رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الخامس والأربعون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
+
***
+
بعد مرور بِضع ساعاتٍ؛ استعاد عبدالله جُزءًا من رُشدِه، تفقد المكان من حوله بنظرة سريعة حتى وقعت عينيه على قاسم الذي يتطلع به في انتظار صحوته.
+
اعتدل عبدالله في جلوسه وفرك عينيه بتعبٍ قبل أن يردد:
_ هو فيه إيه؟
+
كان قاسم يضع قدمًا على الأخرى، أزاحها ومال بجسده للأمام حيث يكون قريبًا منه، وأجاب سؤاله:
_ أنا اللي عايز أفهم في إيه؟ وِصلت تتعاطى مخدرات؟
+
باستنكارٍ لمبالغته هتف عبدالله مُستهزءًا:
_ أتعاطى إيه بس، هي مرة بتتحسب تعاطي خلاص؟!
+
_ ماهو مرة بتجيب مرة في مرة للغاية ما يبقى تعاطي رسمي!!
قالها قاسم وقد انعكست نبرته ومالت إلى الحِدة والحزم مُضيفًا بِحاجبان معقُودان بضجرٍ:
_ أنت للدرجة دي ضعيف؟ كل ما يحصلك حاجة تهرب ومتواجهش، وياريت بتهرب لحاجة نقدر نبلعها، لكن دا أنت بتإذي نفسك من غير ما تحس..
+
هب عبدالله واقفًا غير مُتقبلًا عتابه وصاح بحنقٍ وهو يتخطاه بِخُطواته:
_ أنت قولت بنفسك أهو، نفسي! أأذيها بقى أحرقها أنا حر!
+
_ ويا ترى أحلام كانت هتكون مبسوطة وأنت بتإذي نفسك كدا؟
أردفها قاسم مُتعمدًا ذِكر والدته حتى يؤثر عليه بالتراجع، فتسمَّرت قدمي عبدالله وطالع أمامه لبُرهة، ثم ابتلع ريقه وتساقطت عبراته رغمّا عنه ثم التفت بجسده ناظرًا إلى أبيه وقال:
_ أنا تعبان أوي، بُعدها تاعبني، مخليني عامل زي اللي بيحلم حلم وحش ومش عارف يفوق منه..
+
وقف قاسم وتوجه نحوه بِخُطى ثقيلة مُتهملة، وقام بجذبه إلى صدره فأطلق عبدالله العنان لدموعه الحبيسة، حيث كان يهتز جسده بشدة كما تضرب شهقاته صدر أبيه من شِدتها.
+
فما كان من قاسم إلا أنه شدَّ بكل ما أوتيَّ من قوة على ظهره مُرددًا:
_ بسم الَّله على قلبك حتى يهدأ.. الله يرد سكينة قلبك ويبرد وجعك.. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، اصبر واحتسب يا عبدالله
+
كلماته قد أثقلت نفس عبدالله من خلف بكائه الذي ضاعف نحيبه حتى أنه مال إلى النواح، تركه قاسم يُخرج ما لديه حتى شعر باستكانة جسده فتساءل باهتمامٍ دون أن يبتعد عنه:
_ قلبك هِدَى؟
+
أماء عبدالله برأسه؛ فتراجع حينها قاسم إلى الخلف وتفقد ملامحه، ولوهلةً شعر بغرابتها، أخرج تنيهدة مُحملة بالهموم قبل أن يردف وهو يُشير إلى ذاته:
_ أبوك لسه موجود يا عبدالله، رمي حمولك عليه ووقت ما تحس إنك خلاص مش قادر تستحمل هتلاقي حضنه موجود، يساع وجعك، بس القاعدة في البيت وشُرب المخدرات مش الحل يا حبيبي، دا أسوأ هروب ممكن الإنسان يخدع بيه نفسه، لأن دا قاع الإكتئاب نفسه، وسيطرة كبيرة من الشيطان عليك، أنت أقوى من كدا، متسيبش الحزن يتغلب عليك ويلغي عقلك، متوجعش قلبي عليك أنت كمان، كفاية خسارتي في أمك وحسرتي على أخوك اللي مرمي في السجن
متبقاش أنت الشوكة اللي تقطم لي ضهري يا عبدالله!!
+
نجح قاسم في تأنيب ضميره، وشعوره بالندم حيال كل ما عاشه، وأخذ يُردف نادُمًا بعينين تلمعان:
_ أنا آسف، حقك عليا
+
أنهاها واقترب من رأسه مُقبلًا إياه بحرارة وأضاف بصوتٍ يكسوه حشرجةً واضحة:
_ أنا آسف إني سيبتك الأيام اللي فاتت دي لوحدك، بس أنا مكنتش قادر أدي أي حد حاجة، زينب في الأوضة اللي جنبي مش قادر أقوم أطمن عليها، سامحني يا بابا
+
_ مِسامحك يا حبيبي، هو مين فينا كان قادر يداوي نفسه عشان يقدر يداوي غيره، بس دا غلط وخلانا نبعد أوي عن بعض، وإحنا المفروض نكون أقوى من كدا عشان نعدي المِحنة دي، وعشان نقوم أقوى لازم نفضل سوا دايمًا..
نطقها قاسم بعزيمة لعودتهما عائلة من جديد، ثم رفع ذراعه وربتَّ على ذِراع عبدالله وأضاف بحسمٍ:
_ يلا يا حبيبي، تعالى لما ناخد أختك ونرجع بيتنا، البيت اللي أحلام جمعتنا فيه، مينفعش يفضل فاضي كدا..
+
اماء الآخر بقبولٍ ثم سار إلى جواره حتى بلغا كليهما السيارة، استقلاها ثم انطلق قاسم عائدًا إلى الحارة حتى يصطحبا زينب ويعودان إلى بيت المزرعة كأفراد عائلة يعمِّرُون بيتهم من جديد.
+
***
+
تململ في فِراشه بكسلٍ، ثم فتح جفونه لتضح رؤيته، فتفقد الغرفة الذي ينام بها سريعًا حتى وقعت عيناه على ليلى التي تجاوره وترمقه بنظراتٍ لم يستشف ما يوجد خلفها.
+
قُطب جبينه بغرابةٍ لذلك الوضع الذي كانا فيه، وتساءل مُستفسرًا عما يحدث:
_ هو في إيه؟ أنا جيت هنا امتى؟
+
_ أنت مش فاكر حاجة؟
تساءلت برأسٍ مائل فأثارت ربيته وردَّ على سؤالها: _ مش فاكر حاجة، آخر حاجة فاكرها لما كنت في المركز مع عبدالله وشربنا...
+
صمت فجأة ولم يُكمل، ثم انتفض من نومه فبات جليس الفراش، تطلع في الفراغ أمامه مُحاولًا استعادة ما حدث في الأمس، فقطعت عليه حِبال أفكاره باكمالها لحديثه الناقص:
_ شربتوا حشيش!!
+
اتسعت حدقتي زكريا بصدمةٍ لِعلمها ما شرباه، حدجها بعيون مذهولة ثم هتف:
_ عرفتي منين؟
+
_ منك.. قولت لي وأنت مش حاسس بنفسك خالص
هتفتها مُعاتبة إياه في نظراتها وصوتها الحاد، بينما هرب زكريا بنظره إلى الجانب الآخر فوقعت عيناه على صورته المنعكسة في المرآة فوجد نفسه عاري الصدر، فأخفض بصره مُتفقدًا حاله وتساءل بفضولٍ يطوق لمعرفة ما أحدثه:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط، هو أنا عملت إيه؟
+
توردت وجنتي ليلى وهربت ببصرها بعيدًا عن عينيه المُثبتاتان عليه، فأثارت الريبة داخل زكريا الذي هز رأسه وهو يتساءل عما أحدثه ولا يتذكره بصوتٍ مندفع:
_ إيه يا ليلى أنا عملت إيه؟
+
_ معملتش حاجة..
قالتها وسُرعان ما نهضت مُبتعدة عنه فأزاح زكريا الغطاء عنه ولحق بها، ثم أمسك يدها وأعادها إليه وبإلحاحٍ ظاهر تساءل:
_ ردي عليا، وفهميني حصل إيه؟
+
ابتلعت الأخرى ريقها ثم هتفت بخجلٍ دون أن تُقابل عينيه:
_ قلعت قميصك وقربت مني و......
+
_ و إيه؟؟
قالها مُتلهفًا لسماع البقية فأجابته ليلى بعفوية:
_ وقولتلي وحشتني وفجأة نمت!!
+
_ مغفل!!
صاح بها ضاربًا كفوفه في بعضهما، ثم عاد ناظرًا إليها بعيون ضائقة وسألها:
_ بس أنتِ بتتكلمي معايا عادي، ونيمتيني هنا وصحيت لقيتك جنبي، مش لعله خير؟
+
رفعت ليلى كتفيها للأعلى مُتصنعة بلامبالاةٍ:
_ عادي يعني..
+
أولته ظهرها سريعًا لكنها تفاجئت بِذراعه المُتلف حول خصرِها لِيُعيديها إليه فباتت حبيسة صدره، ابتلعت ريقها وهتفت:
_ أنت بتعمل إيه، على فكرة إحنا متطلقين لو ناسي!
+
انحنى زكريا برأسه فكان قريبًا من عُنقها، شم عبيرها قبل أن يهمس بحرارة:
_ مش ناسي، تعالي نرجع، كفاية كدا..
+
قالها ثم أدارها وقام بإسناد رأسه على جبينها، شاعِرًا بأنفاسها المتلاحقة، وبصعوبة قابلتها ليلى في الحديث تمتمت:
_ اللي بتعمله دا ميصحش..
+
قالتها ثم أبعدته عنها لِتُغادر فهلل زكريا بيأسٍ تملك منه لمحاولاته البائسة وهو يضع كِلتى ذراعيه في منتصف خَصرِه:
_ يارب أموت يا ليلى عشان تخلصي مني
+
تجمَّدت ليلى مكانها، آلمتها كلمته وشعرت بالخوف الشديد خشية خسارته، استدارت بجسدها فوجدته قد أولاها ظهره فهرولت ناحيته وقامت باحتضانه مرددة بقلبٍ يخفق بقوة:
_ بعيد الشر عليك يا حبيبي..
+
كانت مفاجئة صادمة لزكريا الذي شعر لوهلة أنه ما زال نائمًا وهذا حُلم حتمًا، تفقدت الدماء بغزارة في عروقه فتسببت في زيادة خفقان قلبه، التفت بلهفةٍ يتأكد مما يحدث، ودون مجهودٍ قام بادخالها داخل صدره العاري بكل ما أوتي من قوة مرددًا بهمسٍ:
_ رديتك يا ليلى، لذمتى وحياتي وقلبي
2
أخذ يُقبل خُصلات شعرها فكانت أقرب إليه وتمتم من بين قُبلاته:
_ وحشتيني بشكل مش طبيعي، ياريتني دعيت على نفسي من زمان...
+
ما كاد يُنْهِيها حتى وضعت ليلى إصبعها على فمه هاتفة:
_ بطل تقول كدا...
+
انحنى زكريا برأسه قليلًا، ثم طبع بعض القُبلات أعلى جفونها، ثم انخفض أكثر فبات أمام شفتيها، ابتلع ريقه وجاهد نفسه بصعوبة بألا يلمسهما، فيغرق معها في بحورٍ خاصة لا يودها الآن حتى يثبت لها بأنها ليست مجرد جسدًا بالنسبة إليه.
+
تراجع للخلف وتفقدها كأنه غير مصدق آلا إليه، ثم انحنى بجسده وأحاط خَصرِها بذِراعه وقام برفعها عن الأرض ودار بها فرحًا، فضحكت ليلى عاليًا وتعلقت برقبته هاتفة:
_ كفاية أنا دوخت..
+
توقف ثم أنزلها وقال بحماسٍ:
_ يلا إلبسي خلينا ننزل نفطر برا
+
نظرت إليه ليلى متفاجئة فردد الآخر متسائلًا:
_ إيه؟
+
_ هو الفطار بقى بيتاكل برا؟
ردت ليلى مُبدية تعجُبها، بينما أوضح هو:
_ فطار وغدا وعشا، من هنا ورايح دلع وبس..
+
ارتسمت البسَّمة على شِفاها، ثم اقتربت منه وأحاطت ذراعه بيدها الصغيرة، ثم رفعت رأسها للأعلى وتمتمت بنبرة تحمل من الخوف قدرًا:
_ متخلنيش أندم إني إديتك فرصة تانية، عشان خاطري يا زكريا عامل ربنا قبل ما تعاملني، قبل ما الشيطان يحاول يلعب في عقلك افتكر إني وثقت فيك تاني، إوعى تخون ثقتي دي..
+
رفع زكريا يُمناه ثم تحسس وجهها بنعومة وهمس بصوتٍ خافت:
_ الكلام سهل يتقال وبرده سهل يتنسى، الأيام بينا وهتشوفي بعينك وهتعيشي بنفسك..
+
اقترب من وجنتها وطبع قُبلة سريعة ثم أضاف:
_ يلا روحي إلبسي..
+
كانت ليلى مُتعجبة من هروبه الملحوظ كلما اضطر إلى لمسها، فلم تتوقع جِهادًا قاسٍ كالذي يعيشه، ابتسمت داخلها لإثباته بأنه لا يراها جسدًا فقط، أخرجت زفيرًا على مهلٍ ثم توجهت إلى الخزانة وقامت بلقف بعض الملابس لها ووقفت ترتديهم.
+
وكذلك فعل زكريا تمامًا، حتى انتهوا معًا، فمدَّ لها يده وقال بحماسة:
_ يلا..
+
لم تُمانع وقد شبَّكت يدها في فراغ يده، ثم سارت معه حتى خرجا من الباب وترجلا السُلم، وقف زكريا أمام شقة أبيه فتساءلت ليلى ببعض التوتر:
_ أنت وقفت هنا ليه؟
+
_ عشان أعرفهم إننا رجعنا لبعض...
أخبرها بنواياه فتأكد حدسها وإزدادت ارتباكًا وخجلًا من مواجهة الآخرين، لكنها لم ترفض وتركته يفعل ما يشاء، فطرق زكريا الباب ووقف ينتظر من يفتحه لهما ويده تَشُد على يد ليلى بقوة.
+
فُتح الباب من قِبل والده الذي تفاجئ بوجودهما، أخفض بصره على يديهما المُتشابكة وقبل أن يُعطي رد كان قد أخبره زكريا بحقيقة الوضع:
_ أنا رديت ليلى..
+
في البداية، كان محمد صامتًا، تلقى الخبر بسعادة أخفاها داخله حتى يتأكد من رضاء ليلى التام عن ذلك، وجه أنظاره عليها وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ وافقتي ترجعي له برضاكي ولا هو أجبرك؟
+
بهدوءٍ تحلت بيه ليلى أجابته:
_ برضايا يا عمي..
+
وعندما أكدت له قُبولها دون ضغطٍ، تشكلت البسّمة على محياه وهلل:
_ ربنا يصلح حالكم يارب..
+
ثم دنا من ليلى وأضاف هامسًا:
_ أي حاجة تحصل تقوليلي أنا وأنا عارف أشد لك ودانه إزاي؟
+
تفاجئ زكريا بكلامه، فأصدر طقطقةً بأصابعه ليلفت انتباه أبيه ثم صاح مازِحًا:
_ يا حاج أنا اللي ابنك..
+
فضحكت ليلى ومعها محمد، فانضمت إليهم هناء التي تفاجئت من مظهرهما، فارتسمت الإبتسامة تلقائيًا على ثِغرها وقالت بسعادةٍ نابعة من القلب:
_ نقول مبروك؟
+
أماء زكريا مؤكدًا، فازدادت ابتسامتها بهجةً، وقامت بالإقتراب من ليلى وضمتها إلى صدرها قائلة:
_ ربنا يعوض قلبك خير ويكتب لك كل جميل في أيامكم الجاية..
+
ربتت ليلى على ظهر هناء بمشاعرٍ صادقة تَبادلنها سويًا، فعلَّق زكريا مُستاءً على ما يحدث:
_ يا جدعان والله أنا اللي ابنكم، إيه فرق المعاملة دا
+
تراجعت هناء للخلف ورمقته باستنكارٍ قبل أن تهتف مستاءة:
_ من هنا ورايح إحنا في ضهر ليلى وبس، فكر بس تزعلها وأنت هتلاقي اللي عمرك ما شوفته مننا..
+
_ ااه طيب
أردفها زكريا ثم نظر إلى يمينه حيث تقف ليلى ووجه حديثه إليها:
_ يلا يا بنتي، واضح كدا إنهم متفقين عليا..
+
ضحكت ليلى وودعت الآخرين ثم ترجلت معه بقية السُلم، حتى خرجا من البناء، فتفاجئ زكريا بوجود سيارة عبدالله أمامه، تفقد ليلى بإبتسامةٍ لم تعرف معناها، ثم سحب هاتفه وقام بعمل اتصالًا، وتحدث فور إجابة الآخر:
_ ولا يا وليد، عربية عبدالله بتعمل إيه تحت بيتنا؟
+
_ ما إحنا رِجعنا بيها امبارح، أومال كنت هرجع بيك وأنت في حالتك دي إزاي، يسلم عمي قاسم إدالي المفتاح وجينا بيها..
أخبره وليد، فتحدث الآخر بتلهفٍ:
_ طب احدف لي المفتاح..
+
_ ليه رايح فين؟
تساءل وليد مستفسرًا فرد زكريا وهو يُحيط ليلى بِذراعه يُقربها منه:
_ هروح أفطر أنا ومراتي!!
+
_ ياااه، أخيرًا اتصالحتوا، على البركة يا إبن عمي، ثواني هحدفهولك..
نطقها وليد بسعادةٍ لعودة علاقتهما من جديد، ثم أنهى الإتصال ونهض ليلقي إليه مِفتاح السيارة من الشُرفة، فَلقِفُه زكريا ثم لوح إليه مودعًا وعاد ناظرًا إلى ليلى وهتف بمزاجٍ سوي:
_ هفطرك بالجي كلاس يا ليلى، دلع دلع يعني
+
قهقهت ليلى على دُعابته ثم توجهت إلى الباب الأمامي، وما كادت تفتحه حتى صاح زكريا مانعها:
_ استني بس بتعملي إيه؟
+
نظرت إليه في حيرة من أمره، فوجدته يقترب منها ويقوم بفتح الباب لها ثم غمزها وتمتم:
_ اتفضلي يا روح قلبي
+
لمعت عينيها متأثرة مما يفعله، فلم تُواجه تلك النسخة منه من قبل، ابتسمت بسعادةٍ ثم انتبها كليهما على صفير وليد من الأعلى مُهللًا:
_ عصفورين كناري يا اخواتي
+
برقت عيني ليلى بصدمة ثم نظرت إليه وهي تضع يدها على فمها مانعة ضحكها المفاجئ، بينما هتف زكريا بثقةٍ:
_ اللي غيران، يعمل زينا يا حبيبي
+
ضحك الثلاثة، بينما ركبا زكريا وليلى السيارة فطرحت سؤالها فور ركوبها:
_ هو وليد من عارف على موضوع الطلاق؟
+
_ لأ، هو عارف إن علاقتنا كانت مش أحسن حاجة، محدش يعرف عن الطلاق غير أبويا وأمي.. وبعدين سيبك من السيرة اللي تقبض القلب دي بقى..
قالها ثم التقط يدها بين قبضته ورفعها عند فَمِه طابعًا قُبلةً حارة عليها، هامسًا وهو يُسبل في عينيها اللامعتان:
_ بحبك
+
_ وأنا كمان بحبك يا زيكو..
قالتها بصوتٍ رقيق مُصرحة عن مشاعرها بصدقٍ، فابتسم لها زكريا ثم نظر أمامه وقام بإشعال محرك السيارة وتحرك بها ولا زالت يده تحتضن يد
ليلى لا يتركها لأي أسباب.
+
****
+
ركضت مهرولة باتجاه كافيتريا المستشفى، عندما أعطتها إحدى الممرضات خبرًا بوجوده، وصلت أخيرًا بأنفاسٍ متلاحقة، بحثت عنه وعندما وجدته جالسًا على إحدى الطاولات، تابعت سيرها إليه حتى وقفت أمامه ثم أردفت بتلهفٍ:
_ صباح الخير يا عمي، حضرتك جاي لي مخصوص؟ هو حصل حاجة؟
+
نظر إليها قاسم بملامحٍ خالية من أي مشاحنات، ابتسم بهدوء وأشار إلى الكرسي المقابل له وقال:
_ اقعدي يا صبا..
+
جلست صبا وعينيها مُثبتة عليه، لا تُرفع، حمحمت وبارتباكٍ بائن لعينيه سألته:
_ حضرتك كويس؟
+
_ أنا كويس، بس عبدالله اللي مش كويس أبدًا..
هتفها قاسم وقد مالت نبرته للآسى على وضع ابنه، بينما أخفضت صبا رأسها في حزنٍ رُسِمَ على تعابيرها، فتابع قاسم كلامه بطرحِه سؤالًا مُفاجِئًا:
_ أنتِ لسه بتحبيه يا صبا؟
+
لم تستطع صبا مواجهة عينيه من وراء خجلها الذي سيطر على أوصالها، حمحمت وقالت وهي مازالت منكسة الرأس:
_ محبتش غيره يا عمي..
1
زفرت أنفاسها وكأن شيئا ثقيلًا قد أُزيل من على صدرها عندما اعترفت له، فابتسم الأخر وكاد يتحدث لكنها أسبقت بالكلام:
_ بس هو رفضني، قالي انسيني، شكله زهق وهيكون معاه كل الحق، اللي عاشه من ورايا مش سهل برده.. هو يستاهل يعيش حياة هادية مفيهاش صِراعات، وواحدة تعوضه على حُزنه اللي عاش فيه الفترة اللي فاتت..
+
_ بس عبدالله مش عايز غيرك، أنتِ لوحدك اللي قادرة تعوضيه!!
هتفها قاسم فخفق قلب صبا بإضطرابٍ، فلم يكتفي قاسم باخبارها عن حُب عبدالله لها مُضيفًا بجزمٍ:
_ والله يا بنتي أكاد أجزم لك إنه هو كمان بيحبك ومش قادر ينساكي، وإلا كانت الظروف اللي عدت عليكم خليتو يشوف غيرك وخصوصًا بعد مسألة جوازك..
عبدالله لما رفضك مكانش كُره ولا إنه خلاص بطل يحبك أو مش عايزك، بس عبدالله بقى أكتر إنسان يائس، اللي اتاخد منه خلاه يفقد ثقته في كل اللي حواليه، ورافض أي مساعدة حتى مني.. بس هل دا عشان مش بيحبني؟
لا طبعًا، بس خسارته كانت كبيرة على عقله وخلاه يعزل نفسه في دايرة يدوب أخداه هو بس، رافض تدخل صحابه وأنا واخته وأنتِ
فإحنا لازم نحط إيدينا كلنا في إيد بعض عشان نقدر نرجعه لطبيعته تاني..
ودا مش هيحصل غير لو حس بإحساس الأمان اللي فقده بسبب وفاة والدته..
مستعدة تُحطي إيدك في إيدي ونوفره الأمان اللي هو محتاجه يا بنتي؟
+
أطالت صبا النظر به لبُرهة قبل أن تتخذ قرارها وتُخْبِره به، فنهض قاسم بعد أن استمع إليها وهتف بصوتٍ رخيم:
_ أنا همشي، أظن أنا كدا عملت اللي عليا..
+
غادرها تحت نظراتها المتابعة له حتى اختفى خلف الباب، فعاودت صبا الجلوس ناظرة أمامها بضياعٍ
محاولة ترتيب أفكارها التي تشتت بعد زيارته.
+
***
+
ولجت غرفتها في بيت المزرعة، جلست أعلى فراشها تتفقد الغرفة من حولها، كأنها باتت غريبة كالمرة الأولى التي جاءت إليها، تشعر بالغُربة في مكانٍ يفتقد كثيرًا لبعض اللمسات من والدتها.
+
نظرت إلى الباب فخُيل إليها أنها تدلف الغرفة بِخُطاها مبتسمة كعادتها تُناديها بإسمها وتطمئن على أحوالها، ترقرقت العبرات من عيني زينب عندما تأكدت أنها الوحيدة التي كانت تهتم لها، والآن لم تعد موجودة، ولم يعد من يهتم لأدق تفاصيلها.
+
فازداد نحيبها، كما آلمها قلبها على فقدانها الذي لم تتقبله بعد، وما زادها حُزنًا ذلك الحب الذي انتهى قبل بِدءه، لقد تركت العنان لعقلها لعيش الكثير من المواقف الحميمية مع عاصم، لقد خذلها الحُب ثانيةً.
+
أغمضت عينيها ثم عادت بظهرها مُستلقية إلى الفراش بغير حول ولا قوة، ظلت على الحالة نفسها حتى اهتز هاتفها مُعلنًا وصول إشعارًا، ففتحت عينيها وتفقدت الهاتف وهي لا تزال نائمة.
+
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ عندما كان الأشعار صورة لعاصم على حالة الانستجرام خاصته وهو على متن الطائرة، مُحددًا وِجهته حيث كانت أميريكا ولاية فلوريدا.
+
رفت عينيها عندما لم تستوعب سفره المفاجئ، ثم اهتز داخلها فانعكس على صدرها الذي كان يهبط ويعلوا بشكلٍ عنيف تكتم به شهقاتٍ لو أخرجتها لتجمع من في البيت إثرها.
+
اعتدلت في جلوسها ثم هبت واقفة راكضة نحو شرفة غرفتها، نظرت إلى السماء ثم أجشهت في البكاء المرير الذي كان حبيس صدرها لفترة، حتى أنها كانت تقطعه ببعض الكلمات وهي تُحدق ببيت عاصم كأنها تُحادثه شخصيًا:
_ ليه؟
أنا عملت إيه عشان يكون الرفض من نصيبي، أنا فكرتك هتعوضني عن بهدلتي مع حمادة، حبيت طريقتك وأسلوبك، حبيت مشاركتك وتفهمك، حبيت عفويتك وقلبك اللي مقابلتش زيه قبل كدا..
هو أنا مش من حقي أتحب من واحد مثالي زيك كدا؟
أنا فيا إيه أقل من صبا؟
عشان عبدالله يحبها وأنت كمان تحبها؟
عبدالله يِحرّم على نفسه الحب لغيرها وأنت تهرب مني بعد حبك ليها!!
أنا اللي فيا العيب ولا هي ولا أنتوا؟
3
أنهت جُملتها ثم سقطت بإهمالٍ وهي تبكي بانهزامٍ لم تشعر به من قبل، استمعت إلى طرقاتٍ على الباب ثم دلف عبدالله الذي نادها:
_ أنتِ فين يا زينب؟
+
لم تُجِيبه، بل كان صوتها دليلًا له، هرول عبدالله نحوها مذعورًا من بكائها الهستيري، جلس القُرفصاء أمامها وتساءل بتوجسٍ وقلقٍ تملكا منه لرؤيتها في ذلك الوضع:
_ مالك يا حبيبتي، إيه اللي مقعدك هنا وبتعيطي كدا ليه؟
+
خرجت نبرتها مهزوزة متعثرة وهي تتردد:
_ هو أنا وحشة يا عبدالله؟
+
_ مين اللي قالك كدا؟
تساءل بنبرة مشحونة ظنًا من أن أحدهم قد قلل من جمالها، فهتفت الأخرى موضحة:
_ محدش قالي، بس مش معقول مليش حظ في أي حاجة كدا، كل حاجة بتروح من بين ايديا.. كل حاجة بتمشي.. تفتكر أنا السبب؟
+
كان متفاجئًا من مشاعرها التي بوحت بيها؛ فضمها عبدالله بهدوءٍ إلى صدره وقال:
_ واضح إننا إخوات فعلًا حتى في الأقدار، شبه بعض حتى التفكير والظن!!
آه يمكن خِسرنا كتير، بس دا مش معناه إننا وحشين يمكن السبب إن ربنا عايز يمتحن قوة تحملنا وصبرنا، وإحنا مع الأسف بنفشل لا قادرين نصبر ولا قادرين نتأقلم ونستحمل اللي بيحصل..
+
تنهد عبدالله مُخرِجًا همومه، ثم أضاف بعد أن تراجع قليلًا ونظر إلى عيني زينب:
_ بس أنا اكتشفت حاجة إحنا معمين عنها، اكتشفت إن حتى حجم الخسارة اللي إحنا خسرناها كانت وسط ظروف كويسة
+
أشار حوله وتابع مسترسلًا بصوتٍ رخيم:
_ بصي حواليكي وشوفي إحنا فين، شوفي حتى وقت زعلنا قادرين منجيش على نفسنا أكتر ومجبورين ننزل نشتغل، بالعكس قاعدين مرتاحين بنعيش زعلنا براحتنا في أي وقت
بصي على وجود أبويا في حياتنا، أبويا اللي كنت رافضه زمان دلوقتي مش متخيل الحياة من غيره..
مش متخيل من غيره هلاقي مين يدعمني ويقف في ضهري ويخرجني من حُفرتي اللي بقع فيها كل مرة
ودا بينطبق عليكي برده، أخوكي جنبك، فإحنا لازم نبص على الإيجابيات عشان نقدر نخرج نفسنا من الدايرة اللي دخلنا فيها نفسنا دي..
+
ابتسم في وجهها ثم نهض وانتصب في وقوفه، مدَّ لها يده وحثَّها على النهوض:
_ تعالي..
+
فتعلقت في ذراعه ناهضة، ثم وقفا كليهما بجوار بعضهما أمام سور الشرفة يستنشقان الهواء البارد ربما يُثلج صدرهما من نيران فقدهما للأشياء الحبيبة إليهما.
+
***
+
للمرة التي لا يعلم كم، أعاد الإتصال بها من جديد والنتيجة دون جدوى؛ لا تُجيب، تأفف بِحنقٍ لعدم استطاعته للوصول إليها، فأغمض عينيه ليأتي بِفكرةٍ يجعلها تُجيب.
+
فخطرت زوجة عمه على عقله، وقام بالإتصال بها على الفور دون ترددٍ، بعد ثوانٍ قليلة جاءه صوتها المُرحِب:
_ صباح الخير يا وليد..
+
_ صباح الخير يا مرات عمي، خلود عندك ولا نزلت الكُلية؟
بادلها التحية ثم سألها باندفاعٍ دون إنتظارٍ، فاستشفت هناء ثَمة مُشادة بينهما من خلف أسلوبه وقالت وعينيها تطلعان على غرفة خلود:
_ لا هنا، لسه منزلتش..
+
_ طيب معلش خليني أكلمها..
قالها بنفاذ صبر، فكادت هناء تسأله عما بهما لكنها تراجعت عن السؤال وتركت لهما بعض المساحة الشخصية، ثم نهضت وتوجهت إلى غرفة خلود، مدت يدها نحوها موضحة:
_ وليد على الخط..
+
خفق قلب خلود وارتسم التوتر على تقاسيمها بشكلٍ ملحُوظ واضحًا لعيني هناء، التي تعمدت المغادرة سريعًا قبل أن يُسيطر عليها فضولها لمعرفة ما الأمر.
+
بينما وضعت خلود الهاتف على أُذنها وتمتمت بخفوت:
_ ألو...
+
وما أن قالتها حتى تفاجئت بانفجاره بها بصوتٍ مُنفعل:
_ أنتِ مش بتردي على مكالماتي من امبارح ليه؟
+
بتوترٍ بالغ اختلقت كذبةً:
_ مسمعتش الموبايل..
+
_ مسمعتيش الموبايل!!!
صاح بها بغير تصديق، ثم عاود الصُراخ في الهاتف:
_ وأنا المفروض أصدق الرد المستفز دا؟ طب فرضًا صدقته، رسايلي على الواتس اللي أنتِ بتشوفيهم ومش بتردي دا إيه؟
+
حاولت خلود الهرب منه فهتفت أول ما جال خاطرها:
_ على فكرة أنا مش فاضية، من الكلية لمحضراتها وبرجع تعبانة مش قادرة بكون عايزة أنام..
+
تفاجئ وليد بردها، فهدأت نبرته المُنفعلة تدريجيًا وتحدث باستياءٍ:
_ آه يعني أنا اللي بعطلك، طب تمام، سلام بقى عشان معطلكيش أكتر من كدا..
+
قالها وأنهى الإتصال سريعًا، فنادته خلود مِرارًا على أمل ألا يغلق الخط:
_ استنى بس يا وليد..
+
تأففت عندما تأكدت من غلقه، ثم نظرت إلى الهاتف بضيقٍ بائن، وحاولت الإتصال به من هاتفها، لكنه قد أغلق الهاتف تمامًا، فضربت الأرض بغضبٍ ونعتت نفسها المُتسرعة، سحبت حقيبتها وبعض الأشياء الخاصة بجامعتها، خرجت بوجهٍ مقتضب مقتصرة حديثها مع الآخرين.
+
فتأكدت هناء من حدسها حين ذاك، لكنها لم تُعلق لترى آخر ما يحدُث، بينما تقابلت خلود مع وليد على السُلم، تفاجئت به وألحقت بِخُطاها نحوه مُحاولة إيقاف ذلك القطار السريع:
_ ثواني يا وليد، نتكلم
+
دون أن يلتفت هتف:
_ لا لا أصل أعطلك..
+
نطقها بأسلوبٍ مُندفع غاضب وتابع نزوله فهرولت خلود خلفه بِخُطوات مُععثرة، فانزلقت قدماها دون أن تشعر، ليختل توازنها بشكل مفاجئ قبل أن تستوعب ما حدث فسقطت، فجلست عند آخر درجة عندما توقف جسدها وأخذت تبكي ألمًا وإحراجًا.
+
والأهم أنها اعتقدت ذهاب وليد، مالت بجسدها وتفقدت مكان الألم عند كاحِلها فوجدت به علامة حمراء دائرية لم تستطع لمسها، تلك الأثناء تفاجئت بيدين تلتف حول قدمها فحبست خوفها عندما وجدته وليد يتساءل بوجهٍ مشدود:
_ حاسة بإيه؟
+
وما أن تقابلت أعينهم معًا حتى ترقرقت العبرات سريعًا من عيني خلود، فأغمض وليد عينيه في محاولة منه على إخماد نيران غضبه المتقدة، وعندما شعر حاله أفضل أعاد فتح عينيه وقال بصوتٍ هادئ:
_ عايزاني أعمل إيه بعد ما قضيت يوم كامل عايز اطمن عليكي وأنتِ مش بتردي عليا، كنت هتجنن عليكي، وكلمت مرات عمي وقالت لي إنك نايمة، والصبح نفس الوضع بكلمك مش بتردي، وفي الآخر لما أجبرك تكلميني تردي بمنتهى البرود وتقوليلي مش فاضية وورايا وقدامي؟!
+
ابتلعت ريقها وجاهدت على إمساك تلك العبرات التي تنهمر بغزارة، فأضاف وليد سؤالًا:
_ أنا لو عملت حاجة قوليها في وشي لكن الهروب دا بيعصبني، وأنا مش فاكر إني عملت لك حاجة تخليكي كدا!
+
_ لأ عملت..
هتفتها وهربت بنظرها سريعًا، فعقد وليد ما بين حاجبيه وأخذ يُفكر بما فعله فلم يجد، فتنهد واسترسل:
_ عملت إيه، آخر مرة لينا لما كنا واقفين على السُلم وبعدها..
+
قاطعته خلود بحديثها دون النظر إليه:
_ أيوا وقتها..
+
فغر وليد فاهه واتسعت مقلتيه عندما أدرك الأمر الآن، ثم تشكلت ابتسامة على محياه وهو يردد:
_ يعني كل دا عشان البو..
+
قاطعته خلود مُحذرة:
_ وليد!!
+
انفجر وليد ضاحكًا، ولم يتوقف عن الضحك فاستاءت منه خلود وأخفت عينيها بيديها حتى لا تتقابل معه، بينما هز الآخر رأسه وصاح:
_ كل دا عشان مكسوفة مني؟!
+
_ بس بقى، اسكت
قالتها مُتمنية بألا يُطيل، فأجبر وليد نفسه بألا يضحك، وقال وهو يُعَاود مسك قدمها:
_ طب رِجلك كويسة؟
+
آنت خلود بألمٍ عند لمسِه كاحلها وقالت:
_ متضغطش أوي..
+
_ طب إيه، مش هتروحي الكلية؟
تساءل مستفسرًا فأجابت خلود وهي تنهض:
_ لا هروح، عندي امتحان
+
ساعدها وليد على الوقوف ولم تختفي الإبتسامة من على محياه، فشدت خلود ملامح وجهها باستياءٍ وهتفت وهي تَمُر من جواره:
_ أنا ماشية اضحك براحتك بقى..
+
لحق بها وأمسك ذراعها مُعيدها إليه، فنفرت منه وحذرته بوضعها لإصبعها في وجهه:
_ مش بحب الحاجات دي، إحنا لازم نحط حدود
+
باستنكارٍ قال وهو يلوي شفاه للجانب:
_ أنتِ عايزها تفضل ناشفة كدا سنتين كمان؟!
+
_ ابقى حط لها مرطب تطرى شوية!!
رددتها بتهكمٍ، فصاح وليد متسائلاً:
_ هي إيه دي؟
+
_ اللي أنت تقصده..
قالتها بتزمجرٍ، فضحك وليد وغمزها مشاكسًا:
_ وأنتِ عارفة أنا أقصد إيه؟
+
_ مش عايزة أعرف، وسع كدا..
قالتها وهي تُحاول التملص من بين قبضته؛ فشد وليد بيده على ذِراعها رافضًا ذهابها وهتف بخبثٍ:
_ طب تصبيرة طيب على ما السنتين دول يعدو..
+
_ ولا حتى فتفوتة، ابعد
هتفتها ثم جمعت قوتها ودفعته بعيدًا عنها وهرولت راكضة إلى الأسفل تحت نظراته عليها فهلل معاتبًا:
_ بقى كدا؟ ماشي
+
لم تلتفت إليه حتى باتت خارج البناء، بينما تابع وليد نزوله متوجهًا إلى عمله وداخله يتمنى بأن يَمُر العامين سريعًا.
+
***
+
وضعت الحقيبة الخاصة بملابسها على فراش البيت الجديد التي استأجرته مؤخرًا، قامت بفتح الحقيبة لِتُخرج منها الملابس وتُعلقها في الخِزانة، لكنها تريَّثت ووقفت تتطلع في الفراغ أمامها وكلمات قاسم تتردد في ذِهنها دون توقفٍش منذ الصباح.
+
تركت ما بيدها، وشعرت بحاجتها للذهاب إلى حبيب فؤادها، والآن
أغمضت عينيها مُستنشقة أكبر قدرًا من الهواء على أمل أن يرد إليها صوابها، فالوقت بات متأخرًا، لكنه أزاد من لهيب شوقها إليه كما ضاعف حاجتها في لِقائه وعودتها إليه الليلة قبل صباح الغد.
+
مالت شفتيها للجانب وشكلت ابتسامة حماسية، ثم أخذت ترتدي ملابسًا لها سريعًا وخرجت من البيت وهي لا تُطِيق الإنتظار، تَعُد الثواني حتى تقِف أمامه وتفصح عن مشاعرها ربما تنجح في توطيد العلاقة بينهما مرةً أخرى.
+
بعد مرور مدة ليست بقصيرة؛ وصلت صبا إلى المركز الخاص به، فكانت على دِراية بمكوثه حتى وقتًا متأخر من الليل، وقفت أمام الباب وتفقدت المكان، ولِحُسن الحظ أنه كان حُاليًا من العُمال.
+
خطَّت أُولي خُطُوَاتها إلى الداخل باحثة عنه، حتى وجدته واقفًا وظهره إليها، غارِقًا في الحسابات اليومية الذي يتفقدها، وقفت خلفه فأحدثت أنفاسها ضجِيجًا ملحوظ من فرط توترها التي تعيشه.
+
_ جاية ليه يا صبا؟
صدح سؤال عبدالله المُفاجئ بالنسبة لها، فلم تتحدث بعد! كيف عرف بها؟ أخرجت زفيرًا طويلًا وتساءلت مُستفسرة:
_ أنت عِرفت إنه أنا إزاي اللي واقفة وراك؟
+
أغلق ذلك الدفتر أمامه ثم استدار بجسده ونظر إليها بعيون جامدة مُجيبًا بهدوءٍ مال إلى البرود:
_ أنا حافظ صوت نفسك يا صبا!!
1
اتسعت حدقتي صبا مذهُولة بذلك الرد، فالتمع وميض عينيها وازداد قلبها عُنفوانًا، فأعاد سؤاله مرة أخري:
_ مجاوبتنيش، جاية ليه؟
+
شهيقًا وزفيرًا فعلت، قبل أن تُصَرِح سبب مَجِيئها:
_ جاية عشان أشوفك..
+
قالتها ثم اقتربت منه بِضع خُطُوات، حتى أصبحت أمامه وتابعت بتعلثمٍ:
_ أنا تعبت من البُعد دا، أنا كنت فاكرة إني هقدر أعيش واتخطاك، بس مقدرتش، كل حاجة كانت بتقول إن علاقتنا عمرها ما هتكمل، الظروف كانت ضدنا، اتألمنا، وزعلنا واتفرقنا، وعِشنا ليالي كتير ودموعنا على خدنا، طاقتنا استهلكت، والحزن نهش في قلوبنا وسرق من أيامنا لحظات كان ممكن نعيشها حلوة سوا..
+
ابتلعت ريقها وتابعت بنبرةٍ مهزوزة يغلفها البُكاء الحبيس:
_ تعالى نرجع، ونكمل اللي وقفنا عنده، يمكن مش هنقدر ننسى اللي فات واللي عيشناه، ومش هنقدر نمحي ذكريات صعبة عِشناها بس ممكن نِداوي الفجوة اللي جوانا وإحنا مع بعض..
هنشفِي جروحنا وإحنا سوا..
هنجازي قلوبنا اللي تعبت وزعلت واتقهرت برجوعنا تاني..
عبدالله أنا لسه بحبك، مش قادرة أشوف غيرك ولا أحس مع حد نفس اللي بحسه معاك!
أنت أول حب، وأول إحساس، وأول نظرة، وأول كل حاجة حلوة أنا عيشتها..
البداية كانت معاك أنت، والنهاية كمان عايزاها معاك!
أنت وبس!
1
صدرَّ عنه قهقهةً خافِتة قبل أن يُردِف غير مصدق ما خرج من فمها:
_ ياااه يا صبا، نرجع!!
بتطلبي مني دلوقتي إننا نرجع تاني؟ عايزاني أنسى كل حاجة حصلت وأبدأ من جديد معاكي؟
أنسى بُعدك عني ولا جوازك من غيري ولا اختيارك للبُعد مرة تانية بعد طلاقك، عايزاني أنسى الأيام اللي عيشت طول لِيلها بعيط عليكي؟
ولا أنسى وأنا بتخيلك في كل ثانية وبسمع صوتك اللي كان ونس ليا في وحدتي؟
هتقدري تِدَواي إيه ولا إيه؟
مفتكرش إن ينفع نرجع تاني.. بينا حواجز كتير اتبنت وسَدِت كل طُرق الرجوع..
متأخر أوي كلامك دا!
+
تسابقت العبرات في النزول من عيني صبا التي تفاجئت بردِه، لقد خيَّب آمالها، وأُهْدِم تخيلاتها
التي رسمتها لهما، كل شيء تحطم بكلماته التي أبلغها بيها أنهما لن يعودا كما كانا.
+
لكنها لن تستلم؛ فكان الهروب ملجأها الوحيد في كل مرةٍ خُيرت فيها بين المواجهة والهروب، والآن عليها المواجهة إلى آخر أنفاسها، مسحت عبراتها بظهر يدها وأخرجت كلماتها بصوتٍ باكٍ مُصِرًا للوصول إلى اكتساب حُبها:
_ أنا عارفة إني جرحتك، بس كان غصب عني، وأنت عارف كدا كويس، عارف إني كنت مُجبرة وكنت قليلة الحيلة، مكنش قدامي غير إني أهرب من قدري واستغنى عن حُبي، كل دا كان غباء مني، عارفة والله
بس أنا جسمي فجأة شخص حقير انتهكه، عيشت أبشع حادثة ممكن أي بنت تتعرض لها، خوفت وعيطت وقاومت واتمنيت الموت ألف مرة في الثانية الواحدة.
الحادثة دي مش بس سرقت مني شرفي، دي سرقت عمري وحياتي وآماني وأفكاري ومعتقداتي،
كل حاجة اتغيرت، كل حاجة بقت سودة في وشي، أنا ملقتش حتى اللي يضحك عليا ويقولي هنعدي منها سوا
+
دنت منه أكثر واسترسلت بدموعٍ تسيل دون توقف:
_ عبدالله، الظروف كان أقوى مننا، القدر مكتبش لينا إننا نكمل مع بعض وقتها، لكن الوقتي ممكن...
تعالى نعوض كم الخسارة اللي خِسرناها ونعوض في اللي الجاي..
+
استمع لها ببرودٍ مُتعمد، كان جامدًا كلوحٍ من الثلج الصلب الذي لا يذوب بسهولة، لوهلة جهلت صبا معالمه، فلم تتعامل مع ذلك الوجه من قبل، انتظرت قليلًا فقليلًا بعد، والنتيجة ذاتها، واقفًا بثباتٍ، وكأن كلماتها لم تَمِسه، وجهه جامد لا يبوح بأي شيءٍ كأن قلبه خالٍ من العاطفة.
+
بينما هزت صبا رأسها بتفهمٍ، ونظرت إليه في دهشةٍ لا تُصدقها عيناها، أحست بأن الذي أمامها لم يَعُد حبيبها، بل غريبٍ يتعامل معها ببرودٍ موجع وكأن قلبه قد أوصد بابه في وجهها، وأن مكانها في قلبه قد خلى منذ زمنٍ.
+
زمت شفتيها بِحُزنٍ وهي بالكاد تتماسك أمامه، ثم أولته ظهرها عندما تأكدت من عدم وجود أي ذِكرى لهما قد تربطهما ثانيةً، جرت خيبة آمالها خلفها بِثقل متوجهة إلى الخارج.
+
_ "وهو العمر فيه قد إيه عشان أعمل حبيبة تانية غيرك؟!"
هتفها فجأة فتجمٍَدت صبا مكانها، كانت أفكارها مُشوَّشة فلم تستطع تفسير كلماته، استدارت بجسدها ونظرت إليه كمن يسير في صحراءٍ جرداء منذ أيامٍ ويريد أن يروي عطشه فتساءلت:
_ يعني إيه؟
+
_ يعني وحشتيني يا دكترة!
صرَّح باشيتاقه لها مُتعمدًا ذكر ذلك اللقب الذي لم يُناديها به منذ زمنٍ، كما أن ثِغره قد تقوس إلى الجانب مُشكلًا ابتسامة آسِرة، فوقعت صبا أسيرة لابتسامته، لكن سرعان ما انجرف تيار عبراتها من عينيها.
1
فتوجه إليها عبدالله مُتسائلًا عن سبب بكائها:
_ طب ليه العياط دا دلوقتي؟
+
من بين بكائها أجابته بصوتٍ مرتجف:
_ كنت فاكرة إني مش هسمع الكلمة دي تاني... بس إيه الكلام اللي قولت دا؟
+
أجابها موضحًا:
_ كنت بقوله لنفسي طول الوقت عشان أقدر أنساكي بيه ومقدرتش!
+
إزداد نحيبها، وبوحت بمشاعرٍ صادقة:
_ وحشتني يا عبدالله، خوفت أوي تحب واحدة غيري..
+
لم يستطع عبدالله الوقوف بعيدًا وسمح لنفسه بالإقتراب منها، ثم رفع يده وتحسس وجهها بشوقٍ حار، فمالت صبا برأسِها على يده عندما شعرت بِدفءٍ افتقدته، فإذ بكلمات عبدالله المُتَيمة تخرج من لسانه وعينيه هائمة بها:
_ الغرام لغيرك حرام يا دكترة، كلهم اتحرموا على قلبي بعدك!
+
حينها؛ أغمضت صبا عينيها ثم أمسكت بيده الموضوعة على وجهها وقامت بطبع قُبلةً داخل كفها، وهمست وهي تُعيد فتح عينيها التي مال لونها إلى الإحمرار الدافِئ حيث كانت تفتقد ذلك الدِفء وتمتمت:
_ بحبك..
+
قالتها ثم أخفضت يده بِهدوءٍ عنها وأضافت ببسمةٍ لم تختفي من على محياها:
_ خلينا نكمل باحترام زي ما بدأنا... بلاش لمس لغاية ما الوقت يسمح ولمساتنا دي تكون في إطار حلال..
+
أماء عبدالله مِرارًا وعينه لا تُرفعان من عليها، يتفحص كل أنشٍ بها بشوقٍ لو لم يُسيطر عليه لكان هذا المكان شاهِدًا على بداية جديدة فريدة من نوعها تليق بعودة عِشقهما.
+
دمعت عيني صبا وهي تُخْبره مخاوِفها التي كانت تُحاصرِها طيلة الوقت:
_ كنت خايفة تنساني وأكون مُجرد ذِكرى..
+
إلتوى ثغر عبدالله للجانب فتشكلت ابتسامة جذابة بها بعض العِتاب وأخذ يُدندن بنبرة مُفعمٕة بالحُب:
_ وإزاي تقول أنساك وأتحول، وأنا حُبي لك أكتر من الأول، وأحب تاني ليه، واعمل بِحُبك إيه، دا مستحيل قلبي يِميل ويحب يوم غيرك أبدًا أبدًا، أهو دا اللي مش ممكن أبدًا
1
وبعد أن أنهاها هتفت صبا مازحة:
_ متقولش، أنت كنت وحي الست أم كلثوم برده؟!
+
_ أومال، دا أنا على كل لون تلاقيني
رده أضحكها ثم قطعت قهقهتها وهتفت:
_ دا أنت قديم أوي على كدا
+
أماء بأهدابه، ثم هدأ ضحكهما وتحول إلى إشاراتٍ ولغات تنبعث من خلال عينيهما، أشعارٍ من الحب و الإشتياق الذي يشع من نظراتهما الهائمة، كان قلب عبدالله يخفق بقوة أمام عينيها الخضراوين، كم ودَّ لو أنه ألقى بنفسه بين ذراعيها الآن ونال عِناقًا يداوي غِيابًا طال ويُثْلِج صدره المُحترق على فراق أحِبته.
+
خرجا من شرودهما على صوت هطول الأمطار الغزير، تفقدا الخارج من خلال الحائط الزُجاجي ثم تقابلا في نظرةٍ استشفا كليهما ما يدور في ذِهن الآخر، فتقوست شفتيهما بابتسامةٍ حماسية قبل أن يركضا مُهرولين إلى الخارج.
+
تحت زخّات المطر، وقف العاشقان مُتقابلين، كأنّ العالم من حولهما قد صمتَ احترامًا لفرحتهما، تساقطت القطرات على وجهيهما، فامتزجت بضحكهما البريء، وتلألأت أعينهما ببريقٍ لا يُشبه إلا نور الفرح.
1
مطّ عبدالله ذراعيه في الهواء، لتنسدل حبات المطر على كامل جسده، ففعلت صبا مِثله تمامًا فكان في حبهما دِفءٍ يُناجي برد المطر، وكأنّهما يُخبّئان في تلك اللحظة وعدًا بألا يفترقا ثانيةً، كانت السماء تُمطر حبًّا، والأرض تشهد ميلاد سعادةٍ لا توصف.
+
توقفت صبا فجأة عندما تخلَّلت جسدها تلك البرودة التي جعلته يرتجف، فأحاطته بذراعيها على أملاٍ أن ينبعث بعض الدِفء من ذلك العِناق البسيط، فانتبه عليها عبدالله الذي اقترب منها وتساءل:
_ بِردتي؟
+
أماءت وجميع حواسها ترتجف بقوة، فقال الآخر وهو يُشير بعينه إلى المركز:
_ تعالي ندخل جوا..
+
ثم أسبق بِخُطاه إلى الداخل فتَبِعته صبا ووقفت تُشاهد بحثه عن شيءٍ في الأرجاء، حتى عاد إليها حاملًا غِطاء ثقيل هاتِفًا باهتمامٍ وهو يضعه أعلى كتفيها:
_ لِفي نفسك بيه عشان تدفي..
+
اكتفت بإيماءة من رأسها فلم تمتلك قوة التحدث الآن من خلف اهتزازة جسدها، بينما أشار عبدالله إلى الأريكة وأردف مُوضحًا:
_ تعالي اقعدي، هعمل لك حاجة سخنة تشربيها..
+
فامتثلت صبا لأمره، وجلست ثم حاوطت جسدها جيدًا بالغِطاء فلم يكن ذلك قويًا بما فيه الكفاية حتى يُدفئ جسدها، بينما ذهب عبدالله إلى مطبخ المكان وقام بعمل كوباين من الشاي الساخن وعاد إليها، ناولها كوبها ثم جلس على طرف الأريكة تاركًا مسافة بينهما.
+
أخذا يرتشفان حتى شعرا كليهما بِدفء مفاجئ يُسيطر على جوفيهمها تدريجيًا حتى عادت حرارة جسدهما إلى الطبيعي، فابتسمت صبا بِعذوبة واستنكارٍ لما فعلاه وعلَّقت ساخرة:
_ إحنا إيه اللي عملناه دا؟
+
بادلها عبدالله الإبتسام ورد على سؤالها:
_ دي نقطة في بحر اللي هنعمله مع بعض بعد جوازنا يا دكترة!!
+
تفاجئت، حقًا أسرت تلك الجُملة قلبها، وجعلته يخفق بقوة، ابتسمت في خجلٍ فتعجب عبدالله من تفاجُئها بما أخبرها عنه:
_ إيه المفاجئة دي؟ أنتِ مكنتيش عاملة حسابك على جواز ولا إيه؟
+
قهقه ثم أضاف مازِحًا:
_ كنتي ناوية نقضيها في الحرام؟
+
عاتبته صبا بنظراتها وهمست مُجيبة سؤاله وعينيها تلتقيان بعينه:
_ إيه دا لأ طبعًا، بس من كُتر ما عقلي خلاص اقتنع إننا صعب نرجع تاني، فكِلمة جوازنا دي فاجئتني، حسستني إنها مكانتش في الخِطة، أو مكانتش هتحصل..
+
_ هتحصل يا صبا، طلاما إحنا عايزين يبقى هتحصل، أنا بحبك أوي، ونفسي في اليوم اللي كِلمتي تخرج فيه مش حرام، ولا لمستي ونظرتي، حتى أفكاري، عايز كل حاجة تكون حلال معاكي أنتِ..
هتفها بفيض من المشاعرٍ الصادقة فازدادت ابتسامة صبا عنفوانًا، ثم ابتلعت ريقها بتوترٍ، فكانت أنفاسها مرتفعة بسبب تسارع نبضاتها التي تزداد خفقانًا، أخرجت تنهيدة طويلة وتمتمت بحبٍ:
_ وأنت تيجي بدري من شغلك ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب؟!
+
أعاد عبدالله قول كلماتها بعيون هائمة بها وصوتٍ آسَرَهُ حُبها:
_ وأرجع بدري، ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب وأنتِ في حضني!!
+
لم تستطع صبا مواجهة عينيه بعد تصريحه الأخير، وهربت بأنظارها إلى الجانب المُعاكس له، مُحاولة السيطرة على حالاتها المُضطربة والمُتنَاقِضة التي تعيشها من خلف كلماته.
+
حمحم عبدالله ليجذب انتباهها، فعاودت صبا النظر إليه فقال وقد تشكل الحُزن على تقاسيمه:
_ إحنا لازم نكتب الكتاب في أقرب فرصة، كفاية بُعد لغاية كدا، بس أنا مش هقدر أعمل فرح وأغاني وهيصة يا صبا، مش قادر أتخطى موت أمي بسهولة كدا..
+
إلتفتت صبا إليه بكامل جسدها وقالت بعد أن رسمت بسمةً هادئة على ثِغَرها الوردي:
_ أنا كل اللي يهمني أنت وبس، مش عايزة غيرك!
+
بادلها الآخر ابتسامة عفوية وتحدث:
_ بس أنا برده مش هعرف أجي عليكي، أنتِ من حقك تلبسي فستان ونوثق يومنا بشوية صور للذكرى، وبعدها نكتب الكتاب في مسجد أو قاعة مفتوحة ونروح على بيتنا.. موافقة؟
+
أماءت بقبولٍ ثم رددت دون تصديق:
_ بيتنا يا عبدالله!!
+
مال عبدالله برأسه قليلًا مُشكلًا ابتسامة عذِبة جذابة على محياه مًرددًا للتأكيد:
_ بيتنا يا دكترة، أنا وأنتِ وبس..
+
إلتمعت عيني صبا بوميضٍ مختلف، وقد راودها بعض التخيُلات بأعذب المواقف التي قد تجمعهما في بيتٍ واحد، فانبعثت من شفتيها ضحكة سعيدة، ثم انتبهت على صوت عبدالله الذي قال:
_ قومي لما أوصلك البيت عشان تِعَرَفِي أهلك إني جاي اتقدم لك..
+
اختفت ضحكتها وقالت موضحة الوضع الذي تعيشه:
_ بس دا أنا لسه ناقلة شقة مع هدى زميلتي النهاردة..
+
عقد عبدالله جبينه مُستاءً وهتف:
_ معنداش بنات تقعد في شقق لوحدها، ارجعي بيتكم يا صبا، عشان تخرجي منه على بيتي أنا..
+
اكتفت بالإيماء دون اعتراضٍ، فخرجا من المكان ثم وقفا ينظران حولهما، فتساءلت صبا مستفسرة:
_ هي عربيتك فين؟
+
_ مع زكريا، أنا نسيتها خالص..
قالها وزفر أنفاسه باسيتاءٍ لنسيانه الأمر، ثم نظر خلفه وردد:
_ ثواني هجيب عربية من اللي بيتعمل لها صيانة هنا أوصلك بيها..
+
_ طيب ما نطلب عربية أحسن، عشان ميكنش ضرر عليك..
قالتها صبا مُهتمة لأمره، فضاق عبدالله بعينه مستاءً وقال:
_ ضرر إيه!! معذورة ما أنتِ شوفتي عبدالله الكحيان، مشوفتيش النسخة المُعدلة
+
ابتسمت له وأردفت بسعادةٍ:
_ أول ما اكتشفت رجوعك لباباك، كنت مبسوطة بس كان جوايا شوية غيظ بصراحة من نحيتك..
+
قطب عبدالله جبينه بغرابةٍ مُتسائلًا بفضولٍ حول ذلك الغضب المزعوم:
_ إيه دا ليه كدا؟
+
حمحمت صبا وبترددٍ أخبرته أسبابها:
_ يعني أنا اتحايلت عليك كتير أوي عشان تِدي لباباك فرصة في حياتك، وأنت كنت رافض، بصراحة ومن غير زعل حسيت وقتها إنك يمكن لو كنت قِبلت بيه مكنش وصل بينا الوضع للي إحنا فيه دا حاليًا..
+
أخرج عبدالله تنيهدة مُحملة بين طياتها بالندم وهتف:
_ أنا حاليًا بعد ما عرفت أبويا وقربت منه، ندمان على عمري اللي ضاع من غيره، وبقول زيك كدا، يمكن لو قِبلتُه من بدري ماكنش دا حالي، كان أكيد معايا شهادة، وشِبِعت حنان وكنت هكون مرتاح عشان عارف إن ليا ضهر اتسند عليه، والأهم إنه كان فاتنا متجوزين ويمكن عندنا عيال كمان..
+
أخفض بصره بآسى وأضاف بنبرةٍ يملأها مزيجٍ من الندم والحسة على عمره الضائع:
_ بس برده يمكن حصل كدا عشان نعرف قيمة كل حاجة ونخاف عليها أكتر.. يمكن حصل كدا عشان حُبنا يزيد للناس اللي الحياة فرقتنا في يوم..
+
إلتوى ثِغر صبا بإبتسامة أسِرة وهي تردف سؤالها:
_ يعني أنا قميتي زادت عندك؟ وحبتني أكتر؟ وكمان بقيت بتخاف عليا؟!
+
قلب عبدالله عينيه مُمازِحها قبل أن يقترب بِضع خُطوات منها حتى بات قريبًا للغاية لكنه حافظ على الحدود بينهما وهمس مُجيبًا أسئلتها:
_ قيمتك كنت عارفها من الأول، بس دا ميمنعش إنها زادت أكتر، وحُبي ليكي بقى أضعاف، كنت فاكر إن البُعد بينسي ويعلم القلب الجفا بس زي ما بيقولوا الممنوع مرغوب، أنتِ طول الوقت كنتي مرغوبة بالنسبة لي يا دكترة..
أما بقى بالنسبة للخوف عليكي، فأنا أخبيكي بين رمش عيوني ولا إن حاجة تِمْسك..
+
هرمون السعادة خاصتها كان في أقصى مراتبه، كلماته كانت تُسبب لها الهياج في نبضاتها وتجعل نظراتها أكثر لمعانًا وحماسًا، عضَّت صبا شِفاها قبل أن تفيض بمشاعرها:
_ يا بختي بيك، يا بخت قلبي عشان حبيته بالشكل دا، أنت رِزقي في الدنيا يا عبدالله، ربنا بيحبني عشان دخلك حياتي.. أنا بحبك أوي يا بودا!!
+
_ بودا، يلهوي!!
نطقها دون تصديقٍ، ثم ردد مستاءً:
_ هو يعني كنا لازم نعدي بكل الدُرُوب دي عشان أدلع؟
+
إلتوى ثِغرها للجانب، وهتفت في خجلٍ:
_ دا في ياء مِلكية كمان هتتحط بس مش دلوقتي، بعد كتب الكتاب
+
_ لا لو على كدا نكتبه من بكرة لاجل عيون الياء الملكية
هتفها مُبتسمًا بجاذبية، فأسْبَلت صبا عينيها لوقتٍ، فهي غير مُصدقة ما وصلا إليه قبل أن تُصرح ظاهرة شوقها إليه:
_ أنت كنت واحشني أوي يا عبدالله..
+
_ ممم، قولتيلي كنت واحشك أوي!!
رددها عبدالله بمكرٍ فأضافت صبا بلوعة:
_ أنت على طول واحشني، في كل مرة بتغيب فيها عني كنت بتمنى لو أشوفك لحظة، نفسي منتفرقش تاني أبدًا..
+
أخرج عبدالله تنهيدة حارة قبل أن يُخبرها:
_ والله أنا اللي معتش هقدر أعيش لحظة من غير الكلام دا..
+
حمحم ثم واصل:
_ من بكرة هبدأ في إجراءات كل حاجة، هدور على بيت وأخلص إجراءات كتب الكتاب وأول ما كل حاجة تكون جاهزة هنكتب على طول، مش هنستنى ثانية بعدها..
+
ابتلع ريقه وتابع عندما تذكر شيئًا:
_ بس أنا مش بتاع فيلل يا صبا، أنا بحب البيوت زي ما اتعودنا عليها..
+
قطبت صبا جبينها بغرابةٍ، ورددت سؤالها:
_ ومين جاب سيرة الفيلل؟
+
_ يعني، تكوني اتعودتي عليها في الفترة اللي فاتت دي..
قالها عبدالله وهو يفرك أصابعه دون أن يواجه عينيها التي عاتبته بهما وصححت مفاهيمه:
_ البيوت باللي ساكنين فيها مش بِوسعها ولا كام دور، إن شالله في أوضة واحدة، المهم معاك أنت..
+
فرك عبدالله مؤخرة رأسه؛ ثم ابتسم وهتف مازحًا:
_ لأ أوضة دي تقوليها لما كان إسمي عبدالله القاضي، إنما دلوقتي أنتِ بتكلمي عبدالله قاسم القاضي، فيه فرق طبقات ومستويات حصل بطريقة متتصدقش
+
قهقهت صبا على دُعابته، ثم اقترحت:
_ طب إيه رأيك منجبش بيوت خالص ونقعد مع عمي قاسم في البيت، على الأقل ميكُنش لوحده، يتونس بوجودنا، وبصراحة كدا مش حابة أخدك منه، كفاية سنين الفُراق اللي عِشتوها من غير بعض..
+
بإمتنانٍ واضح لها، هتف:
_ هنعمل كدا طبعًا، بس مش في أول فترة، الفترة الأولى دي لينا لوحدنا، بعيد عن جنس البشر.. هاخدك ونروح مكان معزول يدوب أنا وأنتِ والليل وسماه ونجومه وقمره..
تبادلا كليهما الضحكات السعيدة، ثم أضاف عبدالله بحسمٍ:
_ يلا عشان أروحك، الوقت اتأخر أوي
+
أماءت صبا بالموافقة، فهما بالخروج بعد أن أغلق عبدالله المكان ثم قام بركوب السيارة التي استعارها من المركز للغد، تحرك بها فكانت عينيه تجوب الطريق تارة وتارة أخرى تتفقد صبا التي لم ترفع نظريها عنه.
+
فابتسم عبدالله وصاح:
_ هتفضلي بصالي كدا كتير؟
+
تنهدت صبا بلوعة وقالت بتوجسٍ:
_ والله خايفة أكون بحلم، وافوق من الحلم ومتكُنش جنبي!
+
_ الأحلام كانت زمان، دلوقتي فيه حقيقة وبس..
هتفها فبثَّ بقلبها الطمأنينة التي انعكست على شفتيها المنفرجتان، ثم قام بتشغيل مُسجل السيارة بعد أن قام بوصله للهاتف، انتقى أغنيةً خِصيصًا لهما.
+
بعد قليل؛ صدح صوت ميادة الحناوي منه، وهي تغني أغنيتهما المفضلة "أنا بعشقك"، ابتسمت له بِعذُوبة تحولت إلى ضحكات عندما ارتفع صوت غنائه كأنه يُعبر عن حُبه من خِلال كلمات الأغنية.
1
ظلا على الحال نفسه حتى أوصلها إلى بيت أبيها بعد رفضه التام لبقائها في بيتٍ آخر، فتحت صبا بابها ثم نظرت إليه قبل أن نُزولها وقالت برقةٍ أنثوية:
_ هتوحشني..
+
_ أحب احتفظ بالرد لبعد كتب الكتاب..
هتفها بعفوية فرفعت صبا حاجبيها وتساءلت بفضولٍ:
_ إيه دا!! ودا ليه بقى؟
+
_ عشان يليق بعدد الأيام والليالي اللي بِعدنا فيها عن بعض!
لمعت عينيها بعد سماعها لذلك الرد، تنفست بعض الهواء ثم قامت بإخراج قِلادتها من حقيبتها وقالت:
_ هيتجمعوا أخيرًا..
+
فقام عبدالله بسحب قلادته التي يَخفيها خلف ياقة قميصه وتحسَّسها هاتفًا بحماسٍ:
_ هيتجمعوا يا دكترة!
+
لم تُفارق البسّمة شفتي صبا ذلك المساء، حمحمت ثم ودعته وغادرت بينما لم يبرح عبدالله مكانه حتى اختفت من أمامه فقام بالتحرُك، بشعورٍ لا يوصف بالكلمات، لا يوجد أحرفٍ يُمكِنها وصف ما يعيشه الآن.
+
تزاحمت أفكاره بين ترتيبات حفل زفافه التي هاجمت عقله فلم يعي أي منهما يفعل من فرط حماسته، فضرب الطارة بيده ثم تحسس بالأخرى مكان قلبه ودندن بسعادةٍ غمرت قلبه، كما ابتسمت روحه وعاد إليه رونقه وحيويته الذي افتقر إليهما في الآونة الآخيرة.
+
***
+
بترددٍ قابلته في الحديث قالت:
_ زكريا، معلش أوقف عند أول صيدلية تقابلك عشان أجيب حاجة لعسر الهضم، إحنا آكلنا كتير وبطني وجعتني..
+
أشار زكريا إلى عينيه ثم قال:
_ عيوني..
+
ابتسمت إليه بهدوء، ثم قالت ليلى مازحة وهي تتفقد ساعة يدها:
_ يااه الوقت أتأخر جدًا، إحنا إزاي قضينا كل الساعات دي برا من غير ما نحس؟ مش كان مشروع فطار بس!!
+
ضحك زكريا وعلَّق ساخرًا:
_ فطار جاب سينما وشوبينج وغدا وعشا ويا جيبك اللي فِضَى يا زكريا..
+
ضاقت ليلى بعينها عليه وهتفت بقوة:
_ مضايق ولا حاجة؟
+
رمقها زكريا بطرف عينيه قبل أن يردف مُجيبًا:
_ فداكي فلوسي وعمري كله يا لولا، ولا أي حاجة تِسوَى قُصاد إنك جنبي وراضية عني
+
لم تمنع ابتسامتها التي تسللت وارتسمت على شفاها، ثم أخفضت عينيها في حرجٍ، تلك الأثناء؛ أوقف زكريا السيارة وقال:
_ هنزل أجيب لك الدوا وراجع..
+
فأسرعت ليلى في مسك ذراعه مانعة نزوله، تعجب زكريا من تصرفها لكنه تريث حتى يفهم سببه، فقالت هي بإصرارٍ واضح:
_ لا خليك أنت، عشان عايزة أجيب حاجات تانية مش هتعرف تجيبها
+
وقبل أن يُعطيها زكريا ردًا كانت قد ترجلت من السيارة فأثارت الشك داخل زكريا الذي تابعها بنظراته حتى عادت إليه بعد خمس دقائق، فعاود قيادة السيارة إلى أن وصل إلى المنطقة خاصتهم.
+
صف السيارة أمام البيت، ثم ترجل منها سابقًا بِخُطواته ليلى، ثم قام بلقفها بين يديه فشهقت هي بذُعرٍ لتصرفه المفاجئ، ابتلعت ريقها مُحاولة ضبط أنفاسها ثم تفقدت المكان حولهما مُعاتبة إياه بلطفٍ:
_ أنت بتعمل إيه يا زكريا، إحنا في الشارع..
+
_ الناس نامت خلاص..
قالها ثم توجه بها داخل البناية، فهللت ليلى عاليًا:
_ طب الشنط اللي في العربية؟
+
_ هبقى أجيبهم الصبح..
قالها وقام بصعود السُلم، ولم يكف عن التغزل بها بنظراته قبل كلماته، حتى وصلا إلى شقتهم، قام بإنزالها ليفتح الباب.
+
ولجا خلف بعضهما، فكان زكريا لا يطيق الانتظار حتى يقترب منها بشكلٍ خاص، فلقد اشتاق إليها للغاية، لكن داخله ما يُسرِع ويُذَكِره بالتأني حتى لا تكرهه.
+
بينما بادرت ليلى بدخول الغرفة، وبدلت ملابسها بقميصٍ قصير باللون الأحمر، من الستان يتناسق مع تقاسيم جسدها الأنثوية، خرجت إليه بُخُصلاتٍ شاردة، فرأت في عينيه لهفته وانجذابه بمظهرها، لكنه لم يُحرك ساكنًا، غير ظاهرًا رغبته التي تشع من بؤبؤ عينيه.
+
ابتسمت خِفية، واقتربت منه بِخُطى مُتمايلة تعمدتها، فرأت عينيه تهربان بعيدًا عنها، عضَّت شفتيها لتخفي ضحكتها خلفها ثم جلست بجواره
واضعة قدميها أعلى الطاولة أمامها مُرددة بصوتٍ متعب:
_ اليوم كان جميل أوي
+
تعمدت الإقتراب منه طابعة قُبلةً حارة قُرب أذنه هامسة:
_ شكرًا يا زيكو..
+
أغمض زكريا عينيه مُستمتعًا بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله إثر قُربها، كما ارتفعت وتيرة أنفاسه بشكلٍ ملحوظ قد أحست بما يعيشه ليلى، آلمها ضميرها من خلف عذابه المتسببه هي به وقررت إنهاء تلك السخافة.
+
احتضنت وجهه بيديها وتمتمت بخفوت أمام شفاه:
_ موحشتكش؟
+
أغمض زكريا عينيه شاعرًا بمشاعرٍ لا يريدها الآن، احتضن يديها الموضوعة على وجهه وبهدوءٍ قام بإنزالها عنه قائلًا:
_ أكيد وحشاني..
+
تثاءب زكريا مُتصنعًا النوم، ثم نهض هاربًا منها وقال:
_ اليوم كان طويل، أكيد تعبتي، يلا ننام عشان ترتاحي...
+
إصراره على إظهار عدم اكتراثه للهفته الداخلية في الإقتراب منها قد أنبت ضميرها، وأشعرتها بتغييره الذي وعدها به، وما أعجبها في الأمر أنها المتحكمة الآن في سير حياتهما، دون أن يؤخذ منها مالا ترضاه.
+
أخرجت بعض الأنفاس قبل أن تَهِم بالنهوض، أسرعت في اللحاق به وقامت بالتعلُّق في عُنقِه مِتسائلة باهتمامٍ:
_ أنت بتبعد عني ليه؟
+
ضاق زكريا بعينه عاقدًا مابين حاجبيه، ناهيك عن تصنعه لعدم فهمه لما ترمي وتساءل:
_ ببعد عنك إزاي؟ ما أنا طول اليوم جنبك، ودلوقتي كمان جنبك أهو..
+
ثم غير مسار الحوار مُضيفًا مزحة بسيطة هاربًا بها من عينيها التي تكشفانه مُتحسسًا عينيها بأصابعه:
_ ولا أنتِ مش شايفة ولا إيه بالظبط؟
+
كانت ليلى متفهمة هروبه، وقامت بانزال يديها عن عُنقه ثم أمسكت بذراعيه ووضعتها على خصرِها فأرغمته على مُحاوطتها، بينما عاودت التعلُّق في رقبته، ثم أردفت:
_ أنا مش هضايق على فكرة لو..
+
صمتت عندما خجلت في مواصلة حديثها؛ وعندما فشلت في توضيح مقصدها قامت باللجوء إلى حلٍ آخر، حيث أنها بدأت بتقبيل وجنته بنعومة متعمدة، ثم قبلته بحرارة متمنية بألا يطيل في هروبه ذاك لأنها لن تستطيع الإطالة فيما تفعله بمفردها.
+
ذلك الحين، فقد زكريا صموده أمام قُبلتها، ولعن نفسه مرارًا وتكرارًا لأن بأفعاله الدنيئة لم يحظى بعيش مشاعرٍ رومانسية منذ وقتٍ بعيد، فبادلها مشاعره بلهفتةٍ واشتياقٍ حار.
+
لكنهما لم يدوما طويلًا؛ فلقد تراجعت ليلى للخلف فعاتبها زكريا بنظراته لابتعادها عنه، فأوضحت ليلى سبب تراجعها:
_ نسيت أخد الدوا.. راجعة حالًا
+
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها وأسرعت ناحية المطبخ مهرولة بِخُطى مُتعثرة، فلم يطمئن قلب زكريا وأراد معرفة ما تخفيه فذهب خلفها على الفور، وعندما استشعرت ليلى وجوده أخفت ما بيدها خلف ظهرها ظاهرة ارتباكها له.
+
فتأكد حدس زكريا بِثَمة ما تُخفيه، اقترب منها وهو يتساءل بجدية:
_ مخبية إيه ورا ضهرك؟
+
أنهاها ثم قام بإدارتها واكتشاف ما في يدها، فتراجعت ليلى خُطوة إلى الخلف ونظرت إليه في خوفٍ سكَن ملامح وجهها المُترقب رد فعله، بينما تفقد زكريا شريط الأقراص قبل أن تتشكل معالم الدهشة على تقاسيمه، فرفع بصره على ليلى المُنكمشة في نفسها وأردف:
_ عايزة تاخدي برشام منع حمل دلوقتي ليه يا ليلى؟
+
***
كنت حابة اكتب مشهد كتب الكتاب بس البارت طول واتأخر، فهنضطر نستنى الفصل الجاي
+
