رواية ميراث الحنايا الفصل الخامس 5 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
عادو الحنايا و في صدورهم كلام كثير......." "غابت شمس اليوم الخامس في ديرة الجد هيثم...
لكن ظلال الكلام اللي قاله، كانت للحين ممتدة في كل الزوايا.
البيوت نامت، إلا القلوب، كانت تصحى على ألف سؤال وسؤال...
وش يصير لو صار؟
وش بيصير لو تميم ورزان فعلاً صاروا تحت سقف واحد؟
وهل الجد هيثم يشوف شي، ولا بس يختبرهم كلهم؟
ما حد نام ذيك الليلة مثل خلق الله...
حتى الهوى، ما عاد يمرّ إلا وهو شايل من ريحتهم شي..."
+
ركض سلطان الصغير كان مثل شرارة شقّت سكون العصر.
صوته وهو يصيح: "يبه! يبه! الجد يقول تعالوا عنده بالمربّع الكبير!"
خلّى الكبار يرفعون رؤوسهم من سوالفهم، والصغار يسكتون، كأن الكلمة كانت تحمل وزن مو عادي.
مشعل التفت على تميم، ضحك بخفة وهو يصفق على كتفه:
"يالله، شكل الجد عنده طبخة جديدة... وودّي أعرف منو أول ضحاياها هالمرّة."
تميم سحب شماغه على كتفه, تنهد بعمق، وعيونه كانت تلمع بنظرة ما تنقري،
مشي وراه، وخطواتهم ثابته تمشي على تراب يعرفهم أكثر من نفسهم.
+
الهواء مشبع برائحة القهوة والعود،
الجميع تجمع، نساءً ورجال، عيال وبنات،
المكان صامت إلا من خرير السّمار اللي تشتغل على الجمر.
الجد هيثم جالس في صدر المجلس، وقورة في نظراته، وصمته أطول من العتاب.
عيونه تمسح الوجوه وحده وحده، كأنه يحفظهم في قلبه قبل لا يتكلم.
قال بنبرة واضحة:
"ما جمعتكم عبث... ولا هالبيت شُرّع بابه علشان زيارة وتمشي.
جدكم فهد، اللّٰه يرحمه، تعب عشان الحنايا تصير دار، مو
بس جدران.
وأنا أبيها تظل دار، حتى بعده."
وقف لحظة، وصوته صار أهدأ، لكنه دخل في العظم:
+
"الديرة تلم، والقلب إذا ما تساهل ما يرتاح...
وأنا أشوف إن بعض المشاكل ما تنحل إلا إذا الناس واجهت بعضها، مو تهرب."
+
رزان كانت جالسة في الزاوية، بين أخواتها وبنات عمّها،
وجهها ساكن، لكن عيونها تراقب الجد بحذر،
كأنها تحاول تسبق كلمته بخيالها.
+
تميم، من الجهة الثانية، مستند على الحيط،
نفسه عميق، ونظرته تتبدل بين مشعل والجد،
وكل شوي تمر عيونه على رزان بدون ما يقصد
+
"أنا ما أجبر أحد، لكن بعض الروابط لو ما نربطها الحين، بنندم بعدين.
يمكن يجي وقت يكون الزواج فيها ستر، وعلاج، ولمّة، مش بس حب ومشاعر.
وأنا أتكلم بالعموم، لكن كل واحد يعرف نفسه، ويعرف وين واقف.
+
العيال والبنات طالعوا بعض، وكل عقل راح لجهة،
وفي قلوب البعض... نبتت بذور أسئلة كثيرة.
+
ووسط هالكل، تميم انحنى شوي على مشعل، قال بهمس:
+
"هو ما قال اسمي... بس كأني سمعته."
+
مشعل يبتسم بسخرية:
+
"وأنا كأني شفت أحد من البنات قلبها وقف."
+
تميم يطالع الزاوية...
رزان التفتت، عيونهم تلاقوا لحظة،
قبل لا كل واحد منهم يبعد عينه وكأن شي ما صار.
+
"قبل كم يوم وقفت عند شباك المجلس، وطاحت عيني على اثنين واقفين تحت ظل النخل، ما كانوا يتكلمون...
بس كانت عيونهم تقول أشياء واجد. من يومها وأنا أفكر... وش يصير لو اجتمعوا تحت سقف واحد؟ وش يصير لو قربناهم بدال ما هم كل يوم يتصادمون؟"
+
الجد هيثم (بصوت حازم) :
"أنا ما أجبر أحد، بس أؤمن إن فيه نصيب مكتوب... واللي شفته بين تميم ورزان مو صدفة. لو لي عمر، أبي أشوف هالزواج يصير، وأشوف وش . ممكن الحب يسوي إذا لقاه طريق."
+
بعد المغرب داخل المطبخ :
+
الجدة كانت تجهز شاي النعناع، وسارة الصغيرة تمد يدها للبسكوت،
رزان جالسة ساكتة، عيونها شاردة في سجاد المجلس، ويدها تعفس طرف عباءتها.
+
الجدة التفتت وقالت بخفة:
+
"رزان، أنتي ما لاحظتي شي بتصرفات جدك؟"
+
رزان رفعت نظرها:
+
"وش تقصدين؟"
+
الجدة ابتسمت:
+
"أحسه ناوي يسوي شي... وكل مرة يطالعك وطالعه تميم، كأنه يحسب بينكم خطوات."
+
رزان شهقت بخفة:
+
"أنا وتميم؟! احنا حتى ما نتحمل بعض!"
+
الجدة بصوت ناعم:
+
"أحيانًا... أكثر الناس اللي ما نتحملهم، هم أقرب ناس قلوبنا تلتفت لهم... بس العناد يعمي."
+
رزان تهرب من الجمع، تطلع سطح قديم في بيت الجد، وتحاول تمسك دموعها، تميم يطلع وراها، يحاول يكلمها:
+
"أبشرك، أنا بعد موب طاير من الفرح... بس، لو جربنا ننسى الكره شوي؟ يمكن نلقى شي ثاني."
+
رزان:
+
"ما بيننا إلا صمت طويل، وكل ما نسمعه نبرة تضايقنا... وشلون يبي يصير حب؟"
+
تميم يطالعها طويلاً، ثم يقول:
+
"ما أطلب تحبيني... بس لا تكرهيني واجد."
+
في وقت لاحق، دخلت سارة عليه تشكي من ضجة البنات،
بس قبل لا تخرج، وقفها وقال بهدوء:
+
"رزان وتميم... تحسين بينهم شي؟"
+
سارة استغربت، قالت:
+
"أبدًا ما بينهم شي طيب... دايم تصير بينهم مناوشات وكلام يبرد القلب."
+
الجد ابتسم وهو يضبط شماغه:
+
"وهذا اللي مريحني... الكره إذا كان صادق، ما يكون بذي الطريقة.
عيونهم تنكر، بس نبراتهم تفشي... أنا حاس، وناوي أخطو خطوة قبل لا تكبر اللعبة."
+
طلعت سارة من المجلس بعد ما دار بينها وبين الجد حوار خفيف، خطواتها هادئة، لكن في بالها ألف علامة تعجب... وراه سألها عن تميم ورزان؟ وش ناوي عليه هالمرّة؟
+
وراه، الجد هيثم وقف من مكانه، لف شماغه على كتفه، وطلع صوته جهور:
+
"يا عيال، يا بنات... الكل يتجمع عندي بالمربّع الكبير."
+
الصوت انتشر في أركان البيت مثل رجع الصدى، وتحرك الكل من مكانه. الرجال تركوا سوالفهم، النساء هدوّا الأطفال، وبدت الأرجل تجرّ خطاها للمجلس الكبير، اللي كان دوم هو قلب بيت الحنايا.
+
**
+
فوق، على سطح أحد المباني الطينية القديمة، كانت رزان واقفة على الحافة، عيونها تلمع من شيء بين الخوف والرفض، وصوتها ما كان مسموع حتى لنفسها.
+
ورى الباب، تميم وقف، ما قال شيء، بس حضوره كان كافي يوتر الهواء. بعد لحظة صمت، بصوت منخفض قال:
+
"نزلوا الكل، ما بقى غيرنا... خلينا نخلص."
+
رزان ما ردت، مشت قدامه، وكل خطوة كانت توجعها أكثر من الثانية. تميم ما التفت لها، لكن بينه وبين نفسه، كان يسمع صدى خطواتها كأنها تمشي على صدره.
+
**
+
من تحت، الجد هيثم كان يراقب. شافهم نازلين، يمشون جنب بعض، ما بينهم كلام... لكن المسافة القريبة فضحت كل شيء.
+
عيونه ضاقت، وقلبه دق له دقة ما عرف تفسيرها.
+
دخلوا عليه، والمربّع الكبير متروس وجيه تنتظر، كلهم ساكتين.
+
رفع صوته، وكان صوته مثل سيف يقطع الشك:
+
"ما أجبرتكم، بس سألت.
+
والحين أقولها صريحة... اللي بينكم أقوى من كل شي شفته، وإن ما تزوجتوا اليوم، بتتمنّون ذا الشي بكرا."
+
**
+
الهدوء نزل مرة ثانية، لكن هالمرة كان هدوء ثقيل، يختنق معه النفس.
+
العيون كلها راحت لتميم، بعدها لرزان...
+
رزان ما تكلمت، ما حتى نظرت لأحد، بس يدها ارتعشت وهي ترفع طرف عبايتها وتدخل البيت بصمت.
+
**
+
منيرة، أول من قامت وراها، تبعها جوري، ثم هدى.
+
دخلوا عليها الغرفة، لقوها جالسة على طرف السرير، نظراتها ضايعة، وتكاد تنطق بالخذلان.
+
جوري ركعت قدامها، تمسك يدها الباردة:
+
"رزان، طمنيني... تبين شي؟ تبين نطلع؟"
+
هدى وقفت بجنبها، تحاول تكون قوية:
+
"م بيدنا شي... تعرفين صرامة جدك. وقراره إذا نزل، ما يوقفه إلا شي من السماء."
+
منيرة، بصوت أمّ مفجوعه على حيّة:
+
"بس إذا ما تبين، لا تجبرين قلبك، رزان... أنا أمّك، وتهمّني راحتك قبل كل شي."
+
**
+
رزان نظرت لهم، دمعة علقت بين رمشها والخد، وقالت بصوت مخنوق:
+
"أنا ما أبي أكون قرار طلع لأننا مشينا جنب بعض... ولا أبي أعيش على شيء الناس شافوه، مو أنا حسّيته."
+
**
+
هدى قربت منها، وبصوت حنون:
+
"بس أحيانًا، الشي اللي نظنه كابوس... يطلع حلم الله كاتبه لنا من زمان، بس كنا نرفض نقراه."
+
[المطبخ – آخر الليل]
+
البيت هادي، والكل نام تقريبًا... إلا هم.
+
المطبخ كان مليان ريحة إندومي، وهدوء ثقيل كأن الجدران تسمع الهواجيس أكثر من السوالف.
+
بدر قاعد فوق الرخام القديمة، يهز رجله على مهل، وعينه تطالع ضوء اللمبة الصغيرة اللي فوقهم، كأنه يفكر وش اللي جابهم لهاللحظة.
+
تميم واقف عند الغاز، يحرك الإندومي بكسل، وعقله ما هو هنا... عيونه على المويه تغلي، بس قلبه عند كلمة الجد:
+
"اللي بينكم أقوى من كل شي شفته..."
+
شد على الملعقة بقوة، وتنهد.
+
**
+
وراه، مطلق كان متمدد على الفرشة، يسولف مع مشعل اللي متكي عالكرسي الخشبي، ماسك قلاص شاي خالي من السكر ويقول:
+
"الجد هيثم ما يقول كلمة عبث... بس عاد، تميم ورزان؟ يا رجل، هم ما يطيقون يشوفون بعض!"
+
مطلق يضحك وهو يحك شعره:
+
"بس تدري... أحيانا اللي بينك وبين أحد، يصير له صوت ثاني، غير اللي بلسانك. تشوفها تصارخ، بس قلبها يهمس بشي ثاني."
+
**
+
مشعل يطالع تميم من طرف عينه، ثم يقول بخفة:
+
"هاه، ما وراك شي؟ قل والله يا تميم، عيونك ذبلانة أكثر من الإندومي اللي تسويها."
+
تميم ابتسم تعب:
+
**"ما أدري... أحس كأني واقف بنص طوفان، والكل يتفرج ينتظرني أغرق ولا أسبح."
+
بدر فوقهم، صوته نزل بهدوء:
+
"والغرق أحيانًا أرحم من السباحة بعكس التيار."
+
**
+
علي كان واقف على الجنب، يجهز الصحون ويوزع الليمون والشطة، وكل شوي يطالع جواله، كأن الهروب من الجو لازم يجي بتكتوك ولا ستوري.
+
قال وهو يمد الملعقة لتميم:
+
"بسرعة قبل ما تبرد... جعنا يا ولد."
+
**
+
تميم يوزّع الأندومي وهو ساكت، لكن عيونه تراقب بخفة ظل رزان يمر بين ذهنه، صوتها، وقفتها، حتى طريقة هزّتها للعباية.
+
قال بهمس ما سمعه إلا مشعل:
+
"أنا خايف أكون السبب بدمعة ما تنمسح من عيونها."
+
مشعل يرد وهو يحرك الشاي:
+
"وإذا كنت سبب في ابتسامة تطول؟... لا تحكم على نفسك قبل الوقت، ولا على شعورها من غير ما تسمع قلبها."
+
**
+
الصمت رجع، وكل واحد شرد في تفكيره.
+
بدر فوق، رفع راسه للسماء وقال:
+
"غريبة الدنيا... تجمعنا على طاولة إندومي، وقلوبنا كلها تحترق بطبخة أكبر."
+
ضحك مطلق وقال:
+
"أهم شي إندومي تميم طالع مضبوط، عاد الباقي نتحمله."
+
ضحكوا، بس كانت ضحكة فيها صوت قهر ناعم، مثل اللي يضحك عشان ما ينهار.
+
[الغرفة – عند الجدة سارة]
+
الغرفة شبه مظلمة، إلا من نور الأباجورة اللي جنب السرير.
+
الجدة سارة مستلقية على سريرها، متلحفة بلحافها الشتوي الخفيف، وظهرها مسنود على الوسادة الكبيرة. على طرف السرير، منيرة بنتها جالسة، وشعرها مرفوع بكعكة مرتبة، ويدها تلعب بطرف الشرشف بدون تركيز.
+
عند الأرض، مفروشة طراحات النوم، محطوطة بعناية من قبل المغرب، ومتلونة بألوان هادئة... بس الغرفة فاضية، لأن باقي الحريم والعيال طالعين في الصالة يتابعون المسلسل التركي اللي شدّهم من أول لقطة.
+
**
+
الجدة بصوتها الهادي، سألت وهي تطالع السقف:
+
"شفتي نظرة تميم؟ ولا رزان يوم ناداهم أبوكم؟"
( تقصد الجد هيثم ابو فهد المرحوم )
+
منيرة تنهدت، وقالت:
+
"يا يمه... البنت انهزّت. وأنا والله قلبي مو مطمّن، رزان ما هي من النوع اللي يدفّها الوقت بدون ما تنهار من جواها."
+
الجدة تسند ظهرها أكثر، وتحرك بطانيتها:
+
"بس أبوكم (تقصد الجد هيثم ابو فهد المرحوم) ما قالها عبث. من يوم شافهم، وهو حاس في شي... وأنا مثله، نظراتهم تنكر، بس قلوبهم تكلمت."
+
**
+
منيرة سكتت شوي، ثم قالت بهمس:
+
"أنا ما عندي مانع... بس خايفة عليها. لا هو سهل، ولا هي بسيطة. اثنين راسهم يابس، وقلوبهم تنزف وهم يضحكون قدامنا."
+
الجدة ابتسمت، وقالت بحنية:
+
"كل اللي بدا بالكره... لا تستهينين فيه، أحيانًا القلب يعرف صاحبه من أول وجع."
+
**
+
منيرة تمسح على ركبتيها، وتقول:
+
"تصدقين... يوم شفتها ترفع عبايتها وترجع للبيت بدون ولا كلمه؟ كأنها توهقت بحلم مو حلمها."
+
الجدة تهز رأسها:
+
"ولا تميم، شفت عيونه كيف؟ يا بنتي، الولد طايح، بس عناده ما خلاه ينهار قدام أحد. وصدقيني... المحبة اللي تبدأ بخلاف، تطول."
+
**
+
منيرة رفعت نظرها وقالت:
+
"بس... لو تمّ هالزواج، تتوقعين يحبون بعض؟"
+
الجدة بهدوء، وبنبرة واثقة:
+
**"ما يحتاج أتوقع. الحب موجود... بس لسى ما تعلّم ينطق."
+
وإن ما تكفلت الحياة تشرح لهم، الزواج بيعلّمهم الطريق، بس يبيله صبر."**
+
صوت المسلسل التركي من الصالة يوصل للغرفة، وضحكات البنات من بعيد تكسر الصمت، وتترك الغرفة بدفء خاص، كأنها لحظة بين قلبين... أم تخاف على بنتها، وجدة تشوف أبعد من كل شي.
+
سارة تغطي كتفها، وتغمض عيونها وهي تهمس:
+
"الله يكتب اللي فيه خير... بس قلبي يقول، اللي صار اليوم، ما هو بداية... هذا نص الطريق."
+
الليل ساكن، والنور الخافت من لمبة الجدار يرمي ظل رزان وهي جالسة على طرف سجادة المجلس، لحالها، بعد ما الكل هدأ. يدها ماسكة دفتر قديم كانت تكتب فيه وهي صغيرة، تحاول تتذكر وش كانت تحب، وش كانت تحلم فيه.
+
تغمض عيونها، وتهمس:
"ما توقعت أجي يوم أحتار بين الهروب والبقاء... بين قلب خايف، وقلب يمكن جاهز يتغير."
+
صوت الهواء من الشباك يحرّك ستارة خفيفة، كأنها ردة فعل.
+
تطالع السقف، وتشيل الدموع من خدها بهدوء:
"أنا مو ضعيفة... بس في أشياء ما تنقال، تنحس... وتميم، كنت أكرهه، واليوم... صرت أخاف أزعل عليه."
+
جلسن البنات تحت نجوم ليل الديرة، والسطح مفروش ببطانيات خفيفة، والهواء يداعب شعرهم.
رزان ساكتة، تناظر النجوم، تحاول تهرب منهم، لكن جوري قالت بهمس:
"وش تحسين؟ يوم قال جدنا اللي قاله؟"
رزان ما ردّت، بس شدّت طرف بطانيتها بيدها، وكأنها تمسك نفسها لا تنهار.
هدى مدّت يدها عليها:
"ما بيدنا شي يا رزان... تعرفين جدنا إذا قال، قال."
روان بقهر:
"بس كيف؟! كأن ما بينكم إلا عداوة! وش يبي؟"
ورد ضحكت ضحكة خفيفة:
"بعض العداوة، بدايتها حب مكبوت، أو خوف من الاعتراف فيه."
ذهبَ علّقت بنعومة:
"واللي شايلين شي بقلوبهم... الله أدرى وش نواياهم، ويمكن القلب فيه كلام كثير ما يندرى."
+
{الساحة الخلفية آخر اليل}
+
تميم يوقف في الظلمة، بعيد عن لمّة المجلس، يشبّ سيجارة وهو يحاول يشتت تفكيره،
بدر يجي ويقف جنبه، يصفق على كتفه:
"وش ناوي تسوي؟"
تميم يردّ وهو يتنهد:
"ما أدري... أحسني تايه، ما بين رضا الجد، وقلبي اللي مو قادر يستوعب."
بدر يقول بخفة:
"يمكن اللي تحاول تهرب منه... هو بالضبط الشي اللي محتاج تواجهه."
تميم يسكت، عيونه تسرح، كأن عيون رزان للحين قدامه.....
+
{فغرفة الجدة سارة و جنبها بنتها منيرة}
+
الجدة سارة تمد اللحاف فوق رجلها، وتتوسد مخدتها، ومنيرة جالسة عندها تحاول تقرأ ملامح أمها.
منيرة تقول بهدوء:
"يمه... تحسين جدهم استعجل؟"
سارة تناظر السقف، تهمس:
"لا. جدهم حسّ بشي يمكن هم ما يعرفونه للحين... بس بتكتشفه قلوبهم مع الوقت."
منيرة تحني راسها، تهمس:
"بس رزان، قلبها ماهو سهل... عنيدة، والخذلان غرس فيها شوك."
سارة بابتسامة حزينة:
"والعنيد، إذا حب، ما يعرف يترك بسهولة."
+
كان الليل في ديرة الجد هيثم هادي، بس الهدوء ما عمره كان دليل سلام...
بعض الليالي تلمع فيها الحقيقة أكثر من الشمس، وبعض القرارات تُولد في عزّ السكون.
+
العائلة كلها تحت سقف واحد، والقلوب مليانة أسئلة.
بعد كلمة الجد هيثم، صارت العيون تراقب، والأنفاس تنتظر...
+
والصبح ما بعد طلَع، بس رزان ما نامت.
تميم هو الثاني، جالس يحاول يلقى لنفسه مخرج من فكرة مو قادر يشيلها من راسه...
+
والبيت الكبير، اللي كان دايم يجمعهم في الفرح، صاير هاليومين يشهد بدايات قرارات تغيّر مصير ناس كثير.
+
رزان كانت جالسة على عتبة السطح، والهوا يلعب بأطراف عبايتها.
جوري طلعت وراها، بهدوء، وجلست جنبها بدون ما تقول شي.
+
مرّت لحظة، قالت رزان بصوت مبحوح:
"وشلون أقرر شي مثل كذا... وقلبي للحين ما سامح الدنيا؟"
+
جوري حطت يدها على يدها وقالت:
"ما يلزم يكون كل شي جاهز... أحيانًا القلب يتعلم وهو يمشي."
+
رزان :
هدى اتركيني شوي لحالي ابي آخذ نفس.."
+
هدى كانت تمر من الممر، شافت تميم واقف عند شبّاك المجلس،
قالت له: "إذا بتأذيها... لا تدخل."
+
تميم لفّ عليها، عيونه فيها شي ما هو مفهوم، قال:
"أنا اللي خايف أأذي نفسي معها... بس أحس لو تركتها، يمكن أندم طول عمري."
+
هدى سكتت لحظة، تتأمل ملامحه اللي تغيرت من أول ما رجعوا للديرة،
قالت بصوت منخفض بس حاد:
"ترى رزان ما هي لعبة... ولا هي مستعدة تنكسر مرّة ثانية."
+
تميم عضّ على شفته، ونزل عيونه شوي كأنه يهرب من الحقيقة،
همس:
"أنا ما نويت أقرّب منها... بس هي اللي تمشي معي في بالي حتى وأنا أحاول أهرب."
+
رزان كانت طالعة من طرف الممر، شافتهم من بعيد... وقلبها دق بطريقة ما هي فاهمتها،
ما سمعت وش يقولون، بس تميم لفّ والتقت عيونه بعيونها.
اللحظة كانت ساكنة، فيها كل الكلام اللي ما انقال.
+
تميم مشى عنها، راح جهة الفناء الداخلي، وهي وقفت مكانها شوية،
تحس قلبها يسحبها، وعقلها يردها.
+
هدى مشت ناحيتها، لمحت ترددها وقالت بهمس:
"ما يحتاج تقولين شي، بس... واضح إن الاثنين ضايعين، وكل واحد ينتظر الثاني يدلّه الطريق."
+
رزان هزّت راسها، ودخلت غرفتها بسرعة، سكّرت الباب وراها،
وهي تحاول تفك عقدة بقلبها ما انحلت من زمان.
+
صباح اليوم التالي...
+
الهدوء يلفّ بيت الحنايا، الشمس بدأت تتسلل من شبابيك المجلس، تلوّن الزوايا بنور ذهبي دافئ.
صوت المكيفات هادي، والبيت كأنه يتنفس بهدوء بعد سهر طويل.
+
في الممر الطويل، مشي الشغالة بخطوات خفيفة، معها صينية الشاي والزعتر، تمر من قدام الغرف وأصوات التنفس الهادئ توحي إن الكل لسى نايم.
+
في المجلس، تميم كان صاحي من بدري، ما نام زين، جالس على طرف الفرشة، شعره مشوّش وعيونه فيها سهر.
يمسك جواله، يقلب فيه بدون تركيز...
وقف فجأة، مشى للمغسلة وغسل وجهه بمويه باردة كأنها تحاول تصحي قلبه قبل عقله.
+
في غرفة البنات، رزان فتحت عيونها على ضوء الشمس اللي دخل من فتحة الستارة،
ما كانت تبغى تقوم، بس عقلها ما خلاها تنام كفاية.
قامت بهدوء، لبست شيلتها، طلعت من الغرفة بدون ما تصحي أحد.
+
في الصالة، التقت عيونهم...
+
هو ما قال شي.
وهي ما قالت.
+
لكن اللحظة كانت كافية ترجّ شي بينهم.
+
هو تقدم شوي، قال بصوت ناصي:
+
"صباح الخير..."
+
هي ردّت بعد تردد:
+
"صباحك نور."
+
كان يبي يقول شي، لكن طلع صوت باب المطبخ ينفتح وناس بدت تصحى.
التفتوا كلهم وراح كل واحد لطريقه، كأن شي بينهم صار... وانتهى قبل لا يبدأ.
+
عند غرفة الجدة سارة:
+
نور الشمس انساب على أطراف الستارة الثقيلة، والغرفة بدأت تصحى على أصوات خفيفة من الفرش المفروشة على الأرض.
+
هدى تقلبت، تمطّت وهي تقول بنعاس:
+
"يااااه... ما شبعت نوم!"
+
منيرة جالسة على الطراحة جنبها، تضحك:
+
"قومي بس، البزارين بيصحون قبلنا!"
+
وفجأة، قفزت مي بمخدة ورمتها على دانه:
+
"صباح الخير يا نايمة فوق السحاب!"
+
ردّت دانه وهي تمسك المخدة وتضحك:
+
"تعالي هنا، والله لأوريك!"
+
قامت الحرب الناعمة، المخدات تطير، البنات يصرخون ويضحكون، وهدى تمد البطانية تحمي نفسها وتصيح:
+
"يا بنات! ترا أنا ما دخلت، لا تضربوني!"
+
الجدة سارة فتحت عيونها وسط الهواش، وقالت بصوتها الثقيل الحنون:
+
"خلاص يبنياتي... خلوني أقوم وأنا راضية عليكم!"
+
هدأوا شوي، ثم انفجروا من الضحك، وأصوات الفرح طلعت من الغرفة مثل عطر فواح.
+
وفي المطبخ:
+
الشغالات يجهزون الفطور، ريحة القهوة توصل للممر، والبيض يقلي، والصينية الكبيرة تتجهّز.
+
وفي المجلس:
2
العيال بدوا يصحون، مطلق بعيونه الناعسة يجرّ شماغه ويدور فنجال، علي يطلع من غرفته ويمشط شعره بإيدينه، وبدر جالس في المربّع يحك ذقنه ويطالع الشاي يغلي.
+
أصوات الأطفال بدت تعلّى، صراخ، ضحك، وركض في الحوش، كأن الحياة رجعت لقصر الحنايا.
+
المربّع الكبير يمتلئ شوي شوي، والكل تجمع على سفرة الفطور.
+
الجد هيثم جلس في صدر المربّع، حوله العائلة كلّها، الكبار يسلمون، الصغار يزاحمون على الكراسي، والجوّ كله دفء وجمعه ما تنعاد.
+
وبين قهوة وفطور، قال الجد بصوته الرزين:
+
"الملْكة بعد أسبوع."
+
سكت المكان.
+
الصمت نزل مثل الغيم، حتى صوت الشاي وهو ينسكب انكتم.
+
تميم كان جالس يرفع لقمة فمه... لكن فجأة شرق.
+
بدأ يكح بقوة، قام بسرعة وهو يحاول يتنفس، عيونه حمر، يدور موية، مشعل عطاه كاسة، وقال بصوت خايف:
+
"تميم! هدي... اشرب شوي!"
+
تميم شرب الموية، ووقف يلتقط أنفاسه، الكل يطالع فيه، وعيونه كانت تقول ألف سؤال، بس فمه ما نطق بشي.
+
المكان: مجلس الحريم – سفرة فطور مليانة تمر ومعجنات وفطائر، ريحة الزبدة والبخور تتخاطر، والضحك يملأ المكان.
+
هدى تقطع قرص عقيلي، وتقول وهي تمده لوردَ:
+
"ذوقي ذا، من يد الشغالة الجديدة... بس أحسه يذكرني بطعم شي ما أعرفه."
+
جوري تاخذ لقمة صغيرة وتهمس:
+
"تشبه لقيمات جدتي الله يرحمها... بس شوي ناقصها حب."
+
ضحكة خفيفة تطلع من البنات، وفجأة صوت كحة قوية يجي من المجلس القريب، كأن أحد اختنق بشي.
+
نور توقّفت عن الأكل، التفتت بنص ضحكة:
"هاه! تميم؟! ما قالوا لك لا تأكل لقيمه وهي ما بردت؟"
+
الجدة سارة وهي ترتب شيلتها وتطالعهم:
"لا يا حبيبتي، هذي مب لقيمه... هذي قمحه وقفت بحلقه الظاهر، يا بنتي الرجال أصلاً مو طبيعي من أمس."
+
لحظة سكون بسيطة تمر... الكل ساكت كأنهم يحاولون يسمعون الصوت الجاي من المجلس الثاني.
+
صوت الجد هيثم، واضح وحازم، يجي من ورا الجدار:
+
"قلت ملكتهم بعد أسبوع، واللي مو عاجبه... الباب مفتوح، بس لا يرجع يندم."
+
صوت صحن ينكسر بهدوء.
+
منيرة تطالع رزان بسرعة.
+
هدى بصوت خافت:
"سمعتي؟!"
+
رزان تبطّئ يدها عن الأكل، وتحاول تخفي ارتباكها، لكنها ترتبك بزيادة... وبدون لا ترد، تشرب موية وتبلع ريقها بصعوبة.
+
مشاعل تهمس لدانه:
"يا ساتر... يعني الجد قالها رسمي؟!"
+
غزيل تتنهد وهي تمسح يدها بمنديل:
"وهنا تبدأ سالفة ما تنتهي....."
+
المكان: عند البير – بعد الفطور
+
الجو هادي، نسيم الصبح يداعب أطراف الشماغ، وريحة الشاهي الأحمر تنبعث من الأكواب.
مشعل قاعد على طرف البير، يمسك كوبه بيد ويمد رجله الثانية للهواء، مستمتع بالسكينة.
+
علي واقف، يسكب لنفسه شاي ويقول:
+
"قسم بالله حسّيت الجو اليوم كنه مختلف... كنه يقول: انتبه، فيه شي كبير جاي."
+
تميم كان ساكت، ماسك كوبه، وعينه غارقة في سطح الشاي.
+
مشعل يطالع تميم، يقول بخفة:
+
"لا تقول لي للحين الصدمة بحلقك؟"
+
تميم رفع عينه ببطء، يبتسم بمرارة:
+
"ما توقعت يقولها بهالعلنية... قدام الكل؟ كأنه حكم، مو اقتراح."
+
علي قال وهو يجلس معهم:
+
"بس أنت كنت تعرف... من أمس وأنت مو طبيعي."
+
تميم تنهد وهو يرد:
+
"كنت أحس... بس غير عن لما تنقال الكلمة فعلاً. الملكه بعد أسبوع؟ وشلون؟! وإحنا للحين نشتغل على الصمت بيني وبينها؟"
+
مشعل ينفخ ويقول:
+
"الجد هيثم ما يقول كلمة عالفاضي... إذا قال أسبوع، يعني فيه شي ناوي عليه."
+
المكان: المربّع الكبير – بعد دقائق
+
الرجال بعد ما خلصوا فطورهم، جلسوا في المربّع، الجو رجّالي هادي، وأصوات فناجيل القهوة تنطقط مع بعض، وسلمان وناصر يسولفون مع الجد.
+
دخلت الجدة سارة بهدوء، تمشي بخطاها الثابتة، وفي يدها كوب شايها الأبيض المعتاد، وحوافه مزينة بزهر ورد صغير.
+
سلمان يقول بابتسامة:
+
"هلا يمّه، نور المجلس."
+
الجدة ابتسمت وقالت:
+
"الله ينور دروبكم... وسامحوني قطعت سوالفكم، بس قلبي ما هدأ من كلمتك يا هيثم."
+
سكت الجميع، والجد هيثم يطالعها باهتمام وهي تجلس جنبه.
+
قالت وهي ترفع كوب الشاي بهدوء:
+
"وش قصدك إن الملكه بعد أسبوع؟ مو كنك استعجلت يا هيثم؟"
+
الجد التفت لها، صوته ثابت وفيه حنية:
+
"ما استعجلت يا سارة... أنا بس عطيت الزمن فرصته، وشفت كفاية. الولد واضح، والبنت واضحة... والوقت لو طول، بيزيد البعد."
+
ناصر يدخل في الكلام وهو يرفع حاجبه:
+
"بس تميم ورزان... للحين بينهم شد. تبي تزوجهم كذا؟"
+
الجد يرد وهو يثبت نظرته قدام:
+
"مو كل حب يبدأ بالورد، أحيان يبدأ بالرماد... وإذا كان فيهم شعلة، تبان بعد الزواج، مو قبله."
+
الجدة سارة تنهدت، قالت بهدوء:
+
"أنا ماني ضدك... بس أبي البنت تكون بخاطرها، ومو مطرّه قدام الناس تقول نعم."
+
الجد ابتسم بنصف شفة:
+
"أنا ما قلت لها تقول شي... بس قلت للكل: إذا ما تزوجتوه اليوم، بتتمنونه بكرا."
+
وسكت... بس نبرته كانت تقول: قراري ما راح يتغير.
+
المكان: مطبخ الحنايا – الضحى
+
صوت القدور يغلي، ورائحة خبز التنور تملأ الجو.
الشغالات يحركون القهوة والشاي، والبنات يساعدونهم، كل وحده تشيل صحن أو تحاول تنسّق السفرة.
+
مي تضحك وهي تمسك سكين وتقطع خيار:
+
"أقسم بالله لو جدتي سارة تشوفني الحين تقول: وش هالزينة اللي تقطع السلطة؟"
+
رغد من الجهة الثانية تصف صفاية البيالات:
+
"ما توقعت نتحول كذا فجأة من ضيوف إلى طباخات!"
+
يارا بصوتها النعسان:
+
"ولا عاد بعد خبر الملكة... أنا للحين مصدومة!"
+
نجد تطالع البنات وتقول وهي تضحك بخفة:
+
"تتخيلون رزان تمشي في الممر لابسة فستان ملكة وتميم ينتظرها وهو مربوش؟!"
+
الكل يضحك... إلا رزان.
+
كانت جالسة عند الطاولة، يدها تحت خدها، وعينها معلّقة في مكان مجهول.
+
ذهبَ قربت منها وهمست:
+
"رزان؟ هاه! معنا أنت؟"
+
رزان رمشت كأنها تذكرت فجأة إنها هنا، وقالت بهدوء:
+
"ايه... اسمعكم."
+
وردة قالت وهي تمد الصينية:
+
"وش رايك بالملكة؟"
+
رزان عضّت شفتها، وسكتت، ثم قالت بصوت نازل:
+
"مدري... كأنها تصير لي، بس مو لي."
+
الجو تغيّر شوي، والبنات صاروا يطالعون بعض، حتى الشغالة الهندية التفتت وهي تمسح الطاولة.
+
رغد حاولت تخفف:
+
"يمكن تكون بداية جديدة... يمكن قلبك يتغير."
+
رزان كانت ساكتة، وتحرك السكر في كوب الشاي البارد قدامها، والبنات حولها يضحكون ويقلبون سوالفهم بين الملكة والتجهيزات.
+
مي قالت وهي تلمّ الكاسات:
"تتخيلون كيف بيكون تميم إذا شافك بالفستان الأبيض؟ شكله بينسى يتنفس."
+
ذهبَ قالت:
"ولا نسى... ينهار. عاد هو خجول وإذا توتر يصير يحك رقبته، لاحظتوا؟"
+
الكل يضحك إلا رزان، ضحكت ضحكة صغيرة، لكن عينها راحت للنافذة المطلة على فناء الديرة، كأن شي بداخلها مو مرتاح.
+
وفجأة...
+
ينفتح باب المطبخ بسرعة، سلطان الصغير واقف وهو يلهث، ووجهه حمر من الركض، وصوته عالي:
+
"يبه! يبه!... تميم!! تميم اختفى!!"
+
الكل سكت.
+
رزان قامت فورًا، الكرسي تحرك بقوة تحتها، والبنات طالعوا بعض بصدمة.
+
نور (أم أسماء) دخلت وهي تقول:
"وش السالفة؟ ليه الناس تركض برا؟"
+
الخدامة تهمس بالعربي المكسر:
"رجّال يدوّر ولد... ساير جهة النخل، يقول ما يلقاه."
+
جوري بصوت مرتجف:
"تميم؟ وش يقصد سلطان إنه اختفى؟!"
+
رزان طالعت سارة بعيون مرتاعة:
"يمّه... وين راح؟."
+
الناس تنادينه... ما يرد.
ورزان؟ كانت آخر من شاف عيونه... واللي فيها سؤال ما انقال.
+
الهواء يدور في زوايا الديرة...
والبير يشهد إنه ترك شي... بس ما أحد يدري: وش خذه معه؟ وش ترك؟
+
في ناس تهرب من اللي يحبونهم،
مو كُرهًا... بس خوفًا إنهم ما يكونون كفو..."
+
وفي لحظة... تميم اختفى.
لكن السؤال اللي علق بآخر السطر:
وين راح تميم؟
+
في قصر بيت الهيثم... الحنايا ضحكت ورا الباب، بس فيه قلب ما عرف يضحك.
+
تميم مشى... ترك صوته في المربّع الكبير، وراح يدور سكوته في أطراف الديرة.
+
ما بين نخيل الجد هيثم، ومسامير الجدران القديمة... فيه أحد فقد نفسه،
وفيه أحد... لسى ما عرف إنه بدأ يلقى روحه.
+
في ديرة الجد هيثم، ما كل من مشى درب، عرف نهايته.
وتميم؟ ترك كوب شايه على صخر البير، وترك قلوب تود تعرف: وين راح؟ وليه؟
وفي بيت الحنايا، صدى كحة ما خلّى البنات يتهنون بفطور، ولا الجد يسكت عن قراره.
*بعض الوجع له صوت... وبعضه، يمشي بصمت.
+
الملكّة بعد أسبوع؟ الجدة سارة ما اقتنعت، والكل صحى على كحة تميم اللي ما قدر يبلع اسمه مع الفطور.
وفي زوايا الحنايا... دفتر قديم نسى صاحبه اسمه، وجوال يرن بين شتات البنات في المطبخ.
وين تميم؟ يمكن في السكة... يمكن في قلب رزان، وهي للحين ما تدري.
+
في الحنايا، ما بين جدار قديم وصوت جد، فيه قلب ضاع.
وتميم... للحين يدور، مو على الطريق، لكن على نفسه."
+
يتبع............
+
