رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الرابع والأربعون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
+
***
+
خرج من بيته خِصيصًا لتفقد بيت المزرعة الخاص بقاسم بعد سماع سيارة أحدهم، وبعد أن تأكد بوجوده قرر الذهاب والإطمئنان عليه، توجه عاصم بِخُطى ثابتة نحو باب البيت وتفاجئ بأنه مفتوحًا على مصراعيه.
+
شعر بالقلق قليلًا، لكنه لم يُعطي الأمر أهمية بالغة، طرق الباب عدة مرات ونادى بصوتٍ جهوري:
_ عمي قاسم، حضرتك في البيت؟
+
لم يأتيه رد، فقرر قرع الجرس ربما يكون بعيدًا ولم يسمعه، لكن النتيجة ذاتها، لم يجد ردًا، فقرر العودة إلى بيته والمجيء في وقتٍ آخر، وبعد أن ابتعد بِضْع خُطواتٍ، تجمَّدت قدميه عندما تسلل القلق إلى قلبه، أدار رأسه وتفقد الطابق العُلوي فلم يجد أي إضاءة تدل على وجود أشخاص فيه.
+
فعاد مجددًا دون تردد وقرر الدخول وتفقد البيت من الداخل، لم يتوقف عاصم عن النداء مًعلنٍا عن وجوده:
_ يا جماعة حد هنا؟ يا عمي حضرتك موجو....
+
لم يُكملها بعد عندما وجد قاسم مُمَددًا على الأرض فاقد الوعي، هرول نحوه بهلعٍ وهتف يُناديه بتوجسٍ:
_ يا عمي، حضرتك كويس..
+
ثم تفقد نبض يده ونبضات قلبه فأغمض عينيه مُطلقًا زفيرًا بأريحية، سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالإتصال على صبا، فلم تُجيبه في الحال، فأعاد عاصم تِكرار اتصاله ثم أرسل إليها رسالة حتى تهتم وتُجيب
' محتاجك ضروري، عمي قاسم مغمي عليه، مش عارف أعمل إيه؟ '
+
وما أن أرسلها حتى وجدها تُهاتفه، فردَّ على الفور بلهفةٍ، فبادرت صبا الحديث بصوتٍ باكي:
_ ماله عمي قاسم، حصله إيه؟
+
_ مش عارف، روحت أطمن عليه، لقيت الباب مفتوح، قلقت ودخلت فلقيته واقع مش عارف أعمل له حاجة، فكلمتك..
هتفها عاصم بأنفاسٍ متلاحقة فأخبرته صبا بِعدة تعليمات يُجيدها معه وختمت حديثها:
_ أنا معاك، اعمل اللي قولت لك عليه ولو مفاقش، اطلب له الإسعاف ضروري
+
_ تمام، خليكي معايا على الخط
قالها عاصم ثم فتح مكبر الصوت ووضع الهاتف جانبًا وشرع يُطبق التعليمات التي أخبرته بها صبا
على قاسم، وبعد المحاولة الثالثة استعاد قاسم وعيه فنفخ عاصم مُخرجًا كومة خوفه التي تجمعت داخله.
+
التقط الهاتف وتحدث بصوتٍ هادئ مريح لا أثر فيه لتوتر الأعصاب:
_ فاق الحمد لله، شكرًا يا صبا، هطمن عليه واكلمك تاني..
+
_ تمام، ابقى طمني
أنهت بها صبا الإتصال، بينما نظر عاصم إلى قاسم وسأله باهتمامٍ لمعرفة ما إذا كان ليس بخير:
_ حضرتك كويس؟
+
تفقد قاسم المكان حوله ثم حاول النهوض فلم تُساعده قوته الهزيلة، فمدَّ له عاصم يده وساعده على الجلوس، فتساءل قاسم بتِيهٍ:
_ هو إيه اللي حصل؟
+
_ أنا جيت أطمن على حضرتك ولقيتك واقع على الأرض..
أخبره عاصم ثم تساءل:
_ حضرتك محتاج حاجة، أجيب لك مية؟
+
_ والله يابني ما أنا عارف أنا محتاج إيه.. معرفش إيه اللي حصلي فجأة، الحمد لله
قالها قاسم وحاول النهوض فأسرع عاصم في الوقوف وساعده حتى أوصله إلى أقرب أريكة ثم جلس عليها، فردد عاصم وهو يتفقد المكان حوله:
_ ممكن ضغطك وِطى.. أنت آخر مرة أكلت امتى؟
+
وكأن قاسم قد تفاجئ للتو أنه يوجد في الحياة ما يُسمى بالطعام، حدجه بعيون واسعة مذهولة وقال:
_ مش فاكر..
+
زم عاصم شفاه بآسى شديد، وقال:
_ أكيد حصلك هبوط من قلة الأكل، لو سمحت تعالى معايا البيت وأنا هعملك أكل بنفسي..
+
_ مش مهم يابني، أنا محتاج أنام بس..
أردفها قاسم بوهنٍ، فلم يرضى عاصم وأصرَّ على اصطحابه:
_ تعالى بس ناكل مع بعض أي حاجة وبعدين نام براحتك..
+
نهض قاسم تحت إصرارٍ من عاصم وذهب معه إلى بيته، وقف عاصم يُحضر بعض الأطعمة السريعة ثم وضعها في صينية وتوجه إلى قاسم، جلس مُقابله وأرغمه على تناول الطعام حتى يُصبح بخير ويسترد صحته.
+
بعد مدة؛ انتهى قاسم وردد:
_ الحمد لله
+
ولما أيقن عاصم أن قاسم قد شبع، حمل الأطباق وأعادها إلى المطبخ، ثم وضعهم في آلة الغسيل خاصتهم، وقام بِصُنع مشروبًا دافئا يُبرد قلب قاسم ثم خرج إليه فتفاجئ بيه غافيًا على الأريكة.
+
تسلل القلق إليه خشية أن يكون قد فقد وعيه ثانيةً، فوضع الأكواب جانبًا وتفقد أنفاسه فشعر بها تضرب يده، وما أسكن داخله الطمأنينة حركة رأس قاسم الذي فعلها لا إراديًا.
+
فتأكد عاصم من نومه، وقف يلتقط أنفاسه براحة ثم جاء بغطاءٍ وقام بدسره أعلاه، ثم جلس في الأريكة المجاورة له حتى يشعر به أن استيقظ إلى ان تغلب عليه النوم أيضًا.
+
***
+
تجلس في غرفتها تعتلي فِراشها، تُحادث وليد في الهاتف:
_ وعبدالله عامل إيه دلوقتي؟
+
_ زي ماهو، وضعه صعب أوي، ربنا يصبره، كان متعلق بيها جدًا..
أجابها وليد بشعورٍ من الأسى الذي يعيشه منذ وفاة أحلام، بينما زفرت خلود أنفاسها وقد ارتسم الحزن على تقاسيمها ثم قالت:
_ ربنا يصبرهم، أنا لغاية دلوقتي مش مستوعبة بجد إنها ماتت!
يعني إيه شخص يكون معاك وفجأة كدا معتش يكون موجود
بخاف من الموت دا أوي، بخاف ياخُد حد بحبه، أنا مش هقدر استحمل..
+
أنهت جُملتها ثم أجهشت في البكاء خوفًا من فقدان أحد أحبائها، فتأثر وليد ببكائها وأخذ يُحدّثها لعل كلماته تُطمئِن قلبها وتُنسِيها الخوف:
_ متفكريش كدا يا خلود، ربنا يبارك في كل اللي حواليكي، حبيبتي بلاش التفكير ياخدك في الحتة دي هتتعبي..
+
ومن بين بكائها فاضت خلود بمشاعرها:
_ أنا بحبك أوي يا وليد، يارب تفضل معايا طول العمر
+
ابتسم وليد لذلك التصريح المفاجئ وبادلها مشاعرًا حميمية:
_ وأنا كمان بحبك يا نن عيون وليد، هفضل جنبك هروح فين يعني؟
+
طُرق باب غرفة خلود فسمحت للطارق بالدخول، فوجدتها والدتها، فعادت إلى وليد وقالت ناهية الاتصال:
_ هكلمك بعدين، سلام..
+
ثم نظرت إلى والدتها التي اقتربت منها ثم جلست على طرف الفراش وتساءلت بفضول:
_ دا وليد؟
+
أماءت خلود، فأخذت هناء تجُوب بعينيها الغرفة، وتحرك شِفاها دون حديث، فشعرت خلود بثَمة ما تريد التحدُث فيه فأردفت:
_ ماما أنتِ عايزة تقولي حاجة؟
+
كان سؤالها بمثابة بابًا قد فُتح للتحدُث فيما جاءت لأجله، وبعد ترددٍ قابلته هناء أخرجت كلماته دُفعة واحدة:
_ أنا شوفتك يوم كتب الكتاب وأنتِ في حضن وليد!
+
تلقت خلود صدمةً ثقيلة أفقدتها النُطق، انكمش وجهها بين الدهشة والإنكار، وتلونت وجنتيها بالحُمرة خجلًا منها، وسرعان ما أخفضت رأسها هاربة من نظرات والدتها التي أضافت بنبرة رزينة:
_ أنا محبتش أتكلم معاكي الأيام اللي فاتت عشان الظروف اللي كنا فيها، بس آن الآوان نتكلم..
+
حمحمت هناء ورتبت كلماتها قبل قولها:
_ أنا عارفة إنه مش حرام وإنه جوزك..
+
كلامها كان مفاجئًا لخلود التي رفعت عينيها ونظرت إليها في ذهولٍ غير مُصدقة ما تسمعه أذنيها، فلقد توقعت أن تهدم تلك الغرفة رأسًا على عقِب، بينما استشفت هناء ما يدور في رأسها فتابعت مسترسلة:
_ عارفة إنك مستغربة كلامي، عشان توقعتي رد فعل مبالغ عن كدا، متفكريش إن تصرفاتي الحازمة معاكم قِلة حب مني أو إني عايزة أسيطر عليكم..
أنا أمكم ومش عايزة أي حد منكم يشيل ذنب هو مش قده، إحنا مش قد النار يابنتي
كان كل تفكيري وأنا بربيكم إني أمنع عنكم الغلط عشان تطلعوا ولاد صالحين
وللأسف طريقتي كانت غلط وخليتكم تهربوا وتعملوا الغلط من ورايا عِند فيا..
+
أخرجت بعض الأنفاس الحبيسة قبل مواصلتها:
_ أنا مش عايزاكي تتمادي مع وليد، أيوا هو مش حرام بس حضن برئ هيجُر حضن مش بريء، لمسة مش بريئة، كلام وحركات خارجة ودا مش صح أبدًا
البنت لازم تحافظ على نفسها وتكون عفيفة، عشان بعد ما تدخلي بيته ميجيش مع كل مشكلة يعايرك إنك كنتي سهلة معاه..
دا غير إنك لما بتحطي حدود بتخلقي حاجتين في علاقتكم، أول حاجة إنك بتجبريه يحترمك وميتعداش حدوده
وتاني حاجة إنه يكون ملهوف عليكي طول الوقت لأنه مش طايل منك حاجة ولهفته دي تزود حبه ليكي..
+
أمسكت هناء يد خلود التي تنصت إليها بمزيجٍ من الخجل والإستمتاع لتلك النصائح الفريدة وتابعت بإبتسامة هادئة:
_ القلوب بتتغير يا خلود، اللي كنتي بتشوفيه ميت فيكي فجأة ممكن تلاقيه اتخلى عنك، فضروري تحافظي على نفسك عشان متندميش في لحظة..
أنا مش بخوفك، أنا بس عايزاكي تكوني حريصة أكتر من كدا..
+
ربتت هناء على يد خلود ثم نهضت وألقت آخر ما في جوفها:
_ يلا تصبحي على خير..
+
أولتها ظهرها فنادتها خلود قبل خروجها، فالتفتت هناء ونظرت إليها لكنها تفاجئت بخلود التي اخترقت صدرها، ابتسمت هناء وأحاطتها بحنانٍ فرددت خلود بحبٍ ظاهر:
_ ربنا يخليكي ليا، ويباركلي في عمرك، يارب مشوفتش فيكي حاجة وحشة أبدًا
+
كانت هناء على دراية بأن تلك الكلمات نابعة من خوفًا سكن قلبها إثر وفاة أحلام، شدَّت على ظهرها وقالت:
_ ويبارك لي فيكي يا حبيبتي..
+
رفعت خلود رأسها وقبّلت وجنتيها فبادلتها هناء القُبلات ثم خرجت من الغرفة، فتقابلت مع زوجها الذي جاء للتو، نظر إليها دون اهتمامٍ وولج غرفته على الفور.
+
أخذت هناء نفسًا عميقًا وزفرته بقوة، ثم دلفت خلفه، أغلقت الباب ووقفت خلفه تتطلع بزوجها قبل أن تهم بالذهاب إليه ودون سابق إنذار انحنت على رأسه وطبعت قُبلةً حارة ثم أردفت بندمٍ شديد:
_ حقك عليا يا محمد، أنا آسفة لك، إرضى عني وأنا والله عمري ما هخرج عن طوعك تاني، كفاية بُعد وجفا، الحياة قصيرة أوي والموت قريب وأنا خايفة أموت وأنتِ مش راضي عني..
+
كلماتها قد آلمت قلب محمد، وشعر باستنكارٍ شديد لسماعه حديثها، فمد يده وأحاط به ذراعها ثم أرغمها على الجلوس أمامه وقال:
_ بعد الشر عنك يا هناء، ربنا يبارك في عمرك يارب
+
_ يعني مش زعلان مني؟
تساءلت بلهفةٍ لسماع إجابته فتنهد الآخر قبل أن يُعطيها ردًا:
_ لا يا ستي، الواحد لما بيعيش مع ناس قريبة منه حالة وفاة لحد عزيز عليهم، بيعيد تفكيره في كل شخص كان حاطت بينه وبينهم مسافات، وبيحس إنه عايز يجمع كل اللي بيحبهم ويدخلهم جوا حضنه عشان يطمن إنهم مش هيبعدوا عنه أبدًا..
+
رمقته هناء بعيون متأثرة ثم انحنت على يده وقبَّلتها ورددت والعبرات تترقرق من عينيها:
_ ربنا يديمك فوق راسي، ويفضل بيتنا عمران بِحسك..
+
_ وبِحِسك أنتِ كمان يا هناء
قالها محمد فابتسمت هناء بسعادة دقت طُبـول قلبها وأخذت تنظر إليه بمشاعرٍ صادقة قد تجددت للتو.
+
***
+
بعد مرور ثلاثون يومًا، لم يتغير فيهم وضع عبدالله، فكان حبيس البيت، رافضًا مُحاولات صديقيه على جعله يعود إلى حياته من جديد، بينما استطاعت زينب التأقلم على غياب والدتها بفضل مكالمة عاصم كل ليلةٍ ليطمئن عليها.
+
أما عن قاسم فلم يبرح بيته، وخِصيصًا غرفته الذي كان يتشاركها مع أحلام، يخرج فقط لتناول الطعام مع عاصم الذي اعتاد فعل ذلك بعد مجِيئه من العمل والتحدُث في شتى المواضيع حتى ينجح في جعل قاسم يضحك فيستأذن منه ويعود إلى بيته.
+
كان الجميع متأثرًا بوفاة أحلام، وقد وطدَّ علاقتهم بمن يحبون إلا ليلى التي ترفض مصالحة زكريا قبل إعادة تأهيله، وأيضًا حتى تتخطى خسارة حملِها واستعادة ثقتها فيه من جديد، أما عنه فكان يزداد سوءًا من خلف مرضه الذي جعله مُتألمًا طيلة الوقت ولم يعُد يحتمل ذلك الألم الشديد.
+
خرج من غرفة النوم الذي يمكث بها بمفرده فتفاجئ بـليلى واقفة على سُلم خشبي تُنظف المصِباح المُعلَّق في منتصف غرفة الرُواق، ترتدي تنورة قصيرة سوداء تُظهر ساقيها بوضوحٍ لعينيه التي آكلتهما، ثم تفحص بلوزتها من الستان ذو اللون الرملي يتدلى منه خيط رفيع الذي ينزلق على كتفيها فتُعاود رفعِه لكنه ينزلق من جديد، فجعلها ذلك أكثر إثارة في عينيه.
+
خفق قلبه بقوة وتحركت غريزته الذكورية وودَّ لو تسمح له بلمسها، وقف مكانه وثبَّت عينه عليها مُتابعًا ما تفعله بتلذُذٍ لمشاهدتها، بينما كانت هي شاعِرة به لكنها تصنعت عدم الشعور بوجوده وأرادت إضافة لمسة خاصة تجعله يجن فأخذت تُدندن بميوعة وهي تتراقص بخفة خشية وقوعها:
_ آه يا لالي يا لالي يا لالي
يا ابو العيون السود يا خلي
آه يا لالي يا لالي يا لالي
خليك علي كيفك تملي
ياعيني يالالالي يا سيدي يا لالالي يا بابا يا لالالي
آهي آه آهي آه..
+
كان زكريا قد استند بمرفقه على المِسند الجانبي للأريكة، وتشكلت البسمة الماكِرة على محياه وهو يُتابعها بإعجابٍ بالغ وهي تتمايل أمامه بجسدها، أخرج بعض الأنفاس الحارة وقرر إعادة الوصال تلك اللحظة، لقد فاض به الكيل الأيام الماضية وما تفعله هذه، حتمًا مُتعمدة لجعل قلبه يكاد يهلك عِشقًا ولا يستطيع وصالها.
+
انتصب في وقفته ثم توجه بِخُطى مُتحمِسة نحوها وقام بصعود السُلم حتى بات لا يفصلهما شيءٍ كأنهما جسدًا واحد، تفاجئت ليلى بوقوفه القريب للغاية، تسارعت نبضاتها وتعالت أنفاسها، فلقد سيطر عليها الإرتباك وحاولت رفضه:
_ أنت بتعمل إيه أنزل..
+
_ مش كفاية بقى، أنا استويت والله
همس بها أمام شفتيها فابتلعت ليلى ريقها وقالت:
_ انزل يا زكريا، خليني انزل..
+
_ تؤتؤ، مش هننزل من هنا غير لما تنهي السخافة اللي بتحصل دي، أنا معتش قادر استحمل البُعد دا، أنا محتاجك يا ليلى متبعدنيش عنك..
هتفها بصوتٍ متحشرج فتأثرت به ليلى لكن سُرعان ما انتبهت على حالها، أغمضت عينيها وهتفت بحدةٍ:
_ بلاش الكلام اللي مفيش منه فايدة دا..
+
رفع زكريا حاجبه الأيسر وهاجمها مستنكرًا وهو يُشير بإصبعه على ملابسها بشكلٍ طولي:
_ ولما كلامي زي قِلته، إيه اللبس والحركات دي، بتعملي كدا ليه؟
عايزة تربيني، اتربيت، عايزة تندميني، أنا أهو بقولك نِدمت..
+
مال برأسه واستند على جبينها وأضاف بهمسٍ:
_ حسي بيا يا ليلى..
+
_ وأنت طول ما أنت بتفكر كدا مش هيحصل حاجة، أنا لازم أحس إنك عايزني أرجع لك عشاني أنا مش عشانك..
هتفت بها باندفاعٍ، ثم دفعته عنها فكان تصرفٍ غير محسوب حيث أفقده توازنه وبسبب اهتزازة جسده ترنح السُلم حتى وقع زكريا أرضًا ثم فقدت ليلى توازنها أيضًا واختل جسدها الذي سقط أعلاه.
+
ذلك الحين؛ أمسكت ليلى ياقة زكريا خوفًا إثر سقوطها، شعر هو بقلبها الذي ينبض بقوة فقام بمحاوطة ذراعه فباتت حبيسة صدره، شدَّ على ظهرها بقوة وتمتمَّ بلوعة:
_ آه لو تفضلي كدا على طول..
+
أدركت ليلى ذلك الوضع للتو، فحركت جسدها للتخلص من يده التي إلتفت حولها، لكنه آبى تركها ثم همس بجوار أذنها:
_ اللي بيحب حد بيحب يعيش معاه كل تفاصيله، ومشاعره، وأنا احتياجي ليكي مش مجرد إحساس عشان أرضي نفسي زي ما أنتِ فاهمة، أنا عايز أردك وأجدد جوازنا تاني ولو مش فاهمة تقدري تسألي أي حد وهو يفهمك..
+
أنهاها ثم فك قيدها، فأسرعت ليلى هاربة، دلفت غرفتها وأوصدت بابها بإحكامٍ، وقفت خلفه تبتسم خجلًا لما عاشاه منذ قليل، تشعر وكأنها تعيش معه مشاعرًا من البداية.
+
تذكرت كلامه فتوجهت نحو هاتفها والتقطته بين يديها وأخذت تبحث عن طُرق الرد أثناء عِدة طلاقها فوجدت ما أخبرها عنه، عضت شفاها ثم نظرت إلى الباب لبُرهة قبل أن تهم بالوقوف وتخرج من الغرفة متحججة بتحضير الفطور.
+
فلفت انتباهها مكالمته، وحاولت الإقتراب لسماعه دون أن يشعر بها، فتحدث زكريا بجدية:
_ ياريت في أقرب فرصة..
+
صمتَّ ليستمع إلى الطرف الآخر ثم قال:
_ تمام كمان ساعة، إن شاء الله مش هتأخر عليكي..
+
دب الشك داخلها، وبرقت عينيها وهي تتطلع في الفراغ أمامها، انتابها شعورًا سيء من وراء تلك المكالمة، أحست بقدومه نحوها فأسرعت في الهرب قبل أن يراها، خرج زكريا من البيت على عجالة فقررت الذهاب خلفه ومعرفة أين هو ذاهب.
+
عادت إلى غرفتها ثم إلتقطت إحدى الملابس السريعة وارتدتها، ثم أسرعت خارج المنزل حتى لا تفقد طريقه، حمدت الله أنه ما زال واقفًا في انتظار سيارة تَقِلّه، وما أن استقلها حتى أشارت هي إلى سيارة أخرى وآمرته بِتَتبُع السيارة الذي ركبَ بها زكريا.
+
***
+
_ "صباح الخير"
ألقاها وليد الذي يستند بمرفقيه على جِدار السطح، فأتاه صوتها النشيط:
_ صباح الخير يا ليدو، أنت روحت على شغلك؟
+
_ لأ لسه، بصراحة كسلان، أنا واقف فوق على السطح ما تطلعي أشوفك قبل ما تروحي الكلية..
هتفها مُتمنيًا قُبولها، فلم ترى خلود داعٍ للرفض وقالت:
_ ممم ماشي مش هطول عشان متأخرش على المحاضرة وإلا هخليك توصلني مخصوص
+
بمزاحٍ ردَّ:
_ لا لو على كدا، هأخرك طلاما هوصلك..
+
_ تموت أنت في التلزيق..
هتفتها مُمازحة إياه فردد الآخر مستاءً:
_ تلزيق!! ليه شيفاني دبل فيس؟!
+
انفجرت خلود ضاحكة ثم أنهت الإتصال قائلة:
_ طب اقفل، طالعة لك..
+
أغلق الهاتف وانتظر صعودها بفروغ صبر، بينما صعدت هي لكنها تريثت ووقفت تراقبه قليلًا عندما دهاها فِكرةً أرادت تنفيذها لِتُثير غيرته، فقامت برفع نقابها عن وجهها.
+
ثم حمحمت مُعلنة وصولها، فالتفت وليد مُشكلًا على ثغره ابتسامة اختفت فور رؤيته لوجهها الواضح كوضوح الشمس، تجهمت تعابيره وعبست ملامحه، ثم تفقد المكان حوله فلم يجد أُناسًا أمام مرآى عينيه فأسرع نحوها مانعها من مواصلة اقترابها، أمسك يدها وأخرجها من المكان، ثم تركها عند دخولهما إلى السُلم.
+
ثم خرجت نبرته مُندفعة وهو يُشير إلى وجهها:
_ هو إيه دا؟ نقابك دا مرفوع ليه؟
+
ابتسمت خلود وأجابته بخفة ظل:
_ بيشم هوا
+
_ وحياة أمك!!
هتفها وليد بنفاذ صبر بسبب لامبالتها، فتابعت خلود خُطتها وهتفت:
_ إيه المشكلة يعني، محدش هيشوفني هنا..
+
_ خلود متستفزنيش، البيوت كلها حوالينا يعني وارد جدًا نلاقي ناس فجأة في وشنا، تقدري وقتها تقوليلي المفروض أعمل إيه؟ أضحك لهم وأشاور لهم واقوله مراتي؟
هتف آخر كلامه بحنقٍ واستنكار لتصرفها فلم تستطع خلود منع نوبة ضحكها على تمثِيله، فصاح الآخر مستاءً:
_ متضحكيش وتستفزيني أكتر..
+
جاهدت خلود للسيطرة على ضحكها، ثم اقتربت منه وحاولت معالجة ما اقترفته بوقوفها على أطراف أصابعها لِتُضاعف طولها ثم حاوطت عُنقه، فتفاجئ وليد بجرأتها فلم يحظى بها من قبل.
+
وتابع ما تفعله دون تعليق، بينما همست بنبرةٍ أنثوية رقيقة تملئها السعادة:
_ بتغير عليا يا ليدو؟
+
ازداد وليد تفاجُئًا من دلالها في طرح السؤال، حتمًا هي غير قاصدة ما جعلته يعيشه الآن، لكن لابُد أن يجعلها حذرة أكثر من ذلك حتى لا تُعيد دلالها ثانيةً أمامه، انحنى وليد بمستوى طوله حتى أصبح أمام وجهها وهمس مُجيبًا سؤالها:
_ وأنا عندي مين غيرك أغير عليه!
+
بالكاد أنهاها ثم سمح لنفسه بتقبيل ثغرها الوردي التي خرجت منه كلماتٍ مُدللة، لثمهُ ببعض القُبلات الحارة مُستمتعًا بعيشه مشاعرهما الخاصة للمرة الأولى.
+
بينما تجمَّدت خلود مكانها، لم تفهم ما حدث، فقط شعرت بارتجافة قوية تسري في جسدها، دفقة دفء قد سكنت قلبها، كانت عينيها متسعتين بدهشة، مزيجٍ من الخوف والإرتباك قد سيطرا عليها.
+
اكتفى وليد بذلك القدر عندما وجدها غير متفاعلة معه، تفحص ملامح وجهها وتآملها قليلًا ليستشف شعورها من خلف تعابير وجهها، فتفاجئ بها جامدة تتطلع به بعينين تحول لونهما إلى الإحمرار.
+
فابتسم لها بعذوبة وملس بيده على وجهها بنعومة وهمس بصوتٍ رخيم:
_ بحبك..
+
بالكاد نطق بها ثم شعر بصدرها الذي ارتفع وهبط بشكلٍ ملحوظ، ناهيك عن أنفاسها التي تلاحقت وكأنها كانت تركض في سباقٍ، فوضع وليد يده حيث موضع قلبها فوجده يتدفق بقوة.
+
فعاد ناظِرًا إليها وقال:
_ إيه؟
+
للتو أدركت خلود ما حدث، سحبت يدها من حول عُنقه، ثم دفعته بعيدًا عنها وفرت هاربة من أمامه، تحت نظراته المتابعة لها، فناداها مِرارًا وهو يلحق بها:
_ يا خلود، يا بنتي استني هوصلك طيب
+
لكن دون فائدة، فكانت تُسرع من سيرها فلم يريد وليد الضغط عليها وفضَّل تركها تُمهد لعقلها فِعلته وتتقبلها، بينما وقف هو يلتقط أنفاسه الهاربة وهو يحك مؤخرة رأسه شاعرًا ببعض الإضطرابات من خلف قُبلته الغير مرتبة، فتسللت ابتسامة هادئة إلى وجهه وهو يستعيد المشهد في ذاكرته.
+
شعر بحاجته لإلهاء عقله عما عاشه، فقرر الذهاب إلى العمل على الفور.
+
***
+
طُرق باب المكتب، فتوجهت الأنظار عليه عندما سمِح عاصم بدخول الطارق:
_ اتفضل..
+
ارتسمت الدهشة على تقاسيم عاصم الذي نهض بتلهفٍ عندما رأى قدوم زينب نحوه وردد بغرابةٍ:
_ زينب!! مش كنت لسه معاكي على الموبايل، مقولتيش ليه إنك جاية؟
+
رُفع حاجبي ڤاليا تلقائيًا لتلك اللهفة الظاهرة في حركاته وكلماته، ناهيك عن وجود تلك الإتصالات بينهما، على الجانب الآخر أجابته زينب بصوتٍ واهن:
_ أنا مكنتش مقررة إني جاية النهاردة، بس حسيت نفسي عايزة أبعد عن جو البيت شوية..
+
_ بس كنتي قولتي، حتى كنت أخدك في طريقي وأنا جاي
هتفها فضاعف الذهول على وجه ڤاليا التي لم يخلو من التعبيرات المندهشة، ثم صوبت عينيها على زينب مستمعة لردها:
_ مفيش مشكلة يا عاصم، أنا جيت مش مهم إزاي، المهم إني عايزة ألهي نفسي في أي حاجة..
+
عاصم!!
رددتها ڤاليا بينها وبين نفسها بغرابةٍ واستنكار لإزالتها اللقب ثم انتبهت على عاصم الذي أخرج تنهيدة وتحدث بصوتٍ رخيم:
_ تمام لو دا هيخليكي أحسن، فخير ما عملتي..
+
هزت زينب رأسها ثم نظرت إلى ڤاليا التي انتبهت عليها للتو ووجهت حديثها إليها:
_ صباح الخير يا آنسة ڤاليا..
+
_ صباح الخير يا زينب، أخبارك إيه؟
بادلتها التحية ثم تساءلت باهتمامٍ فأجابت زينب بإيجاز:
_ الحمدلله..
+
تلك الأثناء وجهت سؤالها إلى عاصم بجدية:
_ شربت القهوة ولا أحضرهالك؟
+
_ والله يا زينب مش عايز أخبي عنك، بس أنا تقريبًا من يوم ما أنتِ بطلتي تيجي الشركة وأنا مشربتش قهوة
أردفها ثم أضاف مًزاحٍ في حديثه:
_ ملقتش حد يهتم بيا وأنتِ مش موجودة...
+
ألقى عاصم نظرة استخفاف على شقيقته التي تُتَابع ما يحدث بعينين مشدوهتين، وواصل:
_ حتى الباشمهندسة ڤاليا، اللي المفروض أنا أخوها وكدا، مش بتسأل فيا..
+
_ حالًا تكون جاهزة
قالتها زينب ثم انسحبت من المكتب سريعًا، وما أن أغلقت الباب خلفها حتى صاح سؤال ڤاليا الفضولي:
_ لا معلش، أنا عايزة أفهم هو في إيه؟
+
رمقها عاصم بطرف عينيه وتساءل بجدية:
_ في إيه في إيه؟
+
_ واللَّه؟ إيه اللي بيحصل قدامي دا، عاصم أنت بينك وبين زينب إيه؟
باستنكارٍ تام سألته بجدية مستفسرة عما يدور بينهما، فهز عاصم رأسه باستغرابٍ ساخط، ثم جلس على مِقعده وهدر:
_ بينا إيه!! مفيش بينا أي حاجة؟ مجرد واحد وسكرتيرته، ممكن متعاطف معاها شوية عشان الظروف اللي هي فيها..
+
نهضت ڤاليا فجأة ورفضت تصديق ما يحاول إقناعها به:
_ عاصم أنت بتضحك عليا ولا على نفسك؟
من امتى وأنت علاقتك بموظفة بتكون قريبة بالشكل دا؟
دي البنت شالت الألقاب بينكم؟
وواضح إن فيه مكالمات مستمرة، وكلام خارج نطاق الشغل خالص؟
أسلوب كلامكم مع بعض اساسًا مُريب، مسألتش نفسك أنا ليه فكرت في كدا؟
لأن الأسلوب والمعاملة فعلًا غريبة وحقيقي أي حد هيشوف من برا هيقول أنتوا في علاقة بجد..
+
_ علاقة مرة واحدة!! يابنتي أنتِ عارفة إني بتعامل بطبيعتي مع أي حد، ممكن زيادة شوية لأن اتعرفت على زينب قبل الشغل فتحسي العلاقة أكتر من مجرد موظفة بالنسبة لي، لكن هي كدا فعلًا..
هتفها شارِحًا لها شكل العلاقة بينهما، بينما أرادت ڤاليا التأكد فسألته بعيون غير مصدقة:
_ seriously?!
+
اكتفى عاصم بإيماءة من رأسه فأوضحت له ڤاليا مالا يراه:
_ طيب لو أنت بتتعامل بطبيعتك زي ما بتقول، هي مش بتتعامل خالص بطبيعتها، عاصم البنت مستحيل تكون بتتعامل كأنك مديرها واللي بينكم شغل وبس، دي شالت الألقاب بينكم وبتتكلم بمنتهى الأريحية كأنها بتكلم حبيبها مثلًا...
أنت للأسف طبيعتك دي متنفعش تتعامل بيها مع جنس حواء عشان بيتفهم غلط خالص
أنت لازم تصلح الفكرة عندها عشان حرام تعيش موهومة..
+
أطال عاصم النظر بها لكن سرعان ما هرب ببصره بعيدًا عندما لم يقدر على مواجهة عينيها، فانعقد حاجباها متعجبة من تصرفه ورددت بريبة:
_ أنت عارف إن كلامي صح، مش كدا؟
+
لم ينفي بل أكد ذلك بحركة من رأسه، فاتسعت حدقتي ڤاليا مذهولة ثم هتفت بإنكارٍ:
_ طب وليه سايبها موهومة بمعاملتك دي؟
+
أخذ نفسًا عميق زفره بقوة قبل أن يُصرح بما يُخفِيه:
_ عجباني الحالة اللي عايشها من وراها!
+
قالها وهرب من نظراتها التي وجد بها الصدمة، ثم نظر في الفراغ أمامه مُتابعًا شرحِه لتلك الحالة التي يعيشها:
_ إحساس إني مرغوب، طلع إحساس حلو وكنت مفتقده، زينب طول الوقت بشوف في عيونها إنبهار بيا، بكلامي، بلبسي، وتصرفاتي، حتى قراراتي لازم تعلّق عليها وتحسسني قد إيه إني هييرو..
+
حمحم ليضبُط حنجرته وواصل بصوتٍ أجش بعد أن استدار بِكُرسيه وواجه شقيقته:
_ لدرجة إني بقيت بعمل تصرفات مش شبهي عشان بس أشوف انبهارها وإعجابها بيا، مثلًا زي إني من فترة كنت باكل معاها ووقع على هدومي كاتشب، كان ممكن أوي أقوم أفتح دولابي وأخد منه هدوم تانية، بس أنا اتعمدت اقلعهم قدامها عشان أشوف رد فعلها، وقتها اتوتَرِت جدًا، بس مقدرتش تخفي إعجابها بيا برده، وأنا كنت مستمتع أوي بس بعدها حسيت إني مقرف، الظاهر إني بقيت توكسيك
+
هاجمته ڤاليا وعدّلت ما لقب به لنفسه بلقبٍ أقوى:
_ توكسيك إيه؟ أنت بقيت سايكو يا عاصم!!
+
ثم أخذت تُحرك رأسها في استنكارٍ شديد، يآبى عقلها تصديق ما وقع على مسامعها، أغمضت عينيها ثم عاودت النظر إليه مُردفة بنبرةٍ مُندفعة:
_ مش متخيلة إن الكلام دا منك أنت، كان هيكون مقبول لو سمعته من عامر، لكن منك أنت يا عاصم! مش مصدقة بجد...
+
صمتت ڤاليا من تِلقاء نفسها عندما عادت زينب حامِلة قدح القهوة، وضعتها أمام عاصم فلم يقدر على مواجهة عينيها بعد اعترافه لشقيقه وعِلمها ما يعيشه، ثم انتبه على سؤال زينب المهتم:
_ محتاج حاجة تاني؟
+
دون النظر لها أردف مختصرًا:
_ لا شكرًا يا زينب
+
أماءت ثم أولتهما ظهرها وتوجهت إلى الخارج فبادرت ڤاليا بالسؤال:
_ أنت إيه اللي وصلك لكدا؟
+
زفر أنفاسه قبل إخبارها:
_ واضح إن علاقتي بصبا عملت فجوة واحتياج لكل المشاعر اللي اتمنيت أعيشها معاها ومعرفتش.. أنا متلخبط ومش عارف أصلح اللي عملته دا إزاي؟
+
_ أنت محتاج تفصل، تبعد شوية عشان تقدر تفهم أنت عايز إيه، وهل علاقتك بزينب مجرد احتياج ولا أنت فعلًل حاسس بحاجة مختلفة من نحيتها، بس المهم دلوقتي إنك متعلقش البنت بيك أكتر من كدا، لازم تفهمها حقيقة مشاعرك حتى لو صعب عليك، بس أنت اللي بدأت ولازم تتحمل النتيجة..
هتفتها ڤاليا بحزمٍ حتى لا يتراجع عن تصليح من اقترفه، فأماء عاصم بقبُولٍ وتلفظ باقتضاب:
_ أكيد هعمل كدا..
+
غادرت ڤاليا غرفة المكتب، فأخذ عاصم يُفكر ويُرتب كلماته ثم أبلغ زينب بالمجيء إليه، وقفت أمامه لثانية فدعاها للجلوس مُشيرًا إلى الكُرسي:
_ اتفضلي اقعدي..
+
قابله ترددًا كبير، فلم يعرف كيفية البِدء، ابتلع ريقه عِدة مرات حتى استشعرت زينب بإرادته في الحديث، تنهد عاصم وبدأ حديثه بتلعثمٍ:
_ زينب أنتِ بتشوفي معاملتي ليكي إزاي؟
+
آثار الغرابة داخلها إثر سؤاله المُريب وأجابته بعدم فَهم:
_ مش فاهمة قصدك، ممكن توضح أكتر..
+
نهض عاصم ودار حول مِكتبه وهو يُخبرها بأسلوبٍ أكثر وضوحًا:
_ أصل تخيلي ڤاليا فكرت عشان إحنا بنتكلم مع بعض بطبيعتنا من غير تكليف إن بينا علاقة!!
+
تصنع عاصم ضحكة زائفة وتابع مُقللًا من شأن وجود علاقة لهما:
_ تخيلي!! مش قادرة تقتنع إن علاقتنا في إطار صداقة مش أكتر، أنا حتى قولت أقولك تضحكي معايا على الكلام دا
+
رفّت عيني زينب عندما فهمت مخزى كلامه، صرَّت أسنانها في مُحاولةٍ منها على التماسُك وعدم البُكاء، لكنها فشلت في التحكُم في عينيها التي أفصحت عما دار داخلها الآن، فشعر عاصم بالندم الشديد حِيال ما جعلها تعيشه.
+
كان قلبها ينبُض حُزنًا بعد سماعها لكلامه المُهين، كم شعرت بِضئل حجمها أمامه، ولقد اُزيلت الغشاوة من على عينيها ورأت للتو الفروق التي لا حصر لها بينهما، لقد أعَّمت عينيها عن الحقيقة، حتى ظهرت بذلك الغباء أمامه وأمام الجميع.
+
ابتلعت لُعابها وجاهدت للتحدُث بنبرةٍ تبدو له طبيعية:
_ متقلقش يا باشمهندس، أنا عارفة مكاني كويس..
+
قالتها وهبت واقفة، لم تستطع المكُوث لثانية أخرى في ذلك المكان، أولته ظهرها وفرت بِخُطى غير مُتزنة، لكنها تريثت عندما هاجمها سؤالاً أرادت معرفة إجابته، فأدارت فقط رأسها وهي مُمسِكة بمقبض الباب فهمست والدمع يملأ عينيها:
_ يوم وفاة ماما، أنت يومها لما كنت منهارة حضـ..
+
لم يدعها تُواصل كلمتها، فهو استشف ما ترمي إليها، وأجاب بِجمودٍ زائف:
_ ملوش معنى، أنتِ كنتي في وضع صعب وأنا كنت عايز أقدم لك مساعدة، فكانت دي الطريقة اللي جت على بالي وقتها، وحقيقي أنا آسف لأن كان تصرف متهور حتى لو كان بنية المساعدة فهو في الآخر غلط..
+
تلك الأثناء؛ استمعت زينب إلى صوت تحطيم قلبها الذي تحول إلى بقايا فُتاتٍ، فأماءت برأسها متفهمة قصده قبل أن تفر هاربة إلى الخارج، ركضت بِخُطوات مُتعثرة حتى بلغت المرحاض، تأكدت من عدم وجود أحدًا داخله فتوجهت إلى المرآة وتطلعت في صورتها المنعكسة لبُرهة قبل أن تخرج عن هدوئها وتنفجر باكية بحسرة على قلبها الذي تحطم.
+
_ كنتي مستنية منه إيه؟ كنتي مستنية يحبك؟ ويقع في غرامك؟ فوقي وشوفي الفرق اللي بينكم، أنتِ أخرك موظفة، شغل وبس، لكن متنفعيش للحب، مش معقول الباشمهندس هياخد بواقي حمادة!!
مش معقول من حمادة لعاصم، إزاي مشوفتيش الفرق دا، إزاي كنتي غبية ولاغية عقلك كدا؟
آآآه
صاحت معاتبة نفسها من بين انهيارها، ثم لامت نفسها مرارًا، فتحت صنبور المياه وانحنت تُغرِف بيديها رشفات من المياه تُنثِرها على وجهها مُحاولة استعادة رُشدها، ثم سحبت بعض المناديل الورقية من العُلبة المُعلقة أمامها على الجِدار وجفَّفت بهم وجهها ثم خرجت من المرحاض وتوجهت ناحية مكتبها.
+
لَقِفت حقيبتها لِتُغادر، لكنها تسمّرت مكانها ثم عادت بأدراجها مُقتحمة مكتب عاصم الذي أرهقه صوت خطئه كأنما النيران تأكل ضميره، تفاجئ بعودتها ودخولها بتلك الطريقة، وقفت زينب أمامه وصاحت:
_ أنا مُستقيلة..
+
لم تُضيف سواها، ثم استدارت لِتُغادر لكنه ألحق بها ووقف حائلًا بينها وبين باب المكتب، وقال:
_ ثواني ثواني، إيه مُستقيلة دي؟ كلامي زعلك؟ يعني أنتِ هتمشي بسببه؟
+
_ أنا همشي عشان دا من الأول مش مكاني، أنا ضحكت على نفسي وفكرت إني ممكن...
صمتت ولم تُكمل عندما أدركت وقوعها في الحديث، هي تُجيب سؤالًا غير سؤاله، أغمضت عينيها وتلبَّست ثوب القوة ثم أردفت بمزاجٍ غير سوي:
_ أنا مش قادرة أكون هنا تاني، لو سمحت سيبني أمشي..
+
برفضٍ تام لذهابها قبل إرضائها قال بندمٍ:
_ أنا مش عارف أعمل لك إيه، بس أنا مش عايزك تمشي وأنتِ زعلانة..
+
تشدقت ساخرة وهتفت بتهكمٍ:
_ بلاش الكلام اللي يخليني أفهم من وراه حاجة تانية دا، لو سمحت خليني أمشي
+
لم يمتلك عاصم قُدرة التعامل مع الموقف، فتنحى جانبًا مُفسحا لها الطريق، فلم تقف زينب لثانية أخرى بل هرولت إلى الخارج مُسرعة، بينما كز عاصم أسنانه لحماقته، فكيف استطاع فعل ذلك بها دون النظر في عواقب ما يُحدثه.
+
توجه إلى مكتبه وفي لحظة غضبٍ؛ أطاح بكل ما على المكتب فتبعثرت الأشياء على الأرض، وقف يلتقط أنفاسه وينعت نفسه دون رأفة، ثم سحب هاتفه وقام بالبحث عن تذكرة سفر إلى أمريكا في أقرب فرصة.
+
خرج من مكتبه وتوجه إلى مكتب أبيه، دفع الباب دون استئذان وما أن وقف أمامه حتى صاح بعينين حمراوين:
_ أنا حجزت تذكرة لأمريكا الساعة ٢ بليل..
+
***
+
ترجلت من التاكسي، بعد أن أوصلها إلى المكان نفسه الذي ذهب إليه زكريا؛ تفقدت المكان حولها ثم رفعت رأسها مُتفحصة البناء الذي صعد إليه، كان قلبها ينبُض بعنفٍ.
+
و العشرات من المشاهد التي خُيلت إليها لرؤيته بِصُحبة إمرأة أخرى قد تسببت في ضيق صدرها، وزاد من غضبها فأسرعت خُطاها إلى البناء، صعدت أدراج سُلمه جاهِلة أين وِجهتها.
+
إلى أي طابق عليها الوقوف، قطع عليها حِبال أسئلتها وقوف زكريا بداخل أحد العيادات، تفقدت اللافتة المُعلقة على الحائط وقرأتها بخفوت:
_ دكتور رائد استشاري مخ وأعصاب..
+
عضَّت على شِفاها السُفلية بخجلًا قد تملك منها، ثم حاولت الفِرار سريعًا قبل أن يراها زكريا، لكن هيهات للقدر الذي دبر رؤيته لها، وما كاد يجلس على مقعد الإنتظار المُقابل للباب حتى وقع بصره
عليها.
+
قطب جبينه بغرابةٍ، فوقع في حيرة أربكت بصيرته لوهلة وشعر أنه قد أخطأ في رؤيتها، فتمعن النظر جيدًا ووجدها هي واقفة تنظر إليه، نهض وذهب إليها مُسرعًا فركضت ليلى مُحاولة الهرب حتى لا يتواجها.
+
_ استني يا ليلى..
قالها آمرًا، فتجمَّدت مكانها، وقد راودها الخوف خشية كشفه لأمر مجيئها خلفه، فاستنكر زكريا عدم نظرها إليه وهتف:
_ بُصيلي..
+
استدارت إليه بوجهٍ خائف فتساءل بجدية:
_ أنتِ بتعملي إيه هنا؟
+
لم يكُن لديها إجابة، فأطالت النظر به دون أن تنبس بحرفٍ، فاستشف زكريا من خلف صمتها وارتباكها الظاهر، تَتَبُعها له، فغر فاهه ورفع حاجباه قبل أن يُردد كلماته الذي لا يود تصديقها:
_ هو أنتِ كنتي ماشية ورايا؟
+
تملك منها التوتر فتأكد زكريا من حدسه دون أخذ إجابةً منها، فأخذ يهُز رأسه بإنكارٍ وأردف بخيبة أمل:
_ لا واضح إننا فعلًا مش هنعرف نتعامل وعدم الثقة دي معدتش بينا..
+
اشتد عليه ألم فكه فجأة؛ فأُغلِقت عيناه لا إراديًا، فضرب وجهه بخفة ربما يُذهب عنه ذلك الألم وعندما فشل نظر إليها وقال:
_ روّحي يا ليلى، أنا جاي اتعالج مش جاي لوحدة، طمني قلبك وارتاحي
قالها زكريا ثم استمع إلى صوت السكرتيرة التي نادته بعملية:
_ استاذ زكريا الششتاوي.. اتفضل
+
أولاها ظهره وعاود إلى العيادة، ثم إلى غرفة الطبيب، تارِكًا ليلى غارقة بين ندمها وحاجتها للإطمئنان عليه، زفرت أنفاسها بِضَجرٍ وقررت العودة إلى المنزل حتى لا تُصبح الأمور أكثر سوءًا.
+
***
+
مساءًا، تفاجئ وليد وزكريا بقدوم عبدالله إلى المركز، فتوجها إليه مُرحبين به بحفاوةٍ حيث بادر وليد مُهللًا:
_ والله ما مصدق نفسي، أخيرًا نزلت من البيت...
+
فأضاف زكريا بحماسة:
_ كدا نسهر مع بعض للصبح حلاوة رجوعك..
+
كان عبدالله هزيلًا فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، ونبتت ذقنه بشكلٍ مبالغ، ناهيك عن جفونه المتورمة وظهور ظِلال داكنة أسفل عينيه من الإرهاق.
+
أخرج زفيرًا وتحدث بصوتٍ واهن لم يتعرفا عليه صديقيه ولولا وقوفه أمامهما لظنا أنه صوت لأحدٍ آخر:
_ أنا مستني حد يجيب لي حاجة وبعدين اعملوا اللي أنتوا عايزينه..
+
_ إحنا نطلب عشا على ما حاجتك توصل..
قالها وليد بحماسٍ بائن ثم انسحب من بينهم باحثًا عن هاتفه ليقوم بطلب طعامًا فاخر لهم، بينما دنا زكريا من عبدالله ولكزه مازحًا في ذِراعه مُتسائلًا بِفُضولٍ:
_ طالب إيه يا عُبد؟
+
_ لما توصل هتعرف..
أجابه بإيجازٍ فتساءل الآخر مرة أخرى:
_ هتعجبني يعني..
+
_ أنت آه
أردفها عبدالله فأثار الفضول داخل زكريا الذي يَطُوق لِمَعرفة ماهي، لحظاتٍ وقد صدح رنين هاتف عبدالله الذي أجاب ثم انسحب إلى الخارج تحت نظرات زكريا المتابعة له.
+
فوجده يقف مع أحد الشباب الذي يعتلي دراجة نارية، ثم تمت عملية تبادل أشياءٍ لم يستطيع زكريا رؤيتها من على بُعدٍ، عاد عبدالله إليه وقال وهو يُتَابع سيره إلى الأريكة التي تتوسط المكان:
_ تعالى..
+
_ أجي، مجيش ليه..
هتفها زكريا وتَبِعهُ حيث جلس، تلك الأثناء عاد وليد الذي تساءل مُستفسرًا عن ذلك الكيس البلاستيكي:
_ هو إيه دا؟ الشنطة دي فيها إيه؟
+
قام عبدالله بسحب لفة ورقية هرامية الشكل وأوضح ماهي لهما:
_ حشيش!!
+
تشكلت الصدمة على وجوه الآخرين، لوهلة ظنا أنه يُمازحهما، فأسبق وليد بالحديث غير مُصدق ما يراه أمامه:
_ هو أنت بتهزر صح؟ حشيش إيه؟
عبدالله أنت واعي وفاهم أنت جايب إيه؟
+
هز رأسه بهدوء، وقال وكأن الأمر طبيعيًا:
_ إيه المشكلة يعني؟ مرة مش هيحصل حاجة، أنا محتاج أفصل عن اللي أنا فيه دا، محتاج أحس أي إحساس تاني غير الوجع اللي أنا وقعت فيه ومش عارف أطلع منه!
+
رفع اللفة عاليًا وتفحصها قبل أن يُضيف:
_ الحل الوحيد عشان أفصل شوية..
+
ثم انتبها على صاحب زكريا المؤيد:
_ والله أجدع حاجة عملتها، ولع ولع خلينا ننسى الهم والقرف اللي إحنا فيه..
+
باستياءٍ واضح هدر وليد فيه بحنقٍ:
_ أنت بدل ما تعقله، توافقه على اللي هو بيعمله؟!
+
عنَّفه زكريا قائلًا:
_ ولا ولا مش عايز تشرب متصدعناش..
+
لم يكُف وليد عن مُحاولته في استعادة رُشد عبدالله:
_ يا عبدالله متصلحش الغلط بغلط يا صاحبي، أنت كنت أعقل واحد فينا، إيه اللي حصلك بس؟
+
_ عقل إيه بعد اللي بعيشه دا، كويس إني ممشيتش في الشارع بلف زي المجانين، سيبني في حالي يا وليد
هتفها بهجومٍ وأنهاها بنفاذ صبر، ثم قام بإشعال اللفة ليُدَخِنها، ثم قام باستنشاقها وإخراج دُخانها من أنفه، فعلها مِرارًا ثم عاد بظهره مُستندًا على ظهر الأريكة وحدق بالسقف وهو يناول زكريا اللفة تحت نظرات وليد الرافضة لما يُحدثاه.
+
ابتعدا عنهما ثم قام بعمل اتصالًا عليه إجرائه، انتظر حتى أتاه صوت الطرف الآخر فتحدث في الحال:
_ مساء الخير يا عمي، أخبار حضرتك إيه؟
كنت عايز أقولك على حاجة حصلت، لازم تعرفها..
+
***
+
بعد مرور ما يُقارب الساعة، وصلا قاسم إلى مكان تواجد عبدالله، توجه إليه وليد مُباشرةً عند وصوله، فتساءل قاسم بوجهٍ شاحب وصوتٍ خشن:
_ هو فين؟
+
أشار وليد حيث يجلسان، فتوجه قاسم نحوهما، وكذلك تَبِعهُ وليد الذي اقترب من زكريا وأرغمه على الإنتباه عليه:
_ قوم نمشي..
+
فتح زكريا عينيه وتفقد ملامح وليد ثم ابتسم ببلاهة وقال بثقل في لسانه:
_ سيبني قاعد شوية كمان
+
رفض وليد وأجبره على النهوض ثم أحاط ظهره بذراعه، واليد الآخرى أمسك ذراع زكريا الذي وضعه أعلى كتفيه، نظر إليهما قاسم برفضٍ لحالتهما اللذان أصبحا عليها، ثم التقط مفتاح سيارة عبدالله ووجه حديثه إلى وليد:
_ خد يابني روّح بالعربية، هتمشي بيه إزاي كدا..
+
شكرهُ وليد مُمتنًا ثم التقط من يده المفتاح وخرج من المكان، قام بفتح باب السيارة الخلفي ودفع بزكريا داخله، ثم استقل خلف المقُود وتحرك بالسيارة عائدًا إلى منطقتهما.
+
في الداخل؛ انحنى قاسم ليكون أقرب لعبدالله، ثم ضرب وجهه بِخفة مُرددًا بِحُنقٍ:
_ عبدالله، قوم، فوق كدا وكلمني..
+
_ مش عايز، مش عايز أفوق، عايز أنسى..
كانت كلماته تَخرُج بِثقل حتى أن قاسم لم يفهم بعضها، فقام بمسك ذراعيه مُجبِرًا إياه على الوقوف قائلًا:
_ قوم يا أخي أنت بتعمل في نفسك ليه كدا؟
+
ثم أظهر قاسم بعض القوة في إسانده حتى وصل به إلى المرحاض، وقام بانحناء رأسه أسفل صُنبور المياه الذي فتحه فتناثر منه الماء البارد أعلى رأس عبدالله الذي حاول التراجع، لكن قاسم قد أحكم من إمساكه ثم أعاد وقوفه وهدر به شزرا:
_ ليه يابني كدا؟
+
بعيون زائغة وأنفاس ثقيلة تحدث عبدالله:
_ أنا تعبان، عايز أنام..
+
هز الآخر رأسه عندما تأكد أنه ما زال تحت تأثير ذلك المُخدر وهتف مستاءً:
_ الزفت دا تأثيره بيروح إزاي؟
+
قالها ثم ساعد عبدالله في الخروج، جعله يتمدد على الأريكة ليحظى ببعض النوم ربما يستعيد رُشده، وأخذ يبحث على الإنترنت عن أشياءٍ تُقلل من تأثيره، فلم يجد حلولًا وأنها فقط مسألة وقت حتى يقل تأثيره دون تدخل، فقرر الإنتظار لحين إشعار آخر.
+
***
+
كانت المرة الثالثة لزكريا أن يفقد توازنه ويسقُط، ويلحق به وليد الذي تأفف بضجرٍ:
_ يخربيت دماغكم، أنتوا تشربوا وأنا ألبس
+
حمد الله داخله أنه استطاع الصعود إلى الطابق الكائن به شقة زكريا، قام بإسناده على الحائط المُجاور للباب ثم قرع الجرس ونزل سريعًا قبل أن تقوم ليلى بفتح الباب لكنه لم يبتعد كثيرًا حتى يتأكد من دخوله البيت.
+
بعد قليل؛ فتحت ليلى الباب وتفاجئت بإلقاء زكريا لجسده بين ذراعيها فخانتها قوتها الهزيلة وسقطت معه أرضًا، ثم شهقت مذعورة وهتفت بهلعٍ:
_ مالك يا زكريا؟
+
أخذت تضرب وجهه بخفه وهي تتساءل بتوجسٍ:
_ أنت عامل كدا ليه؟ أنت شارب حاجة؟
+
رفع زكريا رأسه للأعلى وأخبرها عما احتساه دون وعيٍ:
_ حشيش..
+
ثم أغمض عينيه تحت صدمةٍ من ليلى التي جهلت التعامل معه، لكنها أسندت رأسه على قدميها لئلا يتألم من صلابة الأرض، عاود زكريا فتح عينيه ورمقها بعيون ضائقة كأنه يتعرف على ملامح وجهها وهتف:
_ أنتِ مين؟
+
_ أنا ليلى، أنت مش عارفني؟
هتفتها مذهولة من ذهاب عقله وعدم تعرُفه عليها، فحاول زكريا الإبتعاد مُعللًا:
_ امشي متقربيش مني، مراتي لو شافتني معاكي هتزعل... زي ما زعلت قبل كدا
+
ابتسمت ليلى وهزت رأسها بإنكار، ثم حاورته بفضولٍ لمعرفة ما يُمكنها أخذه منه وهو على تلك الحالة:
_ بتحب مراتك؟
+
_ أوي أوي، بس نفسي ترضى عني..
كانت إجابته كفيلة لإسعاد ليلى التي لم تكتفي وعاودت سؤاله:
_ مراتك دي حلوة؟ تستاهل تتغير عشانها يعني؟
+
_ أحلى واحدة في عيني..
ارتسمت البهجة على وجهها فالتوت شفتيها مُشكلة ابتسامة سعيدة، ثم حمحمت وتابعت أسئلتها:
_ لما هي حلوة وأنت بتحبها ليه كلمت عليها واحدة؟
+
_ عشان حمار..
رده أضحكها وجعلها تُطلِق بعض القهقهات، أعادته ضحكاتها إلى واقعه، حيث أنه نظر إليها طويلًا ثم تمتمَ بعيون دامعة:
_ سامحيني بقى يا ليلى، أنا اتربيت..
2
تفاجئت ليلى بنهوضه المُفاجئ وأطال النظر بها ثم تحسس وجهها بنعومة، وسمح لنفسه بالإقتراب من شفتيها هامِسًا بعدم إدراك:
_ وحشتيني..
+
***
+
