اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني والاربعون 42 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني والاربعون 42 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الثاني والأربعون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

آهٍ وألف آه على ذلك القلب الذي تحطَّم عِند نُطق لسانه بتلك تقف مشدُوهة، تشعر بفراغٍ داخلها كأنها باتت خالية من المشاعر لحظتها، كانت تنظر إليه بعيون لامعة لا تقدر حتى على البُكاء.

توجه زكريا إلى الأريكة وألقى بجسده أعلاها بإهمالٍ، ثم حدَّق بالسقف برُؤى مشوشة، وعقلاٍ مُشتت لا يقدر على وزن الأمور في الوقت الحالي.

_ ارتحتي كدا يا ليلى، ارتحتي لما نطقتها، خِلصتي مني كدا؟!
تمتم بها بنبرةٍ مُنهكة مُثقلة بالهموم والأعباء، ثم لم يحرك ساكنًا وبات يُحدق بالسقف يعيش حزنه بداخله دون أن ينبُس بشيءٍ، بينما كانت الأخرى في حالة من الصدمة التي تملكتها.

لم يكُن في مِخيلتها بأن يراودها ذلك الألم والحُزن الذي عمَّ قلبها، مشاعرٍ مُتناقضة قد هاجمتها لحظتها، مزِيجٍ من الغضب والحسَّرة على ما وصلا إليه، كانت في الأمس تتمنى لحظة زواجهما، واليوم سعت للإنفصال بكامل إرادتها.

لم تستطع الوقوف مكانها لثانية أخرى وقامت بالركض نحو غرفتها، أغلقت الباب ووقفت خلفه مُستندة عليه تتطلع في الفراغ أمامها بضياع، ماذا تعيش؟ ما الذي أصرَّت عليه؟ أليس ذلك من تمنَّتُه يومًا؟

شعرت برجفة قوية في قلبها هزت كيانها، كان عقلها مُشوشًا لا يُدرك ما عليه الشعور به الآن، أتشعر بالسعادة لتخلصها من ذلك الخائن أم تعيش حزنها على حياتهما التي انتهت قبل أن تبدأ؟!

اجتاحها الغضب المُفاجئ والذي جعلها تهرول نحوه خزانتها ثم أسقطت حقيبة ضخمة وأخذت تحشر ملابسها في الحقيبة بتشنجٍ، ويدين ترتجفان، كأن كل قطعة بها ثقيلة على صدرها.

ثم توقفت فجأة، وشعرت بعدم حاجتها لفعل ذلك، هي غاضبة، تود إفراغ مشاعرها المُحتقنة، فقامت بتبديل ملابسها، ثم لَقِفت حقيبة يد ووضعت فيها بعض المحتويات المهمة وخرجت مهرولة تحت نظرات زكريا المُتابعة لها.

هب واقفًا وتوجه نحوها بِخُطى مهرولة مُتسائلًا بتلهفٍ:
_ أنتِ راحة فين؟ أنتِ عارفة الساعة كام؟

وقف زكريا مُشكلًا حاجزًا بينها وبين الباب فصرخت هي بانفعال:
_ ابعد لو سمحت، خليني أمشي..

_ الصبح ابقي اعملي اللي أنتِ عايزاه، لكن دلوقتي لأ
هتفها باندفاعٍ، فعاودت ليلى الصُراخ في وجهه:
_ قولتلك ابعد، خلاص ملكش كلمة عليا..

قالتها ثم حذرته وهي تضع إبهامهما في وجهه:
_ والله لو ما بعدت ما زكريا هصوت وألم البيت علينا!!

رفع زكريا حاجبيه للأعلى ثم انتصب في وقفته وبتحدٍ قال وهو يضع كلتى يديه في منتصف خصرِه:
_ لمي البيت يا ليلى، كدا كدا خربت، بس خروج من هنا دلوقتي مش هيحصل!

أغمضت ليلى عينيها مُحاوِلة كبح جِماح غضبها الذي ودَّت لو تفتك به ثم حذرته ثانيةً لكن تلك المرة بهدوءٍ:
_ لآخر مرة بقولك أبعد وخليني أمشي، والله العظيم لو اللي جوايا خرج ما هتعرف مين اللي قدامك..

_ اللي عندك إعمليه، بس مش هتخرجي برده من البيت في ساعة زي دي
كانت كلماته هادئة لكنها تحمل ثباتًا وإصرارًا على عدم خروجها، فتفاجئ بليلى التي خرجت عن طورها وانسدلت عليه ببعض الضربات المُبرِحة في صدره مُحاولة إبعاده عن الباب وهي تصيح عاليًا:
_ أنت عايز مني، مش اطلقنا، خلاص كل حاجة خلصت، سيبني في حالي بقى..

تلك الأثناء؛ انفلت زمامه وفاض به الكيل ثم انفجر غضبه عليها وهو يُمسكها من ذراعها وأخذ يهُزها بعنفٍ:
_ أنتِ بتعملي كدا ليه؟ مش دا اللي كنتي عايزاه، مش أنتِ اللي أصريتي تطلقي؟ مضايقة دلوقتي ليه؟
ليه يا ليلى، ليه؟

دفعته ليلى بعيدًا عنها بكل ما أوتيت من قوة، ونهرته بسخطٍ:
_ وأنت ما صدقت، كأنك كنت مستني اللحظة اللي هتخلص فيها مني..

ضربته بقوة في صدره وهي تهدُر بغيظٍ:
_ روح اجري على الهانم اللي كنت بتكلمها، المرة اللي فاتت كان كلام بس، المرة دي هيبقى لـ...

قاطعها زكريا بوضعه كفه على فمها مانعها من مواصلة حديثها الغبي، حدجها بعينين حمروين من فرط غضبه، وصاح من بين أسنانه المُتلاحمة:
_ بطلي قرف، بطلي تخيلاتك اللي بتوصلك للقذارة دي، مش للدرجة بقى، بطلي كلامك اللي زي السم دا، قولتلك عمرها ما كانت هتحصل ولا هيحصل دلوقتي حتى لو أنتِ مش في حياتي وقبل ما يكون عشانك فهو خوف من ربنا

أزاحت عنه يدها وقهقهت بسخريةٍ وعلقت بتهكمٍ:
_ ربنا؟ وأنت مخوفتش من ربنا ليه وأنت هاجِر مراتك الحامل ونايم في أوضة تانية وبتكلم عليها واحدة؟
بلاش تقول كلام مش لايق على الوضع!

_ أقسم بالله يا ليلى أنتِ بني آدمة غبية، وكلامك دا هتتحاسبي عليه، عشان أنا تعبت، مش عارف أعمل لك إيه عشان تفهمي إني بحبك أنتِ، اتنيلت وغِلطت وعرفت غلطي وندمان وبحاول أصلحه وأنتِ كل شوية ترجعينا لنقطة الصفر تاني..
قالها بثورةً هزت أرجاء البيت، دنا منها وأمسك ذراعها مرة أخرى وتابع غضبه الذي خرج على هيئة كلماتٍ أمام شفتيها التي ترتجفان:
_ دا أنا مقدرتش استنى زي أي واحد ليوم فرحه وقربت منك!

دفعها عنه مُضيفًا باسيتاء:
_ مروحتش ليه اترميت في حضن واحدة تانية طلاما أنا وحش كدا؟ على الأقل كان أسهل لي، وكنت لاقيت بدل الواحدة مليون، ودي شغلتهم، لكن أنا...

صمتَ من تِلقاء نفسه، ثم زفر أنفاسه المُضطربة وتمتمَ بِهدوءٍ عندما فهم ما يحدث:
_ أنا بدفع تمن الغلطة دي لغاية دلوقتي، ربنا عمىٰ عيوني عن أي حاجة حلال عشان استعجلت الحرام..

أولاها ظهره ومطَّ ذراعيه في الهواء وأفضى مافي داخله بضعف حِيلة:
_ بس حرام إزاي، دا أنتِ كنتي مراتي وقتها قدام ربنا والناس كلها!! ليه كل دا بيحصل بس؟

أعاد يديه إلى جِواره، فبكت ليلى بغزارة، ثم استغلت ابتعاده عن الباب ولَقِفَت حقيبتها ثم توجهت نحو الباب مُسرعة، فلحق بها زكريا وأمسك يدها فأدارت رأسها نحوه بينما أردف هو بصوتٍ مُتحشرج يملأه البكاء:
_ متمشيش يا ليلى..

سحبت يدها وقالت بجفاءٍ:
_ معتش فيه اللي يربطنا خلاص يا زكريا، إحنا من الأول مكناش شايفين العلامات اللي كانت بتعطل الجوازة، وكملنا ودي كانت النتيجة، كفاية لغاية كدا، أنا مش قادرة أتعافى من كل اللي فات..

ألقت عليه نظرة أخيرة ثم خرجت من البيت فتركها الآخر، لم يبرح مكانه، بل كان ينظر إلى الباب التي اختفت خلفه شاعرًا بغُربة داخلية، يتخبط بين الندم والغضب.

يكره نفسه الآمارة وأيضًا يكره إصرار ليلى على انفصالها عنه كأنها لم تعش معه لحظاتٍ تغفر له خطأه.

في الخارج؛ ترجلت ليلى السُلم سريعًا ودموعها لا تكف عن النزول، تلك الأثناء، كان والد زكريا عائدًا من عمله، فتقابل معها على الدرج، تعجب من هرولتها فتفقد المكان خلفها فلم يجد مُرافقًا لها.

فدعبَ الشك داخله، وما أكد له أن ثَمة أمرًا سيء قد حدث، عينيها التي كشفتها، وقف أمامها وتساءل بجدية:
_ في إيه يا بنتي مالك بتعيطي كدا ليه، ونازلة في ساعة زي دي لوحدك راحة فين؟

تجمَّدت ليلى أمامه، فلم تستطع إخباره من البداية، فكانت في وضعٍ مُذري لا يسمح لها بالتحدث، جاهدت على استعادة رُشدها ثم ردَّت على سؤاله:
_ رايحة بيت بابا يا عمي، أنا وزكريا اتطلقنا..

_ نعم؟! إيه التهريج دا؟ يعني إيه اطلقتوا؟
هتف دون استيعابٍ لذلك القرار المفاجيء، كان يتطلع بها بعيون جاحظة فنكست ليلى رأسها عندما لم تقدر على مواجهته وقالت:
_ اللي حصل.. عن إذنك

كادت تُغادره إلا أنه أوقفها بقوله:
_ استني بس أنتِ رايحة فين؟

دون أن تنظر إليه أجابته:
_ هقعد أعمل إيه؟

لوهلة جهل محمد حُسن التصرف؛ لكن داخله يأبى ذهابها وخصيصًا في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ابتلع ريقه وحاول الإتيان بشيءٍ يُرغمها على البقاء دون أن يُظهر أنه قد أجبرها.

بعد لحظاتٍ، فتح فاهه عندما جاءه من الكلمات الحكيمة قدرًا ثم أردف بصوتٍ رزين:
_ مينفعش تسيبي بيتك في حالة طلاقكم دي، عندك ٣ شهور عِدة مينفعش تخرجي فيهم من بيتك وإلا هيكون عليكي ذنب، اطلعي يا بنتي بيتك الله يهدي بينكم ويصلح حالكم...

تفاجئت ليلى بكلامه، ونظرت إليه في تِيه ونُفور من عودتها، فأصر محمد قائلًا:
_ أنتِ مش معاكي موبايل وعليه نت، ادخلي ابحثي عن كلامي دا وهتلاقي إن مينفعش الست تسيب بيت جوزها وقت العِدة، دا كلام ربنا لازم يتنفذ!

رمقته طويلًا بصدمة لحديثه ثم تمتمت بصوتٍ بالكاد سمعه بعد أن تفكيرٍ لمدة:
_ بس أنا مش هقدر أرجع فوق تاني..

قام محمد بمسك يدها لِيُرغمها على التحرك قبل أن يُردف:
_ تعالي وأنا هطلعك بنفسي..

عاودت ليلى الصعود مُجددًا، لم يكن محمد في حاجة لقرع الجرس، فكان الباب مفتوحًا، ولج بِخُطاه فتفاجئت ليلى بوقوف زكريا مكانه دون تحركٍ.

نكست رأسها فلم تتحلى بالشجاعة على مواجهته بعد عودتها وهي المغادرة، بينما تحدث محمد بنبرة ثابتة رغم غضبه الذي يتأجج داخله:
_ ادخلي يا بنتي أوضتك، وزي ما قولت، عندك عِدة ٣ شهور مينفعش تخرجي من بيتك غير بعدها...

انسحبت ليلى تجُر قدميها بخيبة أمل حتى بلغت غرفتها فقامت بغلق الباب خلفه، بينما عاود محمد نظره إلى زكريا وعنَّفه من بين أسنانه بعصبية بالغة:
_ أنت تغلط وتطلق كمان؟ يا بجاحتك والله!
يعني بدل ما تسايس أمورك وتصلح غلطك، تقوم تصلح الغلط بغلط أكبر؟
بالله مين هيقبلك غيرها؟
دا إحنا حتى مبقيناش عارفين نبص في خِلقتك بعد عملِتك، البنت دي لو ضاعت من إيدك صدقني لا أنا أبوك ولا أنا أعرفك، عشان كدا كتير بجد، أنت مجبور إنك تخليها تسامحك
مجبور تتشقلب كدا وتخليها ترضى عنك تاني، قدامك ٣ شهور تحل مشكلتك فيها وترجعها لذمتك تاني، وإلا وقتها هيكون ليا كلام تاني معاك!

أولاه ظهره عندما انتهى حديثه، لكنه تريث قبل مُغادرته ثم أدار رأسه ثانيةً وأضاف بأمرٍ:
_ وأه، ياريت محدش يعرف عشان محدش يأثر على قراركم، وغير إن اختك كتب كتابها كمان يومين ومش عايزين نعكنن عليها..

أغلق الباب خلفه وغادر، بينما كان ينظر زكريا إلى الباب بعيون لامعة وكأنما تكالبت عليه دُنياه، يقف مقهورًا مُشتت، يشعر بالضغط وفاقد القدرة على حُسن التدبير..

وأخيرًا حرك قدميه عن الأرضية، وعاود إلى الأريكة ثم تمدد أعلاها وقام بوضع ذراعه أسفل رأسه مُحدقًا بالسقف بِقلة حِيلة لكثرة المصائب الذي وقع فيها ولا يستطيع التصرف.

في الداخل؛ جلست ليلى على طرف الفراش تتطلع أمامها بجهلٍ لما هي مُقبلة عليه، كانت تشعر بأن يديها مُكبلتان ولا يُمكنها فِعل شيءٍ، فأخذت تِفكر ما الذي عليها فِعله في الأيام القادمة وكيفية التعامل بعد ذلك الوضع.

***

بينما كان يتأكد أن كل شيءٍ على ما يرام في المكان قبل ذهابه؛ تفاجي بمجيء أحد الشباب الذي جهل هويته، فسأله بجدية:
_ اتفضل، حضرتك محتاج حاجة؟

ابتسم الشاب بعملية وهتف سؤاله:
_ حضرتك أستاذ عبدالله القاضي؟

أماء عبدالله بتأكيدٍ ثم أردف:
_ ايوا، أنا، أؤمرني.

أعطاه الشاب عُلبة ورقية مُزينة ثم أوضح ماهي:
_ كل سنة وحضرتك طيب، التورتة دي جاية ليك..

تفاجئ عبدالله بكلامه، وأطال النظر به ثم تفقد التقويم في هاتفه فوجد أن اليوم عيد مولده، فعاد ببصره على الشاب وقام بأخذ العُلبة منه مُتسائلًا بفضولٍ:
_ مين اللي باعتها؟

رفع الشاب كتفيه قبل أن يوضح:
_ لا مش عارف والله يا فندم، أنا مجرد دليفري

هز عبدالله رأسه بتفهم ثم قام بإخراج بعض الورقات النقدية من جيبه وأعطاها للشاب الذي رفض:
_ حسابي وصل يا فندم، شكرًا لحضرتك

فأصر الآخر على أخذه للنقود:
_ دي مني أنا، بمناسبة عيد ميلادي

ابتسم الشاب ببشاشة ثم شكره مُمتنًا وهو يلتقط النقود:
_ شكرًا مرة تانية، وكل سنة وحضرتك طيب

_ وأنت طيب
أنهى بها عبدالله الحوار بينهما ثم انسحب الشاب إلى الخارج، فتطلع عبدالله في عُلبة الكعك وهو في حيرة من أمره، يا تُرى من أرسلها إليه، خرج من حيرته على قرقرة بطنه، فرفع عبدالله حاجبه الأيسر وهو يُحادث معدته:
_ أنتِ لحقتي تعرفي إن فيها آكل!!

ثم فتح العُلبة فظهرت معالم الكيك، فتقوس ثغر عبدالله تلقائيًا عندما وجدها كعكة على جوز الهند المفضلة لديه، فلم يكن بحاجة للإطالة في التفكير
عمن أرسلها، فهو تذكر المرات التي قد جاءته تلك الكعكة يوم مولده.

أخرج تنهيدة قبل أن يُردد:
_ صبا..

ثم تقوس ثغره للجانب مُشكلًا ابتسامة فرحة يُخالطها الألم لأن الهدية ناقصة اليوم، أخذ نفسًا زفره على مهلٍ وبدأ في تناولها حتى امتلأت معدته وشعر بالشبع فأعاد غلق العُلبة ثم أغلق المكان واستقل سيارته وكاد يغادر.

لكنه تريث لِيُفكر قبل أن يتحرك ما الذي يريد فِعله، سحب هاتفه من أمامه وفتح المُحادثة بينه وبين صبا، مرَّ الكثير وهو لا يدري ماذا يُرسِل، أخرج تنهيدة طويلة ثم أغلق الهاتف دون أن يُرسِل شيئًا، ثم دعس على البنزين ليشغل محرك السيارة وهو واقعًا في حيرة داخلية.

وفجأة لم يواصل إشعال المحرك وأمسك هاتفه ثانيةً ودون تفكيرٍ قام بإرسال رسالته المُبهمة:
" آدام الله علينا تلك العادة، وزادنا من فضله عطيَّة مزيدة"

أغلق الهاتف ووضعه جانبًا وقام بالتحرُك من المكان عائدًا إلى البيت.

في مكانٍ بعيد؛ حيث غرفة صبا التي تقف في شرفة غرفتها الصغيرة، مُمسكة بالهاتف بعد أن أخبرها العامل بوصول الكعكة، لا تدري ما الذي تنتظره، لكنها كانت تتمنى أي شيء يؤكد لها بأن عبدالله قد علم أنها المُرِسلة.

أغمضت عينيها شاعِرة بنبضاتها القوية التي يتردد صداها في صدرها، محتضنة الهاتف بيدها داعية بألا تَمُر الليلة هباءً، وتلقى ما يَسُر نفسها، وماهي إلا ثوانٍ حتى اهتز هاتفها من بين يديها فازداد خفقان قلبها مُتلهفة لرؤية الرسالة.

تفقدت مُحتواها وقرأتها مِرارًا تؤكد لعقلها أن حدسها مما لمسته من بين الكلمات قد أصاب، لمِعت عينيها ولم تكُف عن إعادة القراءة حتى ابتهجت نفسها وانفرج ثغرها تبسُمًا بسعادة أسرت قلبها.

نعود إلى عبدالله الذي وصل للتو؛ ترجل من السيارة ومعه عُلبة الكيك، تفاجئ بجلوس والدته على الأرجوحة التي تتوسط الحديقة، فمشى بِخُطىٌ ثابتة نحوها مُتسائلًا باسيتاء:
_ أنتِ قاعدة لوحدك في وقت متأخر كدا ليه؟

وما أن قالها حتى وقعت عينيه على قاسم الذي يقف خلف الحائط الزجاجي يُراقب الوضع ثم أشار إليه بأن كل شيءٍ على ما يرام فاطمئن قلب عبدالله، ثم انتبه على لهفة أحلام التي هتفت:
_ تعالى يا عبدالله، اقعد جنبي..

إلتوت شفتي عبدالله بسعادةٍ عارمة عندما تذكرته، وأسرع في الجلوس جوارها مُرددًا بلهفة:
_ إيه يا حبيبتي.. وحشتيني يا ماما

التفت إليه أحلام كطِفلاٍ يريد الثرثرة وقالت:
_ عارف، ماما امبارح عملت لي كيكة فيها كريمة وجوز هند، كانت حلوة أوي، وأنا قولت لها هقول لكل صحابي عليها عشان كانت حلوة

أطال عبدالله النظر بها لكنه لم يترك مجالًا للحزن أن يُسيطر عليه، هذا أمر الله وما عليه سوى الإحتساب، أغمض عينيه لبُرهة يستعيد رونقه ثم جذب العُلبة من أمامه وقام بفتحها وقال:
_ كيكة جوز زي ما أنتِ بتحبيها، الف هنا

جحظت عيونها بصدمة تحولت إلى سعادة بالغة، مالت على وجنت عبدالله وقامت بتقبيله فانشرح صدره وقال بصوته الرخيم وهو يُشير إلى قاسم:
_ إيه رأيك نجيب بابا ياكل معانا، بدل ما يقعد يبص لنا وبطننا توجعنا..

وجهت أحلام نظرها حيث يُشير عبدالله وطالت في تفكيرها حتى قالت بقبولٍ:
_ ماشي..

فابتسم عبدالله وتوجه إلى أبيه الذي استقبله بِترحاب:
_ تعالى، أحلام رضت عنك وهتاكل معانا تورتة عيد ميلادي

اتسعت عيني قاسم وهو يُردد متفاجئًا:
_ إيه دا، النهاردة عيد ميلادك!!

دنا منه قاسم وقام بمعانقته، وأردف مُهنئًا إياه في يوم مولده:
_ كل سنة وأنت طيب يا حبيبي، ربنا يرزقك طول العمر والبركة في أيامك الجاية

آمن عبدالله على دعاء والده ثم تراجع قاسم للخلف وقال:
_ طب يلا نحتفل يا حبيبي..

بحث عبدالله بعينيه فى الأرجاء حوله قبل أن يتساءل باهتمامٍ:
_ زينب فين؟

_ زينب نايمة من فترة..
أخبره قاسم فأصر عبدالله على إيقاظها مُعللًا:
_ طيب ممكن تجيب أنت الأطباق والشوك على ما أصحيها، حابب نكون مع بعض في يوم زي دا، الله أعلم أحلام هترضى عننا تاني امتى

_ خير ما هتعمل يا عُبد، يلا روح صحيها
هتفها قاسم ثم اتجه كليهما إلى مكانٍ مختلف، وبعد قليل؛ تجمع أربعتهم سويًا وقاموا بالغناء لعبدالله فكان وقتًا لطيفًا قد ضمدت عثرات وبثت الطمأنينة بعد اضطراباتٍ وخوفٍ قد عاشوها في الآونة الأخيرة.

وبعد قليل؛ تساءلت أحلام وعينيها على الكيك:
_ مين اللي جايب التورتة الجميلة دي؟

ردَّ عبدالله على سؤالها بِترحابٍ:
_ حد بحبه أوي عارف إني بحبها فجابهالي..

ابتسمت في وجهه وأردفت:
_ وأنا كمان عندي حب بحبه..

مالت على أذن عبدالله وأخبرته عن حبيبها ظنًا أنها تهمس بصوتٍ منخفض لكن الجميع قد سمعوها بوضوحٍ:
_ اسمه قاسم!

اتسعت عيني عبدالله مُتصنعًا دهشته قبل أن يوجه بصره على قاسم الذي عادت إليه حيويته ثم غمزه عبدالله بمشاكسة:
_ يا بخته قاسم دا بِحُبك والله...

تدخل قاسم تلك الأثناء وقال وهو يأمرهم بالإبتعاد برأسه الذي يُشير بها باتجاه الباب:
_ طب يلا يا جماعة خليكم لُطاف وسيبوني مع حبيبتي شوية..

نهض عبدالله أولًا وهتف مُمازحًا:
_ ماشي يا عمنا، الله يسهلوا

ثم رافق زينب إلى البيت، بينما اقترب قاسم من أحلام وأحاط كتفها بذراعه فلم تنفر منه، بل استكانت فتحدث قاسم:
_ إيه رأيك نلف العالم دا كله؟

_ نروح فين؟
تساءلت بفضولٍ فقال هو:
_ هنروح في كل مكان، مش هنسيب مكان واحد مش هنروحه، موافقة؟

أماءت بقبولٍ، فشعر قاسم بالسعادة تَدُق طُبول قلبه، ثم سحبها برفقٍ إلى حضنه فلم تُمانع الأخرى، فكان قاسم في غاية سعادته لأنها لم ترفضه تلك المرة.

***

في اليوم التالي؛ في وقت الظهيرة، كان وليد مصطحبًا خلود وزوجة عمه ووالدته، ليقوموا بشراء كل ما يخُص عقد القِرآن، حيث ذهبوا أولًا إلى متجر الأزياء.

جلست هناء ورافقتها عزة بينهما كانا وليد وخلود
يتفقدا الفساتين، إلى أن حضرت عليا وانضمت إليهما، كانت خلود تنتقل من ارتداء فستانًا والآخر بسعادة تنتهي برفضٍ من وليد الذي علل:
_ كلهم ضيقين، مفيش حاجة منفوشة ولا كلهم بالمنظر دا

_ أكيد فيه يا فندم، بس حضرتك مقولتوش طلبكم من الأول وأنا كنت ساعدتكم من البداية..
قالتها العاملة التي تقف في المكان، فردَّ وليد:
_ العيب عندنا، اعذرينا، عايزين حاجة واسعة بلاش شغل الرقاصين دا

تفاجئ الجميع برده، فلكزته خلود في ذراعه وهمست بعيون مُتسعة:
_ إيه اللي أنت بتقوله دا؟

اتسعت عيني وليد أيضًا وهو يهُز رأسه ويُردد:
_ مقولتش حاجة غلط أنا..

ازدادت خلود حُنقًا من إصراره، بينما تدخلت عليا ناهية ما يحدث عندما وجَّهت حديثها إلى الفتاة:
_تعالي وريني الاستايلات المنفوشة

تعمَّدت عليا التعلُّق في ذِراع الفتاة، لِتُرغمها على الإبتعاد عن وليد ليأخُذ راحته في التعبير، فصاح الآخر بنفاذ صبر من نظرات خلود المشتعلة:
_ في إيه؟ إيه بصات الساحرة الشريرة دي!

تأففت خلود بضجرٍ بائن وتمتمت بغيظ:
_ خليك ألطف من كدا، وكلامك يكون ذوق مع الناس، إيه شغل رقاصين دا؟!

_ ماهو شغل رقاصات فعلًا، مش شايفة المنظر إزاي؟
قال آخر كلماته وهو يُشير إلى الفساتين المُعلقة، فحركت خلود رأسها باستياء ثم تركته وتوجهت بِخُطاها حيث اتجهتا عليا والفتاة، فقلب وليد عينيه وتمتم بينه بين نفسه:
_ مش عارف إيه اللي يزعل في كلامي..

أدار رأسه وتفقد الفساتين للمرة الأخيرة قبل أن يُردف بإصرارٍ:
_ والله شغل رقاصات وعالي كمان!

أنهاها ثم لحِق بخلود، وما أن وقع بصره على الفساتين الواسعة حتى هلل عاليًا:
_ أيوا كدا، دي الفساتين ولا بلاش..

نظر إلى العاملة الشابة وأضاف بنبرة رخيمة:
_ دا إيه الجمال والحلاوة دي، مش كنتي تجبينا هنا من بدري..

بابتسامة عملية ردَّت:
_ ما أنا قولت لحضرتك يا فندم، أنتوا محددتوش
محتاجين أنهي شكل، تايبست ولا منفوش

_ طب ورينا الأشكال..
أردفها وليد فبدأت الفتاة تُعرض الفساتين المتاحة، تحت إعجابٍ من الثلاثة، انتقت خلود من بينهم واحدًا كان رقيق المظهر باللون الأبيض ذو اتساعٍ لا بأس به.

ارتدته وخرجت فهلل وليد بإعجابٍ ساحق:
_ جمال ودلال.. دا أنا يا بختي والله

فاجئها غزله أمام الجميع، فنكست خلود رأسها في استيحاءٍ، تلك الأثناء انتبهت خلود على يد عليا التي أمسكت يدها فجأة، ناهيك عن شعورها بتلك الرجفة التي سرت فجأة في يد عليا، فتفقدت خلود معالم وجهها الذي قد شحب لونه فتساءلت بقلقٍ:
_ في إيه مالك؟

وضعت عليا يدها الأخرى على جبينها وردَّت وهي مُغمضة العينين:
_ مش عارفة دوخت، تقريبًا ضغطي واطي، بقالي كام يوم بيحصلي الموضوع دا..

_ طيب تعالي اقعدي..
قالتها خلود وساعدتها على السير حتى وصلن إلى هناء التي أسرعت نحو ابنتيها مُتسائلة بريبة:
_ مالك يا عليا؟

تولت خلود الرد على سؤال والدتها:
_ دايخة، بتقول ضغطها واطي

ساعدتها هناء على الجلوس مُرددة:
_ طب اقعدي يا حبيبتي، لازم تاكلي حوادق عشان ضغطك يتظبط..

رفعت عزة رأسها ونظرت إلى وليد قبل أن تُوجه حديثها إليه:
_ روح يا وليد هات لها أي حاجة حادقة تاكلها..

بعدم استيعاب تساءل:
_ حوادق زي إيه مش فاهم؟ شيبسي بالملح يعني؟

نظرن إليه في استنكارٍ، فتغلغل الحرج داخل وليد الذي رفع كتفيه وقال:
_ إيه؟ بالشطة؟

انفجرت عليا ضاحكة فسببت حالة من الضحك بينهم، ثم هتفت من بين ضحكها:
_ حوادق زي مخلل مثلًا، بس أنا بقيت تمام يعني شكرًا يا أستاذ وليد على المساعدة..

ببسمةٍ بلهاء قال:
_ على الرحب يا بنت عمي

هزت خلود رأسها مُستنكرة قبل أن تهتف مازحة:
_ الله يستر عليا لو حصلي حاجة بعد الجواز، على ما يفهم أكون مت.. أنا بقول أعيد نظر في الموضوع دا، أنا مش بايعة صِحتي

تجهمت تعابير وليد وردد بضيقٍ سيطر على نبرته من خلف كلماتها:
_ واللَّهِ؟!

شعرت خلود بالحرج من أسلوبه الجاف، الذي عكس ضيقه من كلماتها، كادت تؤكد له مُزحتها لكنه أسبق بالحديث وقال:
_ يلا شوفي هتاخدي إيه، عشان نكمل بقيت الحاجة، ورايا شغل

رمقته خلود بعيون لامعة لا تصدق أنه حقًا قد اتخذ موقفًا من خلف مُزاحٍ، كادت تبكي حرجًا ممن حولها لكنها جاهدت نفسها وانسحبت من بين الجميع حتى ابتعدت عنهم، فتَبِعها وليد لينهي الأمر سريعًا، فاستغلت هي وقوفهما بمفردهما وحاولت تبرير موقفها:
_ أنا كنت بهزر على فكرة..

_ أنا حسيت بتقليل من كلامك يا خلود..
هتفها مُبديًا ضِيقه، ففرت دمعة من مقلتيها وهي تُردد بصوتٍ يُهدد بالبُكاء:
_ وليد..

كان نطقها لإسمه بمثابة فرصة أخيرة له بأن يتراجع عن ذلك الوحه الذي يتلبسه، فتفاجئ وليد بحالتها التي باتت عليها في لمح البصر، أغمض عينيه وشدَّ ملامحه ثم زفر أنفاسه وعاود النظر إليها مُجددًا وقال بصوتٍ هادئ خاليًا من التَشنُّج:
_ خلاص يا خلود يلا كملي، ورانا لسه حاجات كتير هنجيبها..

دنت منه حتى باتت قريبة للغاية ورفعت رأسها مُتفقدة ملامحه وبرقةٍ مُبالغة همست سؤالها:
_ يعني مش زعلان مني؟

تفاجئ وليد بِقُربها منه حتى أنه تأثر بها، اهتز وجدانه واجتاحه مشاعرٍ في ميل النفس لها، ابتعد خُطوة ليمنع تلك المشاعر عن الشعور بها وقال:
_ مش زعلان، يلا بقى أصل..

_ إيه؟
صمت فتساءلت مُتلهفة، فتابع الآخر بابتسامةٍ عذبة ماكرة:
_ هقولك كمان يومين

عبست خلود وأصرَّت على معرفة ما يود قوله:
_ أوف قول بقى..

_ والله ما ينفع دلوقتي
هتفها ضاحكًا، فتأففت بحنقٍ ثم أولته ظهرها وغادرت من أمامه وهي تضرب الأرض بغيظٍ فقهقه وليد على تصرُفها ثم حاول ضبط هوى نفسه الذي مال وهمس لنفسه مُستنكرًا:
_ فيه إيه ياعم ما تهدى كدا..

ضرب صدره بخفة ليُعيد إليه رشده ثم انتظر حتى انتهت خلود من اختيار أحد الفساتين، فتوجه إلى المُحاسب ليدفع ثمن الفستان، خرج من المتجر ثم نظر إلى خلود وقال:
_ تعالي معايا، هنجيب حاجة..

عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت بفضولٍ:
_ حاجة إيه؟

_ تعالي بس..
قالها وأسبق خُطاه فلحِقت به تحت نظرات الأُخريات المُتعجبات من هرولتهما، وقفن مكانهن يُتابعن دخولهما أحد المتاجر التي تجاور متجر الأزياء.

_ إحنا جاين هنا نعمل إيه؟
تساءلت وهي تتفقد معالم المتجر، بينما تحدث وليد مباشرة إلى العاملة التي استقبلتهم بحفاوة:
_ اتفضلوا يا فندم..

_ لو سمحتي محتاجين نقاب وخمار أبيض يليقوا على فستان كتب كتاب!

وقعت كلماته على أذني خلود فجعلتها تُحدج به دون استيعابٍ وتصديق لما سمعته، خرجت من حالتها ورددت مذهولة:
_ أنت قولت نقاب؟!

غمزها وليد وهي يبتسم بجاذبية ثم هتف:
_ آه هيتلبس يوم كتب الكتاب، عشان يبقى أنا الراجل الوحيد اللي مسموح لي أشوف الوش القمر دا..

ازدادت ضحكاتها بهجةً، وهللت غير مُصدقة:
_ قول والله إنك مبتهزرش

_ الود ودي كنت خرجتك من هنا وأنتِ لابساه، بس أنا كدا هكون عاقِبت نفسي إني مشوفكيش يومين بحالهم
أردفهم وليد بنبرةٍ هائمة وهو يُسبل عينيه، فعضت خلود على شفاها شاعِرة بحُبٍ تِجاهه لم يُراودها ذلك الكم من قبل.

ثم انتبها كليهما على عودة الفتاة وهي تُردف:
_ النقاب والخمار، حاجة تاني يا فندم؟

نظرت إليها خلود ثم أخبرتها ببعض المُكملات التي هي بحاجة إليها بعد أخذ تلك الخُطوة، ثم خرجا من المتجر فهرولت خلود نحو العائلة رافعة ذراعيها للأعلى وهي تهتُف بحماسٍ وحيوية:
_ اشتريت نقاب!

وقفت أمام والدتها وبتحدٍ أردفت وهي تُشير بيدها على وليد ثم إلى النقاب:
_ وأدي العريس، وأدي النقاب

ثم دارت حول نفسها بسعادةٍ عارمة وهي تُدندن عاليًا:
_ و اخيرًا اتجوزت ومعدش نقصنى حاجه، محدش له كلمه عليا ولا حد له عندى حاجه

فأسرع وليد في إيقافها مُستاءً مما تفعله:
_ أنتِ بتعملي إيه إحنا في الشارع!!

فتدخلت هناء مُعلقة بغيظٍ:
_ لما نشوف ابوكي رأيه في الكلام دا!

جحظت عيني خلود بدهشة، تجمَّدت قدميها وهتفت متوسلة إياها:
_ لا لا بابا إيه اللي يعرف، قلبك أبيض يا هنوءة، وبعدين دي مجرد اغنية، هتاخدي على كلام العيال برده؟

لكزها وليد في كتفها قبل أن يهتُف بثقة:
_ أنتِ جبتي ورا في ثانية كدا ليه؟ على العموم كلها يومين وتبقي حرم وليد الششتاوي وأعلمك متخافيش من حد خالص

رفعت هناء حاجبيها وهدرت بحنقٍ:
_ واللَّهِ بجد يا سي وليد؟ أنت هتقويها على أبوها وأمها، دا اللي ناقص!!

قهقه وليد وهتف مُمازحًا:
_ لا مش موضوع بقويها عليكم، بس على رأي خلود محدش هيبقى له عندنا حاجة

تشدقت هناء وعقّبت مُستاءة:
_ أنتِ محسسني إنها هتروح معاك على البيت، دي لسه في بيتنا يا حبيبي..

رفع وليد إصبعه للأعلى شارِحًا الوضع بثقة وثبات:
_ بنتك هتبقى مراتي قدام ربنا والناس، يعني موضوع إنها تروح معايا البيت دا أمر حتمي بس مؤجل..

قلبت هناء عينيها بازدراء لثقته المبالغة، ثم انتبهت على عليا التي هتفت بتعبٍ:
_ ممكن نتحرك بقى يا جماعة، أنا مش حاسة نفسي كويسة..

بقلقٍ يشوبه الخوف هتفت هناء:
_ أنتِ قلقتيني، لازم تكشفي وتطمني على نفسك..

_ إن شاء الله، بس دلوقتي نمشي
قالتها عليا فتحرك الجميع ناحية السيارة التي استعارها وليد، ثم تحرك إلى الوجهة التالية لينهوا جميع مشترياتهم.

***

داخل الشركة؛ حيث وقت الراحة، خرج عاصم من مكتبه بهيئة شامخة وطلَّة جذابة، توقفت قدميه عند زينب ثم أخذ يشُم رائحة المكان وسألها مستفسرًا:
_ إيه الريحة دي يا زينب؟

نهضت زينب فجأة وحاولت شم الهواء لتصل إلى الرائحة الذي يتساءل عنها قبل أن تُبدي جهلها بما يقصد:
_ حضرتك قصدك أي ريحة؟

عاود عاصم شم الهواء ليتأكد من تلك الرائحة التي تغلغلت داخل أنفه وهتف:
_ ريحة حاجة حلوة.. حلويات مثلًا

الأن قد سلَّط لزينب الضوء على حقيقة الرائحة فقالت وهي تتناول شيئًا من حقيبتها:
_ حضرتك أكيد تقصد دا، لأنه الوحيد اللي معايا

_ إيه دا؟
سألها بلهفة وهو يُشير بعينه وإصبعه، فأجابت دون تفكير:
_ دا قرع عسلي...

وما كادت تُخبره حتى صاح عاصم عاليًا:
_ قرع عسلي في مكتبي!! بتهزري

شعرت زينب بالريبة والقلق حيال طريقته، ونظرت إليه بتوجسٍ كما لو أنها افتعلت أمر فادح، فصاح عاصم عاليًا وهو يُلوح بيده كمن يطلب شيئًا:
_ اعطيني بسرعة، أنتِ عارفة أنا بقالي كام سنة مكلتش قرع عسلي؟
تقريبًا آخر مرة وانا عندي عشر سنين!

تفاجئت زينب بحديثه، لكن الراحة قد غمرتها حينها، ثم انحنت بجسدجا وقامت بفتح العُلبة وأعطتها له مع مِلعقةٍ، فسحب عاصم كرسي من جواره وجلس مقابلها ثم تذوق المِلعقة الأولى، فأُغمِضت عيناه تلقائيًا من شِدة استمتاعه، وابتسم مُعبرًا عن إعجابه بها ثم تمتم:
_ الطعم حكاية!

أعاد فتح عينيه ونظر إلى زينب بعيون مفتونة وأضاف:
_ لا بجد عاش يا زينب، أحييكي على الطعم عشان خطير

ارتسمت ابتسامة مُمتنة خجُولة على شفاه زينب التي رددت:
_ شكرًا لحضرتك، ألف هنا

فعاود عاصم تناول الحُلو وكلما تذوق مِلعقة أشدى باعجابه الشديد بطعمها، حتى فرغ فقال:
_ أنا عايز من الطبق مرة في الأسبوع

ثم غمزها وتابع مازِحًا:
_ هزود لك المرتب عشان خاطر الطبق دا

اكتفت زينب بابتسامة هادئة ثم سحبت منديلًا ورقيًا من أعلى مكتبها وقامت بمد يدها نحوه موضحة:
_ بوق حضرتك محتاج يتمسح..

نظر عاصم إلى يديه المتسخة وقال بعفوية:
_ امسحيه أنتِ، ايدي مش نضيفة

دُهِشت زينب من طلبه، وأطالت النظر به لبُرهة فحثَّها عاصم على فِعلها:
_ يلا قبل ما حد يجي وأنا بالمنظر دا، مش هيكون لطيف..

ابتلعت ريقها ثم أقربت يدها من وجهه وقامت بمسح فمه جيدًا تحت خجلاٍ صريح منها، كانت مواجهة عينيه التي سببت إرباكها، انتهت ثم ألقت المنديل المتسخ في صندوق القمامة الموضوع أسفل المكتب.

فنهض عاصم مُباشرةً وشكرها وهو يغمزها:
_ الغدا النهاردة عليا، اطلبي لك أي أكل بما إني أكلت لك الحلو بتاعك..

رفضت زينب عرضه بحرجٍ:
_ لا مش مستاهلة..

رمقها عاصم بطرف عينيه قبل أن يلومها:
_ لا أنتِ كدا مش هتخليني أكل منك حاجة تاني، وأنا بصراحة مش هقدر..

_ أنا بجد مش جعانة ومكنتش هطلب أكل..
قالتها زينب مؤكدة فأردف الآخر بصوتٍ رخيم:
_ عمومًا أي وقت تحبي تطلبي الحساب عليا

غمزها مرة آخرى ثم غادرها فتفاجئ بوقوف ڤاليا على مقربةٍ منهما، تقف عاقدة ذراعيها أعلى صدرها، فاقترب بِخُطاه منها وتساءل بريبة من أمر وقوفها على ذلك الوضع الغريب:
_ مالك واقفة كدا ليه؟

أعادت ڤاليا يديها إلى جوارها ثم أشارت بعينيها حيث زينب وأردفت متسائلة:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟

نظر حيث تُشير ثم عاد إليها وقال بعدم فَهم لما ترمي إليه:
_ هو إيه اللي بيحصل، تقصدي إيه؟

رفعت ڤاليا حاجبها الأيسر قبل أن تخبره بما تقصده:
_ الكلام والقُرب لزينب، وكمان بتخليها تمسح لك بوقك؟! مش غريبة دي؟

قلب عاصم عينيه مستاءً من تفكيرها، وهدر بتهكمٍ وهو يرفع كفوفه أمام عينيها:
_ ايدي مش نضيفة فطلبت منها تمسح لي بوقي، أكيد مش همشي كدا في الشركة يعني!!

دون تصديق لمحاولة تبريره الضعيفة هتفت:
_ وهو عادي كدا إن السكرتيرة يكون لها صلاحية إنها تمسح لك بوقك بالمنديل يا باشمهندس؟

اجتاح عاصم الضيق من خلف اتهاماتها المنبعثة، فخرجت نبرته متشنجنة وهو يرُد عليها:
_ محبتش الطريقة دي منك ولا تفكيرك، عشان واصل لحتة بعيدة ومش حلوة..

أنهى جُملته وتركها وغادر، فتملك منها الخجل وفرت هاربة إلى مكتبها، بينما ولج عاصم إلى المرحاض وفتح صنبور المياه ليغسل يديه، رفع رأسه ورمق صورته المنعسكة وكلمات ڤاليا تتردد في ذهنه، ثم هز رأسه طارِدًا تلك الأفكار من عقله وخرج باحثًا عن شيءٍ يفعله حتى انتهاء وقت الراحة.

***

استيقظ زكريا ولاحظ أنه لم يبرح الأريكة منذ البارحة، يجهل متى راوده النُعاس، فلقد كان غريقًا بين أفكاره وعذاب ضميره لتطليقه ليلى، اعتدل في جلوسه فشعر بألمٍ حول فكه لكن الفم نفسه كان به تنميلًا، ناهيك عن ذلك الوخز الذي ينبض بقوة في تلك المنطقة.

رفع يده وحاول عمل تدليك لمنطقة فَكِه ربما إثر نومه عليها لكنه لم يشعر بالتحسُن، فلم يُعطي للأمر أهمية عندما استمع إلى قرع الجرس، نهض بتعبٍ شعر به في ثائر جسده، وتابع خُطاه حتى وقف أمام الباب وقام بفتحه.

فإذا بها هناء من تقف أمامه، ابتسمت بخزيٍ وألقت التحية:
_ صباح الخير..

اكتفى زكريا بهزة من رأسه ثم عاد إلى مِقعده، فولجت هناء باحثة بعينها عن ليلى، وعندما لم تجدها جلست أمامه وقالت:
_ أومال ليلى فين، لسه نايمة؟

_ مش عارف..
نطق بصعوبة من خلف ذلك الألم الذي يشعر به، حتى انتبهت هناء على تدليكه لمنطقه فمه باستمرار، وكذلك كان يضغط على أعصاب الطرف الأيسر من الوجه فتوجست خيفة في نفسها وسألته بقلقٍ:
_ مالك، أنت تعبان ولا إيه؟

_ أنا كويس..
اكتفى بقولها فلم تقتنع هناء بتلك الإجابة، اقتربت منه وأصرَّت على معرفة مابه:
_ يعني إيه كويس؟ أنت مش شايف وشك عامل إزاي؟ وعينك دم، أنت موضوع العصب الخامس دا رجع لك تاني ولا إيه؟

_ شكله كدا..
كانت إجابته باردة مختصرة أثارت استفزاز هناء التي صاحت:
_ أنت مالك واخد الموضوع ببساطة كدا ليه؟

ثم تأففت وضربت بيدها على قدميها مُنفعلة:
_ أقول إيه واعاتب مين؟ وأنت السبب في اللي أنت فيه دا، حد يعمل يعمل عمايلك دي يا زكريا؟!

لم يتحمل زكريا سماع المزيد من اللوم، واندفع بها غاضبًا:
_ والله العظيم ما مستحمل تقطيم، كفاية بقى كفاية..

قالها ثم هب واقفًا وغادر المنزل على الفور تحت نظراتها المُتابعة له بحسرة لحاله، نهضت لتغادر لكنها تريثت ثم توجهت ناحية باب الغرفة وقامت بالطرق عليه ثم عرَّفت عن هويتها:
_ أنا هناء يا ليلى، ممكن نتكلم..

ثوانٍ قليلة وقامت ليلى بفتح الباب، فتفاجئت هناء بتورم جفنيها حتمًا كانت تبكي طوال الليل لتصل إلى ذلك الوضع، قامت ليلى بالدخول مرةً أخرى فتَبِعتها هناء ثم جاورتها على طرف الفراش وقالت:
_ أول الكلام أنا آسفة على كل كلمة أو أسلوب مكنش كويس معاكي..

نهضت هناء ودنت منها ثم انحنت بجسدها وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تُضيف بندمٍ:
_ حقك عليا يابنتي، والله العظيم أنتِ ما تعرفي العذاب اللي أنا فيه من وقت اللي حصل..
أنا شايلة ذنب كل حاجة على اكتافي ومحدش حاسس بيا، وبرجع أقول لازم استحمل عشان أنا كنت سبب كبير..

نكست رأسها وفركت أصابع يدها ثم تابعت مُسترسلة:
_ أنا عارفة إن اللي عمله زكريا ميتغفرش بسهولة، ومش أي واحدة تقدر تتغاضى عنه وخصوصًا لو كانت طيبة وبنت حلال زيك ومفيش حاجة تعيبها، بس الإنسان خطَّاء وأنا عمري ما شوفت زكريا ندمان كدا

أعادت رفع رأسها فتقابلت مع عيني ليلى وأضافت:
_ من وهو صغير كان صعب يعترف بغلطه وكلمة آسف مكنتش بتخرج غير للشديد القوي، لكن اللي أنا شيفاه دلوقتي غير كدا خالص، ودا معناه إنه عرف غلطه وندمان عليها، والأهم من كل دا إنه بيحبك وإلا مكنش حاول كل المحاولات دي عشان تسامحيه..

مسحت ليلى عبراتها التي انهمرت رغمًا عنها وقالت سؤالها بِثباتٍ ونبرة قوية:
_ لو حازم أو وليد هما اللي عملوا كدا في بناتك دا برده هيكون رد فعلك؟

تفاجئت هناء بسؤالها، ولم تطيل في التفكير بل أجابت في الحال:
_ لو شايفة ندم وتوبة الشخص وإنه ملهوف على زعل بنتي وإنه يرضيها هقولها استحملي وإعطيه فرصة، بس تربيه..

قطبت ليلى جبينها بعدم فهم فأوضحت هناء مخزى كلامها:
_ أيوا يا ليلى ربيه، شوفي الحاجات اللي كان بيحبها وكانت أهم حاجة عنده واعمليها قدام عينه وميكنش طايلها منك، كأنك بتسويه على نهار هادية لغاية ما يقول حقي برقبتي ويفضل يستسمحك لغاية ما يندم بدل المرة عشرة ويفكر ١٠٠ مرة قبل ما يغلط تاني

أخفضت ليلى رأسها في حسرة وأردفت بنبرةٍ هزمها الحُزن:
_ فات الأوان خلاص، أنا وزكريا اتطلقنا امبارح..

صعقت هناء كمن صعقها البرق، رمقتها بعيون جاحظة وصاحت عاليٍا:
_ ليه يا بنتي الخراب دا بس؟

لم تستطع ليلى مُواجهتها لحظتها واكتفت بترديد:
_ أنا طلبت وهو نفذ، أنا أصلًا كنت راجعة بيت بابا امبارح وعمي محمد شافني ورجعني، قالي لازم أقضي العِدة في بيتي عشان ميقعش عليا ذنب، لولا كدا مكنتش استنيت هنا لحظة واحدة، كل حاجة انتهت خلاص

_ بالله عليكي متقوليش كدا يا بنتي، بلاش الكلام دا، وعمك محمد زين ما عمل إنه رجعك، وزي ماهو قالك نص الكلام أنا هكمل لك النص التاني اللي هو أكيد مقدرش يقوله في وشك، لكن إحنا ستات زي بعض وواجب عليا أعرَّفِك..
هتفتها هناء بجدية فنظرت إليها ليلى وعلامات الاستفهام تشكلت على تقاسيمها، فأخبرتها هناء مواصلة:
_ في فترة العِدة، الست لازم تلبس أحلى حاجة عندها، وتتزين وتكون على سنجة عشرة، ودا بيقرب الود بينهم تاني..

كادت ليلى تُعارض كلامها وما تودها أن تفعله لكن لم تُعطيها هناء فرصة للحديث وتابعت هي:
_ ودا بالظبط اللي قصدي عليه، دي فرصتك إنك تربيه وميبقاش عليكي ذنب واحد، خليه يتجنن عليكي ويعرف إنه ضيع جوهرة من إيده،
خليه يعرف قيمتك أكتر وأكتر وإنه من غيرك ناقص ومش قادر يعيش إلا بيكي..

احتضنت هناء يدها وأصرَّت على فِعل ليلى لتلك الحِيل:
_ إعملي كل اللي نفسك كنتي تعمليه ومش قادرة وهو مش هيقدر يِلُومك، بالعكس هو هيبلع لك الزلط عشان ترضي عنه..

رققت هناء من نبرتها التي مالت إلى التوسل:
_ لكن بلاش تسبيه عشان خاطري ليلى، لاجل كل لحظة حلوة شوفتيها معانا حتى لو مش كتير بس بلاش تخربي البيت، الواد زكريا بيحبك، وزعلان على اللي بيحصل دا، ودي حاجة انا أُجزم لك عليها..
زكريا من وهو صغير كان وقت ما حاجة تزعله جامد كان بيجيله حاجة اسمها العصب الخامس، ودا عبارة عن تنميل في الوش ووجع صعب مكنش بيقدر يتكلم منه..
وأنا داخلة عليه دلوقتي كان على نفس الوضع دا، وهو مهما غِلط في الآخر ابني ومش قادرة أشوفه تعبان كدا..
حاولي يا ليلى تستغلي الفرصة بس المهم متسيبهوش!

لم تنبُس ليلى بحرفٍ، بل إن زكريا كان شاغلها الأساسي، تألمت لأجل مرضه، لكنها جاهدت بألا تُفكر به تلك الأثناء لكي لا تتأثر وتضعف وتتخذ قرارًا غير صائب تندم عليه لاحقًا.

تركت هناء يدها برفق، ثم نهضت وقالت آخر ما لديها وهي تربُت على كتف ليلى:
_ ربنا يصلح بينكم يارب..

ثم انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج تاركة ليلى غارقة بين أفكارها التي شتت قراراتها وفشلت في حُسن التصرف لحظتها.

***

مر يومان؛ وحان موعد عقد القِرآن لطالما انتظره وليد بفروغ صبرٍ، وقف أمام مِرآته يتفقد هيئته الجذابة، حيث كان يرتدي بنطالًا كستنائي فاتح يعلُوه قميصًا أبيض، يفصل بينهما حِزامًا بُنيّ يتماشى لونه مع لون الحِذاء.

كانت خُصلاته مُرتبة بعد أن صفف شعره عند الحلاق فضاعف وسامته، خرج من الغرفة فقابلته والدته التي ارتسمت الإبتسامة تلقائيًا على وجهها فور رؤياه، دمعت عينيها متأثرة وقالت:
_ ربنا يحميك يا حبيبي ويتمم لكم على خير يارب

_ اللهم آمين يا حبيبتي
آمن على دعائها بصوتٍ رخيم ثم قبَّل يدها بحنانٍ وأردف:
_ يلا ننزل عشان المأذون على وصول..

غادرا المنزل وترجلا حيث الطابق الكائن به شقة عمِه، لم يكونا بحاجة لقرع الجرس فكان الباب مفتوحًا يستقبل الزُوار، دلف وليد بقامته الطويلة وهيئته الساحِرة فجذب العيون حوله، ثم ارتفعت بعض الزغاريد من بعض صديقات خلود.

كان ترحيب حافل من قِبل الجميع له، وقف وليد عند الباب لاستقبال ضيوفه لكن عينيه كانت تُسرِق نظرةً من آن لآخر على باب غرفة خلود لربما يُمتع عينيه برؤياها.

في الطابق الثالث؛ حيث شقة زكريا، خرجت ليلى من المرحاض مُحاوطة جسدِها بمنشفةٍ قصيرة تعمَّدت ذلك بعد تفكيرٍ في نصيحة هناء لها، وشعرت أنها بحاجة ماسة لتجعله يعيش عذابًا من نوع خاص، وإما النهاية تكون انفصالهما أو توطيد علاقتهما بشكلٍ أقوى.

خرج زكريا من الغرفة أثناء دخولها فارتطم بجسدها، كادت تسقط ليلى إثر اختلال توازنها، لكنه قد منع وقوعها بِمُحاوطته خصرِها بيده، فباتت حبيسة بين ذراعه وصدره.

اجتاح كليهما مشاعرٍ حميمية لحظتها، مشاعرٍ لم يعيشاها منذ فترة، قطعت ليلى تلك اللحظة بتراجُعها للخلف، لم تقدر على مُواجهة عينيه فهربت بنظرها بعيدًا عنه، بينما حمحم زكريا وهتف باقتضاب:
_ ياريت تلبسي بسرعة عشان ننزل..

مرّت من جانبه وهي ترُد على كلامه بجفاء:
_ انزل أنت، أنا هلبس وانزل لوحدي..

صرَّ الآخر أسنانه وتحلى ببعض الهدوء ثم أردف:
_ لا هننزل مع بعض، هستناكي برا متتأخريش..

قالها ثم التفت بجسده مُختلسًا نظرةً على مظهرها الذي حرك غرائزه، فانتبهت عليه ليلى ولم تتردد في غلق الباب في وجهه، فابتلع زكريا ريقه وتوجه نحو الأريكة في انتظار انتهائها.

بينما وقفت هي في حيرة أمام الخِزانة، ماذا ترتدي؟ حتى وقعت عينيها على فُستانًا جهلت معالمه، فلم يكن هنا من قبل، أخرجته وأخذت تتفقده بعيون واسعة مذهولة، فلقد كانت تسأل عن سعره منذ أيامٍ وهي تتصفح الإنترنت.

وجَّهت عينيها تلقائيًا باتجاه الباب وعلمت أنه قد رأى تعليقها وهو من أحضره لها، مشاعرٍ مضطربة قد هاجمتها تلك اللحظة، كادت تُعيده إلى الخِزانة وترتدي غيره، لكن داخلها أخبرها بأن ترتديه، فهو جديدًا ومُناسبًا لحضور عقد القِرآن.

دقائق قليلة وقد انتهت، ثم خرجت من الغرفة وعينيها رافضة النظر إليه حتى لا ترى شعور الإنتصار في عينيه بسبب عدم تقديم اعتراضٍ واحد لارتداء ذلك الفستان.

في الجِهة المُقابلة، تفاجئ زكريا بطلَّتِها الفريدة، لن ينكر أنه لم يتوقع رؤيته عليها دون جِدالٍ، اقترب بِخُطاه منها وعلَّق وهو يقوم بفتح الباب:
_ لايق عليكي..

لم ترد، بل التزمت الصمت، فلم يُعيد زكريا حديثه وفضل الإكتفاء بذلك القدر الآن حتى لا يتعكر صفوهما اليوم، ترجلا الدرج حتى وصلا إلى ذقة والديه فتفاجئ زكريا بهذا الكم الحاضر.

أوصل ليلى إلى عائلته ثم ذهب للوقوف إلى جانب وليد وعبدالله الذي وصل للتو، مرَّت بِضع دقائق حتى حضر المأذون، فقام وليد بتوجيهه إلى الطاولة المُزينة بالورود البيضاء التي صُنِعت خِصيصًا لتلك المناسبة.

ثم وقف وصوَّب عينيه على ذلك الباب الذي فُتح، وخرجت منه تلك الهالة البيضاء، الذي لم يظهر منها سوى عينيها، كانت في غاية الجمال والروعة في زِييها الجديد، لقد أخفى النقاب جمال وجهها لكنه أضاف سحرًا خاص لمن يراها به.

كانت تسير خلود برفقة والدها، وقد لاحظت وجوه الحاضرين المُتفاجئة بطلَّتِها، وصل محمد إلى وليد وقال بامتنانٍ:
_ والله يا بني أنت كل شوية بتأكد لي إنك راجل، أنا اتفاجئت بيها لابسة النقاب ومتعرفش الفرحة اللي حسيت بيها وقتها..

ابتسم له وليد بامتنانٍ يُخالطه بعض الخجل، ثم نظر إلى خلود وأبدى إعجابه الشديد بها:
_ مش قولتلك أنا يا بختي واللَّه..

انحنى قُرب أُذنها وهمس:
_ وما خفى كان أعظم..

ابتسمت بسمةٍ خجُولة لم يراها لكنه أحس بها من خلال عينيها التي ضاقت، ثم أفسح لها وليد المجال للمرور والجلوس على كُرسيها، وكذلك جلس هو، كانت يديه قريبة للغاية ليد خلود المُتوترة، بينما توسط المأذون كلًا من وليد وعمِه، وبدأ يتلو خطبة النكاح وقد عقد وليد يده مع عمه، وبدأ يُردد صِيغة العقد خلف المأذون.

لحظاتٍ معدودة ويغدوا منتقلًا من العزوبة إلى الزوجية، يا لها من لحظاتٍ مهيبة، كيف لكلماتٍ بسيطة كتلك أن توصف بالميثاق الغليظ، كان قلبيهما يخفق بقوة من فرط الحماسة والتوتر المتدفق في الأدرينالين كأن قلبيهما صار مُحركًا لا يهدأ.

انتهى المأذون من مراسم العقد بترديده:
_ " بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"

وما أن أنهاها حتى احتضن وليد يد خلود من أسفل الطاولة وشدَّ عليها ثم نظر في عينيها وكأنه يُخبرها بأنها باتت مِلكه الآن، خرجا من حالتهما على مُباركة الجميع لهما، كانا يتلقيا التهنيئات ويديهما لا تفترقان عن بعض.

وصل عبدالله أمام وليد بعد أن اجتاز الحضور بصعوبة، وقام بمعانقته مُرددًا:
_ مبروك يا حبيبي..

بادله وليد العِناق الحار وأحاط ظهره بيدٍ واحدة والأخرى ما زالت مُمسِكة بيد خلود ولا يتركها، ألقى عبدالله نظرةً على يد صديقه وغمزه مشاكسًا:
_ الله يسلهوا يا سيدي، ربنا يكتبها علينا

رفع وليد رأسه للأعلى وآمن على حديثه:
_ يارب يا عبدالله والله، هتبقى هي دي الفرحة الحقيقية

بادله عبدالله نظرات مُمتنة ثم انسحب تارِكًا مساحة للجميع أن يباركوا لهما، وبعد مرور وقتٍ كافٍ كان قد انسحب الحضور تدريجيًا حتى بات المكان خاليًا إلا من العائلة.

وقفت عليا ونظرت إلى الجميع قبل أن تهتف بحماسٍ:
_ يلا ناخد سيلفي بمناسبة إننا كلنا متجمعين..

وقف الجميع في صفوفٍ متساوية، بينما وقفت عليا بمفردها في الأمام، ثم رفعت الهاتف مُتصنعة إلتقاط صورة لهم، ودون أن يشعُر من حولها قامت بسحب اختبارًا من حقيبتها ثم أدارت الكاميرا حتى تُسجل رد فعلهم، وبصوتٍ مُتحمس هتفت:
_ أنا حامل!

حينما أفصحت لهم عليا عن خبر حملها، عمّت الدهشة وجوه الجميع، ثم انفرجت شفاهم بابتساماتٍ عريضة، وامتلأت عيونهم بدموع الفرح، وتعانقت القلوب قبل الأيدي.

كانت هناء أول من هرولت نحوها وضمَّتها بفرحة عارمة:
_ والله كان قلبي حاسس، ربنا يكملك على خير يا نن عيني

ثم تهافت عليها الجميع مُعانقين إياها بسعادةٍ أسرت قلوبهم إلا من حازم الذي تجمد مكانه حتى تحولت النظرات عليه ثم قهقه البعض على حالته، بينما وقفت عليا أمامه ولوَّحت بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه:
_ إيه يا زومي، أنت ساكت كدا ليه؟

خرج حازم من صدمته لكنه كان ضائعًا لا يُصدق ذلك الخبر المُفاجئ ودون حديثٍ قام بجذبها إلى حضنه هاتفًا بفرحة ظاهرة في صوته:
_ مبروك يا روح قلبي..

أبعدها عنه وتفقد معالم وجهها وسألها للتأكيد:
_ حامل بجد والله؟!

دمِعت عيني عليا وابتسمت وهي تومئ برأسها مؤكدة، فأعادها إلى حضنه مرة أخرى، تأثر الجميع من خلف رد فِعله، خِصيصًا تلك المُتألمة في صمتٍ.

ألا وهي ليلى التي لمس قلبها ذلك التصرف لطالما تمنت عيشه بذلك الحماس والفرحة، لكنها لم تناله... فرت دمعة من مقلتيها أسرعت في مسحها تحت نظرات زكريا الذي لم يرفع بصره عنها حينما أفصحت عليا عن خبر حملها، فعاش معها ألمًا مُضاعف لأنه سببًا فيما تعيشه الآن.

حمحمت ليلى ووجهت حديثها إلى عليا خافية حُزنها خلف نبرتها المفعمة بالسرور:
_ مبروك يا لولو، ربنا يتمم لك على خير يارب

_ الله يبارك فيكي يا ليلى...
قالتها عليا مُمتنة، ثم استأذنت ليلى وغادرت المكان سريعًا فانسحب زكريا أيضًا ولحِق بها، بينما انسحبت عليا وزوجها ليحتفلا في الخارج بذلك الخبر السار.

بات المكان فارغًا إلا من وليد وخلود ووالديها، ابتلعت خلود ريقها وقالت:
_ هدخل أغير الفستان وراجعة..

أماء وليد بالقبول، ثم توجهت هناء إلى المطبخ لتقوم بتحضير الطعام التي أعدته باكرًا، بينما دعى محمد وليد إلى غرفة الضيوف:
_ تعالى يا وليد لما نقعد جوا، المكان هنا مكركب..

تَبِع وليد عمِه الذي استمع إلى همهماتٍ خافتة خلفه فالتفت برأسه فوجدها خلود تُشير إليه بأن يذهب إليها، فتوجه محمد مباشرةً نحوها فقالت هي على استحياء عند دخوله الغرفة بلطفٍ:
_ تسمح لي يا بابا أخرج بشعري؟

أخذ محمد يُفكر قليلًا قبل أن يُعطيها إجابة:
_ ضروري يعني؟

عضَّت خلود شفاها قبل أن تُردف بعد أن أخفضت رأسها:
_ اللي حضرتك تشوفه..

ابتسم محمد لخجلها، ولم يُطيل حتى لا يُضاعفه وقال بحسمٍ:
_ ماشي ياستي اخرجي بشعرك، بس الوضع كما هو عليه، مفيش أي تعدي حدود، مش كدا برده؟

تفاجئت خلود بقوله وأسرعت في إثبات نيتها:
_ أيوا طبعا، حضرتك متقلقش..

ارتسمت ابتسامة راضية على محياه ثم ربتَّ على كتفها وقال:
_ يلا اخرجي، متسيبش الواد لوحده

اكتفت خلود بابتسامة خجِلة ثم مرَّت بجوار أبيها وتوجهت إلى غرفة الضيوف، وقفت أمام الباب مُترددة للظهور أمامه بهيئتها الجديدة، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم خطَّت أولى خُطُواتها إلى الداخل، فوجدته مُنشغلا في هاتفه.

فأطلقت بعض الهمهمات الخافتة حتى انتبه عليها، رفع وليد رأسه مُتَفاجئًا بتلك الطلَّة التي خفق لها القلب بعنفٍ، إلتوى ثغره للجانب مُشكلًا ابتسامةٍ عذبة وهو يتفحص كل أنشٍ بها.

بدايةً من خُصلاتها المُحَررة التي تنسدل بعضًا منها على وجهها إلى فستانها الذي يُظهِر ذراعيها وجُزءًا من ساقيها الذي يُحيطها خلخالًا، نهض عن مكانه واقترب منها، أخذ يُحدق بها بعينين يفيض منهم العشق، فخرجت كلماته العذبة واصفًا جمالها بُعباراتٍ حالمة:
_ دا طلع ما خفى عظيم أوي أوي أوي

كانت خلود تستمتع إليه بقلبٍ أسير، تبتسم خجلًا من غزله، بينما لم يكتفي وليد بذلك القدر، فلقد قطف زهرةً من باقة الزهور الذي اشتراها لها خِصيصًا وقام بدسها بين خُصلاته مُصرحًا:
_ الوردة مكانها هنا مع وردة جميلة زيها!!

عضَّت الأخرى على شفاها وبرقةٍ مُبالغة تحدثت:
_ إيه الكلام الحلو دا، أنا مش عارفة أرد

_ مش لازم تردي، بس تعالي هنا يا حرامية..
هتفها بهجومٍ فضاقت خلود بعينيها عليه وتساءلت بجدية:
_ حرامية؟ سرقت منك إيه إن شاء الله؟

أمسك يدها ثم وضعها على يسار صدره وأجابها هامسًا بِهُيامٍ:
_ سرقتي قلبي!!

قالها ثم رفع يدها بِقُرب فمه، ثم طبع قُبلةً حارة داخل كفها وصرَّح بمشاعره:
_ بحبك

_ وأنا كمان بحبك..
همستها بتلعثمٍ وعيون تتهرب من نظراته، ووجنتين تتوردان كزهرة نبتت على استحياء، فأثارت رغبة وليد لعيش مشاعرٍ أخرى معها، قابل تردُدٍ كان يمنعه من الإقتراب منها للحفاظ على عهده مع عمِه.

لكن عِناقًا لن يَضُر، رفع ذراعيه ثم أحاط بهما خصرِها، وبهدوءٍ شديد قام بجذبها إلى صدره المُحترق، فازداد لهيبًا بِقُربها، ثم دفن وليد رأسه بين خُصلات شعرها فتفاجئت خلود بتصرفه المتهور.

سرت رجفة قوية إثر عناقه في ثائر بدنها شعر بها وليد فشدَّ على ظهرها يود لو بإمكانه وضعِها داخل قلبه والإغلاق عليها حتى لا يذهب عنه ذلك الشعور الرائع بقربها.

_ خلود!!
صدح صوت هناء فجأةً و.....


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close