اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم تسنيم المرشدي



                                              
الفصل الثالث والأربعون 
على دروب الهوى 
بقلمي تسنيم المرشدي 

+


*** 

+



خفق قلبيهما بذُعرٍ، لكن من كان لها النصيب الأكبر من الخوف هي خلود؛ التي دفعت وليد عنها ورمقته بعينين يترنح فيهما الرعب، ثم ابتلعت ريقها والتفت بجسدها فوجدت والدتها تقف على باب الغرفة من الخارج. 

+


تآملت بألا تكون رآتهما وإلا لن يمُر الأمر مِرار الكِرام، توجهت بخُطواتٍ مُثَقلة إلى خارج، وحدجت والدتها طويلًا ربما تستشف من خلف تعابيرها ما أن رآتهما أم لا. 

+


كانت هناء جامدة، باردة، أعطتها الطعام دون تعقيب لا بالخير لا حتى الشر، فضاعفت الخوف داخل خلود، التي تناولت منها الصينية وفرت إلى الداخل عندما لم تقدر على مواجهتها لوقتٍ أكثر. 

+


وضعت الصينية على الطاولة بيدين ترتجفان، ثم استقامت في وقفتها ورفعت رأسها قليلًا حيث يقف وليد قبل أن تردف بحالة من الهلع الذي سيطر على خلاياها: 
_ أنا حاسة إنها شافتنا.. 

+


ثم تحسست يسار صدرها حيث موضع قلبها براحة يدها المرتجفة وأضافت بصوتٍ مُتلعثم: 
_ أنا قلبي هيقف والله.. 

+


رفعت كِلتى يديها أمام وجه وليد المُتابع لها واسترسلت برعبٍ: 
_ بص إيدي، والله حاسة إن هيجرالي حاجة من كتر الخوف.. 

+


تدخل وليد محاولًا تهدئة روعها خشية أن يصيبها الخوف بمكروهٍ، أمسك يديها وشد عليهما، ثم قال: 
_ اقعدي واهدي.. 

+


قامت خلود بالجلوس وكذلك فعل وليد الذي أضاف بنبرة هادئة ربما يستطع امتصاص ذلك التوتر: 
_ خلود خلينا واقعين، مرات عمي لو كانت شافتنا 
أظن مكنتش هتبقى هادية كدا، كان زمان البيت دا مقلوب علينا دلوقتي، ولا نسيتي المرة اللي فاتت؟ 

+


نظرت إليه كمن مغلوبٌ على أمره، وأعادت ترديد الكلمات خاصته في عقلها مرارًا حتى يهدأ قلبها، لكنها لم تنجح في ذلك بنسبة كبيرة فنظرات والدتها كانت مريبة:
_ بس دي كانت بتبص لي بصَات غريبة أوي، كأنها بتلومني أو مستنية نكون لوحدنا وتعرَّفني إنها شافتني.. 

+


قالتها فلم يُعطي لها وليد فرصة للتفكير حيث هتف مستنكرًا: 
_ وحتى يعني؟ 

+


ثم قام برفع إبهامه أمام عينيها مواصلًا بثباتٍ: 
_ أنتِ مراتي على فكرة! وهي لو فاهمة في شرع ربنا هتعرف إن أي لمسة بينا مش حرام! 

+


قاطعته خلود بنبرة متوترة: 
_ بس عيب! 

+


_ الحرام قبل العيب، وطلاما اللي حصل مش حرام يبقى مش عيب..
هتفها على أمل أن يتبخر خوفها، لكنها أبت ورددت: 
_ بس مينفعش يحصل.. بص مهما حاولت تهديني مش هتعرف.. 

+


_ والعمل؟ 
تساءل وليد بجدية، فرفعت خلود كتفيها إلى الأعلى قبل أن تردد: 
_ مش عارفة.. 

+



                                      

صمت وليد للحظات قبل أن تقع عينيه على الطعام، فحاول إلهاء عقلها في شيءٍ آخر حيث أردف بنبرة رخيمة: 
_ طب أنا جعان، هناكل ولا أنتِ راسمة تاكلي الأكل لوحدك بعد ما أمشي.. 

+


تفقدت خلود الطعام ثم قالت وهي تُقرب منه الصينية: 
_ لا أبدًا، كُل.. ألف هنا 

+


_ هو إيه اللي كُل ألف هنا؟ هو أنتِ مش هتاكلي؟ 
تساءل مُستفسرًا فرمقته خلود لبعض الوقت قبل تُجيبه بترددٍ: 
_ هو أنا لو قولت مش قادرة آكل هكون سخيفة صح؟ 

+


_ آه وهقوم أمشي كمان، خلود متبوظيش اليوم على أوهام في دماغك، أنا متاكد إنها ملاحظتش حاجة حتى، والدليل إنها دلوقتي قاعدة برا بكل هدوء معملتش أي شوشرة، هو أنا برده اللي هعرفك قلبِة مرات عمي؟
هتف كلماته بنفاذ صبر، مُتمنيًا بألا تُطيل، وكما تمنى فعلت هي، تصنعت لامبالاتها وأخفت خوفها داخلها حتى لا تفسد رونق الليلة، زفرت أنفاسها لتُخرج الطاقة السلبية الي سيطرت عليها مع خروج أنفاسها. 

+


مالت شفتيها للجانب وشكلت بسمةً رقيقة تُشبه رِقة ملامح وجهها، ثم قالت وهي تُشير إلى الطعام: 
_ خلاص مفيش حاجة، يلا ناكل 

+


بادلها وليد الإبتسام وهلل: 
_ أيوا كدا، هناء مش هتنط لي في كل حاجة وتبوظها، حرام بجد! 

+


رمقته خلود بنظراتٍ مُندهشة لكلماته الجريئة ورددت: 
_ هناء؟! 

+


انفجرت ضاحكة وقالت وهي تحاول السيطرة على ضحكها: 
_ طب كُل وبلاش كلام عنها عشان متوترش تاني.. 

+


دنا وليد من الطعام وأردف: 
_ لا وعلى إيه تتوتري تاني، يلا ناكل، بسم الله 

+


كاد يتناول لكنه تريث ونظر إلى أصابع يدها، ثم رفع رأسه رامقًا عينيها قبل أن يُردف بخبثٍ: 
_ ما تدلعيني يا خلود وتأكليني من الصوابع الحلوين دي؟ 

+


حدجته بعيون مُتسعة غير مُصدقة طلبه، أطالت النظر به دون استيعاب لذلك التحول الجذري فهزَ وليد رأسه قبل أن يطرح سؤاله: 
_ إيه البصة دي؟ أنا قولت حاجة غلط؟ 

+


_ مستغرباك! حساك بقيت حد تاني فجأة، يعني أنت كنت لسه من شوية حد هادي ومؤدب، ودلوقتي بقيت... 
لم يدعها تُكمل حديثها وتابع هو بثباتٍ: 
_ قليل الرباية، عارف 

+


أردفها بثقة عمياء فلم تستطع خلود منع قهقهتها التي صدحت عاليًا فأسرع وليد في وضع يده على فمها مانعًا تسلل ضحكها إلى آذان الآخرين مُعلقًا باستياء: 
_ لا أنتِ كدا عايزة هناء تيجي تاخدنا فومين غسيل.. 

+


كلما حاولت السيطرة على ضحكها تُعاود كلماته من جديد في إضحكاها بصوتٍ أعلى، فاضطر وليد إلى الإقتراب منها حتى يضمن غلقه بإحكامٍ، فأصبح وليد قريبًا للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسهما التي تضرب وجهيهما. 

+


ذلك الحين؛ اختفت ضحكات خلود تدريجيًا وقد انبعث من وجهها حرارة حارقة تسببت في إحمرار وجنتيها، بينما شعر وليد بمشاعرٍ مختلطة لكنه أجاد ضبط نفسه وتراجع للخلف هاربًا من عينيها، وكذلك فعلت هي، ولم يجرأ أحدهما على النظر في عيني الآخر مدة. 

+



        

          

                
تهرب وليد بحديثه: 
_ يلا كُلي.. 

+


أماءت خلود، ثم تذكرت طلبه فأخذت بعض الطعام بأصابع يدها التي قربتها من فمه، فتفاجئ وليد بتصرفها، ولم يُخِجل يدها، بل انحنى برأسه على يدها وأخذ يأكل مما تحمل مستمتعًا بمذاق الطعام. 

+


ثم بادلها فِعلتها وأطعمها بيده فلم تتردد خلود في تناوله، ظلا على الحال نفسه حتى فرغا من الطعام، ثم تحدثا في شتى المواضيع، منها ما أضحكهما ومنها ما كان رومانسيًا حتى مر الوقت دون أن يشعُرا به. 

+


***

+


دلفت البيت بِخُطى غير متزنة، ألقت حقيبتها جانبًا 
وهرولت نحو غرفتها وهي بالكاد ترى أمامها، اعتلت طرف الفراش ثم أجهشت باكية فاهتز جسدها وارتجفت أضلاعها مع كل شهقة بكاء. 

+


تفاجئ زكريا بتلك الحالة التي كانت عليها، فاعتصر قلبه ألمًا وغرس الحزن فؤاده، ناهيك عن ضميره الذي اتقدت نيرانه، توجه نحوها ثم جسى على ركبيته أمامها محاولًا التخفيف من عليها باحتضانه ليديها المرتجفتان وتمتم بكلماتٍ مُبعثرة لا يدري ماذا يقول: 
_ ليلى.. 
أنا آسف إنك حسيتي بكدا.. 

+


شدَّ على يدها وتابع برجاء: 
_ عشان خاطري إدينا فرصة تانية وكل حاجة هتبقى كويسة.. 

+


نهض زكريا وجلس مُقابلها ثم رفع رأسها باتجاهها قبل أن يسترسل مواصلًا ببمسةٍ هادئة قد ارتسمت على شفتيه:
_ هنبدأ من أول وجديد، وهنجيب عيال كتير، والله ما هقولك تاني لأ على أي حاجة، حتى لو عايزة تجيبي عشرة، مش هعترض

+


سحبت ليلى يدها من بين قبضته، ولوحت بيدها وهي تفيض بمشاعرها الجياشة: 
_ رد فعل حازم وجعني أوي، حسسني إني قليلة بشكل، ليه ملقتش رد فعل زي دا؟ 
رد فعلك كان وحش أوي يا زكريا! 

+


خرجت كلماتها مندفعة بصوتٍ يرتعش بقوة، فرمقها زكريا بحزنٍ لما قاسته ليلى من خلفه، أغمض عينيه يستمد بعض القوة الداخلية، ثم نظر إليها مجددًا وحاول لمس يدها ثانيةً لكنها أبت ورفعت كِلتى يديها للأعلى وهي تصرخ في وجهه: 
_ متحاولش، مفيش حاجة هتهدي اللي أنا حاسة بيه دلوقتي
أنت بوظت أي لحظة حلوة اتمنيت أعيشها معاك! 

+


_ خلينا نبدأ من جديد، ونبني ذكريات جديدة ننسى بيها الذكريات دي.. 
قالها بعيون لامعة يترقب ردها بلهفة، يتشبث ببصيص أمل على موافقتها، لكنه وجدها تنهض مبتعدة عنه وقالت وهي تجُوب الغرفة ذهابًا وجيئا:
_ مش هقدر، كل ما هشوف موقف قدامي هيفكرني وهعيش نفس وجعي تاني.. 
أنت حتى مسبتش باب صغير يرجَّع أي ذرة وصل بينا، الأبواب كلها اتفقلت!! 

+


وقفت فجأة ونظرت إليه قبل أن تُضيف: 
_ الحمد لله إننا اتطلقنا، العِدة هتخلص وهمشي من هنا..

+


وما أن أنهت جُملتها حتى أولته ظهرها وقد عقدت ذراعيها أعلى صدرها في إنتظار خروجه، بينما نظر إليها زكريا طويلًا ثم نهض عن الفراش وتوجه ناحيتها مُردفًا كلماتها بنبرة مهزومة: 
_ بس أنتِ كدا بتظلميني يا ليلى، أي إنسان محتاج فرصة تانية يِثبت نفسه فيها، مش معقول كل حاجة تخلص بسهولة كدا

+



        
          

                
أمعنت ليلى النظر به دون أن ترمش وقالت بثبات:
_ في حاجة اسمها العفو عند المقدرة، وأنا للأسف مش قادرة..

+


وبعد نظراتٍ من اللوم هز زكريا رأسه ثم استدار وخرج من الغرفة مُوصدًا الباب خلفه، توجه إلى الأريكة وقام بالجلوس أعلاها مُستندًا بمرفقيه على فخذيه، خافيًا وجهه براحتي يده، حتى هاجم نصف وجهه من اليسار ألمًا حاد كمن صعقته الكهرباء. 

+


فهب زكريا واقفًا وظل يدور حول نفسه كالمجنون محاولًا تدليك وجهه وتحريك فكه على أمل التخفيف من ذلك الألم المفاجئ، أخذ وقتًا ليس بقصير حتى تخلص من ذلك الألم بصعوبة ثم عاود التمدد على الأريكة، لم يتوقف عن التفكير حتى تغلب عليه النوم وبات في ثُباتٍ عميق فكان لعقله طوق نجاة قد أنقذه من دوامة أفكاره. 

+


*** 

+


كانت عينيها مُصوبتان على باب الفيلا التي تقترب منها السيارة، وعندما وقفت أمامه قامت بعمل اتصالًا، انتظرت فترة حتى أجابها الطرف الآخر ببعض الغرابة لاتصالها: 
_ صبا؟ 

+


بمزيجٍ من التردد والحرج أردفت:
_ أنا برا البيت عندك، فيه حاجات ليا لسه موجودة في الأوضة، محتاجة أخدها.. 

+


_ برا البيت بتعملي إيه، ادخلي على طول.. 
قالها بلهفة، فتحدثت صبا وهي تترجل من السيارة: 
_ افتح لي الباب اللي برا.. 

+


ثم وقفت أمامه حتى فُتح تلقائيًا عند فتح عاصم له من الداخل، لم تكاد تخطو مسافةً بعد حتى وجدته يستقبلها بإبتسامته المُشرقة: 
_ البيت نور يا دكتورة.. 

+


ارتسمت ابتسامة على شفاه صبا، ورحبت به أيضًا: 
_ دا نور أصحاب البيت يا باشمهندس.. 

+


حمحم عاصم ولم يجد من الكلمات ما يقولها، فخرجت كلماته مُندفعة دون تفكير: 
_ جيتي مخصوص ليه؟ كنتي قوليلي وأنا أجيبهم لغاية عندك.. 

+


نظرت إليه صبا في حرجٍ، فشعر بالحرج لاندفاعه وبرر مقصده: 
_ قصدي يعني مكنتيش تعبتي نفسك كل المسافة دي.. 

+


أماءت صبا بتفهمٍ ثم أوضحت سبب مجيئها:
_ أنا كنت راجعة من المستشفى، فحبيت يكون مشوار واحد

+


هز الآخر راسه واكتفى بذلك القدر من الكلمات، فكانا قد وصلا إلى باب البيت، فدعاها عاصم إلى الدخول بيده: 
_ اتفضلي خدي راحتك، أنا هستنى هنا

+


بامتنانٍ ظاهري ابتسمت صبا في وجهه ثم ولجت بِخُطاها حتى بلَّغت الغرفة وأخذت تُجمع بعض الأشياء التي نسيتها هنا، وبعد أن انتهت عاودت النزول، تلك الأثناء؛ فوجئ عاصم بخروج زينب من بيتها مُقبلة نحوه، فابتسم بعذوبة مستقبلها بترحاب حار: 
_ يا أهلًا يا أهلًا بالجارة العزيزة.. 

+


_ حاسة إن حضرتك زهقت مني، هنا وفي الشغل كمان، كتير.. 
قالتها ضاحكة فضحك عاصم ونفى وجود أي مللٍ: 
_ لأ، متقلقيش موصلتش لمرحلة الزهق لسه 

+



        
          

                
هتفها مُمازحًا فاستشفت مُزاحه وأردفت وهي تُناوله طبقًا مغلف بالورق الحراري موضحة ما هذا: 
_ كنت بعمل غدا بكرة عشان مش بلحق أعمل حاجة قبل الشغل، وقولت يمكن تحب تجرب نوع حلويات جديد.. 

+


ضاق عاصم بنظره عليها أولًا ثم أخفض بصره على الطبق وتساءل بحماسٍ: 
_ إيه دا طيب؟ 

+


إلتوى ثغر زينب للجانب قبل أن تردد: 
_ ممم خمن.. 

+


_ لا مش عارف، مش قادر أحدد بالظبط
هتفها بجدية فتحدثت الأخري مستاءة: 
_ يعني حضرتك عرفت ريحة القرع العسلي اللي جوا شنطتي ومش عارف تحدد الطبق وهو قدامك؟!

+


_ يمكن عشان مش جعان؟! 
قالها فعبست زينب وأردفت بملامح بها ظلال من الحزن الخفيف: 
_ إيه دا يعني حضرتك مش هتاكل من أم علي؟ 

+


رمقها عاصم عند عِلمه بما أحضرته دون أن يُبدي أي دهشة فتعجبت الأخرى من عدم إظهار لهفته تلك المرة وتساءلت بترددٍ:
_ حضرتك مش بتحبها ولا إيه؟ 

+


حك عاصم مؤخرة رأسه بحرجٍ وارتباك واضحين ثم أجاب سؤالها بكلماتٍ متلعثمة:  
_ ممم، مش أوي، يعني مليش فيها بس ممكن ادوق.. 

+


ارتسمت البهجة على وجه زينب التي اختفت ابتسامتها فجأة عند رؤياها خروج صبا من البيت، شعرت بوخزة قوية في صدرها أضاقت رَحِبها، فلقد تجمعت بعض المخاوف في عقلها بأن تعود علاقتهما مجددًا.  

+


وبينما هي مُنهمرة بين أفكارها وخوفها تفاجئت صبا بوقوف زينب مع عاصم لكنها لم تكن منزعجة، بل أرادت معرفة إلى أي درجة قد اجتازاها. 

+


_ إزيك يا زينب، وحشاني 
بادرت صبا بالحديث، فشكلت زينب بسمة على محياها وأجابت: 
_ بخير، أنتِ أخبارك ايه؟ 

+


_ الحمد لله 
اكتفت بها صبا بينما لم تستطع زينب منع فضولها حول مجيء صبا، حمحمت قبل أن تردف بودٍ زائف: 
_ بقالي فترة كبيرة مشوفتكيش هنا.. 

+


استشعرت صبا ما يدور خلف سؤالها، وما كان عليها إلا أنها ابتسمت بهدوءٍ وأجابتها بكلماتٍ تُطَمئنها: 
_ كان في حاجات نسيتها هنا، جيت أخدها، من حُسن حظي إني شوفتك، الله أعلم هنتقابل تاني امتى... 

+


نجحت صبا في اطمئنانها، حيث تشكلت البهجة على تقاسيم زينب التي ابتسمت، وما كادت تفعل حتى انتبه الثلاثة على وصول سيارة عبدالله. 

+


فلم يحب عاصم الالتقاء به وقرر الإنسحاب حيث وجه حديثه إلى صبا: 
_ تعالي يا صبا لما أوصلك.. 

+


رفضت صبا مُعلِلة وهي تُشير بعينيها نحو الباب: 
_ لا مفيش داعي، التاكسي مستني برا..

+


تلك اللحظة زفرت زينب أنفاسها براحة لرفض صبا، فلقد شعرت بالضجر عندما رسم عقلها خلوتهما والذي سيترتب عليها، بينما أماء عاصم بتفهمٍ وقال بصوت أجش: 
_ طب أنا هدخل لو مش محتاجة حاجة تاني

+



        
          

                
_ لا لا أنا كدا تمام، شكرًا يا باشمهندس، تصبح على خير 
هتفتها صبا فاختصر عاصم حديثه قائلًا: 
_ وأنتِ من أهله

+


ثم وجه بصره نحو زينب وأضاف: 
_ عن إذنك يا زينب 

+


اكتفت الأخرى ببسمةٍ، فأولهن عاصم ظهره وتوجه إلى باب البيت، تحت نظرات زينب التي لم تُرفع من عليه، غير آبيه لنظرات صبا التي تُراقبها في صمتٍ انتهى ببسمةٍ أخفتها سريعا. 

+


تلك الأثناء ترجل عبدالله من سيارته؛ فتفاجئ بخروج أبيه من البيت فور وصوله وهرولته نحوه بِخُطى غير متزنة مُرددًا بهلع:
_ إلحقني يا عبدالله، إلحقني يا بني، أحلام مش بتتحرك خالص.. 

+


_ يعني إيه مش بتتحرك؟!!
رددها عبدالله دون استيعاب، ثم انطلق بأقدامٍ كأن بها مُحركًا جعلته يهرول بسرعة فائقة، فكاد يعاود قاسم ويحلق به إلا أن بصره وقع على صبا المُرافقة لزينب، فلم يتردد وتوجه نحوها مُسرعًا. 

+


وهلل عاليًا قبل أن يصل إليهن: 
_ يا صبا، أنتِ جيتي لي نجدة يا بنتي، إلحقيني 

+


انتبهت عليه صبا وقد تشكل القلق على تقاسيم وجهها عند رؤيتها لقدومه بذلك الشكل نحوها، وكذلك لم تكن أقل منها زينب قلقًا، فلقد دبَّ الرُعب قلبها وهرولت نحوها بِخُطى مُتعثرة مُتسائلة برُعبٍ: 
_ في إيه يا عمي؟ 

+


_ أحلام.. أمك يا زينب 
قالها بتلعثمٍ من بين أنفاسه المتعالية، وقف يلتقط أنفاسه تحت نظرات الأخريات المريبة، لكنه ما لبث أن استعاد قاسم جزءًا من توازنه حتى أوضح مقصد كلماته: 
_ فجأة معدتش بتتحرك خالص، تعالي يا بنتي طمنيني عليها.. 

+


صعقت زينب وكانت أول من هرول إلى البيت، بينما لحقا بها قاسم وصبا في الحال، تحت نظرات عاصم المُراقب لما يحدث من أحد نوافذ البيت العُلوية، انعقد حاجبيه تلقائيًا فلقد شعر بثَمة أمرًا سيء يحدث وقرر النزول ومعرفة ما الأمر. 

+


في الداخل؛ وصل عبدالله إلى فراش والدته المُستلقية أعلاه، أخذ يَهُزها يمينًا ويسارًا مُناديًا عليها: 
_ أحلام، مالك أنتِ تعبتي ولا فيكي إيه

+


انحنى بجسده عليها واقترب من أنفها وقام بسماع 
أنفاسها فلم يشعر بهم، خفق قلبه رعبًا وقرر إستخدام يده للشعور بأنفاسها، فوضعها أمام أنفها حتى أنه كتم أنفاسه حتى لا تخدعه وتؤثر على عدم شعوره بها. 

+


فلم يشعر بشيء، ارتجف صدر عبدالله بأنفاس متلاحقة، تجمَّدت قدميه وهو يتطلع بها مذهولًا لا يقدر على الحِراك، وفجأة استمع إلى صوت صبا التي اقتحم الغرفة وحثته على التحرك: 
_ خليني أشوفها يا عبدالله.. 

+


تراجع خُطوة إلى الوراء وقد خالط صوته ارتجاف واضح وهو يهمس: 
_  مش حاسس بنفسَّها يا صبا، أمي مش بتتنفس! 

+


أدارت صبا رأسها حيث يقف ورمقته بعيون مُتأثرة للهجته التي آلمت قلبها، ثم عاودت فحص أحلام بعناية، تجمَّدت مكانها وأصبحت ثابتة لا تتحرك ولا تواجه الآخرين. 

+



        
          

                
فدبَ الرُعب أوصال الواقفين؛ وكان قاسم أول من تقدَّم نحوها مُتسائلًا بتوجسٍ خيفة: 
_ فيها إيه يا بنتي؟ أحلام مالها؟ 

+


اهتز كيان صبا، ورجف جسدها فجأة، نهضت عن مكانها ولم تستطع النظر في أعينهم، وبصوتٍ بالكاد سمعوه تمتمت: 
_ البقاء لله..

1


سقطت الكلمة على سمعهم بُبطءٍ موجع لم يستوعبوه، وكأن الصوت انقطع من العالم حولهم، لم يفهم أحدهم في البداية ما قيل، فكانوا ينظرون في وجوه بعضهما البعض يُريدون تكذيبٍ يُريح قلوبهم. 

+


_ البقاء لله في مين؟ متقوليش على أمي كدا.. 
هتفها عبدالله غير مصدق ما قالته، ثم اقترب من والدته وانحنى عليها محاولًا إيفاقتها بهزها على جانبيها: 
_ قومي يا أحلام، بلاش تعملي كدا بالله عليكي، أنتِ عارفة أنتِ غالية عندي إزاي، وأنا كمان عارف إن خضتي عندك غالية ومش ههون عليكي، يرضيكي طيب ابقى شحط كبير كدا وابقى يتيم؟ 
أنا بعدك مش هقدر، مش هقدر والله 
مين اللي هيطبطب عليا وقت زعلي؟ 
هجري على مين أفرحه وقت فرحي؟ 
مين اللي هياخدني في حضنه غيرك؟ حضن من غير يِساع وجعي يا أحلام؟ 

+


انحنى على يدها وظل يُقبلها دون توقفٍ وهو يُدرك خسارتها التي لا تعوض: 
_ موت إيه؟ إحنا متفقناش على كدا.. 

+


عاد إلى ملامح وجهها الساكنة، ملامح انطفأت منها  الحركة، وشحب لونها قليلًا، كانت جامدة في هدوء يُشبه النوم العميق، أطال النظر بها دون تصديقٍ، ظنًا منها أنها ستُعيد فتح عينيها للحظة وتعود إليه من جديد، وعندما طالت المدة والحال كما هو عليه حدَّثها مُعاتبًا إياها:
_ فاكرة لما قولتي ليا، عمري ما هسيبك في يوم؟ 
جه اليوم أهو وبقيت لوحدي، أنتِ عمرك ما خِلفتي وعد ليا، اشمعنا دلوقتي؟ 
طب هيهون عليكي وجع القلب اللي هعيش فيه بسببك؟ 
هان عليكي تسبيني وتمشي؟ 
طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟ 
قوليلي أعمل إيه، مش عارف 
مش عارف، أنا مهما كبرت لسه العيل اللي بترسمي له الطريق
إزاي تمشي وتسبيني تايه كدا؟ 

+


وعندما أدرك لحظتها أنها لن تُجيبه، وأنها ذهبت بالفعل، سقط بإهمالٍ على الأرض، جلس القرفصاء ونظر في الفراغ أمامه وأجهش باكيًا بصوتٍ اهتزت له أعمدة الغرفة. 

+


بينما وقف أمامه قاسم مذهولًا، كأن الزمن وقف من حوله، لا يُدرك ما حوله سوى صدى الخبر الذي هز كيانه، بدا وكأن الصدمة شلّت حركته، فلم يُبدي أي تعابير، كان خبرًا ثقيلًا على عقله الذي رفض تصديقه. 

+


عيناه تُحدقان  بأحلام، صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، شعر بالفراغ داخله، وجهل بأي شعورٍ عليه أن يعيشه الآن. 

+


تلك الأثناء لم تتحمل زينب المكوث في الغرفة بعد صدمتها في فراق حبيبة فؤادها، فلقد سيطر الهلع قلبها وفرت هاربة خارج الغرفة لعدم استطاعتها على تقبل تلك الفجيعة. 

+



        
          

                
اصطدمت بجسدٍ فرفعت رأسها متفقدة هويته، وما أن وجدته عاصم حتى خارت قوة تماسُكها وازداد انهيارها، ثم صرخت بصوتٍ مرتجف واهِن: 
_ ماما، ماما... 

+


تفاجئ عاصم بهلعها، خفق قلبه رُعبًا وفشل في التعامل، لكنه تمالك نفسه وتحلى بالقوة ثم سألها: 
_ إهدي طيب وقوليلي مالها؟ 

+


_ ماتت!! 
قالتها ثم خرت واقعة؛ فلم تعد قدميها تحملها، كان خبرًا صاعقًا لم يصدقه عاصم في البداية، تفاجئ بسقوطها دون سابق إنذار فمال بجسده نحوها ثم جسى على ركبتيه محاولًا فِعل أي شيء يجعلها تهدأ. 

+


_ إهدي يا زينب، لو سمحتي متعمليش كدا.. 
كلماته لم تُضمد ذلك الجرح الحديث، فهي لم تصغي إلى كلامه من الأساس، ظلت تصرخ غير واعية لما تفعله فما كان من عاصم إلا أنه قام بضمها بكل ما أوتي من قوة، يعلم أنه قد اخطأ بِفعلته لكنه أراد تقديم المساعدة فقط. 

+


شدَّ عاصم على ظهرها فشعر باهتزازة جسدها القوية التي كان يتردد صداها داخل صدره، فظل يربُت على ظهرها بحنانٍ هامسًا بعض الكلمات لربما يُمكنه تهدئتها: 
_ ششش اهدي، من فضلك يا زينب.. 
حاولي تتنفسي، خدي نفس طويل وخرجيه بهدوء

+


فعلت زينب ما يخبره إياه دون إدراكٍ، وكأنها مسلبة الروح، هدأت رجفة جسدها لكنها ما زالت تطلق آنينًا موجوع، تلك الأثناء تراجع عاصم للخلف بهدوء وتفقدها فوجد جسدها مُتراخيًا يترنح يمينًا ويسارًا. 

+


فلم يُبعد ذراعيه عنها، بل كان محاوطها جيدًا حتى لا تهوى أرضًا، ثم نهض وساعدها على الوقوف، فنهضت بالإتكاء على ذراعيه، فلم يفضل عاصم إعادتها إلى البيت في تلك الحالة، حتمًا لن تجد من يشد أزرها،  بالتأكيد الجميع في حالٍ يرثى له. 

+


اصطحبها إلى الفيلا خاصته، ثم ساعدها على الجلوس، فعاد نحيبها من جديد، فلم يكف عاصم عن ترديد بعض الكلمات ربما تخفف من حزنها: 
_ أنا عارف إن مفيش كلام هيداوي، بس أنا جنبك يا زينب، خرجي كل اللي أنتِ حاسة بيه ومتخافيش من وجودي، المهم تكوني كويسة في الآخر 

+


وكانت كلماته سبيلًا قد لجأت إليه، فأجهشت في البكاء المرير، لم يجف جفنيها من الدموع، وكلما شعرت بالهدوء قليلًا تعاود إليها نوبة نواح من جديد. 

+


لم يتدخل عاصم، بل ترك لها مطلق الحرية في إخراج مشاعرها الحزينة حتى تصبح بخير، لكنه كان مشفقًا لعيشها فجعة الموت المفاجئة تلك.  

+


****

+


كانت جامدة، لا تقدر على الحركة من هول الصدمة، كانت ترى انهيار عبدالله بالكامل ولا تقدر على مواساته، فأي مواساةٍ تستطيع تقديمها لتلك الخسارة؟ 

+


لكنها الوحيدة التي يجدر عليها فِعل أي شيء، شهيقًا وزفيرًا فعلت صبا مِرارًا، ثم حركت قدمها وتوجهت ناحية أحلام، ثم قامت بدسر الغِطاء أعلاها حتى لم يعُد يظهر منها شيء، فانتبه عبدالله على فِعلتها وهب واقفًا ثم أزاح عن والدته الغطاء وهو يصرخ في صبا دون وعيٍ: 
_ أنتِ بتعملي إيه؟ متغطيش أمي كدا تاني، أمي كانت بتتخنق لو حاجة لمست وشها أنتِ سامعة! 

+



        
          

                
بكت وبكت ولم تكُف عن البكاء لحظتها، ثم هتفت محاولة إدراك عقله بأن روحها قد زهقت إلى ربها: 
_ عبدالله، آبلة أحلام مش حاسة بحاجة... لازم نغطي وشها.. 

+


باستنكارٍ تام صرخ كطفلاٍ ضائع:
_ مش هنغطي حاجة، ومش هنعمل حاجة، هي حاسة بكل اللي بيحصل، هي حاسة بيا وبوجع قلبي.. 

+


أخفض نظره حيث والدته وأضاف وهو يُحادثها: 
_ صح يا أحلام، أنتِ حاسة بيا ومش هتخليني أعيش الوجع دا عليكي صح؟ 
يا أحلام.. 

+


ناداها مِرارًا دون فائدة، فواصل حديثه على أمل أن ترُد في مرةٍ: 
_ طب أنا تعبان ومحتاج لحضنك، مش هتقومي تفتحي لي دراعك وتقوليلي حضن أمك موجود يا عبدالله؟! 

+


لم يجد رد يُرضيه فجن جنونه وخرج عن السيطرة وصرخ بعويلٍ ضاعف الألم داخل صبا التي تبكي بصوتٍ مفجوع لحالته، جاهدت نفسها وهتفت من بين بكائها: 
_ عشان خاطري متعملش كدا، هي في مكان أحسن يا عبدالله.. 

+


لم تُنهيها بعد وقد وجدت منه تحذيرًا بسبابته التي وُضعت أمام وجهها: 
_ بس بس، اسكتي 

+


قالها ثم أسرع في التمدد بجوار والدته وقام بمحاوطتها بذراعيه مُعانقًا جسدها الزاهق، مُستندًا برأسه على صدرها، فتساقطت دموعه على ملابسها، ما يفعله كان يزيد شفقتة وآسى صبا التي جهلت التعامل في ذلك الموقف. 

+


خرجت من حالتها على صوت قاسم الهزيل من خلفها: 
_ لو سمحتي يابنتي كلمي صحابه يكونوا جنبه.. 

+


أماءت صبا بقبولٍ، وسرعان ما انسحبت من الغرفة ونحيبها لا يقل، حاولت أخذ بعض الأنفاس لتسطيع إعطاء أصدقائه خبرًا، وقفت لوهلة تبحث بين الأرقام على أسمائهما فلم تجد، إنها لا تمتلك أرقامهما أساسًا، هدَّأت من روعها وجاءت برقم ليلى، حاولت ضبط أنفساها المضطربة، وانتظرت رد ليلى التي لم تُجيب من الإتصال الأول، فأعادت صبا الإتصال حتى أجابت الأخرى ببعض القلق لتلك المكالمة المفاجئة: 
_ صبا.. 

+


بصوتٍ متهدّج وكلماتٍ مُبعثرة أردفت صبا: 
_ مساء الخير يا ليلى.. 

+


توجست ليلى خيفة في نفسها من خلف نبرة صبا المُتعثرة ورددت بقلبٍ يخفق بقوة: 
_ مساء النور، صبا حبيبتي أنتِ كويسة، صوتك مش تمام.. 

+


ابتلعت الأخرى ريقها وزفرت بعض الأنفاس قبل أن تخبرها: 
_ آبلة أحلام توفت يا ليلى، عرفي زكريا يجيب وليد ويجوا ضروري، عبدالله في حالة صعبة أوي ومحدش عارف يتعامل معاه! 

+


تجمَّدت ليلى من الصدمة وبهت وجهها وأخذت تردد بعدم تصديق: 
_ لا حول ولا قوه الا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.. 

+


لم تطيل صبا المكالمة وأنهتها على الفور، ثم أجهشت باكية، حتى انتهبت على وصول أحد الرسائل على الواتساب خاصتها فتفقدتها، كان عاصم المرسل إليها، فقامت بفتح المحادثة وقرأت ما أرسله: 
_ زينب عندي.. وضعها صعب لو تقدري تيجي تكوني جنبها

+



        
          

                
وضعت صبا علامة القبول على كلامه، ثم التفتت برأسها ونظرت إلى عبدالله الذي يحتضن جسد والدته وتنهمر دموعه بنواحٍ، كم تمنت تقديم مساعدة خاصة له، لكن كيف؟
فالظروف تحول بينهما، وقيَّدتها مكانتها عن الإقدام، 
عاقتها جميع السُبل لتقديم مساعدةً كان عليها القيام بها وحدها، هي فقط من كان يُتيح لها عِناقه والربت على ظهره وتركه يبكي على كتفها حتى يهدأ. 
فالقدر عاق، والكون حال، ومشيئة الله لم تأذن. 

+


لم تستطع تركه والذهاب تلك المرة، لم تنجح العوائق على توفير فرصة الهرب من واجبها تجاهه، هو بحاجة إليها حتى إن لم تنبس بحرفٍ، يكفيها مجاورته ومشاركته فجيعة مصابه. 

+


تلك الأثناء؛ أعادت الإتصال بـ ليلى التي أجابت على الفور فقالت صبا برجاء:
_ لو سمحتي يا ليلى تعالي أنا لوحدي هنا ومش عارفة اتعامل، محتاجة حد يكون جنب زينب.. 

+


أبدت ليلى قبولها، ثم أنهت الإتصال فعاودت صبا الدلوف إلى الغرفة، فتفاجئت بوقوف قاسم مكانه، لم يُحرك ساكنًا، بل ظل على الوضع نفسه منذ عِلمه بخبر وفاة أحلام. 

+


عضت صبا شفاها بتأثرٍ شديد، ثم توجهت نحوه أولًا وقالت: 
_ اقعد يا عمي، لا قدر الله ممكن يحصلك حاجة.. 

+


_ هو لسه هيحصل يابنتي، ماهو خلاص أحلام ماتت!! هيحصل ايه أكتر من كدا.. 
همس بها قاسم فكادت تنفجر صبا باكية لكنها تماسكت، حتى أنها كتمت أنفاسها لِتُسيطر على نوبة بكائها ثم أطلقت الحُرية لأنفاسها الحبيسة، وحاولت التخفيف من عليه ببعض الكلمات: 
_ عشان خاطري تعالى أقعد هنا.. 

+


ساعدته حتى جلس على الأريكة ثم بحثت بعينها سريعا في الغرفة حتى وقع بصرها على كتاب الله، وقامت بجذبه ثم أعطته إياه وقالت: 
_ أحسن حاجة تصبر بيها قلبك، كلام ربنا.. 

+


لم يتردد قاسم وقام بأخذه منها، فتح أولى صفحاته وبدأ يتلوا بصوتٍ مرتجف، وعلى الرغم من حزنه الشديد الذي تبدد داخل قلبه إلا انه كان صامدًا لم تسقُط منه دمعة واحدة، كان يعيش حداده داخليًا لا يراه أحد، فيحسبه الآخرين بقلبٍ صلب صبور على الشدائد. 

+


*** 

+


طلع الفجر على الجميع باهتًا، لكن دِفئه لم يصل إلى قلوبهم التي أطفأها الفقد، وأشرقت الشمس  على وجوهٍ انهكها البكاء، كأن الضوء عجز عن اختراق وجعهم. 

+


كان الجميع متواجدًا في بيت المزرعة، جميع العائلات من عرفوا بمصابهم حضروا ليكونوا بجانبهم، كان الجميع جالسًا ما بين ردهة البيت والحديقة إلا من عبدالله الذي لم يتحرك من جانب والدته. 

+


وصلت المُغسلة فأوصلها وليد الذي أحضرها خصيصًا، ثم أوصلها إلى قاسم الشارد لا يشعر بما يدور حوله، وقد انحنى عليه وهمس:
_ عمي، المُغسلة وصلت.. 

+


انتبه عليه قاسم ونظر إليه بعينين حمراوين كأنه لم يفهم عليه، فأعاد وليد كلامه وهو يشير إلى المرأة: 
_ المُغسلة وصلت.. 

+



        
          

                
هز قاسم رأسه ثم حاول النهوض فلم يستطع، أين ذهبت قوتك يا رجل؟ تساءل في نفسه فلم يجد إجابة، فأشار وليد إلى زكريا الذي حضر على الفور وقاما بمساعدته، فتفقد قاسم وجوهيهما كأنه يجهل معالمهما وردد: 
_ شكرًا يا شباب، أنا تمام، أقدر أمشي لوحدي 

+


قالها فتركه وليد أولا وتلاه زكريا ثم مشى قاسم ببطٍ شديد، كأنه يتعلم المشي للتو، وصلا إلى غرفة أحلام برفقة المُغسلة بينما وقفا الشابان في الخارج. 

+


توجه قاسم بِخُطى مُتعثرة نحوهما، ووجه حديثه إلى عبدالله الذي لم تجف له عين: 
_ قوم يا عبدالله، لازم نغسل والدتك.. 

+


لم يتحرك، لم يسمع كلماته، فهو لا يريد تركها، فتدخلت المُغسلة عندما رأت وضعه وقالت بعض الكلمات تآزره: 
_ ربنا يرحمها، ادعيلها بالرحمة وادعي لنفسك بالصبر، الفراق صعب بس إحنا لازم نغسلها.. 

+


النتيجة ذاتها، كلماتها دون فائدة، لم تضيف إليه سوى الألم، فاضطر قاسم للجوء إلى صديقيه، فقام بالخروج وهتف فور رؤيتهم: 
_ ساعدوني يا شباب الله يكرمكم، مش راضي يسيب حضنها أبدًا.. 

+


أماءا بالقبول وتبعوه إلى الداخل، وأول ما رآى وليد عبدالله علي وضعه ذاك فانهارت حصونه وأجهش باكيًا متأثرًا بما يراه، بينما شعر زكريا بوخزة قوية في قلبه، فتجمَّد مكانه ولم يقدر على الإقتراب. 

+


فكيف يقترب منه وهو مُحطم هكذا، كيف يُبعده عن ملاذه الآمن، فهي كانت نور عينيه والنبض الأول للحياة، فكان على دِراية بمدى تعلُّق عبدالله بها، كيف الآن يُبعده عنها؟ 

+


_ يلا يا زكريا.. 
خرج من شروده على صوت وليد الذي حثه على التحرك، فتقدم بخطواته تجاه عبدالله، ثم انحنى بجسده ليكون أقرب إليه وقال بصوتٍ مهزوز:
_ عبدالله، أنا آسف يا صاحبي، بس لازم تسيبها.. 

+


محاولة أخرى دون فائدة أيضًا، فاضطرا إلى إبعاده عنوة، قاموا بسحبه بكل ما أوتوا من قوةٍ، فصرخ الآخر رافضًا تركها: 
_ متبعدونيش، خلوني جنبها، معتش هشوفها تاني، بالله عليكم تسيبوني.. 

+


كان يهتف متوسلًا إليهما من بين محاولاته في العودة إلى والدته، لكنهما أحكما من إمساكه ونجحوا في إخراجه من الغرفة تحت صُراخٍ منه لا يتوقف. 

+


تلك الأثناء ؛أحكم قاسم من توصيد الباب حتى لا يعود مجددًا، فدفع عبدالله بصديقيه بعيدًا وعاد إلى الباب وظل يطرق عليه بعنفٍ مُرددًا:  
_ خليهم يفتحولي يا أحلام، عايزين يبعدوني عنك، قوليلهم خلوه جنبي... 

+


هدأ طرقه تدريجيًا وهمس بخفوت: 
_ ياما... 

+


قالها ثم هوى أرضًا فركض نحوه صديقيه وقاموا بالجلوس أمامه، فكان وليد أول من واساه: 
_ يا صاحبي متعملش كدا، اهدى الله يباركلك، هيجرالك حاجة.. 

+


كان عبدالله تاركًا نفسه، لا يستطع التحكم في توازن جسده، نظر إلى وليد وقال بنبرة باكية مهزومة: 
_ أمي ماتت يا وليد.. 

+



        
          

                
قالها وقد خارت قواه وازداد نواحه الذي يقطعه بعض الشهقات القوية التي تهز جسده، فقام زكريا بسحبه إلى صدره فلم يجد صعوبة في ذلك فكان جسده خاويًا كما لو لم تكُن به روح، ربتَّ على ظهره وشاركه البكاء ولم يبتعد على أمل أن يهدأ من جرحه. 

+


بعد مرور بعض الوقت، كانت المُغسلة قد أعدّت أحلام للغُسل، كان يرافقها قاسم وزينب، وكانت تعطيهم المُغسلة التعليمات ويفعلون ما تخبرهم عنه.

+


وبينما كانت زينب تنهمر دموعها بغزارة، كان قاسم قويًا ثابت النظرات، لا يجزع ولا يظهر عليه انهياره الذي يخفيه داخله، توقف فجأة عما يفعله ثم انحنى على جبينها وطبع قُبلة وداع طويلة قبل أن يهمس: 
_ مع السلامة يا حبيبة القلب.. 
مع السلامة يا أحلى مافي العمر وفراقك آمر مافيه 
استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني 

+


أنهاها ولم يستطع المكوث لحظتها ففر هاربًا إلى الخارج، عندما خانه رِباط جأشه تلك الأثناء، بينما تابعت المُغسلة حتى انتهت ثم تركتها وغادرت. 

+


*** 

+


حان موعد صلاة الظهر، فعمَّ النداء أرجاء المكان، ودعا المؤذن القلوب قبل الأجساد، وقف الجميع يؤدون صلاة الظهر ثم تلاها صلاة الجنازة بعد أن وقف إمام المسجد يلقي كلمة الوداع. 

+


كان عبدالله واقفًا بعقلاٍ خاوٍ، وجسدٍ فارغ، يتطلع في الفراغ أمامه دون الشعور بأي شيء، يترنح جسده يمينًا ويسارًا، ثم يقف بثباتٍ ويعاود الترنح من جديد، حتى دعا المؤذن إلى صلاة الجنازة. 

+


فخارت قوة عبدالله الذي صدحت شهقاته القوية أثناء الدعاء لوالدته، انتهت الصلاة وقام الشباب بِحمل النعش، كان عبدالله يبادرهم في حمل والدته، ثم مضى الجميع سيرًا حتى بلغوا المقابر. 

+


وقاموا بوضعها، ثم انسحب الجميع تاركين الأهل يأخذون مساحتهم في الدعاء، فوقف قاسم وهتف بصوتٍ عال: 
_ محدش يمشي يا جماعة بعد إذنكم، هي في أكتر وقت محتاجة فيه للدعاء لقول نبينا: 
' استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل' 

+


تراجع البعض عن الذهاب ووقفوا جميعًا يدعون لها حتى مضى ما يُقارب الساعة فغادر الجميع، إلا من عبدالله الذي رفض الذهاب وجلس أمام باب المقبرة وأسند رأسه عليه ثم حادث والدته: 
_ بيقولوا إنك سمعاني، أنا يمكن مقولتش الكلام دا في وشك قبل كدا، بس بحبك أوي ياما.. 
أنا المفروض مكنش خايف لأني أنا اللي برا، بس قلبي بيترعش، حاسس إحساس وحش أوي، كأني عريان.. 
أنا مش قادر أمشي وأسيبك هناك لوحدك.. 

+


كان وليد مُرافقًا له لكنه يقف على بُعدٍ تاركًا له الحرية في التعبير، بينما ذهب زكريا مع قاسم ليتولى هو مهمة نصب سُرادِق العزاء حتى يُسهِل على قاسم الإجراءات اللازمة فهو في حالٍ لا يمكنه فعل شيء بمفرده. 

1


***

+


بعد مرور ثلاثة أيام؛ في مساءِ اليوم الأخير من أيام العزاء، انتظرت صبا حتى انصرف الجميع وبات عبدالله برفقة صديقيه ووالده فقط، ولجت السُرادِق بِخُطى ثابتة فانسحب الجميع تاركين لهما المساحة الكافية للحديث. 

+


كان عبدالله شاردًا في الفراغ أمامه لم ينتبه عليها حتى جاورته هي تاركة بعض المسافة بينهما، وبعد أن زفرت أنفاسها مرات عديدة بدأت حديثها المتلعثم: 
_ ربنا يرحمها يا عبدالله، الفراق صعب، بس الأصعب إنها تكون قدامك بمرض الوضع فيه بيتدهور لدرجة متقدرش تستحملها
قلبك مكنش هيكون مرتاح أبدًا وأنت شايفها بتتأذى بالشكل الصعب دا 
ربنا رحيم ولطف بيها.. 

+


سحبت نفسًا عميق قبل أن تواصل: 
_ ابتلاء صعب أنا عارفة بس.. 

+


قاطعها عبدالله بأسلوبه الهادئ رغم كلماته المُعاتبة: 
_ لا أنتِ متعرفيش حاجة، محدش يعرف الإحساس دا غير اللي بيعيشه وبس، كل دا كلام مُسكنات بتقوليه عشان أبقى كويس، بس أنا مش عارف أكون كويس.. 
قلبي محدش حاسس بوجعه غيري.. 

+


ابتلع ريقه واسترسل مواصلًا بنبرة مُتهدّجة: 
_ طول أيام العزا كنت محتاجِك جنبي..

+


_ أنا كنت جنبك طول الوقت يا عبدالله! 
هتفتها فاستنكر ردها وأردف مُهاجمًا: 
_ كنت عايزك جنبي وأنا يحق لي اترمي في حضنك وأعيش حُزني عليها معاكي، بس معرفتش، عشان ميحقليش أصلًا أعمل كدا.. 
أنتِ مش من حقي يا صبا.. 
إحنا بقينا بُعاد أوي
قومي إمشي وشوفي حياتك وانسيني.. 

+


أنهاها بقلبٍ ينفطر حُزنًا على انسحابه من تلك العلاقة الغير مفهومة، نهض فجأة ومضى بِضع خُطوات مُبتعدًا عنها فتساقطت عبراتها بغزارة ونادته بقلبٍ موجوع: 
_ متقولش كدا يا عبدالله.. 
يا عبدالله.. 

+


لم يلتفت لها وتابع سيره حتى اختفى طيفه من أمامها فازداد نحيبها، تلك الأثناء وجدت يد جلال ممدودة إليها ثم أردف: 
_ يلا صبا، معتش فيه داعي نستنى أكتر من كدا 

+


رفعت صبا عينيها اللامعة على أخيها، فحثها على الذهاب، تفقدت صبا مكان اختفاء عبدالله ثانيةً على أمل عودته لكنها لم تجده، فتعلقت بيد أخيها وسارت بجواره ورأسها مُنحني على كتفه تطلق آنات خافتة موجوعة على حبهما الضائع الذي ليس مُقدر لهما أن يلتقيا. 

+


***

+


عاد قاسم إلى بيت المزرعة بمفرده بعد أن رفضا عبدالله وزينب العودة معه، فضلا المكوث في بيتهما الآخر تلك الفترة، وما أن بلغ قاسم باب البيت حتى خارت قواه، وضعفت نفسه ولم تعد قدميه باستطاعتها حمله. 

+


فلقد تبخر تماسكه وتصنعه بالقوة والصلابة وبدت عليه أمارات الوهن، وقف عاجزًا لا حيلة ولا قوة كأن الحزن نخر في عظامه، تدلت كتفاه وانطفأ بريق عيناه. 

+


وبصوتٍ واهن ضعيف تمتمَّ: 
_ الظاهر مكتوب على البيت دا يفضل فاضي يا أحلام، دخلتيه وخرجتي منه بسرعة البرق، ولما فكرت إن الدنيا ضحكت لي والأيام هتعوضني ودخلتيه تاني خرجتي منه بس المرة دي بلا عودة...
فراقك صعب أوي يا أم عبدالله، مش قادر استحمله.. 

1


هتف بها ثم خر واقعًا دون مقدمات... 

+


***

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close