اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والاربعون 46 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والاربعون 46 بقلم تسنيم المرشدي



                                              
الفصل السادس والأربعون 
على دروب الهوى 
بقلمي تسنيم المرشدي 

+


***

+


الإرتباك دون غيره كان مُسيطرًا على تقاسيم ليلى التي انكمشت على نفسها وتراجعت للخلف  متوجسة خيفة لاكتشافه أمر الأقراص، بينما استنكر زكريا ذلك الرُعب التي أظهرته إليه وأخرج بعض الأنفاس الضَجِرة، ثم قام بالإقتراب منها وأمسك يدها رافِعًا رأسها للأعلى مُجْبرها على النظر إليه. 

+


تنهد ثم أردف بهدوءٍ غير مُتوقع: 
_ أنتِ ليه خايفة كدا؟ وليه تاخدي حبوب منع حمل وأنتِ بتستخبي؟!

+


صمت لبُرهة قبل أن يُتابع بنبرة أكثر رزانة:  
_ ليلى أنتِ مش عايزة تحملي دلوقتي؟ ولا أنتِ بتاخديه عشان كنت رافض الحمل؟ 

+


تطلعت به بعينين لامعة، لم تقدر على إعطائه إجابة فهتف زكريا بنظرةٍ حنونة وهو يُمَلس على خُصلاتها المُحررة: 
_ حبيبتي ردي عليا، أنا محتاج أسمع منك، عشان لو بتاخديه عشاني، فأنا مش عايزك تاخديه، أنا عايز أخلف في أقرب فرصة ونجيب بنوتة تشبه لك وكمان نسميها ليلى، أما بقى لو أنتِ مش عايزة يحصل حمل دلوقتي هحترم رغبتك ومش هعارضك فيها أكيد ليكي أسبابك، بس فهميني الأول.. 

+


هدوء أسلوبه، كلماته الرزينة، تفهمه للوضع وشرحه بعقلانية، كان مفاجأة كبيرة لـ ليلى التي أطالت النظر به دون تصديقٍ، ابتلعت ريقها مُحاولة هضم ذلك التغير الكبير قبل أن تُجِيبه ببعض التردد: 
_ دا كان قرارك من الأول، ويمكن عشان محترمتوش حصل...

+


قاطعها زكريا ولم يدعها تواصل هاتفًا بندمٍ واضح: 
_ كان قرار غبي، ولو رجع بيا الزمن عمري ما هاخده تاني.. أنا آسف يا ليلى إني كنت أناني، سامحيني 

+


ابتسمت له بعذوبة وقالت بسماحة: 
_ يعني إحنا هيبقى عندنا بيبي صغير؟ 

+


_ يارب يسمع منك ربنا
دعاها زكريا بتمني ولهفة شديدة، ذلك الحين وضع الأقراص في صندوق القمامة وعاد إلى ليلى ثم أمسك يدها قائلًا بوقاحة: 
_ يلا نجيب ليلى الصغيرة 

+


لم تُعلق ليلى واكتفت ببسمةٍ خجولة، ثم احتضنت يده المدودة نحوها وسارت خلفه حتى بلغا غرفتهما، وقام زكريا بإغلاق الباب خلفه ليضع بصمته الخاصة لطالما اشتاق أن يَحصُل عليها مؤخرًا. 

+


***

+


عاد عبدالله إلى البيت؛ فوجد قاسم واقفًا أمام الحائط الزجاجي في انتظار عودته، ولج البيت واقترب منها بِخَطى حماسية ودون أن يتوقع قاسم خُطواته التالية فاجئه عبدالله بِعناقٍ اخترق صدره من قوته. 

+


اتسعت حدقتي قاسم تِلقائيًا فور احتضان عبدالله له، ثم ابتسم وربتَّ على ظهرِه بحُبٍ مُرددًا سؤاله السعيد بذلك العِناق: 
_ إيه الحضن المفاجئ دا، لعله خير 

+


تراجع عبدالله بعد أن شعر بالإكتفاء القليل منه، وأجاب سؤال أبيه بنبرةٍ شغوفة: 
_ هو لسببين، أولهم وأهمهم، إني بحبك أوي، وإني ندمان على كل لحظة عيشتها وأنا بعيد عنك، أنت مش متخيل كل ما افكر إني كنت رافضك بضايق من جوايا إزاي، إزاي ضيعت نص عمري وأنا رافض أب جميل زيك كدا.. 

+



                                      


                
كان قاسم يصغي إليه وقلبه يُرفرف عاليًا من فرط سعادته، ربتَّ على ذِراع عبدالله بِحُبٍ، ثم تساءل مُستفسرًا: 
_ طب والسبب التاني؟ 

+


سحب عبدالله نفسًا عميق قبل أن يُخبره بلهفةٍ: 
_ أنا وصبا رجعنا لبعض!! 

+


تصنع قاسم الدهشة، ثم شَكل على محياه ابتسامةٍ سعيدة لكنه لم يُمرق الأمر دون مشاكسته:
_ الله! أومال إيه انسيني وابعدي عني والكلام دا، دا أنا صدقتك يا راجل!! 

+


تحول لون وجه عبدالله إلى الإحمرار خجلًا من والده، ثم تجرأ وأفصح عن مشاعره: 
_ كنت بكدب، كنت بقولها ابعدي وأنا هموت عليها، صبا بالنسبة لي مش بس حبيبة وخلاص، اللي بينا أكبر من كلام الحب، أبعد بكتير من مجرد اتنين بيحبوا بعض، إحنا يبان إننا اتنين بس الحقيقة إننا روح واحدة، قلب واحد، كانت وحشاني أوي وكنت متأكد إننا أكيد راجعين.. 

+


لم تُفارق الإبتسامة وجه قاسم الذي سَعِد لسماعه ذلك الكلام منه، لقد يأس أن يراه سعيدًا مُجددًا، زفر بعض الأنفاس ثم قام بإعادته إلى حضنه برفقٍ وربتَّ على ظهره بِحُبٍ وحنانٍ قبل أن هتف:
_ متتخيلش ضحكتك دي هونت عليا إيه، ربنا يسعدك يا حبيبي..

+


تراجع قاسم للخلف ثانيةً؛ وقال بحماسٍ لما هم مُقدمون عليه: 
_ ها احكيلي بقى رتبتوا للفرح إزاي؟ 

+


عبست ملامح عبدالله قليلًا وأخذ يُخبره بقرارهما: 
_ مش هنعمل فرح، مجرد كتب كتاب في مكان وسط العيلة وبعد كدا هنرَّوح على بيتنا.. 

+


قطب قاسم جبينه فلم يُرحب بتلك الفكرة واقترح عليه:
_ مش عيب بعد كل اللي حصلكم دا ومتعملوش فرح؟ 

+


لمعت عيني عبدالله، ثم أخفض رأسه سريعًا هاربًا بنظراته عن قاسم حتى لا تتساقط عبراته، أخذ يفرك أصابع يده مُرددًا: 
_ أنا مش هعرف أفرح وأحلام مش موجودة معايا، فرحتي هتكون ناقصة

+


تحشرج صوته إثر بكائه الذي حبسه عُنوة، وأضاف بصوتٍ مهزوز: 
_ كانت بتحلم باليوم دا أوي، كان نفسها تشوفني وأنا عريس 

+


رفع رأسه وقابل عيون والده التي يترنح فيهما الدموع وتابع بتعثرٍ: 
_ فِكرة إنها مش هتشوفني مخلياني مش عايز أعيش اللحظات دي أساسًا، بس أنا مش هقدر أظلم صبا، هي من حقها تفرح وتلبس فستان زي أي عروسة، فدا اللي هقدر أعمله..

+


قاوم قاسم تلك الغصَّة في حَلقِه، وبصعوبة قابلها تحدث: 
_ طيب ما تستنوا شوية، وجعك يكون خف و.... 

+


_ مش هيخف، أمي يتزعل عليها العمر كله 
قاطعه عبدالله وقد خانته عبراته التي تسارعت في النزول، فتحدث قاسم مُحاولًا تغير الحوار حتى لا يُعَكر صفوه: 
_ خلاص يا سيدي، إحنا المهم عندنا إنك أنت وصبا سوا، كل دي تقاليد نقدر نستغنى عنها.. الفرحة الحقيقية إن يكون ليكم بيت يجمعكم.. 

+


أماء عبدالله برأسه، ثم ضبط أنفاسه المتلاحقة، وقال:
_ أنا بس كنت عايز أطلب منك طلب! 

+


_ طلب واحد! أنت بس تشاور وكل حاجة تبقى بين ايديك 
هتفها قاسم بنبرة واثقة، فأخبره عبدالله طلبه: 
_ أنا عايز أسافر شهر عسل، في مكان بعيد، بعيد أوي، مفيش فيه بشر، يدوب أنا وهي بس، آه ويكون فيه بحر.. 

+



        

          

                
مالت شفتي قاسم للجانب مُشكلًا ابتسامة دافئة وهو يصغي إلى حديث عبدالله بشغفٍ حقيقي، فرفع يده وربتَّ على كتفه وتمتم مُطمئِنًا إياه:
_ سيب كل حاجة عليا، وأنا هعمل لك كل اللي أنت عايزه 

+


تبادلا الإثنان الإبتسام بحيوية ورونقٍ قد أحيا فيهما بعض المشاعر التي دُفنت في الأيام الأخيرة، وأخذا يتناولان أطراف الحديث حول ترتيبات زواج عبدالله. 

+


****

+


صباح يوم التالي، كان عبدالله أول من استيقظ، حتى أنه لا يتذكر أنه قد نام تلك الليلة، فكيف ينام
المرء وهو على مشارِف تحقيق حُلمه؟! 
بدّل ملابسه بأخرى زادته جاذبية وأبرزت شبابه، خرج إلى شرفة غرفته ولم يطيق صبرًا لانتظار آذان الظهر لإيقاظ صديقيه، فقام بالإتصال عليهما في الحال، مُخصصًا مكالمة فيديو جماعية. 

+


في غرفة زكريا، قلقت ليلى من نومها إثر اهتزازة الهاتف، تململت على صدره العاري بكسلٍ ثم نادته بصوتٍ ناعس: 
_ زكريا اصحى، موبايلك بيرن.. 

+


استيقظ الآخر على صوتها، فتح عينيه ببطءٍ فرؤياه مشوشة بعد، ابتلع ريقه وهتف مُتسائلًا بصوتٍ أجش: 
_ مين بدري كدا، ربنا يستر.. 

+


تفقد الإتصال فازداد قلقِه من تلك المكالمة التي لم تحدُث منذ زمنٍ، نظر إلى ليلى وقال: 
_ ابعدي يا لولا شوية، لما أشوف عايزين إيه دول.. 

+


ابتعدت عنه ليلى بضع سنتيمرات قليلة، فأجاب زكريا في الحال، ظهرت صورة صديقيه على شاشة هاتفه، وما أن ظهرت صورته لهما حتى انفجرا ضاحكين فاستاء الآخر وتساءل بِحُنقٍ: 
_ بتضحكوا على إيه يا غجر؟  

+


رد وليد موضحًا سبب ضحكهم: 
_ أصل أنت لما اتاخرت قولت له اعذره، صباحيته النهاردة، بقاله كتير بعيد عن الملاعب 

+


صعق زكريا مما قيل، ثم نظر إلى يساره حيث تجلس ليلى التي طالعته بعيون واسعة مصدومة مما سمعته، فأسرع زكريا في النهوض من جوارها ناعتًا وليد بعصبية: 
_ بتقول إيه يا جحش أنت.. 

+


ثم التقط تيشيرتٍ له وقام بارتداءه هاتفًا: 
_ أنتوا عايزين إيه على الصبح؟ 

+


تولى عبدالله الرد على سؤاله حيث قال بإبتسامةٍ شغوفة: 
_ أنا وصبا رِجعنا لبعض!

+


سكون حل للحظاتٍ  صمتَّ فيها الآخرين، يستوعبون ما وقع على مسامِعهم، ثم تحولت الدهشة إلى سعادةٍ انعكست على وجهيهما، فتشكلت البسمة تِلقائيًا، فأخذ وليد يهلل بسعادةٍ عارمة: 
_ يا أخي هي دي الأخبار ولا بلاش، دا صباح الخير بجد بقى 

+


لِيُضيف زكريا بصوتٍ مُفعم بالحيوية والنشاط الذي اكتسبهما من خلف ذلك الخبر المفاجئ: 
_ خبر في الجون، حلال فيه الصُحيان بدري، مبروك يا حبيب قلبي 

+


هنئاه صديقيه، وباركا له بسعادةٍ ضاعفت السرور داخل قلب عبدالله، الذي تحدث ببهجةٍ كما لو أن الحُزن لم يطرق بابه قط:
_ يلا إلبسوا وتعالولي عشان هنروح نجيب شوية حاجات أخدهم معايا بليل وأنا رايح أتقدم لها..

+



        
          

                
وافقاه، ثم أنهوا الثلاثة الإتصال، وتوجه وليد إلى خِزانته حتى يُبدل ملابسه سريعًا، بينما عاد زكريا بأدراجه إلى ليلى المُستلقية على الفراش، وقام بخلع التيشيرت خاصته وألقاه بعيدًا ونظر إليها بمكرٍ فهتفت ليلى متسائلة حول نظراته المُريبة: 
_ في إيه؟ 

+


_ هنحتفل..
قالها زكريا وهو يتودد إليها، فتعجبت الأخرى وسألته مستفسرة:
_ هنحتفل بإيه؟ 

+


_ برجوع عبدالله وصبا.. 
وما أن أخبرها حتى أرغمها في التحليق في سمائه الخاصة. 

+


بعد مرور بعض الوقت؛ خرج زكريا من المرحاض وهو يُجفف خُصلاته بالمِنشفة على صوت طرقات الباب، فتوجه إليه ثم قام بفتحه فإذا به وليد ذو الوجه المُحتقن الذي اندفع فيه ما أن رآه: 
_ هو أنت فين؟ أنا بقالي ساعة برن على الموبايل وأنت مش بترد!!

+


ببرودٍ تحدث زكريا وهو يُتابع تجفيف شعره: 
_ مش فاضي لك.. 

+


_ أنت مستفز والله، الصُلح دا مش جاي مع حد سكة غيرك
لم يدعه زكريا يُكمل حيث صاح: 
_ خلاص يا بغل أنت، إهدى كدا ومتاخدش كل حاجة على صِدرك أصل يكبر.. 

+


صمتَّ كليهما يستوعبان ما هتفه زكريا للتو، ثم انفجرا ضاحكين على دُعابته الغير متوقعة، بينما صاح وليد من بين ضحكه: 
_ هستناك تحت، بالله عليك متتأخرش 

+


_ خلاص والله نازل وراك أهو 
قالها زكريا ثم أغلق الباب عندما غادر وليد، فتوجه زكريا إلى غرفته وقام بتمشيط شعره ثم خرج من الغرفة فتقابل مع ليلى التي خرجت لتوها من المرحاض. 

+


_ أنا هروح مع عبدالله مشاويره وبعدين هطلع على الشغل..
أخبرها عن سير خُطاه اليوم فتساءلت ليلى باهتمام: 
_ طيب أطبخ إيه؟ 

+


لَقِف زكريا يديها وطبع قُبلاته عليهما قبل أن يُردف: 
_ أي حاجة من الإيدين الحلوين دول هتكون حلوة..

+


ابتسمت ليلى بِحُبٍ فأضاف زكريا قبل ذهابه: 
_ ولا أقولِك متطبخيش حاجة، هجيب أكل وأنا راجع، ابقي كلميني عرفيني عايزة إيه 

+


_ إذا كان كدا أوكي
قالتها ليلى داعمة لقراره، فأطال زكريا نظره بها ثم هتف مازحًا: 
_ مفيش لأ يا حبيبي، مضعيش فلوسك؟! 

+


قهقهت ليلى عاليًا وقالت: 
_ تؤتؤ مش هعمل حاجة خلاص، خليك قد كلمتك 

+


_ ماشي ماشي، لما نشوف آخرة الدلع دا إيه 
هتفها ثم انحنى على وجنتها وطبع قُبلة حارة وأردف: 
_ سلام.. 

+


_ مع السلامة 
قالها وغادر المنزل سريعًا، فلم تخفض ليلى بصرها عن الباب الذي اختفى منه، شاعرة بمشاعرٍ مُمِتَنة لذلك الشخص الجديد، وتمنت بأن يدوم حنونًا، لطيفًا، مُحبًا كالأن. 

+


***

+


في المساء؛ طُرق باب البيت، فخفق قلبها توترًا، هبت واقفة ثم تفقدت هيئتها في المرآة، كانت ترتدي بنطالًا أبيض فضفاضًا من القماش، ينساب برقة مع خُطواتها، يعلوه قميص أبيض واسع أدخلت نصفه في البنطال بعفوية أنيقة، يفصل بينهما حزام تُزيّنه نجوم صغيرة تلمع كأنها بريقًا منعكس من الضوء، وتُكمل إطلالتها بحجابٍ أبيض يضفي عليها صفاءًا وهدوءًا. 

+



        
          

                
خرجت من غرفتها بُخُطوات مُتعثرة، فتقابلت مع عائلتها، ابتسمت بخفة تُخفي خلفها مشاعرٍ خجولة، ثم وقف محمود يفتح باب البيت ويليه جلال وصبا ووالدتهما، كان عبدالله من يقف خلف الباب، حاملًا باقة تحوي تِسع وتسعون زهرة حمراء، يُغلفها غلاف ورقي باللون الأسود الأنيق، يعلو الزهور شريط ورقي أبيض مُدون عليه عبارة " طالبين إيد دكتورتكم" 

+


ولج عبدالله بأُولى خُطواته وقام بمصافحة محمود دون تقبيله، فهو إلى الآن لم يهضم رفضه، وأن بسببه عاشا أسوء فراق مرَّ عليها، وقف عبدالله بعد مُصافحته مُعرِفًا عن أبيه بكل اعتزازٍ: 
_ قاسم القاضي، أبويا! 

+


دلف قاسم بهيئة شامخة، ورأسٍ مرفوع، كان يرتدي حُلة سوداء جعلت مظهره مُهيبًا لمن يراه، صافح محمود ثم تلاه البقية، وكذلك فعلت زينب لكن بترحيبٍ عابر دون لمسٍ، بينما وقف عبدالله أمام صبا التي ابتسمت إليه برقةٍ، وقال وهو يناولها باقة الزهور: 
_ اتفضلي، عشان التسعة وتسعين وردة يكملوا مية! 

+


تضاعفت البهجة على وجهها، وارتسمت الضحكة المُمِتَنة والسعيدة على محياها، ولج الجميع الصالون الخاص بالضيوف، ثم جاءت صبا بعد فترةٍ حاملة صينية من أكواب القهوة لكلٍ منهم مذاقٍ مختلف، ثم جلست بِقُرب عبدالله محافظة على ترك مسافةٍ بينهما. 

+


وبعد تناول العائلتين بعض أطراف الحديث المختلفة، بدأ قاسم كلامه فيما جاءوا من أجله: 
_ إحنا جاين النهاردة مش عشان نخطب دكتورتنا لعبدالله، إحنا جاين نحدد ميعاد كتب الكتاب، أظن الأطراف كلها عارفة بعض، والأهم إن عبدالله وصبا عندهم قبول وعايزين يكملوا حياتهم على سنة الله ورسوله، ولا إيه رأيك يا أستاذ محمود؟ 

+


بقبولٍ تام دون إبداء أي اعتراضاتٍ تحدث محمود:
_ يشرفنا طبعًا إن عبدالله ياخد بنتنا، على بركة الله.. نقرأ الفاتحة

+


رُفعت أيادي الجميع وقاموا بقراءة سورة الفاتحة، فنظر عبدالله تِلقائيًا على صبا التي ترتجف يديها من فرط الإرتباك، وعندما انتهى قام بسحب علبةً حمراء من أمامه وفتحها مُفصحًا عما بها: 
_ هدية عبدالله قاسم القاضي.. 

+


تفاجئت صبا بذلك الخاتم الذي يتلألأ كنجمةٍ صغيرة في العُلبة، يتوسطه حجر ألماسٍ صافٍ كضياءٍ آخاذ، يتلألأ بريقه في عيون الجميع كأنه قطعة من القمر، أخذهم سحره ولم يرفعوا عينهم 
عنه بسهولةٍ، ثم تبادلوا النظرات بين الإعجاب الشديد والدهشة. 

+


بينما خفق قلب صبا بشدة، لقد سلب عقلها ذلك الخاتم الرائع، تمامًا مثلما تراه في المسلسلات التركية، ابتسمت بعذوبة وهي تردد: 
_ إيه دا؟ 

+


تناول عبد الله يدها وقام بإلبسها الخاتم مُجيبًا إياها:
_ عشان يليق بمقام الدكترة.. 

+


كانت الدموع تترنح في عيني صبا تأثرًا لجمال كلماته، لم ينتهي عبد الله بعد، فلقد سحب عُلبةً أخرى مُغلفة بالورق، وهتف موضحًا ماهي: 
_ دي بقى هدية عبدالله القاضي بس، الهدية اللي شقيت وتعبت كتير عشان أجيبها في يوم، الهدية دي غالية عندي لأني تعبت بجد فيها..

+



        
          

                
أنهى جُملته وقد أزال الغُلاف الورقي عن العُلبة الاسطوانية، فاتضحت تلك اللاصقة التي تدور حول الأسطوانة المكتوب عليها ' عشان اتجوز صبا' 
ثم قام بإخراج خاتمًا آخر لكنه من الذهب، وقال: 
_ أنا كدا اتقدمت لك مرتين لسه مرتين عشان تبقي الأربعة المُحللين ليا! 

+


مد لها يده فأعطته يدها وأخذ يُلبسها الخاتم في يدها تحت تأثُرًا شديد منها، حتى أن عينيها قد انسدل منهما بعض العبرات عندما لم يصدق عقلها ما آلا إليه، فكيف فرقتهما الحياة ولم تحظى بلطافته وحنانه، وحبه الكبير ذاك من قبل عدد؟

+


رفع عبدالله يدها قُرب فمه وقام بتقبيلها هامسًا: 
_ بحبك...

+


وقبل أن ترد صبا كان جلال قد تدخل عندما أصدر صوتًا جاذبًا انتباه الجميع: 
_ آسف على المقاطعة يا عرسان، بس أنا محتاج أقول حاجة ضرورية، أنا خلاص حجزت تذاكر سفري على آخر الشهر دا، وكنت أتمنى إني أحضر فرح صبا دي أختي الصغيرة والوحيدة، مش عارف إذا كان هينفع ولا لأ.. 

+


قاطعه محمود بقوله:
_ أقل من شهر إيه بس يا جلال يابني اللي هنحلق نخلص فيه كل تجهيزات الفرح دي.. حاول أنت تأجل السفر دا شوية..

+


فتدخل قاسم وتولى الرد عليه مُوجهًا حديثه إلى جلال:
_ متأجلش حاجة يا أستاذ جلال، عبدالله مش محتاج لأي حاجة عشان نستنى أكتر من شهر، هما بس يفضوا لنا نفسهم أسبوع مش أكتر يختاروا فيه كل حاجة وكل حاجة هتكون تمام في أقل من شهر إن شاء الله 

+


حالة من الدهشة تملكت والدي صبا من خلف ثقة قاسم الذي أضاف مُتعمدًا إظهار مكانته: 
_ وزينب معاكي يا صبا، أنتوا بنات زي بعض وأكيد فاهمين الحاجات اللي ناقصة، لو أنتِ نسيتي حاجة هي تفكرك والعكس، ساعدوا بعض لغاية ما الموضوع يتم إن شاء الله 

+


كان قاسم يريد إشاركها في شيءٍ يُرغمها على الخروج من دائرتها المغلقة التي أصبحت بها، فقبلت صبا ووافقته الرأي: 
_ أكيد طبعًا، أنا مليش اخوات بنات وزينب اختي.. 

+


اكتفت زينب بإبتسامةٍ ثم تساءلت بفضول: 
_ عندك حد معين تفصلي عنده الفستان؟ 

+


_ بصراحة أنا مش عارفة أي حاجة، وحاسة إني متلخطبة ونسيت كل حاجة فجأة، كل حاجة حصلت بين وليلة.. 
قالتها صبا بنبرةٍ متلعثمة، فتحدثت زينب بثباتٍ: 
_ أنا اتعرفت على أتيليه جميل أوي هعرفك عليه متأكدة إن تصميماتهم هتعجبك..

+


_ هي الفكرة إنهم أكيد مش هيلحقوا، يا جماعة إحنا بنتكلم في أقل من شهر، مُتخيلين!!
هتفتها صبا مُحاولة توضيح الأيام القليلة التي أمامهم، فكان رد عبدالله واثقًا يشوبه بعض العجرفة: 
_ وإيه يعني؟ اختاري أنتِ بس وفي أقل من أسبوع يكون في دولابك..

+


_ طب حلو أوي، الفستان واتحل، ها الميك آب ارتست مين بقى؟ 
تساءلت زينب باهتمامٍ لإتمام تلك التفاصيل، فلم تكاد صبا تُجيبها حتى هتف عبدالله بعد أن حمحم: 
_ أنا بس ليا تعقيب كدا.. لو حابة تاخدي بيه يعني 

+



        
          

                
هزت صبا رأسها بمعنى ماذا، فاسترسل عبدالله ما يريد قوله:
_ أنا حابك تكوني طبيعية، مش عايزك تبوظي شكلك بالمكياج والكلام دا.. 

+


ابتسمت الأخرى بِخفة وعدلت إليه اعتقاده الخاطئ: 
_ بس الميك آب بيبرز الملامح وبيحليها مش بيبوظها! 

+


رد عبدالله بتلقائية وحسمٍ: 
_ بيحلي الوحشين، لكن أنتِ حلوة هيبوظ لك ملامحك القمر دي..

+


تفاجئت صبا بتغزله ولم تقدر على مواجهة عينيه تلك الأثناء عندما تأكدت أن العيون عليها، فأسرعت في خفض رأسها بحياءٍ، بينما تدخل جلال مُ للهعلقًا بمشاكسةٍ: 
_ في إيه يا جدع مش كدا، دا أنت حتى مش عامل اعتبار للي قاعدين، احترمنا طيب 

+


التفت إليه عبدالله وقد شكل ابتسامةٍ جذابة قبل أن يَرُد:
_ لأ معلش اللي أنا عيشته وشوفته يحق لي أعمل أكتر من كدا.. 

+


غمزه جلال بمشاغبةٍ لطيفة:
_ حقك، محدش يقدر يلومك!

+


قهقه كليهما ثم تابعا معًا ترتيب بعض التجهيزات ووضع النقاط على الحروف حتى يكون كل شيءٍ جاهزًا في الموعد دون تأخيرٍ. 

+


**** 

+


بعد مرور بِضعة أسابيع؛ جاء اليوم الموعود، حيثما انتظرا الجميع ذلك اليوم بفروغ صبرٍ، وتمنوا انتهاء ترتيباته حتى يجمعهم بيت واحد في نهاية المطاف، لقد حلمُوا كثيرًا والآن الحُلم على وشك تحقيقه. 

+


كان عبدالله واقفًا في منتصف الحديقة، من بين العشرات من العُمال والطُهاه، يساعد بيديه في تجهيز الأطعمة ووضعها في الأطباق البلاستيكيه، كما يقوم بتغليفها مثلما يرى العامل يفعل. 

+


كانت الحديقة تجمع حشدٍ كبير، الجميع يعمل بِجدٍ ولا يَمِلوا لكي ينتهوا من تلك الكمية الهائلة من الطعام قبل أن يُرفع آذان الظهر، خرج قاسم من البيت مُتفقدًا الجميع، ثم أسقط نظره على عبدالله الواقف رافعًا أكمام قميصه وكذلك رافعًا بنطاله للأعلى لِيسهُل عليه التحرُك، كما أنه يتصبب عرقًا لضغط نفسه في العمل. 

+


حرك قاسم رأسه باستنكارٍ؛ ثم توجه إليه، وقف خلفه وهتف: 
_ يا بني أنت بِتتعب نفسك في يوم زي دا ليه؟ أومال أنا جايب كل العُمال دي ليه، مش عشان يخلصوا هما..

+


دون أن يلتفت إليه أجاب وهو يُتابع تغليف العُلب:
_ أنا مبسوط وأنا بعمل بإيدي الإطعام، كفاية إنه لروح أحلام، أنا مش تعبان.. 

+


بتأثرٍ شديد ربتَّ قاسم على كتفه، ثم وقف إلى جواره بعد أن اكتسب منه بعض الحماسة للمشاركة في إعداد الطعام، مرت دقيقة ثم أردف قاسم عندما وجد أنه مازال هناك الكثير بعد: 
_ المفروض الإطعام دا كنا نعمله في يوم لوحده يا عبدالله، بحيث نكون متفرغين له طول اليوم، لكن بالشكل دا مش هنحلق نخلص قبل الضهر، الكمية ما شاءالله كبيرة.

+


_ إن شاء الله نلحق، أنا حابب إنها تشاركني يومي، كل حاجة هتبقى تمام.. 
هتفها عبدالله متابعًا ما يفعله بحيوية دون كللٍ، حتى جاءه أحد العاملين ووجه حديثه إليه: 
_ الـ ٣٠٠ كيس اللي حضرتك قولت نجهزهم خلصوا.. 
ٍ
هز عبدالله رأسه بتفهمٍ، ثم التقط مِنشفةٍ صغيرة وقام بمسك يده ثم أخرج من جيبه ورقةً وناولها إياه موضحًا: 
_ دا العنوان اللي هتروح عليه وهتلاقي موجود رقم وليد وزكريا صاحبي رن عليهم وهما عارفين هيوزعوا فين.. آه وخلوا الناس تترحم على أمي.. 

+



        
          

                
_ تمام 
أنهاها العامل ثم انصرف، بينما وقف عبدالله يُتابع الجميع ويحثهم على الإسراع، وبعد مرور بِضع ساعات، كان قد انتهى الجميع مما يفعلوه، وبعد أن تمًَم عبدالله على كل شيءٍ وتأكد بنفسه من وصول الطعام إلى المكان خاصته، صعد إلى غرفته وتلاه زكريا ووليد اللذان انضما إليه مؤخرًا. 

+


وقف أمام الحامل المُعلق أعلاه الحُلة السوداء خاصته، أطال النظر بها ومزيجٍ من المشاعر الدافئة قد راودته، أضفت السعادة على ملامحه حيوية، ولمعت عيناه تأثُرًا، ها هو ثوب حفل زفافه على من تمناها قلبه. 

+


_ أخيرًا يا صاحبي 
رددها وليد وهو يضع يده أعلى كتف عبدالله، بينما صاح زكريا عاليًا: 
_ أنا لو عملتوا إيه، مش هصدق برده إنكم بقيتو لبعض غير بعد ما المأذون يتمم الجوازة دي.. 

+


ضحك عبدالله ثم التفت إليه قبل أن يردد: 
_ والله وأنا كمان، حاسس إني لسه بحلم، أصل مش مصدق إن الدنيا تضحك لي فجأة كدا.. 

+


_ إن شاء الله تفضل تضحك لك طول العمر يا صاحبي 
قالها وليد داعيًا داخله، ثم بدأ عبدالله في ارتداء حُلته بمساعدة صديقيه، وبعد أنتهى انضم إليهم مصفف الشعر خاصة عبدالله والذي بدأ على الفور تصفيف شعره. 

+


بعد مدة؛ كان الجميع قد انتهوا من تجهيزاتهم، وقف الثلاثة يتطلعان في المرآة بإعجابٍ وسعادة لا تُضاهى، استمعوا إلى طرقات الباب فالتفتوا ناظرين نحوه فاذا بقاسم قد ظهر من خلفه بطلَّة فريدة من نوعها، تليق بكونه أبا العريس. 

+


تقوس ثغره تلقائيًا عند رؤية عبدالله، توجه ناحيته والإبتسامة تتضاعف كلما اقترب منه، كان قلبه يعزف على ألحان سعادته بتلك الطلَّة، رفع كفوفه وتحسس بها وجهه بعيون لامعة وهتف: 
_ الحمدلله إن ربنا مَنْ عليا بِشوفة الطلَّة دي، الحمد لله يارب.. 

+


اهتز كيان عبدالله؛ وأسرع في احتضان يدي قاسم الموضوعة على وجهه وقام بتقبيلهم، ثم وضع يده خلف رأس والده ليستطع تقبيل جبينه براحة هاتفًا بإمتنانٍ عظيم: 
_ لو حد محتاج يحمد ربنا فهو أنا، عشان عوضني بيك أنت، ربنا يباركلي في عمرك يارب 

+


أعاد عبدالله تقبيل رأس والده مِرارًا حتى اكتفى، فقال قاسم: 
_ طب يلا بقى، العروسة جاهزة من بدري ومستنية حضرة العريس 

+


إلتوت شفتي عبدالله ببسمةٍ عذبة، ثم أماء بقبولٍ، خرج من الغرفة بِخُطى مهرولة لا تُطِيق الإنتظار، وقف أمام أحد الغُرف الكائنة في ذلك الطابق، ثم طرق الباب ووقف يَعُد الثوانٍ لرؤية عروسه المصون، فكان عبدالله حارِصًا بأن يُقَام كل ترتيبات الحفل في المنزل حتى تحاوطه روح والدته ويشعُر بمشاركتها له في يومه المميز. 

+


فُتح الباب فعبس عبدالله عندما وجدها فتاة غريبة الملامح، فلم ينتظر خروج سوى صباه، لكن من تلك؟ 

+


_ أنا رانيا الفوتوغرافر، معلش يا عريس اعذرنا مش هينفع تدخل عشان هتبوظ لنا الخطط اللي راسمينها للفريست لوك، لو سمحت استنى تحت في الجنينة والعروسة هتيجي لغاية عندك.. 
هتفتها بعملية فنفخ عبدالله بعدم صبرٍ، ثم حاول الوقوف على أطراف أقدامه ربما ينعم برؤيتها لكن  المُصورة قد أغلقت الباب ولم يتبقى سوى رأسها الظاهر منه وقبل تغلقه بالكامل أردفت:
_ أنا سمعت إنكم قصة حب كبيرة، معلش استحمل خمس دقايق كمان ومش هنأخرها عليك، وعد مني..

+



        
          

                
ابتسم الآخر بمكرٍ ثم حذرها بأصابعه التي تشكلت على رقم خمسة: 
_ خمس دقايق، خمسة وثانية هتلاقوني عندكم في الأوضة باخدها بنفسي.. 

+


ضحكت الفتاة وأعطته وعدًا حاسمًا: 
_ لا لا هما خمس دقايق مش أكتر، متقلقش.. 

+


أومأ  عبدالله برأسه ثم غادر على مضضٍ، ناعتًا تلك العقبات التي لازالت تُفرقهما، خرج إلى الحديقة وانضم إلى صديقيه بضجرٍ مُنعكس على تقاسيمه، وقف يتسامر معهم مُتفقدًا ساعة يده بين كل دقيقة والأخرى، حتى مر خمس دقائق فردد بحسمٍ: 
_ لا مش هستنى أكتر من كدا.. 

+


وما كاد يستدير بجسده حتى تفاجئ بحضور صبا، ارتجف جسده فجأة من هول المفاجأة، كما أن قلبه لم يكف عن الخفقان بصورةٍ عنيفة، لم يصدق عينيه ثوبها الأبيض الرقيق الذي أضفى لملامحها سِحرًا خاص ذو بريقٍ فريد سرق نظريه فلم يستطع رفع عينيه عنها، هز عبدالله رأسه غير مُصدقًا ما يراه، مُشكلًا ابتسامةٍ صافية، ناهيك عن عينيه التي شاركت بدموعٍ تساقطت من فرط سعادته. 

+


اقترب بِخُطى مُتهملة حتى بات أمامها، ثم همس سؤاله: 
_ هو دا بجد؟ 

+


أماءت صبا مؤكدة وعينيها تترقرق فيهما الدموع، كانت تقف أمامه مُحاولة سحب أكبر قدر من الهواء حتى تضبط أنفاسها المضطربة، فكانت في حالة يرثى لها، بالكاد تتماسك، فلا تريد أن تطلق العنان لبكائها أن يفقد رونق اليوم. 

+


أحاطت العائلة والأصدقاء العروسين، في أعينهم لغة الفرح، يتآملونهم بنظراتٍ مُفعَمة بالسعادة والودٍ، وقُلوبٍ تتدعي لهم بالبركة، كان كل ثنائي يقف معًا يعيشون تلك اللحظات الدافئة سويًا. 

+


كان زكريا واقفًا يحيط خصر ليلى ويضُمها إلى صدره بكل حميمية، كأنه يقول لمن يراهم أنها مِلكه وحده، بينما كان وليد مُحتضنًا ثغرات يد خلود ويَشُد على يدها بِحُبٍ، كما لم تخلوا نظراته من العشق وتمنى عيش لحظاتٍ ثمينة كالذي يُشاهدونها. 

+


أمسك عبدالله يد صباه وتوجه إلى الطاولة المُزينة بالورود البيضاء التي صُمْمِت خِصيصًا لعقد القِرآن، جاور عبدالله المأذون وإلى جانبه جلست صبا، بينما في الطرف المقابل لهم جلس محمود وإلى جواره قاسم وجلال ليكونا شاهدي على عقد الزواج. 

+


جلس الجميع في هدوء، ابتسم المأذون وهو ينظر إلى العروسين، ثم قال بصوته الواثق:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله

+


حمحم ثم أضاف مُوجهًا حديثه إلى محمود: 
_ قول ورايا يا أبو العروسة، زوّجتُ ابنتي الدكتورة صبا محمود النيجيري من الأستاذ عبدالله قاسم القاضي، على الصداق المسمّى بيننا، وعلى كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسان

+


أنهاها المأذون ثم رددها محمود فنظر الآخر إلى عبدالله وتحدث بوقارٍ: 
_ قول ورايا يا أستاذ عبدالله، قَبِلتُ الزواج من الدكتورة صبا محمود النيجيري على الصداق المسمّى بيننا عاجله وآجله. 

+



        
          

                
ها هي اللحظة الحاسمة التي تفصله لجعلها امرأته أمام الله والجميع، كانت لحظاتٍ مُهيبة على عبدالله الذي أرتفع معدل نبضات قلبه، أخذ شهيقًا عميق ثم زفره بتهملٍ قبل أن يهتُف عاليًا بصوتٍ عاشق وعينين مُغرمةٍ بصباه الذي التفت برأسه ونظر إليها بِهُيامٍ: 
_ قَبِلتُها زوجة لي، ورفيقة دربي وحَلى عمري،  وسكنًا لقلبي
لتُطييب جِراحي
هي بهجة أيامي 
وملجأ هُمُومي، هي سِربِي الآمن 
هي خُطى على طُرقًا قد فرّقتنا، لكنها لم تغيب والله لحظة عني، وطيفُها لم يُفَارقني، واسمها لا يبّرح لساني في خلّوتي 
فكان حديثُها شمّسِي إن جاء الليّل، وكانت عينيها قمرًا يُنِير أحلامي
ظننتُها رحلت عني للأبد، وظننتني نَسيت، لكن الله كان أحن مِنّا وجمعَنا وكتب لعودتنا نصيب 
واليوم أكُتب كِتابي على من أحببتها في السِر والدُعاء 
اليوم هي عَرُوسي، حبيبتي الأولى، بِكر قلبي الرشيد، قدري الذي لم يخذلني حينما رجوت عودته. 

+


سكن الصمت المكان بعد أن أنهى عبدالله كلمات الغزل بصباه، كأن الأنفاس عُلِقت بين الإعجاب والدهشة، ثم انفرجت الوجوه حولهما بالإبتسامات، وارتفعت الهمهمات المليئة بالفرح المُنعكس على عيونهم اللامعة، كما أن بعض النسوة يُخفين دموعٍ متأثرة. 

+


بينما صبا غمرتها المحبة والدِفء من خلف كلماته التي فاجئها بها، كان الجميع يُبادلونها نظرات فخرٍ
وسعادةٍ خالصة، كأن كلماته كانت موجهة إليهم فصغوا إليها بقلوبٍ سعيدة فرِحة. 

+


هنا جاء آخر كلمات المأذون الذي بارك ذلك الزواج بقوله: 
_  بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير 

2


تعالت التصفيقات لحظتها؛ كما أطلق الشباب بعض الصافرات فتناغما إيقاعهما معًا مُصدرين سيمفونية رائعة عاكسة مدى سعادتهم. 

+


نهض عبدالله والحضور، لكنه لم ينتبه لأي من الواقفين، فنظراته تتمعن النظر في صباه التي أصبحت زوجته، أمسك يديها ثم رفعهم بِقُرب فمه وهمس:
_ أول بحبك تتقال في الحلال وأنتِ مراتي حلالي، بحبك يا أغلى من عيوني

+


تبخر تماسك صبا لحظتها، وانهارت من البكاء مرددة بعدم تصديق لما يحدث: 
_ هو اللي بيحصل دا بجد، إحنا كدا خلاص متزوجين؟! 

+


شاركها عبدالله بدموعه التي انهمرت من عينيه ثم أثبت لها أن ما يحدث حقيقة ملموسة عندما جذبها برفقٍ إلى صدره ونال عِناقًا تمناه طويلًا، وكان عناقه خير إثبات، فاستكانت صبا على كتفه وأغمضت عينيها عندما عاد إليها آمانها الذي سُرِق منها تلك الليلة الحزينة التي تركت وجعًا لا يُنْسَى. 

+


الآن لم يَعُد هناك أثرًا لأي آلام داخلها، كأن قلبها لم يشهد وجعًا مُطلقًا، عمّت السكينة جوفها، وهدأت نبضاتها، كما بات عقلها فارِغًا من المُشاحنات والتوتر وغيره من المشاعر السلبية. 

+


كانا يُضمَا بعضهما البعض وكأن في ضَمِهما شِفاء لروحهما، عِناقٍ يُداوي جُراح الأيام وقساوة الأحداث ومرارة ما عاشاه. 

+



        
          

                
وكأنما وقف الوقت من حولهما فلم يشعُرا كم مر من الوقت، فهما لا يريدان الشعور بأي شيءٍ ولا تدخلٍ يُعكر رونق تلك اللحظة الثمينة، حمحم جلال الذي تدخل للفصل بينهما، فهناك أناسٍ واقفون للمباركة. 

+


أصدر صوتًا عالٍ ثم وضع يده على صبا التي انتفضت مذعورة، للتو أدركت أنها تناست الجميع، تراجعت للخلف وتفقدت العيون التي تبتسم شفاها وهما يهمسان إلى بعضهم، فأسرعت في خفض رأسها هاربة، ثم انتبهت على اقتراب زميلاتها فكادت تقترب منهن لكنها تفاجئت بيد عبدالله التي حاوطت يدها قبل أن يهمس: 
_ متبعديش، خليكي جنبي.. 

+


ابتلعت صبا ريقها وأماءت بِقبولٍ ولم ترضى الإبتعاد عنه، كذلك لم يترك عبدالله يدها، وأخذا كليهما يُقابلان الحضور ويديهما معقودة ببعض، اقترب وليد من عبدالله وتفقد يده المُمسكة بيد صبا وعلّق ساخرًا: 
_ لا الحتة دي بتاعتي، معلش 

+


ضحك عبدالله وهلل وهو يضربه في رأسه بِخفة: 
_ يعني بزمتك أنت عملت نص اللي عملته عشان تعلق لي على مسكة الإيد؟ 

+


_ ولا رُبعه حتى، أنت بتهزر؟! 
قالها وليد مستهزءًا من نفسه، ثم قهقه الثلاثة فأضاف زكريا مُقللًا من شأن رومانسيته: 
_ دا أنا كنت مسمي نفسي زكريا هرمون الرومانسية، طلعت صِفر على الشمال جنبك يا جدع.. 

+


قهقه وليد قبل أن يُعقب ساخِرًا: 
_ زكريا هو هرمون واحد بس اللي أنت عارفه وإحنا كمان عارفينه متضحكش على نفسك 

+


تبادلا الثلاثة النظرات ثم حك زكريا مؤخرة رأسه قبل أن ينفجروا ثلاثتهم ضاحكين، فقال زكريا مؤيدًا: 
_ عندك حق، مش قادر أنكر.. 

+


إزدادت ضحكاتهم وارتفعت، ثم هدأت تدريجيًا حتى هتف زكريا:
_ إحنا مش هنرقص ولا إيه؟ 

+


هز عبدالله رأسه رافضًا وأوضح:
_ مفيش رقص ولا أغاني..  اتلم 

+


_ نعم يادلعدي؟؟
صاح زكريا بصوتٍ يشبه النسوة وواصل صياحه بإنكارٍ: 
_ هرقصك يا عبدالله.. هو اليوم دا بيجي كل يوم؟ 

+


أولاه زكريا ظهره والإصرار بائن في تصرفاته، فهتف عبدالله محاولًا إيقافه:
_ استنى هنا يابني، يا زكريا أنا مش هرقص 

+


لكن دون جدوى، لم يتلفت إليه وتابع سيره مُبتعدًا عنه، فتساءل عبدالله بفضول: 
_ دا رايح فين دا؟ 

+


رفع وليد كتفيه جاهلًا وقال ونظريه تتبعان زكريا: 
_ مش عارف، بس طلاما قال هيرقصك يبقى هيرقصك! 

+


_ لا بالله عليك يا وليد، إلحقه وقوله ميعملش حاجة من دي، أنا كدا تمام.. 
أردفها عبدالله مُتوسلًا لوليد الذي أسرع خلف زكريا يمنعه من فعل ما يريده حتى لا ينزعج عبدالله، بينما وجه عبدالله انتباهه الكامل إلى صبا 
ووقفا يتلقيان التهنيئات السعيدة من الحضور. 

+


بعد قليل، لاحظ عبدالله انسحاب الشباب من المكان، بما فيهم العُمال شركائه في العمل، وبعض الشباب الآخرين من الأقارب، عقد حاجباه بغرابةٍ وتمتم متسائلًا: 
_ هو فيه إيه؟ كلهم اختفوا فجأة كدا وراحوا فين؟ 

+



        
          

                
وما أن أنهى سؤاله حتى انطفأت الإضاءة من حولهم، ثم أُنير المكان ثانيةً لكن بإضاءة خافتة حمراء، وصدح صوت موسيقى لا يعلم من أين تأتي، وما جعله يُحدق بذهولٍ خروج الشباب من بيت المزرعة في شكلٍ مُتناسق، حيث كل اثنين إلى جوار بعضهما ثم يتفرف كل واحدٍ منهما إلى جانب مختلف حتى شكلا دائرة مفتوحة لتمرير عبدالله من خلالها. 

+


أشار زكريا إليه بالمجيء فرفض بهزة من رأسه، لكن الشباب قد هتفت معًا بصوتٍ عالٍ بإسمه حتى استسلم إليهم وتوجه بِخُطى ثابتة وهيئة شامخة حتى بات في منتصف الدائرة، فاصطفّ الشباب في دائرة حول عبدالله، كتفًا بكتف، تتشابك أذرعهم وتعلو ضحكاتهم.

+


كانت الأرض تهتزّ تحت خُطواتهم المتلاحقة، يقفزون في حماسٍج كأنهم قلب واحد ينبض بالفرحة، اقتربوا منه شيئًا فشيئًا، يهتفون بإسمه ويُحيطونه بِحبّهم، تتلألأ في عيونهم نشوة الفرح، ويغمر الجوّ صوت الأغنية التي شعروا بأنها خُصصت إليهم. 

+


انتهى الحفل على خير، اكتفى عبدالله بهذا القدر وانسحب من بين الجميع ليهرُب بعروسه إلى عُش الزوجية لطالما بنى أحلامه فيه، أوقفه أبيه قبل ذهابه وقد استند بمرفقيه على نافذة السيارة، وأردف: 
_ الطيارة بكرة بليل الساعة ١٠، كل حاجة متظبطة زي ما أنت طلبت بالظبط 

+


غمزه قاسم فابتسم له عبدالله وبامتنانٍ قال: 
_ حبيبي والله يا بابا، ربنا يخليك ليا

+


أنهاها ثم استمعا إلى صوت بكاءٍ قد تسلل إلى شحمتي أذنه فبحث عن مصدره وإذا بها زينب تقف على مقربةٍ منهم تبكي، فترجل عبدالله سريعًا وتوجه نحوها ودون سابق إنذار قام باحتضانها بكل ما أوتي من قوة مُرددًا: 
_ ليه العياط دا بس يا زوز؟ 

+


أجابته بصوتٍ متحشرج إثر بكائها: 
_ فرحانة لك، وزعلانة إني هكون لوحدي.. أنا هعمل إيه وأنت مش موجود وماما كمان.. 

+


قاطعها عبدالله بوضعه يده إلى فمها مانعة من مواصلة حديثها وأردف: 
_ أنا مش هغيب عنك، كلها شهر بالكتير وأرجع لك، وبعدين، أنا اتكلمت مع بابا وخليته يشوف مكان في شركة محترمة عشان تشوفي نفسك يا زينب، أنتِ محتاجة تقدري نفسك وتعرفي قيمتك كويس، محتاجة تحبي نفسك وتعرفي إن مش لازم الواحد يلاقي دعم ولا كلمة حب من غيره تسنده وتقويه، لأن الدنيا مش دايمة وكلنا مش باقين، واظن أنتِ فاهمة كلامي.. 

+


أماءت زينب بتفهمٍ فأضاف الآخر بلهجةٍ مرحة مُشاكسها: 
_ عايز أرجع ألاقيكي بقيتي مديرة الشركة، تمام

+


نجح عبدالله في رسم الإبتسامة على وجهها، شاركها الإبشتسام ثم قام بتقبيل جبينها وتمتم قبل ذهابه:
_ فكري في اللي قولتك عليه، متسبيش نفسك للزعل، اعتمدي على نفسك وطلعي كل طاقتك في الشغل، اعرفي قيمتك يا زوزو، ماشي

+


كانت زينب تومئ برأسها دون حديث، فعاود عبدالله تقبيل جبينها ثم توجه إلى سيارته وانطلق 
بها إلى عُشه الجديد. 

+



        
          

                
*** 

+


عادوا جميعًا إلى الحارة، فأسبق وليد خُطاه إلى الأعلى منتهزًا غياب زكريا وذهابه لشراء أقراص للصداع الذي أصابه، وقف برفقة خلود أمام باب منزلهم، كان قد عادا أبويها في وقتٍ باكر عنهم، استند وليد بظهره على الحائط وأخرج زفرة ملوعة حارة وهو يردد:
_ ما تيجي نتجوز يا خلود، أنا راجع من الفرح دا عندي طاقة ونفسي مفتوحة على الجواز، رغم أنه بسيط ومحصلش فيه أي حاجة زيادة إلا إن إحساس عبدالله خلاني عايز أعيش اللحظات دي 
نفس اللي هو عايشه.. 

+


إلتوت شفاه خلود للجانب بعد أن رفعت نقابها وأيدت رأيه: 
_ فعلًا، تقريبًا كلنا راجعين بنفس الطاقة.. 

+


فاجئه ردها فغمزها وليد مشاكسًا: 
_ يعني إيه؟ أكلم عمي نحدد الفرح؟ 

+


انتصبت خلود في وقفتها وهللت رافضة: 
_ لأ طبعار فرح إيه دلوقتي، أنا مستحيل أقدر أوفق بين الكلية والجواز، أنا بغرق في شربة مية، مش بعرف أعمل حاجتين في وقت واحد ابدًا، لذا يا ابن عمي مضطر تستنى سنتين كمان 

+


_ وربنا ابن عمك معتش قادر يستنى دقيقتين على بعضهم، وافقي يابت خلينا نتلم في بيت واحد 
قالها بإلحاحٍ فهدرت به خلود: 
_ لأ يعني لأ، وبعدين لما أنت واقع كدا خطبت واحة صغيرة ليه؟ كنت خد واحدة من سنك، كان فاتك متجوز دلوقتي

+


رفع وليد حاجبيه تلقائيًا وردد بعدم تصديق لما سمعه: 
_ والله؟ 

+


ثم أراد إثارة غيظها، فهتف: 
_ بس تصدقي عندك حق، كان فاتي أخد فريدة بنت خالتي دلوقتي..

+


صعقت خلود مما سمعته، ورمقته بعيون جاحظة، مُرددة باسيتاءٍ وحُنقٍ واضحين:
_ والله؟ طب خلي فريدة تنفعك 

+


لكزته بقوة في صدره، ثم أولاته ظهرها لتدلف البيت، لكنه أمسك ذراعها وشد عليه مانعها من المغادرة، أعادها إليه وهو يضحك على زمجرتها: 
_ استني بس، والله ما يملى عيني غير واحدة بس، واحدة مطلعة عيني ومش بتبل ريقي بكلمة واحدة حلوة، عيّلة كدا شبر ونص اسمها خلود، تعرفيها؟ 

+


نظرت إليه بجمودٍ فلم تُحرك كلماته ساكنًا بها، فبالغ وليد في مدحه حتى ترضى عنه: 
_ بحبها أوي، ومستعد استنى ٤سنين مش سنتين بس عشانها، المهم إنها في الآخر تكون ليا.. 

+


مال وليد بقُرب شفتيها فتفاجئ بها تُصيح بهلعٍ: 
_ زكريا.. 

+


فتركها وليد تلقائيًا وتراجع للخلف، مُتفقدًا خلفه فلم يجده، عاود ببصره نحوها فوجدها قد ولجت البيت وعلى وشك إغلاق الباب، ففهم لُعبتها وهلل بغيظٍ: 
_ بقى كدا؟ 

+


_ روح لفريدة يا بتاع فريدة 
هتفتها وقامت بغلق الباب في وجهه فوقف وليد خلفه يفصح عن مشاعره تِجاهِها: 
_ يابت والله قلبي مش بيدق دقات كدا عادية، دا عمال يقول خلود، خلود، حتى تعالي اسمعي كدا 

+



        
          

                
لم يأتيه ردًا منها فصاح الآخر بزمجرةٍ: 
_ تمام أوي، أنا هخليه يدق ويقول فريدة، على الأقل هتديني ريق حلو مش زي ناس.. 

+


استدار بجسده وابتعد عن الباب بِضع خُطُوات، فتفاجئ بفتحها للباب وركضها نحوه، وقفت خلفه وأرغمته على النظر إليها ثم قامت بضرب يسار صدره حيث موضع قلبه بقوة مُحذرة إياه بوعيدٍ: 
_ دا أنا أخليك ماشي من قلب أحسن! 

+


قهقه وليد ثم اقترب منها وهمس بخفوت وهو يُحيط خصرِها بذراعه: 
_ ويهون عليكي أمشي من غير قلب؟ 

+


_ آه عادي 
قالتها من بين أسنانها المتلاحمة بنبرةٍ يملؤها الغيظ، فأضاف وليد وهو ينحني برأسه أكثر فأكثر:
_ دا أنتِ طلعتي شريرة أوي.. 

+


برقت عيني خلود فجأة وصاحت بِذُعر: 
_ زكريا.. 

+


أطلق وليد ضحكة استهزاء قبل أن يردف بثقة: 
_ مش هتخيل عليا المرة دي 

+


_ والله العظيم زكريا طالع 
هتفتها مؤكدة، فاستمع وليد إلى صوتٍ أصدره زكريا فدفع بخلود بعيدًا عنه وهتف: 
_ أنتِ لازقة فيا كدا ليه، بقولك متوضي.. 

+


حدجته خلود مذهولة لقلب الطاولة عليها، بينما تدخل زكريا بتهكمٍ: 
_ يا جدع!  اتوضيت امتى وأنت بترقص في الفرح؟ 

+


تثاءب وليد بصوتٍ مسموع مُتصنعًا النُعاس ثم أردف هاربًا: 
_ طب تصبحوا على خير يا جماعة 

+


أولهما ظهره وقبل أن يصعد السُلم أوقفه زكريا بيده، ومال على أذنه هامِسًا: 
_ نوم العوافي يا حبيبي، بس إبقى خِف شوية

+


غمزه زكريا فاستشف وليد ما يرمي إليه ودون إضافة المزيد تابع صعوده إلى الأعلى بهدوء، وكذلك فعل زكريا مُصطحبًا ليلى إلى بيتهما، ولجا البيت وما كادوا يفعلون حتى صاحت ليلى قائلة: 
_ إحنا ليه مطلعناش شهر عسل؟ 

+


_ عشان مكنش معانا فلوس 
صارحها زكريا دون خجلٍ وهو يضحك فشاركته الضحك وسألته: 
_ ودلوقتي؟ 

+


_ الحمدلله، مستورة 
قالها بمزاحٍ فأخبرته عما تريده: 
_ أنا عايزة أروح دهب.. 

+


_ وماله، نروح دهب
هتفها زكريا بسهولة لم تصدقها ليلى، واعتقدت إنه يسخر منها فرددت مستاءة: 
_ أنت بتتريق؟ 

+


نظر إليها زكريا وأكد نواياه: 
_ لا والله هتريق ليه، نطلع دهب عادي، بكرة أشوف شركة رحلات واظبط معاها..

+


ابتهجت ليلى وقفزت في الهواء، ثم تعلقت في عنقه وهتفت: 
_ حلوة أوي النسخة المُعدلة دي منك، لدرجة إني مببقاش مصدقاك أحيانًا.. 

+


أحاطها زكريا بذراعيه ورد: 
_ والله نفسي أعمل أي حاجة تخليكي راضية عني على طول.. 

+


قَبلتُه ليلى في وجنته بحماسة ثم تحررت من بين قبضته وقالت وهي تُهرول داخل غرفتها:
_ هدور أنا على شركات، مش هقدر استنى لبكرة 

+



        
          

                
ضحك زكريا على هرولتها الحماسية ثم انضم إليها وجلسا كليهما على الفراش يبحثان على الشركات السياحية التي يُمكنهما الحجز معها رحلةً إلى دهب. 

+


*** 

+


لحظة وصولهم إلى ذلك البيت الجديد كانت مُهيبة، وقفا كليهما أمام الباب ثم تبادلا النظرات المُندهشة، هل تلك نهاية المطاف؟ أم بدايةٍ  لِقصصٍ لازالت سَتُعاش؟! 

+


ابتسما بحيوية ثم أمسك عبدالله يد صبا ووضع بها المفتاح حتى يفتحا الباب معًا، شهيقًا وزفيرًا فعلا ثم خَطوا أولى خُطُواتهما في بيتهما، كان صدر صبا يعلو ويهبط بعنفٍ، مُسببًا اضطرابٍ في أنفاسها التي تلاحقت. 

+


حاولت ضبطهما قدر استطاعتها، لكنها تفشل كلما خُيل لها ما سيحدث بعد قليل، كيف تجرأت على زواجها دون النظر إلى العواقب، لقد ظنّت أنها تعافت، لكن ما يبدوا أنها ما زالت أسفل تأثير تلك الليلة. 

+


بعد محاولاتٍ لطمأنة قلبها، أخذت تُخبر عقلها أنه عبدالله ليس غيره، حبيب فؤادها، ورفيق دُرُوبٍ قد مرت ودُرُوبٍ ستَمُر وهي برفقته، أغلق عبدالله الباب ثم عاد إليها والبسمة لم تُفَارق شِفاه. 

+


أخرج تنهيدة طويلة مخرجًا معها همومه وأحزانه الذي عاشها في الفترة الأخيرة، ثم هتف وهو يجوب البيت بنظراته: 
_ مصدقة إننا اتخطينا كل الدروب دي وواقفين في بيتنا؟! 

+


نفت صبا بحركة من رأسها، فتابع هو بحيويةٍ طاغية: 
_ طب إحنا هنفضل مش مصدقين كدا كتير؟ 

+


احتضن يدها ثم طبع قُبلةً داخل كفها قبل أن يَردُف بحماسة: 
_ طب يلا نصلي ونشكر ربنا على قدره الجميل..

+


وافقته صبا الرأي ثم توجها إلى غرفتهما معًا، وقفت صبا محاولة فك سِحاب فُستانها الخلفي لكنها لم تستطع بمفردها، فكان عبدالله يخلع معطفه وقد رآها، فتوجه نحوها دون تفكيرٍ، وقام بسحبها لها مُرددًا بمزاح: 
_ من أولها هنتقل ومش هنطلب مساعدة؟ لا أنا عايزاك مدلوقة طول الوقت، تيجي تفتحي برطمان تستعبطي وتقوليلي خد افتحهولي، عايزة تجيبي حاجة من المطبخ تيجي تقوليلي مش طايلة تعالى هاتهالي، بصي عايز ليفل الإستعباط يكون عالي.. 

+


قهقهت صبا بمرحٍ، ثم سحبت ملابسًا لها حتى ترتديها في المرحاض، لكن عبدالله قد أبى خروجها مُعللًا:
_ أنا عارف إني المفروض أعطيكي مساحتك، وخصوصًا في يوم زي دا، بس أنا مش عايز كدا، أنا حابب نتشارك كل حاجة من البداية، أنا مش عايز أي حواجز تانية بينا يا دكترة.. 

+


قال آخر جُملته وهو يتحسس وجهها الناعم، فضحكت صبا بتوترٍ أخفته، وقالت وهي تبتعد عنه: 
_ حواجز إيه بس، دا كل الحكاية إني هغير في الحمام 

+


عاود عبدالله الإقتراب منها بِخُطاه حتى بات مُلاصِقًا لها، ثم تعمد أن يُحرك يده على ظهرها بنعومة من خلال فتحة الفستان الخلفية فسبب لها القشعريرة، أغمضت صبا عينيها مُحاوِلة الثبات، وهي تصغي إلى كلماته الخافتة: 
_ بُعدك دا حاجز، لكن أنا مش عايز أي حاجة من دي خالص، أنا تعبت استنى معتش عندي صبر.. 

+



        
          

                
أنهى كلامه، وأسدل فُستانها على الأرض، وهي ما زالت مُغمضة العينين، تتلاحق أنفاسها كمن يهرب من شيءٍ يخيفها، ثم تبخر خوفها فجأة عندما صدح صوت عبدالله القائل: 
_ يلا عشان نتوضى.. 

+


حينها استطاعت فتح عينيها التي تحول لونهما إلى الإحمرار الملحوظ، لم يُعلق عبدالله فكان على دراية بتوترها التي تعيشه، وأراد أن يجعلها تفصل قليلًا، فحثها على تأدية ركعتان، سحب منها القميص المُمِسكة به ووضعه أعلى الفراش. 

+


ثم ذهبا نحو المرحاض، وتوضأ معًا في سكينة تغمرهما، لم يألفاها من قبل، ثم وقفا للصلاة، فوقف عبدالله إمامًا لها تلك الليلة الأولى لهما، وخلفه خطت صبا خُطاها على سجادة الصلاة، 
كانت أول ركعات تجمعهما تحت سقفٍ واحد، فامتزج الخشوع بالحب والطمأنينة ببداية حياة جديدة. 

+


وبعد أن انتهوا؛ إلتفت عبدالله لها ثم أمسك كِلتى يديها ونظر إلى الأعلى مُناجِيًا ربه: 
_ يارب أنا تعبت أوي على ما وصلت للحظة دي، وأنا راضي والله، يارب بارك لنا في حياتنا الجاية، يارب ميمسهاش وجع فيمسني أضعافه يارب، اللهم عوضني بها خيرًا، واجعلنا خير الزوجين لبعض. 

+


_ آمين، آمين
آمنت صبا على دُعائه، ثم رفعت يده المُحتضنة يديها وقامت بتقبيلهم بِحُبٍ ونفسٍ راضية مُصرحة عما تشعر: 
_ بحبك أوي يا عبدالله

+


فقام عبدالله بجذبها تلقائيًا إلى صدره وأخذ يتنفس عبيرها باستمتاعٍ وشوقٍ حار، ثم همس بخفوت: 
_ وأنا كمان بحبك أوي يا دكترة..

+


شعر بانسجام جسديهما لحظتها، فنهض ومد لها يده، تعلقت به صبا ونهضت ثم قام عبدالله بحمْلِها ودخل بها الغرفة ثم أنزلها وقال: 
_ تعالي نشوف هتلبسي إيه.. 

+


أصابت الدهشة صبا، وحدقت به بإرتباكٍ، بينما نظر عبدالله إلى ذلك القميص الموضوع على الفراش، وتفحصه جيدًا قبل أن يُبدي رأيه: 
_ حلو أوي دا، حماتي ذوقها حلو

+


رمقها بطرف عينيه وبِخبثٍ تساءل: 
_ ولا دا ذوق بنتها؟ 

+


_ بس بقى يا عبدالله، بطل.. 
قالتها على أمل أن يتوقف ولا يُزيد من خجلها، فقهقه الآخر وررد باستسلامٍ: 
_ خلاص بطلت..

+


توجه نحو الفراش وقام بإلتقاط القميص وعاد إليها، فحاولت أخذه منه: 
_ هاته أنا هلبسه..

+


رفض إعطائها إياه وقد أبعد يده عنها وأردف بحسمٍ: 
_ تؤتؤ، أنا اللي هلبسهولك بإيدي.. 

+


ثم أخذ يخلع عنها ما تبقى من مُكملات فستانها وهو يُدَنْدِن برُومانسية: 
_ الليل ونجومه وأنا وعينيه .. مع صوت الموج وايدي في ايديه
وقمر في السما و قمر تحتيه .. وحبيبي معايا .. وده كفاية
خلينا يا ليل هنا قاعدين .. وهنمشي ازاي نروح على فين
ويا شمس تعالي بعد يومين .. وسيبيلي حبيبي ويايا
العمر معاه يا ريته يطول .. وأعيش وياه فصول وفصول
انا عايزه يكون هنا على طول .. يعيش ويايا وجوايا
لو فين هيروح يا ليلي هروح .. ويغيب ع العين ده مش مسموح
مش بس حبيب ده توأم روح .. وكأني شايفني في مرايا

+



        
          

                
توقف عن الغناء بعد أن انتهى مما يفعله، تراجع خُطوة للخلف مُتفحصًا هيئتها الحابسة للأنفاس بإعجابٍ طغى على ملامحه وابتسم بخبثٍ، عاد إليها ثم رفع يدها ووضعها على أزرار قميصه وبدأ يفك أول زِر منه، تحت رجفة يدها التي شعر بها. 

+


لكنه قاومها وتابع ظنًا أنه سينجح في تبدُد خجلها، انتهى من خلع قميصه ثم بدأ يُقبلها برقةٍ دون اندفاعٍ، فازداد رجفتها وكلما انتقل إلى مرحلةٍ أخرى تتضاعف حتى شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه. 

+


توقف فجأة وتفقدها فوجد دموعها تنهمر بغزارة، وتشنج جسدها يزداد، فرفع يديه للأعلى قائلًا بخوفٍ: 
_ في إيه يا صبا؟ أنا عملت حاجة غلط؟ 

+


نفت بحركة من رأسها، ثم إزداد نحيبها وهي تُخبره حقيقة أمرها:
_ أنا آسفة، أنا كنت متخيلة إني اتخطيت.. أنا..

+


قطع بكائها كلامها، فانتاب عبدالله حالة من الصدمة، فجهل التعامل في البداية لكنه أرغم نفسه على الإسراع نحوها والتعامل مع الأمر كما يجب عليه، اقترب منها وبحذرٍ في لمسها قال:
_ طب اهدي، أنا بعيد أهو، أنا مش عارف المفروض أعمل إيه؟ 

+


لم تستطع صبا التحكُم في نوبة هلعها التي سيطرت عليها بالكامل وهي تتذكر لمسات حمادة المقززة، فصرخت عاليًا بصوتٍ موجوع، فازدادت ربكة عبدالله وشعر بعدم قُدرته على فعل ما يجعلها تهدأ. 

+


فما كان منه إلا أنه اقترب منها وقام باحتضانها بقوةٍ هاتفًا بعض الكلمات لربما تُهدئ من روعها:
_ طب خلاص اهدي، وغلاوتي عندك متفتكريش أي حاجة قديمة، مش دي اللحظة اللي اتمنيناها؟ 

+


وأخذ يُمسِد على خُصلاتها تارة وتارة أخرى على ظهرها بحنانٍ حتى استكانت بين أضلعه، فتساءل عبدالله باهتمامٍ: 
_ بقيتي أحسن؟

+


أرغمها تنظر إليه برفعه لرأسها، فأومأت صبا مؤكدة، ثم انتفضت مُبتعدة وهي تردد: 
_ أنا محتاجة أكلم دكتور ماجي..

+


لحق بها عبدالله وأمسك يدها هاتِفًا بصوتٍ أجش:
_ مش محتاجة تكلمي حد دلوقتي..

+


_ معلش يا عبدالله، أنا عايزة أعمل كدا 
قالتها بنبرة مهزوزة، فهز عبدالله رأسه بِقبولٍ مُردفًا كلماته بهدوء: 
_ تمام، لو دا هيخليكي أحسن

+


رمقته صبا قليلًا ثم أولاته ظهرها باحثة عن حاسوبها المحمول وعندما وجدته خرجت من الغرفة لتستطيع التحدث مع طبيبتها بأريحية بينما جلس عبدالله على طرف الفراش مُستندًا براحتي يده عليه، مُطلقًا زفيرًا قوي لعل طمأنينته تعود إلى جسده المذعور. 

+


بعد قليل؛ عادت صبا إلى الغرفة على استحياءٍ شديد، تفرك أصابع يدها بتوترٍ، وقالت وهي تُشير إلى الخارج:
_ فيه برا على اللابتوب ورقة، ياريت تقرأها.. 

+


_ دلوقتي؟ 
تساءل مُستفسرًا فأماءت صبا، بينما نهض هو وتوجه إلى الخارج  ثم جلس على الأريكة والتقط الورقة الموضوعة أعلى الحاسوب، زفر أنفاسه بقوة وأخذ يقرأ المُدون بها، ففهم أن الطبيبة قد أخبرته لصبا حتى يستطيع التعامل إن عادت إليها نوبة هلعها مرةً أخرى من اقترابه. 

+


_ لا أنا مكنتش متخيل الموضوع معقد كدا..
قالها وهو يضع يده على وجهه بمللٍ، أعاد الورقة مكانها ونهض عائدًا إلى الغرفة، فوجدها تقف على أطراف أصابعها تتلوى يمينًا ويسارًا بارتباك وخجلٍ ظاهرين له، ابتسم لها واقترب منها فوجدها في وضع الإستعداد لِبدء ما لم ينهوه. 

+


حيث أنها أغمضت عينيها، فحرك عبدالله رأسه برفضٍ وهتف: 
_ صبا، بُصيلي لو سمحتي...

+


أعادت فتح عينيها فتابع عبدالله بنبرة رخيمة مُتزنة: 
_ حبيبي، إحنا مش مجبورين نعمل حاجة طلاما أنتِ مش جاهزة، أنا المهم عندي إننا بقينا سوى، والموضوع دا آخر حاجة ممكن أفكر فيها، أنا حبيتك لشخصك، لجمالك، لنفسك، لقلبك، ولصفاتك، مش لجسمك خالص..

+


قاطعته صبا بإلحاحٍ: 
_ أنا عارفة والله، بس أنا عايزاه يحصل عشان أقاوم الحالة اللي بتحصلي دي، أنا مش عايزة طول الوقت تكون أعصابي مشدودة، ومتوترة وحاسة إني في امتحان، أنا عايزة أكون واحدة عادية، مش بتحس بكل الحاجات دي.. 

+


_ بس أنا مش عايزك تكوني خايفة مني كدا تاني..
قالها محاولًا إقناعها بأن الأمر لا يهمه إلى ذلك الحد فأفصحت صبا عما يجهله: 
_ الموضوع مش خوف منك، ولا إني مش عايزاك، دي حاجة خارج إرادتي، ولازم أقاوم نفسي وخوفي عشان أتخطى الوضع دا، ودا مش هيحصل غير معاك أنت، عشان بحبك..

+


كلماتها قد حركت فيه غريزته، تريث قليلًا مُتذكرًا تعليمات الطبيبة التي قرأها منذ دقيقتين، وبدأ يتعامل تمامًا كما يجب، وعندما عادت انتفاضة جسدها من جديد كاد عبدالله ينسحب، لعدم قبوله التعامل في ظروفٍ كتلك كأنه ذئب بشري فقط يريد الوصول إلى مُبتغَاه. 

+


لامته صبا في نظراتها لابتعاده، وهمست معاتبة: 
_ متبعدش.. 

+


_ مش عارفة اتعامل بالشكل دا...
قالها من بين أنفاسه المتلاحقة، بينما إزداد نحيب صبا لتلك الكومة التي من الواضح لن تخرج منها بسهولة، وضعت يديها أمام عينيها حاجبة رؤيتها وأخذت تبكي بشدة، فكان عبدالله في وضعٍ لا يُحسد عليه، لا يعلم ما عليه فعله، أيُساعدها ويتحول إلى حيوانٍ لا يتأثر بما يحدث لها أم يثبت على رفضه من الإقتراب منها ويسوء الوضع بينهما ويزداد تعقيدًا؟ 

+


****



أنتوا رايكم ايه؟ 

+


أيها الراقدون تحت التراب، فين رأيكم بجد؟ 

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close