اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس 5 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس 5 بقلم صابرين


5- ذاكرة مفقودة


                                              
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️

2


أخرجت المفاتيح من جيب حقيبتها وفتحت الباب ويكاد التعب يجعلها تسقط على وجهها حتى قبل أن تصل إلى الفراش، وسرعان ما تحولت ملامحها المتعبة إلى أخرى متحمسة حين اخترقت أنفها رائحة شهية جعلتها تسير على هداها بدون وعي 

+


وقفت أمام المطبخ وقد ابصرت الطعام يغلي على الموقد والرائحة منتشرة في المكان، رفعت الغطاء تشتم الرائحة عن قرب أكثر لتهمهم بتلذذ قائلة :

1


-اشطر واحدة تعمل بطاطس بالتخديعة في العيلة، المفروض تقولي على الطريقة 

2


اخذت واحدة رغم كونها ساخنة ووضعتها داخل رغيف وبدأت تقطم منه، وقد خرجت تبحث عن نور في الشقة منادية عليها فآتاها صوتها من داخل إحدى الغرف :

+


-انا هنا يا براءة تعالي 

1


دلفت الأخرى إلى الشرفة لتجدها تجلس على المقاعد الموجودة بها فهذه الشرفة متسعة لتحمل مقعدين وطاولة وأكثر من هذا، أشارت إلى الكتب الموضوعة أمامها هاتفة بمزاح :

+


-هترجعي تذاكري من أول وجديد ولا إيه 

+


رفعت الأخرى منكبيها بقلة حيلة ثم قالت :

+


-اعمل ايه اشتريت ملخصات مخصوص علشان اراجع دروس الإعدادية، ادوني سنة تانية كلها وكام فصل في تالتة والأستاذ الوحيد الموجود معايا خد سنة أولى وباقي فصول تالتة 

+


قطمت براءة من الشطيرة التي صنعتها هاتفة بتساؤل :

+


-عملتي ايه النهاردة؟ العيال جننوكي ولا العكس 

+


-لا عيب عليكي مشيتهم على عجين ميلخبطهوش ده انا تخصص تربية عيال 

3


-براحة عليهم يا نور دول ولاد ناس ميستحملوش عصبيتك والله 

+


اغلقت الأخرى الكتاب تغير الموضوع تمامًا :

+


-طب قوليلي ازاي قاعدين في الشقة الحلوة دي في المكان الفظيع دي وعلى البحر، ده اللي يأجر شقة هنا لازم يبيع كليته 

3


-حصل والله محدش مصدق اننا قاعدين في ميامي على البحر بس أهو ربك، صحاب العمارة هما الرجلين اللي شوفتيهم مع زوج عمتك محفوظ عشية دول، يبقوا اخواته يعني نسايب عمامك، المهم إنهم قرايبنا وهما اللي اتكلموا مع زوج عمتك علشان نقعد هنا بدال ما ناخد إيجار برا 

+


-ايوه صح كنتوا عايزين تاخدوا إيجار ليه مش كنتوا موافقين تقعدوا مع عمتكم أسماء 

+


رفعت الأخرى منكبيها بعدم اهتمام :

+


-بابا هو اللي قال ناخدوا برا بس قريب من عمتك يعني علشان في الأول كانت شروق وكانت في سكن بس بعد ما البنات هناك سرّقوها واتهموها بالسرقة قعدت مع عمتك لحد ما خلصت سنة أولى، بس دلوقتي بقيت انا علشان التكليف الزفت اللي حطني هنا وعائشة دخلت صيدلية هنا بقينا كتير عليهم 

+



                                      


                
-وجوز عمتك وافق عادي تمشوا؟؟ 

+


-لا بصراحة عمك محفوظ اضايق وقال ليه ياخدوا برا وانا موجود اها وده بيت عمتهم برضو، في الآخر أخوه اسمه عثمان باين قال يقعدوا في الشقة اللي قبالهم جاهزة وكانت بتتأجر في الصيف علشان مصيف وكده بس دلوقتي لا، في الأول بابا وعمامك مكنوش موافقين من غير إيجار بس عثمان وأخوه رفضوا وقالوا ده احنا قرايب ونسايب وكلام من ده وادينا اهو قاعدين في الشقة العسل دي بقالنا شهر 

5


ضحكت نور غامزة لها :

+


-جاتلكم على طبق من دهب مكنتوش تحلموا تعدوا في المنطقة دي 

+


-حصل جدًا يا بتي كفاية منظر البحر اللي قدامك ده، ولو ننزلوا على الشط تحت ده لوحده فوتوسيشن خيالي 

1


ضحكت نور مرة أخرى لكن اصمتتها براءة بقولها :

+


-اشش وطي صوتك 

+


-ايه يا بتي ده احنا في التالت يعني محدش هيسمعني من هنا 

+


-مش قصدي كده شايفة البلكونة اللي جنبينا دي تبع أوضة ولاد عثمان وفي العادة بيقعدوا فيها يعني حاولي صوتك يكون واطي ولو طلعتي البلكونة تطلعي بطرحة أو بخمار الصلاة أفضل 

+


-ولاده مين؟؟ 

+


-اللي شوفتيهم عشية دول واحد في الكلية اسمه كريم والتاني اللي شعره طويل وسايح ده 

+


انقلبت ملامح نور بتذكرها لذلك الشاب الذي ضربها على رأسها فقالت بعفوية منها :

+


-إلهي تنشل ايده اللي ضربني بيها 

5


اتسعت أعين براءة وليس من سبها له فمن طبع نور أن تتحدث دون أن تلقي بالًا لحديثها سواءً كان جيد أو سئ، هي تسميها عفوية منها لكن الاغلب يسميه "دبش" :

6


-ضربك!؟ 

+


-ايوه قبل ما تيجو كان الأعمي فاكرني أخوه قال وهوب خبطني بحاجة فوق راسي حسيتها اتفتحت 

+


وضعت براءة يدها على فمها تضحك بشدة تزامنًا مع تكملة الأخرى حديثها بحرقة شديدة :

+


-والله ولولا إني كنت في بيتهم وهما أغراب عني لكنت مسكت أم الحاجة اللي ضربني بيها دي واديته بيها فوق راسه 

1


حاولت الأخرى اصماتها وهي تضحك بشدة :

+


-يخربيتك اسكتي ليكون جوا ويسمعنا 

+


صمتت الأخرى قالبة وجهها بينما براءة ظلت تضحك وهي تتخيل حمزة يضرب نور على رأسها :

+


-يا لهوي طب كان فاكرك اخوه ازاي!؟ 

+


-ما انا بقولك أعمى يلا بقى يصلح حاله ربنا 

1


توقفت الأخرى عن الضحك وقد وقفت تنظر إلى باب الشرفة الأخرى وعندما وجدته مغلقًا عادت مكانها وقالت بأريحية :

+


-والله من كتر الشتايم اللي بياخدوها الناس دول مننا العمارة هتوقع بيهم 

+


قطبت الأخرى جبينها ولم تفهم فاكملت الأخرى :

+



        
          

                
-من ساعة ما سكنا هنا واحنا مش عاتقينهم لوجه الله، تنمر ودعاوي مقولكيش يعني، عندك المفتري اللي بتدرب تحت ايده يبقى ابن محمد اخو عثمان، منه لله من وقت ما بقيت تحت تدريبه وهو يقولش بينا تار عدوه يشوفني قاعدة، ساحبني وراء زي الجاموسة روحي يا براءة تعالي يا براءة، إلهي يتشل في ركبه البعيد 

7


علت ضحكات نور لكنها متشفية في براءة تلك الكسولة أخيرًا وجدت من يردع حيوان الكسلان الذي تتخذه مثل أعلى في حياتها، بينما الأخرى اكملت :

1


-أخوه التوأم شبهه بالملي بس مش عارفة تحسيه ابوه رستم باشا زي ما بتقول عليه شروق 

+


-يعني ايه؟؟ 

+


هتفت بها متسائلة فقالت الأخرى :

+


-أول مرة جينا هنا كان معانا شنط كتير وكان الاسانسير عطلان فمن شهامة عثمان محمد خلوا ولادهم يطلعوهم معادا اللي بقولك عليه ده اسمه يونس كان واقف تحت وشروق ماسكة اتقل شنطة فيهم وحتة وهتقع بيها، مش عارفة هو مشفهاش ولا كان مطنش المهم مساعدهاش راحت وقعت فعلًا وهي بتطلع السلالم راح خد باله بقى قالها اساعدك فشروق تعديها عادي 

+


-لأ طبعًا دي عصبية تلاقيها لمت عليه الناس 

+


-قالتله بصوتها العالي مش عايزين منك حاجة شكرًا بلد الرجالة فيها شاحة 

15


شهقت نور بصدمة ثم قالت :

+


-وهو عمل ايه؟؟ 

+


-ولا حاجة مردش وجه عمك محفوظ شال منها الشنطة ومن يومها كل ما تشوف خلقته تقعد تبرطم فاكر ابوه رستم باشا ولا الملك فاروق واحد معندوش دم مش يقول ضيفة اساعدها 

+


-ايه الافورة دي 

+


-اهي شروق وعقليتها، بس بصراحة بحسه في العادة لما يشوفها بيبصلها بقرف أو كأنه مش طايقها 

+


-يا أما طبيعي دي قالتله مش عايزين حاجة بلدكم الرجالة فيها شاحة، ده كويس انه مطردهاش وهو أبوه صاحب العمارة 

+


نفضت براءة يدها بعدم إهتمام ثم أكملت :

+


-اهو ده اللي حصل عائشة بقى ليل نهار تدعي على كريم 

+


-اختي وانا عارفاها تعمل مشاكل مع طوب الأرض لو حد عصبها 

+


-بصي هو الواد معملش حاجة لأني أوضته وهو حر، هو بيشغل التليفزيون الليل كله يحضر فيه ماتشات كورة وعائشة أول سنة عندها طحن مذاكرة حرفيًا ومش بتعرف تركز بسبب الصوت العالي لأني الأوضة لازقة في الأوضة والصوت واضح 

+


-طب ما تروح اوضة تانية ده فيه تلات أوض في الشقة 

+


-واحدة بنام فيها انا وشروق والتانية برضو بتذاكر بالليل ودي صوتها عالي والتانية صوتها عالي مينفعش يقعدوا في اوضة واحدة، بقيت عائشة تنام هنا بعد ما تخلص مذاكرة في اوضة تانية علشان الصوت، بس حتى النوم يا عيني مش متهنية بيه ده بيقعد لحد الساعة اتنين وتلاتة لحد ما يقفل وينام، بحس احيانًا عائشة عايزة تنط في بلكونتهم وتجيبه من شعره وتقولوا اطفي ونام بقى عايزة أنام 

7



        
          

                
ضحكت نور بشدة بالله كم اشتاقت لهؤلاء الثلاثة والجلوس معهم بعدما كانت تجلس وحيدة في بلدهم تضع يدها على خدها في انتظار أن يحدث شئ مثير للإهتمام 

+


قفزت بسرعة من مكانها عندما تذكرت أنها تركت الطعام على الموقد حتى ينضج واندمجت مع براءة في الحديث ونسيته :

+


-يا لهوي يا براءة البطاطس تلاقيها اتحرقت 

7


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


حاول الصراخ ولا شئ يخرج منه إلا أصوات مكتومة بسبب هذا الشريط اللاصق الموضوع على فمه، عينيه جاحظة وملامحه تملؤها الرعب يبصر ذلك المختل يمسك بهاتفه وينشر بث مباشر بينما هو مقيد أمامه بحبل نهايته في يد ذلك المختل 

4


نظر خلفه وجسده ينتفض من شدة الرعب بالمعنى الحرفي حين اصطدمت عيناه بنهاية غير محدودة فهو معلق الآن على حافة بناية يبلغ طولها خمسٌ وعشرون طابق، نظر إليه هاتفًا بجذع :

+


-انت بتعمل كده ليه انا عملتلك ايه 

+


نظر إليه الآخر بأعين باردة وتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة ليحرك الحبل الذي يمسكه بيمينه بينما يمسك الهاتف بيساره فصرخ الشاب مرتعبًا فوالله إن أفلت هذا المجنون الحبل لن يصل إلى الأرض قطعة واحدة :

1


-لا أرجوك أرجوك والله همشي عدل ومش هعمل حاجة غلط تاني، هتربى والله 

4


لم يتلقى منه سوى ابتسامة باردة ولأول مرة هاتفًا بنفس جملته التي يقولها لضحاياه قبل موته :

+


-لما تروح جهنم بلغ سلامي لأبويا 

22


وما إن اختتم حديثه حتى أفلت الحبل من يده فاندفع جسد ذلك الشاب للخلف ساقطًا إلى الأسفل بقوة، من ثم أصطدم جسده بالأرضية الصلبة وقد صدق فيما كان يتوقع فلم يصل جسده قطعة واحدة 

+


أما في الأعلى أغلق هاتف الشاب وألقى به إلى الأسفل ثم نزع القفازين ووضعهما في جيب سترته متمتمًا ببعض الكلمات وهو يحدق في السماء الغائمة :

+


-شكلها كده هتمطر ويا دوب هعرف ارجع 

+


اتجه إلى باب السطح وفتحه مستقلًا السلم فقد كان المصعد مشغولًا الآن بسبب الناس التي صعدت البناية حتى تعلم كيف سقط هذا الشاب فجأةً، رفع زونت سترته على رأسه ووضع سماعاته هابطًا الدرج بكل هدوء لا يليق بالموقف وهو يستمع إلى إحدى الاغاني الأجنبية 

9


خرج من البناية وقد أخرج منديلًا من جيبه ووضعه على أنفه وكأنه يعطس وظل على هذا الحال حتى وصل إلى بداية الشارع بعيدًا عن الزحام الذي حاوط جثة الشاب المسكين ليستقل هو سيارة أجرة وصعد بها هاتفًا بهدوء :

3


-سيدي بشر يا اسطا 

7


أما عن جثة ذلك الشاب قد تحطمت عظامه بشكل كامل وأصبحت الدماء تدفق من كل مكان في جسده حتى طبعت الغطاء الذي وضعوه عليه الناس لحين وصول الشرطة 

+



        
          

                
وبعد فترة وجيزة وصل يونس ليخرج من سيارته دالفًا إلى هذا التجمع وخلفه رقية التي جهزت كاميراتها بسرعة جاهزة لإلتقاط بعض الصور التي ستهز صفحة الجريدة على الإنترنت 

1


اقترب من الجثة حيث وصل فريق الطب الشرعي قبله ليقول موجهًا حديثه إلى الطبيب :

+


-ها عندنا ايه المرة دي 

+


نظر إليه الآخر ذاممًا شفتيه بشفقة على حال هذا المسكين :

+


-عصام الحريري ابن المذيع المشهور مختار الحريري، مات نتيجة سقوطه من على بناية أدت لتكسير كل عظمة في جسمه وتهشم في جمجمة الرأس 

+


تنهد يونس بصوت مرتفع ينظر إلى الشاب بأسى :

+


-في كل مرة بتكون الجريمة أبشع من اللي قلبها 

4


-لا والمرة دي قتله على العام وهو بيعمل لايف على تليفون الولد، انا بصراحة مشوفتش جحود أكتر من كده، السفاح ده قلبه مات وشبع موت 

3


هتفت رقية بهذه الجملة وهي تلتقط صورة للجثة فقال الطبيب الشرعي برفض :

+


-يا آنسة ممنوع التصوير 

+


نظرت اليه الأخرى برفض أشد منه هاتفًا بقنوط :

+


-متقطعوش برزرقي سيبونا ناكل عيش بقى 

3


نظر إليها يونس مقلبًا عينيه بعدم اهتمام ليقول موجهًا حديثه إلى الطبيب الشرعي :

+


-عرفتوا تمسكوا الولد ولا هرب 

+


-ده هرب ومحدش عارف شكله لاني الكاميرات متعطلة 

+


رفع الآخر حاجبيه بإستنكار :

+


-حتى لو الكاميرات متعطلة محدش شافه وهو بيدخل بيه العمارة ولا طار به على السطح علطول 

+


وهذه المرة اجابته رقية بثقتها الزائدة :

+


-لا برجح أنه دخل بالليل أو الفجر في وقت محدش بيبقى صاحي فيه، لاني المرحوم مختفي من امبارح وأهله عملوا بلاغ أنه مرجعش من صالة الجيم من العشاء إمبارح وكانوا خايفين السفاح يكون قتله واهو شكهم طلع في محله 

+


حدق بها الاثنين باستغراب شديد ليقول يونس مستفهمًا :

+


-وانتي عرفتي منين انه مختفي من امبارح وأهله عملوا بلاغ 

1


-يونس، بابا، انا صحافية مش بياعة جرجير يعني اعرف دبة النملة قبل ما تدبها 

7


قلب الآخر عينيه متجهًا إلى الضابط الذي اتصل به حتى يستفسر منه عما حدث :

+


-طب ارجعي البيت انتي ايه اللي جابك ورايا أساسًا 

+


-الله ما قولت متقطعوش برزرقي سيبونا ناكل عيش ده انا مستفيدة أوي اليومين دول على قفاك يا يونس 

5


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


صمت شديد يخيم على هذا البهو المتسع الراقي الممتلئ بالنساء والرجال وجميعهم يتشحون بالسواد، ولا يقطع هذا الصمت سوى صوت القرآن الكريم بصوت أحد الشيوخ ومعه بعض التمتمات التي كانت تخترق مسامعها من بعض النساء 

+



        
          

                
"مسكينة اترملت وهي لسه في عز شبابها" 

+


"هو ده اللي انتي عاملة عليه؟ ده ولاده ومراته سعاد هياكلوها حية مش بعيد يطردوها ويحرموها من الورث " 

+


"ما كانت تعمل حساب اللحظة دي قبل ما تتجوز واحد في عمر ابوها واهو مات" 

+


"يا حبيبتي ما تظلمهاش انا سمعت من حنان اخت سعاد أنه اتجوز البنت دي غصب عنها علشان يرجع معاها شبابه، صغيرة وحلوة وملهاش لا أب ولا أم ولا أي أحد "

+


" وهي مكنتش تعرف تقول لأ مثلًا أهي بقيت أرملة ويا عالم هتعرف تاخد من ولاد المرحوم نصيبها الشرعي ولا لأ، تلاقيها هتموت منقوطة باين عليها الزعل والخوف"

+


لاح شبح ابتسامة على شفتيها ولا تزال ثرثرتهم تخترق اذنيها، يتحدثون ويتحدثون سواءً بالحقيقة أو بما سمعوا ولكنها لا تبالي بكل هذا، يظنون أنها حزينة ومنكسرة بسبب موت زوجها؟؟ 

+


بالعكس هي الآن في أوج لحظات سعادتها بأنها ستتحرر أخيرًا ويكتب لها إفراج بعد عشر سنوات في سجن حاتم وزوجته المتجبرة وابنائه المتسلطين 

+


فتحت عينيها البنية وأول ما وقع نظرها عليها كانت "سعاد" ضرتها، وكعادتها تحدق بها وكأنها تريد أكلها حية أو كأنها تريد الوقوف وجرها من شعرها خارج هذا الفيلا الضخمة صارخة بها ألا تريها وجهها مرة أخرى 

+


عدلت حجابها الأسود وألتزمت الصمت، هذا الشعور الوحيد المسوح لها به، فلا يحق لها السعادة حتى لا تثير غيرة أبناء حاتم، ولا يحق لها الشكوى حتى لا تثير غضب سعاد، ولا يحق لها البكاء والتألم حتى لا تثير ضيق وحنق حاتم الذي تزوجها لإسعاد نفسه لا لسماع بكائها ونواحها بسبب ظلم سعاد وأولادها 

+


تنهدت على مهل وهي تدور في الأوجه حولها، سيدات ورجال في ثياب راقية منمقة فهذه هي الطبقة المخملية التي من المفترض أنها واحدة منهم بعد زواجها من "حاتم الدخيلي" 

+


واحد من أهم المستثمرين في مدينة الإسكندرية والذي لجأ للزواج من فتاة في عمر بناته من أجل الهرب من زوجته وأبنائه الذين يأتون له بالمشاكل من جميع النواحي، لتكون هي ضحية قراره هذا وظلم زوجته واستبداد أبنائه 

4


شريط العشر سنوات يمر أمام عينيه لا تطيق صبرًا لإنتهاء هذا العزاء البلا فائدة وتصبح حرة مرة أخرى، لا تعلم أين ستذهب وكيف ستعيش لكنها ستخرج من سجن آل الدخيلي هذا وأخيرًا 

+


-هاجر 

13


رفعت رأسها بسرعة إلى صوت عادل أكبر أبناء حاتم من الذكور واقلهم ظلمًا واستبدادًا لها فهو من النوع الهادئ حد البرود وحين تزوج والده بها كان يدرس في الخارج ولم يبالي على حد علمها 

2


وقفت هاجر وخرجت معه حين أشار لها بأن تأتي خلفه وبالطبع لحقتهم عيون اخواته ووالدته، خرجت معه خارج الفيلا ووقفا على الباب الخارجي، مد لها مفتاح وعَقد هاتفًا برسمية شديدة :

+



        
          

                
-ده عقد شقة في سيدي بشر وده مفتاحها بقيت باسمك هتروحي هناك ومترجعيش هنا تاني، ومش محتاجة اقولك طبعًا أنه ده علشانك مش علشاني لأني لو فضلتي هنا لا وطالبتي بورثك لا إخواتي ولا ماما هيرحموكِ 

6


رفعت عينيها له تحدق به بهدوء شديد فأكمل الآخر مسترسلًا :

+


-هاجر الشخص الوحيد اللي كان حابب وجودك في البيت ده خلاص مات وانا علشان مظلمكيش اشتريت الشقة دي وكتبتها باسمك وكل أول شهر هيوصلك مبلغ يعيشك مرتاحة ومش محتاجة حد 

4


-انا عايزة أشتغل واصرف على نفسي مش عايزة منكم حاجة 

+


حك عادل جانب ذقنه متمتمًا بخفوت :

+


-تمام انتي خريجة فنون جميلة صح؟؟ هحاول ألاقي ليكي شغل قريب من منطقتك في أقرب وقت 

+


نظرت إلى الداخل وبالتحديد إلى والدته واخوته فقال عادل وهو يغير الموضوع :

+


-تقدري تمشي دلوقتي بلاش تستني لما هما يطردوكِ، السواق مستني برا هيوصلك لحد باب العمارة وهيطلعلك شنطتك فوق لحد الشقة 

+


رفعت إحدى حاجبيها بإندهاش يبدو أنه جهز لكل شئ من أجل ذهابها وهذا في الحقيقة شئ يسعدها، على الأقل ليست مضطرة لسماع بعض الكلمات المسمومة من والدته وأخواته الفتيات قبل رحيلها 

+


ويبدو أن القدر لم يستجيب لها للمرة التي لا تعلم عددها إذ وجدت سعاد وابنائها أمامها ينظرون إليها نظرة اللص الحقير الذي وجوده يسرق في منزلهم، اقتربت منها سعاد وامسكت بعضدها بقوة لدرجة شعرت أن اظافر الأخرى ستخترق جلدها :

+


-طبعًا مش محتاجة أقول مش عايزة أشوف وش امك تاني هنا 

+


سحبت ذراعها من يدها بعنف ولا تزال ملامحها هادئة لترفع قليلًا هذا الفستان الأسود الراقي متجهة خارج حدود الفيلا مستقلة السيارة التي ستخرجها من هذا السجن أخيرًا، تلحقها نظرات حارقة من البعض وباردة من البعض 

+


فأبناء حاتم الذكور لا يهتمون كثيرًا بها عكس الإناث اللواتي كن يشعرن بالغيرة إن شعرت بالسعادة وبالراحة مرة أو اثنتين في العام 

2


رفع أحد أخوات عادل يده يحك شعره وهو بصره معلق على السيارة التي صعدت بها هاجر :

+


-تفتكروا هترجع وتطالب بالورث 

+


-لأ معتقدش صدقت ما طفشت منكم 

+


هتف بها عادل ببرود شديد تشوبه بعض السخرية فقالت إحدى اخواته هاتفة بتهكم :

+


-ده على أساس أننا كنا بنعذبها أوي 

+


نظر إليها عادل بسخرية شديدة فكلمة عذاب هينة على ما كانوا يفعلونه بتلك المسكينة، لقد كان حقًا يشعر بالأسى عليها من جميع العائلة ووالدهم في المقدمة 

+


حتى في بعض الأحيان كان يدافع عنها من بطشهم حين يرى الفتاة على شعرة من تقطيع عروق يدها وترك هذه الحياة، ولم يكن يبالي كثيرًا بوالدته التي كانت تصرخ حينها بأن ابنها الكبير يصِف مع زوجة ابيه ويترك والدته تحترق غضبًا 

+



        
          

                
على اي حال كُتب أخيرًا لتلك المسكينة النجاة من بطشهم، رغم أنه يعلم أنهم لن يتركوها وسيضعوها تحت مراقبتهم ولكن على الأقل أصبحت خارج حدود سجن آل الدخيلي كما كانت تسميه... 

7


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


وقفت أمام المصعد تنتظر هبوطه وفي عقلها تجهز لحمام دافئ، يليه طعام ساخن وكم تتمنى ألا يكونّا الفتيات أنهين الطعام فوالله ستأكلهن بدلًا منه فهي تسامح في أي شئ إلا في الطعام 

+


ورغم أنها تتناول سبع وجبات أو أكثر في اليوم ولكن لا يظهر عليها أبدًا فيظل جسدها نحيفًا كما هو مهما تناولت 

6


وصل المصعد تزامنًا مع استماعها إلى صوت رقية يأتي من باب البناية الرئيسي وهي تثرثر كعادتها وهذه المرة كانت تثرثر مع أخيها يونس وإن سألتوا كيف فرقت بينه وبين أخيه يوسف ستقول بصراحة مفرطة أن هذا يظن نفسه ابن رستم باشا 

3


ولا تسألوا لما تطلق عليه اللقب فيكفي غروره وعجرفته وذلك الموقف السخيف في أول مرة رأته بها اعطتها طابع ليس بجميل عنه، كما يقولون "كلنا أولاد تسعة" فلما يظن هذا الأحمق أنه يمتلك ثروة العالِم نوبل 

+


دلفت إلى المصعد وقد دلفا خلفها فأصبحت هي في الخلف وهما أمامها ولم ينتبه أحدهما لها فقد كان يونس اعصابه مشدودة وفي يده سيجارة أصابتها سريعًا بالاختناق، ورقية تثرثر معه وهو لا يجيب :

+


-تفتكر يا يونس هتعرفوا تكشفوا السفاح ده ولا لأ، بس عليه دماغ بنت ايه وانت الظابط العاشر اللي يمسك قضيته شكله كده محدش هيعرف يمسكه وسكان إسكندرية هيخلصوا على أيديه 

+


انتفضت شروق في مكانها وكذلك رقية على أثر صياح يونس في شقيقته إذ قال :

+


-بـــــس بقى اقفلي بوقك شوية رغي رغي رغي هلاقيها منك ولا من اللي داير يقتل كل يوم واحد لحد ما قتل ١٥ واحد في شهر اسكتي بقى 

+


-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم 

+


استدار كلاهما على هذا الصوت ليبصرا شروق تقف خلفهما، لم يهتم يونس ونظر أمامه بينما قالت رقية مبتسمة وكأنها لم تتعرض لموقف محرج الآن أو وكأنها معتادة على هذا وهي بالفعل كذلك، فيُطلب منها فوق العشر مرات أن تصمت وتكف عن الثرثرة سواءً من عائلتها أو من الغرباء 

+


لكن كيف تطلب من صحافية أن تصمت؟! هذا وكأنك تطلب منها أن ترمي نفسها في تيزاب، لذا اعتادت على مثل هذه المواقف وأكثر وفي النهاية لا تصمت فطبعان لا تستطيع أن تنسلخ منهما ابدًا، الفضول والكلام :

1


-هاي ازيك يا شروق عاملة ايه؟ 

+


وفور أن أنهت حديثها توقف المصعد بشكل مفاجئ بهم فقالت رقية زافرة بغضب :

+


-لا كده كتير الاسانسير ده لازم يتصلح، من إمبارح وهو بيوقف 

+


-ما لو فيكم خير كنتوا صلحتوه 

+



        
          

                
همست بها شروق بصوت هامس لم تسمعه رقية ولكن سمعه يونس فاستدار إليها يحدق بها في غضب، هذه الفتاة حقًا سليطة اللسان، فوق أنهم يستضيفونها هي واختها وبنات عمها في بنايتهم تقوم هي بسبهم 

+


للحق لم يرى من براءة وعائشة شئ سئ لكن هذه يجب قص مترين من لسانها بسبب طوله 

3


نظرت إليه شروق رافعة إحدى حاجبيها عندما رأته أطال النظر بها بهذه الملامح الغاضبة وكأنها سبته وهي بالفعل كذلك، لكن وهل تبالي؟ بالطبع لا :

+


-فيه حاجة ولا ايه؟؟ 

+


-فيه لسان طويل عايز يتاخد منه مترين 

+


همهمت بضيق وقد علمت أنه سمعها ولكنها لم تصمت إذ ما إن استدار حتى قالت بنفس الهمس :

+


-ده على أساس انه عنده أخلاق نجيب محفوظ قوي 

1


تشنج وجه الآخر ولم يجب أو يأخذ رد فعل فليس من شيم الرجال ضرب النساء 

3


أخرجت رقية هاتفها تتصل على حارس البناية حتى يصلح المصعد مرة أخرى فقد تعطل بها البارحة هي ونور، وبالطبع لم تغفل عن شجار هذان الاثنان الصامت، هي تعلم بالصدام الذي حدث بينهما فقد حكى يونس لها وليوسف الموقف وكان ردها أنها أُعجبت بلسان شروق السليط 

1


بينما يوسف ذلك العاقل قال انه ربما لم تعتقد أنك لم تراها حين صعدت هي بتلك الحقيبة الثقيلة وظنت بك عديم الإحساس بالفعل 

+


سعلت شروق بسبب الدخان الذي ملأ المصعد فقالت رقية بهدوء :

+


-يونس اطفي السيجارة 

+


-لأ 

+


رد بارد جعلها تُذهل وتلك التي في الخلف صاحت بذهول :

+


-هو ايه ده معلهش اللي لأ انا بتخنق من ريحة السجاير لو سمحت طفيها 

1


أدار يونس رأسه لها هاتفًا بنفس البرود :

+


-لأ 

1


اتسعت عينيها من هذه الوقاحة واحتقن وجهها بشدة فسحبت رقية السيجارة واطفأها فقد بدأت تشعر بالضيق هي أيضًا، نظر إليها يونس بغيظ بينما همست شروق وهي تستند بظهرها على الحائط :

+


-مفيش ذوق خالص 

1


وهذه المرة استدار إليها بكامل جسده فاعتدلت الأخرى بتحفز تستمع له يقول بشر فقد سمعها تتمتم لكن لم يفهم ما قالت :

+


-قولتي ايه؟؟ 

+


لم تجب شروق وإنما نظرت إلى رقية والتي سحبت ذراع أخيها قائلة :

+


-في ايه يا يونس اهدى شوية معاها حق ريحة السجاير خنقت المكان 

+


نظرت إلى شروق ثم اضافت :

+


-معلش يا شروق هو عصبي شوية بسبب القضية اللي ماسكها واللي هي صعبة شوية 

+


-وهو كل واحد ماسك قضية هيتنطط على خلق الله 

4



        
          

                
لم تتب هذه الفتاة إذ همست بهذه الجملة بصوت ناصي فصاح يونس في رقية صارخًا :

+


-اتصلي بحد يصلح الزفت الاسانسير هرتكب جريمة وربنا 

1


لم ينهي حديثه إلا وكان المصعد يتحرك إلى الأعلى ثم فُتح في الطابق الثالث فخرجت شروق بهدوء تاركة الاثنين في الداخل فدفع يونس رقية للخارج صارخًا بغيظ :

+


-اطلعي يلا خلينا ندخل شقتنا 

+


-بس شقتنا في الرابع 

+


هتفت بها بتعجب وكادت أن تعود مرة أخرى إلى المصعد ولكن سحبها يونس من ملابسها خلفه على الدرج وما إن وصل إلى الشقة حتى دق الباب بعنف ففتحت والدته فزعة من أن يكون هناك كارثة قد حدثت لتتفاجئ بيونس يلقي ناحيتها رقية هاتفًا بتهكم :

+


-كان يوم ملوش ملامح يوم ما دخلتي بنتك صحافة 

1


تركهما ودلف إلى غرفته بخطوات سريعة غاضبة فقال يوسف وهو ينظر إلى طيفه متعجبًا :

+


-ماله يونس؟! 

+


عدلت رقية من هيئتها التي تبعثرت على يد ذلك الغاضب هاتفة بحنق :

+


-عنده عصبية زايدة بسبب القضية اللي ماسكها ابقى خده انت وحمزة وكريم بكرة معاكم الجيم يطلع غيظه في أي حاجة بدال ما يطلعه فينا احنا 

1


دلفت إلى غرفتها بخطوات سريعة وما إن اختلت بها حتى زفرت بصوت مرتفع بها تنهيدة حيرة، ملقية بجسدها على الفراش تتذكر عندما ذهبت في الصباح من أجل مقابلة ذلك المدعو عمر في نفس المقهى الذي سرقت منه هناك الفلاشة كما يقول 

1


دلفت إلى المقهى تدور بأعينها بحثًا عنه لتجده يجلس على إحدى الطاولات وأمامه جهاز الحاسوب، ظلت في مكانها لدقيقة تتفحصه بنظراتها، شاب في منتصف العشرينات على الأرجح لا هو سمين ولا نحيف، يمتلك خصلات شعر بنية وأعين سوداء غامقة ولحية خفيفة 

+


تنهدت على مهل واقتربت من طاولته وجلست عليها فرفع الآخر نظره لها محدقًا بها بنظرات ساخرة :

+


-شرفت الوزيرة بعد نص ساعة تأخير 

+


لم تعلق على هذه الجملة بل هتفت متسائلة :

+


-عرفت ازاي اني انا اللي اخدت الفلاشة 

+


-ارفعي راسك وانتي تعرفي 

+


رفعت رأسها لتجد كاميرات المراقبة موضوعة فارتسمت ابتسامة على وجهها قائلة :

+


-وطبعًا اخترقتهم بس إزاي!؟ 

+


-والله ميخصكيش هاتي الفلاشة 

+


-مش معايا 

+


وما إن هتفت بها بهدوء استفزه حتى هتف بسخرية يشوبها الذهول :

+


-يا اختي حلوة اومال انتي جاية تعملي ايه هنا؟؟ 

+


أعادت الأخرى ظهرها للخلف متكئة على المقعد ثم هتفت بهدوء شديد :

+



        
          

                
-جاية نشرب اتنين مانجا مع اني الجو برد بس اشطا وندردش سوا على موضوع الفلاشة ده 

+


وضع عمر يده أسفل وجنته مستندًا بذراعه على الطاولة ثم قال مستهزءًا :

+


-ما اوصلك بالمرة 

+


-تبقى جنتل مان بجد علشان انا جاية تاكسي اخد مني ميت جنية علشان يجيبني هنا 

+


طرق الآخر على الطاولة بكفيه بغيظ شديد فقالت رقية منادية على النادل :

+


-اتنين مانجا لو سمحت 

+


استندت بكفيها على الطاولة أمامها مبتسمة بإتساع :

+


-قولي في شغل الهاكر ده أكيد تعرف أخبار كتير ومعلومات حلوة 

1


رفع عمر إحدى حاجبيه مشيرًا إلى نفسه ثم قال :

+


-هو انتي تعرفيني!؟ 

+


بهتت ملامح الأخرى وحاولت التحدث لكن الآخر سبقها مكملًا حديثه :

+


-انتي ليه يا بت انتي محسساني إنك خطيبتي، ده انتي حرامية سارقة مني فلاشة لا وفي نص الكافية مشوفتش انا حرامي بالجرأة دي 

1


تنفست رقية بصعوبة حتى باتت تشعر أن الأكسجين نفد من حولها فوقفت ساحبة حقيبتها معها ثم قالت بهدوء زائف :

+


-انا هاروح الحمام 

+


لم تنتظر اجابته بل انطلقت إلى هناك مخرجة هاتفها تبحث عن رقم معين من ثم اتصلت عليه، وما إن رد حتى انفجرت باكية بشدة تستمع إليه يقول :

+


-فيه ايه يا رقية بتعيطي ليه؟ شوفتي عمر؟ قابلتيه؟؟ 

+


وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكائها فقال الآخر من على الجهة الأخرى :

+


-طب اهدي عايز أفهم فيه ايه؟؟ 

+


-ده مش فاكرني بجد، ده نسيني تمامًا يا سفيان كأني ممرتش على حياته 

9


-ما انتي عارفة انه ده الحقيقة 

+


-بس مكنتش متوقعة انه هيبقى بالصعوبة دي، صعب اوي انك تشوف شخص بتحبه مش فاكرك وبيعاملك زي الغريب 

4


أجهشت في البكاء مرة أخرى لا تستمع إلى ما يقوله الآخر بل مستمرة في البكاء والنحيب، لا تصدق أنه وعندما وجدته اخيرًا بعد أكثر من أربع سنوات تكون هي محيت من ذاكرته 

+


لم يعد هو كما عهدته، لم تعد نظراته تقطر لها حبًا كما سبق بل أصبحت باردة عادية، لم تعد نبرته الحنونة المازحة التي اعتادت عليها بل أصبحت ساخرة غير مبالية، لم يعد عمر حبيبها كما هو لقد نسيها 

7


صرخ سفيان من الناحية الأخرى بعدما سمع بكائها هذا :

+


-أهو كنت متردد اقولك علشان كده علشان هتتعبي وانتي شايفاه مش فاكرك، علشان كده فسخت خطوبتك منه وأخدته وسافرت لما نسيكي ونسي كل صحابه واللي كان يعرفهم، علشان قلبك هيوجعك عليه وعلى نفسك 

+



        
          

                
وضعت يدها على فمها حتى تُهدئ من بكائها تستمع إليه وهو يكمل :

+


-عرفتك على مكانه علشان ترجعي عمر وتخرجيه من اللي هو فيه ده، بقى شخص انطوائي على اللابتوب طول الوقت كأنه بيهرب بيه من اللي حواليه، انا عارف إنك هتخرجيه من ده زي ما عملتي قبل كده رجعيلي اخويا يا رقية 

7


مسحت دموعها ساحبة قدر كبير من الأكسجين، سيحتاج الأمر الكثير من الصبر حتى يتذكرها هو لم يتخلى عنها عندما كانت في أشد الحاجة للعون وهي لن تتخلى عنه أبدًا :

+


-انا عايزة اقوله يا سفيان مش هعرف اتعامل معاه كأني غريبة 

+


-لأ إياكِ سبق وحالته انتكست لما قابل صاحبه في لندن وهو مكنش فاكره، هو عارف انه عنده فقدان ذاكرة ومن وقتها وهو حاسس نفسه عنده نقص وحالته النفسية ساءت أكتر، اتعاملي معاه وكأنك اول مرة تقابليه، صعب انا عارف خاصةً انه لسانه بقى طويل من قعدته في باقوس مع جدتي بس استحملي علشانه يا رقية 

4


آماءت له وكأنها تراه مستديرة إلى المرآة تحدق في انعكاسها وكأنها ترسل لنفسها طاقة تشجيع :

+


-اقفل يا سفيان علشان هطلعله دلوقتي 

+


أغلق معها الآخر بينما هي غسلت وجهها مرارة ثم جففته مستعدة لخوض هذا من أجل عمر، هي لديها طاقة صبر كبيرة بحكم عملها فعسى ألا تنتهي قبل أن يتذكرها 

+


خرجت من المرحاض لتجد أن النادل احضر العصير وهو يشرب منه الآن فجلست في مكانها مبتسمة بهدوء :

+


-ها شربت العصير وروقت كده ندخل في المهم 

+


رفع إحدى حاجبيه في انتظار أن تكمل فقالت الأخرى وقد زادت ابتسامتها إتساعًا :

+


-الفلاشة اللي اخدتها تفتحها واخد منها كام صورة وارجعهالك ويا دار ما دخلك شر 

+


-تعرفي يعني اي ملح بالتركي 

7


نفت رقية برأسها عاقدة حاجبيها بتعجب فقال الآخر وهو يضع حاسوبه في حقيبته الخاصة :

+


-هي دي اجابتي على اقتراحك ده، بكرة هاجي في نفس المعاد في نفس الكافية وتجيبي معاكي الفلاشة وإلا والله مش هعاملك برقي ابدًا 

6


-ده على أساس إنك اتعاملت معايا كده برقي أومال شخصية الجرابيع عاملة ازاي؟؟ 

+


وضع كفيه على الطاولة واقترب منها فعادت الأخرى للخلف ملتصقة في المقعد بينما هو هتف بتهديد مظهرًا لها شخصية الجرابيع هذه :

+


-بصي يا بنت انتي مش علشان ماسك لابتوب ولابس شيك ابقى من مِيامي ولا جليم ولا ابن ناس حتى، انا متربي في حواري إسكندرية ولو مرجعتيش الفلاشة اللي سرقتيها مني وربنا احبسك في عالم افتراضي اخليكي تلطمي علشان تطلعي منه 

16


عاد كما كان وسحب متعلقاته ورحل وقبل أن يبتعد عن الطاولة استدار لها وقال :

+


-وآه حاسبي انتي علشان مش بحاسب لحرامية 

2


نظرت رقية لطيفه وهو يرحل متسعة العينين هامسة :

+


-لأ ده مش عمر اللطيف اللي اعرفه ابدًا ده واحد شوارعي، مش معقول سنتين في باقوس يعملوا فيه كده؟! 

4


افاقت رقية معتدلة من على الفراش لتتجه إلى خزانتها تخرج من بين ملابسها صورة تعود لها عندما كانت في سنتها الأولى في الجامعة تجمعها مع عمر والذي كان في سنته الأخيرة في الجامعة وكلاهما كان يبتسمان، فلم يكن حينها ما يروق حياتهما :

+


-شوارعي شوارعي يا عمر يا انا يا انت، ويا تفتكرني يا اضربك على راسك علشان تفتكرني مش هقبل بغير كده 

4


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

+


𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close