتقربه وكل مشاعره المزعومة .
اختفى لتربت سندس فوق رأس ابنتها وهى تحثها على تجاوز ما حدث بالأمس فقد أثبت هانى حسن نواياه فى دقائق كما ترى بالإضافة لرؤيتها له كأمه التى تراه الأفضل
_ خلاص يا هبة، هانى كان متأثر امبارح بالعيشة برة والكلام اللى قاله ده مايقصدش يزعلك بيه هو فاكر أنه صح
تنكر هبة داخليا تغير معتقدات ومبادئ الإنسان التى نشأ عليها لقضائه عدة سنوات بعيدا عن موطنه بالعكس ترى أنه سيحاول أن يحافظ على قيمه البيئية بقوة أكبر مع مواجهة موجات التغير الفكرى لكنها رغم ذلك لم تحاول أن تتناقش فى الأمر فهى بحاجة لمودة أخيها ورعايته وكونه جاء معتذرا يكفيها للتجاوز .
عاد هانى يحمل صينية متذمرا
_ إيه ده يا هبة مش تجيبى شوية فاكهة وحليب ! التلاجة مافيهاش غير رصة جبن مالهاش لازمة علشان هيثم حتى ده طفل
_ انا هجيب لها بكرة إن شاء الله
وضع الطعام أمامها ورغم أنها لا تشعر برغبة فيه بدأ يقدم لها شطائر صغيرة الحجم تتناولها مكرهة وقد عادت رغبتها فى دعمه تسيطر عليها ليبدأ الغضب الذى عانت منه يزول رويداً رويداً .
............
اقترب هيثم من عمه الذى شرد تماماً عن واقعه ودون أن يتحدث جلس فوق ساقيه ليحيط خصره بذراعه الصغير ويرخى رأسه فوق صدره ليسمع تثاءبه فلا يحتاج أن يرى انسدال اجفانه فيعلم أن الصغير بحاجة لغفوة ، ابتسم لقد كان الصغير دائماً يغفو فى توقيت مقارب راقب ذلك بنفسه عدة مرات فى حياة أخيه فكان يغفو فوق صدر أبيه بنفس الطريقة أثناء تناوله الغداء لذا شعر ببعض الراحة لاستكانة هيثم بقربه بهذا الشكل.
_ إيه ده هو هيثم نام ؟ طب تعالوا اروحكم
نظر تجاه صوت عبيد وتوغر صدره ضيقا لمجرد مشاركته له في لحظة مميزة كتلك التى يحتاج الكثير منها مع الكثير من الخصوصية أيضاً.
لكنه مرغم على تقبل وجوده فهو سيعجز عن الوقوف وحمل الصغير ورغم رغبته البقاء على هذا الوضع حتى يستيقظ لكن من الأفضل إعادته للمنزل ، تقدم عبيد ليحمل هيثم برفق فيلتقط هو عكازيه ويتجه للخارج بلا مشقة ولا حاجة للمساعدة.
.........
انضم ثلاثتهم إلى مرڤت وعبد القادر بعد أن شعرت هبة بالتحسن لتطول الجلسة التى خيم على اجواءها الدفء لكن تحاشى الجميع تبادل الذكريات .
عزمت الأسرة على المغادرة ولم تفلح محاولات مرڤت معهم للبقاء لذا صممت هبة على توديعهم حتى الباب الخارجى للمنزل ورغم رفض سندس تمسكت بذراع أبيها الذى بدأ يتهامس معها فهو لا يطيق صبرا ليطمئن أن أمورها واخيها بخير حال لذا تقدما وتبعهما هانى وسندس
وقفت تستند إلى الباب وهم جميعا أمامها
_ اطلعى بقا يا هبة
_ حاضر يا بابا لما اطمن عليكم
_ مين يطمن على مين؟ اطلعى يا بنتى
ابتسمت وقبل تتجه للداخل توقفت سيارة عبيد لتتبدل ملامحها بشكل احسن هانى التقاطه لينظر إلى السيارة التى ترجل عنها جاد ليسرع أبيه إليه بشكل زاد من ضيقه ليضيف سبباً جديداً لأسباب كثيرة تغضبه من أبيه
_ كويس انى شوفتك يا جاد معاد الدكتور بعد يومين انا جاى معاك
_ متشكر يا خالى انت تعبت معايا جدا
نظرت هبة داخل السيارة لتجد الصغير يرقد فوق الأريكة الخلفية لتفزع
_ ماله هيثم؟
_ نايم يا هبة ماتخافيش
لم تنظر نحو جاد بل اتجهت إلى السيارة ليقطع عبيد سبيلها إلى ابنها وهو يتجه للباب الخلفى استعداداً لحمل الصغير
_ ما تسلم يا هانى على جاد ولا مش عارفه ؟
أخرجه سؤال أبيه من أفكاره ليحاول أن يبدى بعض المودة مع ابتسامة فاترة
_ لا مش عارفه ازاى ! ألف سلامة عليك يا جاد
حمل عبيد الصغير وهو يراقب فتور اللقاء بين هانى وجاد لكن هبة قطعت سبيله بحدة
_ هات الولد
_ هطلعه فوق انت شكلك تعبان
_ مالاكش دعوة بشكلى وادينى ابنى لو سمحت
لاحظ الجميع العدائية الشديدة التى تعامل بها عبيد وكانت هذه فرصة جيدة لهانى الذى تدخل بهدوء
_ عنك انت انا هطلعه
يذكر هانى جيدا عبيد ابن عم ياسر والذى كان أيضا على خلاف معه في الصغر وحتى زواجه لكن يبدو له أنه يحاول اقتناص فرصة ما تنفر منها أخته ومجرد نفورها منه يدفعه هو لدعمه
_ يا ترى فاكرنى يا استاذ هانى ولا الغربة نستك البلد والناس
_ لا ازاى حد ينسى أهله ، وبعدين إحنا أهل إيه حكاية استاذ دى
ابتسم عبيد براحة لتقبل هانى له فقد يمثل دعما قويا يحتاجه قريبا بينما نظرت إلى أخيها تستنكر تلك المودة التى يعامل بها عبيد لكن هانى لم ينظر تجاهها من الأساس وحمل الصغير للداخل ليتقدم جاد فيقف بينها وبين عبيد دون تعمد بشكل طبيعى تماماً اشعرها بالراحة وأشعر عبيد بمزيد من الغضب تجاهه
_ رايحين فين يا خالى تعالوا اتغدوا معانا
_ معلش يا حبيبي مرة تانية إحنا هنا من بدرى وكويس أنى شوفتك وشوفت هيثم ايوه كده انزل وأخرج وكل حاجة إن شاء الله هترجع زى ما كانت .
لم يشعر عبدالقادر أن كلماته آلمت ابنته التى لن تعود حياتها لعهدها السابق مطلقاً بعد أن فقدت ياسر ولم تنتبه أن أبيها يوجه حديثه لجاد لمنحه بعض القوة للمثابرة.
عاد هانى بعد قليل ولازال عبيد يتطفل على جمعهم ليتجه نحوه متسائلا
_ وانت عامل ايه في حياتك دلوقتى ؟
_ الحمدلله عندى مكتب محاسبة ، تبقا تفكرنى يا جاد اشوف لك الحسابات
_ متشكر يا عبيد الحسابات من زمان مع خالى
ظللت الكراهية قسمات عبيد ليربت هانى فوق كتفه وكأنه ينبهه للتحكم في انفعالاته بينما أشار أبيه لزوجته مودعين جاد الذى تجاهل وجود عبيد ولم يعرض عليه استضافته .
_ مش جاى معانا يا هانى ؟
التفت إلى أبيه موضحا
_ هتمشى شوية واحصلكم
اتجهت هبة للداخل وتبعها جاد ليجد عبيد نفسه وحيداً شاعرا بالنبذ لكن هانى عاد يربت فوق كتفه ومعلنا نيته للتضامن معه
_ ما تيجى تفرجنى البلد شوية
ولم يكن عبيد ليرفض هذا التضامن فقد بدأ يشعر أن مساعيه كلها فى منحنى خطر وعليه أن يحافظ على تواجده بالقرب وسيكون هانى بنظره هو الجسر الذى يصل بينه وبين مبتغاه
زاد هانى من إلتصاقه بالقبر محرراً أحقاد نفسه التى لم يدركها بالسابق سوى من يرقد في قبره بلا حول ولا قوة حتى شعر أن قلبه قد هدأت نيران استعاره التى عاشت تأكل فى روحه لسنوات طويلة.
ابتعد عن القبر وعاد يطالع الأسماء قبل أن يولى مبتعدا ليغادر منطقة المقابر كلها عازما على تحسين صورته أمام الجميع فهو ليصل للنهاية التى يريد عليه أن يمنحهم الصورة التى يريدون.
التقط هاتفه لينظر للشاشة ويجيب بهدوء كأنه على موعد مسبق مع المتصل
_ انا لسه واصل بالليل
تساءل محدثه فورا بلهفة واضحة
_ وهنتقابل امته؟
_ لا مش اليومين دول انا وقتى الأيام دى مضغوط جدا
_ انت لسه قلقان منى صح ؟
_ لا أبدا بس انا عارف الناس هنا معلش خلينا نأجل يومين
صمت على الطرف الآخر يعبر عن مجاهدة المتصل للحفاظ على ثباته قبل أن يقول
_ تمام خد وقتك بس فى الاخر انت محتاج لى
أنهى المحادثة بهدوء ليعيد هاتفه لموضعه وعقله يبث له صورا من الماضى تزيد من تصاعد مخاوفه رغم قناعته بما يريد.
وصل للمنزل وكان أبويه يجلسان بصمت مؤلم ويكتفى كل منهما بما يحمل من ألم زرعه هو فى يوم واحد لكنه تغاضى عن هذه الصورة رغم وضوحها له واقترب ليجلس مبتسما بهدوء وكأنه لم يشعل نيرانا بهذا المنزل منذ ساعات
_ صباح الخير ، اوعوا تكونوا فطرتوا من غيرى!
_ صباح الخير، انت كنت فين؟
تغاضى عن الحدة فى تساؤل أبيه وتغاضى أيضا عن معاملته كطفل يحتاج لتقديم تقريراً عن خطواته واجاب بنفس الهدوء لكنه محى ابتسامته ورسم حزنا كاذبا
_ في المقابر
بدت الدهشة فوق الملامح وتساءلت الأعين ليعبر لسان أمه عن دهشتها
_ بتعمل ايه في المقابر؟
والغريب أنه ابتسم وربت فوق ساقها لتزداد دهشتها ويظهر أنه لا يستطيع أن يتحدث بشأن الأمر بينما شعر والده أنه أكثر هدوءا بشكل ملحوظ ورغم أن هذا يسعده لكنه يدهشه أيضاً ويحيره لسرعة تبدل أحواله.
_ يلا نفطر علشان عاوز اروح أراضى هبة، ماينفعش ازعلها منى وانا اخوها الوحيد، انا هحضر الفطار النهاردة
وشرع فى تنفيذ ما قاله وهو ينزع سترته ويتجه للمطبخ بخطوات سريعة حماسية تبعتها أعين ابيه برضا بينما أسرعت سندس تلحق به
_ فطار إيه اللى هتحضره يابنى تعالى هنا اقعد وانا خمس دقايق اجهز احلى فطار
_ ماتحاوليش يا ست الكل ده انا هنافسك من النهاردة
تعالت ضحكات سندس التى ترضا فعلياً عن هذا الجزء المراعى من هانى والذى طالما كان فى الماضى .
............
جلس جاد خلف مكتبه فى المطعم كعادة مستحدثة لظروفه الصحية ، كان هيثم بالقرب يجلس احيانا ويهرول أخرى بين الطاولات ويتابعه أحد العاملين المقربين من جاد والذى يأتمنه لعمله معه منذ أولى خطواته في المجال
اقترب أنس ليضع كوبا من الحليب بالفراولة أمام هيثم مبتسما
_ وادى العصير اللى كنت بتشربه لما تيجى مع ماما
_ أنس
بعثر خصلات الصغير بعناد طفولى قبل أن يتجه نحو جاد
_ نعم يا استاذ جاد
_ أنس انا طالب منك خدمة
_ اكيد لو اقدر مش هتأخر اتفضل
_ انا محتاج سواق يكون امين ومتفرغ وعلى مسؤوليتك
فطن أنس لرغبة جاد في التخلص من رفقة عبيد ويرى أن له كل الحق في هذا فالأخير لا تخفى مطامعه ومحاولته دس أنفه فى كل شئون العمل كما أن تقديم هذه الخدمة لجاد سيعنى خدمة له بالمقابل لذا رحب بالفكرة
_ موجود وجاهز من بكرة، اخويا الصغير معاه دبلوم تجارة ومطلع رخصة من سنتين وشغال على تاكسى
_ بس انا عاوزه متفرغ يا أنس انت شايف وضعى دلوقتى
_ بسيطة يا استاذ هو التاكسى مش بتاعه بيشتغل عليه وردية ليل وصراحة كنت مقلق من الموضوع ده
_ خلاص خليه يجى يقابلنى بالليل النهاردة لو اتفقنا يشتغل من بكرة
_ حاضر خدمة تانية؟
_ لما هيثم يخلص العصير شوف لى تاكس يودينى مدينة نصر
شعر جاد بالراحة فهو بالفعل لا يثق في نوايا عبيد لكنه لم يكن يملك خيارا آخر لذا قبل مساعدته التى كانت تعتبر مفروضة عليه من عبيد نفسه فيمكنه أن يقبل ادعاء عبيد بتعاطفه معه ويمكنه أن يقبل تطفله على حياته لكنه لن يقبل أبدا بتطفله عليها.
.........
وصل هانى برفقة والديه لمنزل مرڤت الذى غلفته الأحزان برداء قاتم ورغم أحزانها استقبلته عمته بالكثير من المودة والترحيب
جلسوا جميعا بينما اقبلت مرڤت تحمل الضيافة مرحبة
_ أخيراً يا هانى رجعت لنا بالسلامة
_ وحشتينى جدا يا عمتى
_ وانت كمان يا حبيبى انا الود ودى اجيب لك حتة من السما النهاردة
_ هى هبة فين يا عمتى؟
_ فوق يا حبيبي طلعت ترتاح شوية بردو الحمل والحزن كتير عليها ربنا يعينها
_ طيب انا هطلع ابص عليها
ود أبيه أن يصحبه فهو لازال يتشكك فى تحول تفكيره لهذه الدرجة فى ساعات كما أنه ابنه الوحيد ويعلم جيداً مدى سوء العلاقة بينه وبين أخته فى الماضى رغم كل محاولاته المضنية للتقريب بينهما إلا أن هانى كان يرفض اى محاولة منه و لكنه ايضا لم يرغب في إثارة مخاوف أخته لكن سندس كانت أسرع منه بديهة فهى لن تغامر بمشادة أخرى بينهما تكن فيها ابنتها وحدها لذا نهضت أيضاً
_ وانا كمان هبص عليها امبارح ماكانتش عجبانى
لم يستطع رفض صحبة أمه بل توقف من باب اللياقة ليفسح لها مجالا للمرور أولا ثم يتبعها وهو يثق أنه سيجد طريقة لنيل ما يريد .
..........
كانت تشعر بدوار شديد وتبدو حالتها الصحية غير مستقرة خاصة مع فقدها عدة كيلو جرامات ليزيد شعورها بالإرهاق والرغبة الدائمة في متابعة النوم.
تسطحت فوق أريكة تنتظر عودة هيثم وتفضل الاسترخاء لتغفو دون أن تشعر وسرعان ما سحبتها امواج السكينة من الواقع لتستيفظ على صوت طرقات متتالية ، خيل إليها أن الصغير قد عاد لتنهض رغم دوارها الشديد تهرول إلى الباب وتجاهد لضبط أنفاسها المتلاحقة.
فتحته ووقفت تنظر لأخيها وكأنها لا تتوقع وجوده أمامها أو لا تصدقه ليتحدث أولا
_ انا آسف يا هبة ماكنتش اقصد ازعلك
لكنها ظلت تنظر له دون أن تدرك أمها أو يدرك هو أنها تقاوم الدوار والظلام الذى يبتلع وعيها بنهم لتسقط بعد لحظة فيتلقاها هانى ويساهم فزع أمه فى عدم انتباهها لملامح وجهه التى تعكس مشاعره .
حملها للداخل لتجلس أمه بجوارها وهى تشير إليه
_ بسرعة يا هانى هات حاجة نفوقها من على التسريحة
تسارعت خطواته بلهفة حقيقية إلى الغرفة لتحيطها عينيه فى لحظة رغم أنه يراها لأول مرة ، لم تكن هبة تحتفظ بالعطور على مرأى خوفا من عبث الصغير ليمنحه هذا لحظات إضافية فى الغرفة ليفتح الخزانة ويلتقط بعض الأغراض صغيرة الحجم دسها فى جيبه قبل أن يلتقط زجاجة العطر التى تخص ياسر متعمداً ويعود إلى حيث تتعجل أمه خطواته.
_ اعمل ايه يا ماما مش لاقى حاجة على التسريحة حد يشيل البرفان جوه الدولاب
لم تنتبه سندس لتلك الحيلة الماكرة منه لذا بدأت رش العطر فوق كفها وقربته من ابنتها التى بدأت مقلتا عينيها تهرولان يمينا ويسارا ليبتسم هانى بسعادة لما تعانيه من ألم وسرعان ما انتفضت جالسة لترفع كفيها وتضغط جانبى رأسها بقوة متآوهة تتنازع أنفاسها ألما وحرمانا.
ضمتها أمها لتبدأ نوبة بكاءها فيجاهد هو لطمر ابتسامته الشامتة ولم تكن أمه في حال يسمح لها بمتابعة ردود أفعاله .
_ أهدى بس يا هبة مش قولنا بلاش العياط ده هتضرى نفسك اخوكى جاى يعتذر لك تقومى تعيطى
ابتسامة ساخرة كللت شفتى هانى لسذاجة أمه المطلقة لتثبت هبة أنها أشد سذاجة وهى تمسك زجاجة العطر بكف مرتعش لائمة سبب ألمها الحقيقى
_ جبتى دى منين ؟ ليه يا ماما؟
لم تفهم سندس حتى الآن ما يحدث مع ابنتها بينما قرر هانى إنهاء دوره كمتفرج وجلس مدعيا البراءة التى تتبرأ من أفعاله
_ انا اللى جبتها، آسف يا هبة أول مرة ادخل شقتك ومش عارف حاجة
عذر مقبول تماما من وجهة نظر هبة لم تتردد في إعلانه وهى تضم الزجاجة إلى صدرها لكنه مد كفه وسحبها من بين أناملها بحدة
_ لا خلاص هاتى ارجعها واهدى
بدت حدته لأمه فى هذه اللحظة منتهى المراعاة ليحمل الزجاجة ويتجه للداخل فيعيدها لموضعها ويلتقط أخرى دسها بجيب سترته الداخلى قبل أن يعود للخارج حيث بدأت تهدأ قليلا بين ذراعى أمها وإن كان الإرهاق هو سبب هدوءها الأول.
جلس لدقيقة قربها صامتاً عينيه تجوب المكان حوله لينقش تفاصيله داخله رغم ما يشعره هذا من ألم كأنه يجلد ذاته معاقبا لنفسه على أخطاء لا يعلمها سواه .
_ هبة انت فطرتى؟
نظرتا له مع سؤاله الذى يظهر به مدى مراعاته بحرفية شديدة لتهز رأسها فتعترض أمها
_ اكلك باين عليكى ، ده انت خسيتى النص
حصل على فرصته كاملة لينهض فوراً
_ انا عليا فطار عظمة واسألى ماما بس فين المطبخ؟
ابتسمت سندس بمحبة فقد رأت منه بالفعل الكثير من المهارة في أعمال الطبخ أثناء إعداد الفطور لذا أشارت له ليتجه للداخل باحثا عما يمكنه تقديمه فيزيد من إظهار حسن نواياه ومودته وتقربه وكل مشاعره المزعومة .
اختفى لتربت سندس فوق رأس ابنتها وهى تحثها على تجاوز ما حدث بالأمس فقد أثبت هانى حسن نواياه فى دقائق كما ترى بالإضافة لرؤيتها له كأمه التى تراه الأفضل
_ خلاص يا هبة، هانى كان متأثر امبارح بالعيشة برة والكلام اللى قاله ده مايقصدش يزعلك بيه هو فاكر أنه صح
تنكر هبة داخليا تغير معتقدات ومبادئ الإنسان التى نشأ عليها لقضائه عدة سنوات بعيدا عن موطنه بالعكس ترى أنه سيحاول أن يحافظ على قيمه البيئية بقوة أكبر مع مواجهة موجات التغير الفكرى لكنها رغم ذلك لم تحاول أن تتناقش فى الأمر فهى بحاجة لمودة أخيها ورعايته وكونه جاء معتذرا يكفيها للتجاوز .
عاد هانى يحمل صينية متذمرا
_ إيه ده يا هبة مش تجيبى شوية فاكهة وحليب ! التلاجة مافيهاش غير رصة جبن مالهاش لازمة علشان هيثم حتى ده طفل
_ انا هجيب لها بكرة إن شاء الله
وضع الطعام أمامها ورغم أنها لا تشعر برغبة فيه بدأ يقدم لها شطائر صغيرة الحجم تتناولها مكرهة وقد عادت رغبتها فى دعمه تسيطر عليها ليبدأ الغضب الذى عانت منه يزول رويداً رويداً .
............
اقترب هيثم من عمه الذى شرد تماماً عن واقعه ودون أن يتحدث جلس فوق ساقيه ليحيط خصره بذراعه الصغير ويرخى رأسه فوق صدره ليسمع تثاءبه فلا يحتاج أن يرى انسدال اجفانه فيعلم أن الصغير بحاجة لغفوة ، ابتسم لقد كان الصغير دائماً يغفو فى توقيت مقارب راقب ذلك بنفسه عدة مرات فى حياة أخيه فكان يغفو فوق صدر أبيه بنفس الطريقة أثناء تناوله الغداء لذا شعر ببعض الراحة لاستكانة هيثم بقربه بهذا الشكل.
_ إيه ده هو هيثم نام ؟ طب تعالوا اروحكم
نظر تجاه صوت عبيد وتوغر صدره ضيقا لمجرد مشاركته له في لحظة مميزة كتلك التى يحتاج الكثير منها مع الكثير من الخصوصية أيضاً.
لكنه مرغم على تقبل وجوده فهو سيعجز عن الوقوف وحمل الصغير ورغم رغبته البقاء على هذا الوضع حتى يستيقظ لكن من الأفضل إعادته للمنزل ، تقدم عبيد ليحمل هيثم برفق فيلتقط هو عكازيه ويتجه للخارج بلا مشقة ولا حاجة للمساعدة.
.........
انضم ثلاثتهم إلى مرڤت وعبد القادر بعد أن شعرت هبة بالتحسن لتطول الجلسة التى خيم على اجواءها الدفء لكن تحاشى الجميع تبادل الذكريات .
عزمت الأسرة على المغادرة ولم تفلح محاولات مرڤت معهم للبقاء لذا صممت هبة على توديعهم حتى الباب الخارجى للمنزل ورغم رفض سندس تمسكت بذراع أبيها الذى بدأ يتهامس معها فهو لا يطيق صبرا ليطمئن أن أمورها واخيها بخير حال لذا تقدما وتبعهما هانى وسندس
وقفت تستند إلى الباب وهم جميعا أمامها
_ اطلعى بقا يا هبة
_ حاضر يا بابا لما اطمن عليكم
_ مين يطمن على مين؟ اطلعى يا بنتى
ابتسمت وقبل تتجه للداخل توقفت سيارة عبيد لتتبدل ملامحها بشكل احسن هانى التقاطه لينظر إلى السيارة التى ترجل عنها جاد ليسرع أبيه إليه بشكل زاد من ضيقه ليضيف سبباً جديداً لأسباب كثيرة تغضبه من أبيه
_ كويس انى شوفتك يا جاد معاد الدكتور بعد يومين انا جاى معاك
_ متشكر يا خالى انت تعبت معايا جدا
نظرت هبة داخل السيارة لتجد الصغير يرقد فوق الأريكة الخلفية لتفزع
_ ماله هيثم؟
_ نايم يا هبة ماتخافيش
لم تنظر نحو جاد بل اتجهت إلى السيارة ليقطع عبيد سبيلها إلى ابنها وهو يتجه للباب الخلفى استعداداً لحمل الصغير
_ ما تسلم يا هانى على جاد ولا مش عارفه ؟
أخرجه سؤال أبيه من أفكاره ليحاول أن يبدى بعض المودة مع ابتسامة فاترة
_ لا مش عارفه ازاى ! ألف سلامة عليك يا جاد
حمل عبيد الصغير وهو يراقب فتور اللقاء بين هانى وجاد لكن هبة قطعت سبيله بحدة
_ هات الولد
_ هطلعه فوق انت شكلك تعبان
_ مالاكش دعوة بشكلى وادينى ابنى لو سمحت
لاحظ الجميع العدائية الشديدة التى تعامل بها عبيد وكانت هذه فرصة جيدة لهانى الذى تدخل بهدوء
_ عنك انت انا هطلعه
يذكر هانى جيدا عبيد ابن عم ياسر والذى كان أيضا على خلاف معه في الصغر وحتى زواجه لكن يبدو له أنه يحاول اقتناص فرصة ما تنفر منها أخته ومجرد نفورها منه يدفعه هو لدعمه
_ يا ترى فاكرنى يا استاذ هانى ولا الغربة نستك البلد والناس
_ لا ازاى حد ينسى أهله ، وبعدين إحنا أهل إيه حكاية استاذ دى
ابتسم عبيد براحة لتقبل هانى له فقد يمثل دعما قويا يحتاجه قريبا بينما نظرت إلى أخيها تستنكر تلك المودة التى يعامل بها عبيد لكن هانى لم ينظر تجاهها من الأساس وحمل الصغير للداخل ليتقدم جاد فيقف بينها وبين عبيد دون تعمد بشكل طبيعى تماماً اشعرها بالراحة وأشعر عبيد بمزيد من الغضب تجاهه
_ رايحين فين يا خالى تعالوا اتغدوا معانا
_ معلش يا حبيبي مرة تانية إحنا هنا من بدرى وكويس أنى شوفتك وشوفت هيثم ايوه كده انزل وأخرج وكل حاجة إن شاء الله هترجع زى ما كانت .
لم يشعر عبدالقادر أن كلماته آلمت ابنته التى لن تعود حياتها لعهدها السابق مطلقاً بعد أن فقدت ياسر ولم تنتبه أن أبيها يوجه حديثه لجاد لمنحه بعض القوة للمثابرة.
عاد هانى بعد قليل ولازال عبيد يتطفل على جمعهم ليتجه نحوه متسائلا
_ وانت عامل ايه في حياتك دلوقتى ؟
_ الحمدلله عندى مكتب محاسبة ، تبقا تفكرنى يا جاد اشوف لك الحسابات
_ متشكر يا عبيد الحسابات من زمان مع خالى
ظللت الكراهية قسمات عبيد ليربت هانى فوق كتفه وكأنه ينبهه للتحكم في انفعالاته بينما أشار أبيه لزوجته مودعين جاد الذى تجاهل وجود عبيد ولم يعرض عليه استضافته .
_ مش جاى معانا يا هانى ؟
التفت إلى أبيه موضحا
_ هتمشى شوية واحصلكم
اتجهت هبة للداخل وتبعها جاد ليجد عبيد نفسه وحيداً شاعرا بالنبذ لكن هانى عاد يربت فوق كتفه ومعلنا نيته للتضامن معه
_ ما تيجى تفرجنى البلد شوية
ولم يكن عبيد ليرفض هذا التضامن فقد بدأ يشعر أن مساعيه كلها فى منحنى خطر وعليه أن يحافظ على تواجده بالقرب وسيكون هانى بنظره هو الجسر الذى يصل بينه وبين مبتغاه
