رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الحادي والأربعون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
وصل الشباب ثلاثتهم في آنٍ واحد، لاحظا وليد وزكريا شُرود عبدالله، وحالة التِيه الذي كان عليها، ناهيك عن إحمرار عينيه وكأنه لم ينم لحظة، لكز وليد كتف زكريا فرمقه بطرف عينيه فتساءل وليد بعينيه عما به، فرفع زكريا كتفيه إلى الأعلى مُبديًا عدم عِلمه.
ثم توجه بِقُرب عبدالله الذي لم يُلاحظ وجوده، فهتف الآخر وهو يضرب ظهره بِخفة:
_ مالك يا عم كدا، حد مزعلك ولا إيه؟
_ مفيش..
اكتفى بها عبدالله، كان صوته به بحة تُؤكد وجود شيئًا يُخفيه، فأصرَّ زكريا على معرفة ما يمُر به:
_ عليَّ برده؟ من امتى وإحنا بنخبي على بعض..
بصوتٍ أشبه بالبُكاء قال:
_ أمي تعبانة..
التفت برأسه حيث صديقيه وأضاف بحشرجةٍ أثَّرت على نقاء صوته:
_ عندها زهايمر..
لم يتحمل عبدالله نظرات الشفقة في أعينهما وسُرعان ما أدار رأسه للجانب الآخر، مُحاولًا السيطرة على حالته المُذرية عن طريق التنفس، شهيقًا وزفيرًا فعل مِرارًا حتى شعر نفسه أفضل.
فانتبه على وليد الذي ربتَّ على كتفه وقال بآسى شديد:
_ فجأة كدا؟ دي مامتك مش كبيرة عشان يجي لها مرض زي دا..
ابتلع عبدالله ريقه ثم توجه إلى أحد المقاعد التي أمامه، اعتلاها وأجاب بِجمودٍ:
_ بِجِملة وجع القلب..
وسُرعان ما استنكر قوله وهلل نادمًا:
_ استغفر الله العظيم، إيه اللي أنا بقوله دا..
أغمض عينيه لثانية مُحركًا رأسه يمينًا ويسارًا وهو يُردد:
_ أنا بس مش قادر استوعب ليه؟ ليه أمي؟ دا أمي أغلى حاجة في حياتي؟
طب ليه صبا؟ دي أكتر إنسانة اتمنيتها وقلبي حبها؟!
ليه اللي بحبهم بيروحوا مني؟
ليه الإبتلاء فيهم؟
أنهى جُملته فتساقطت دموعه بغزارة، تبادل زكريا نظراته مع وليد المذهُولة والمُشفقة لحالته، اقترابا منه وقاموا بمآزرته من خلال الربت على كتفه من قِبل وليد، بينما أردف زكريا كلماته لِيُخفف مما يشعر به:
_ وأنا صغير، جدتي أم أمي توفت، وقتها أمي كانت مُنهارة لأنها كانت متعلقة بيها جدًا، وقتها واحدة قريبتنا جت وطبطبت عليها وقالت لها كلام يمكن مفهمتوش وقتها بس عمري ما نسيته، قالت لها اصبري الجنة للصابرين..
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ثم زفره قبل أن يُتابع مُسترسلًا:
_ اصبر يا صاحبي، جزاء كل دا يستاهل..
_ ياريت بإيدي، ياريت أقدر أقنع عقلي إن دا نصيب ومقدر لأمي، بس مش قادر، مش قادر أتخيل إنها مش هتفتكرني، الست اللي ضحت بحياتها كلها عشاني فجأة مش هتكون عرفاني، صعب أوي، صعب قلبي يصبر على ابتلاء صعب كدا..
تمتم بها عبدالله ورأسه مُنخفضًا، مسح عبراته التي تكاثرت على وجهه وواصل:
_ كنت قدرت أقنع قلبي لغاية دلوقتي إن صبا مش ليا، إن اللي حصل دا كله يمكن ملناش نصيب في بعض، بس مش قادر، لسه عايش على أمل إننا نكون سوى، إزاي معرفش..
تدخل وليد مُعلقًا:
_ ياه يا عبدالله، بعد كل دا يا صاحبي ولسه متعلق إنكم تكونوا لبعض؟!
دي بِعدت واتجوزت واتطلقت وبِعدت تاني بعد كل اللي حصل، وأنت لسه بتفكر فيها!
قاطعه عبدالله بانفعالٍ وهو يُشير ناحية قلبه:
_ دي حتة من روحي يا جدع، دا أنا بسمع صوتها كل يوم وهي بتقولي أخيرًا بقينا لبعض يا عبدالله، صوتها بيونسني كل ما بقفل عليا باب اوضتي!
بتأثُرٍ شديد وشفقة هتف زكريا:
_ دا إحنا نتعلم منك الحُب يا عبدالله والله.. لما إحنا موهومين بالحُب، أومال اللي أنت فيه دا إسمه إيه؟
صمت حل لِلحظة قبل أن يقطعُه عبدالله بوقوفه المُفاجئ وهتف وهو يُوَليهم ظهره:
_ يلا كله يروح يشوف وراه إيه..
قالها وغادرهما، فزمَّ زكريا شِفاه بِحُزنٍ ثم أخرج تنيهدة مُحملة بالشجن وهمس:
_ محدش مرتاح يا صاحبي..
ثم انتبه على تعقيب وليد المُتهكم:
_ لأ أنت حاسب نفسك زيه ولا إيه، طب هو اتظلم وحبيبته سابته، لكن أنت اللي نيلت الدنيا على دماغك بأفعالك القذرة، يعني أنت الظالم هنا مش المظلوم..
تفاجئ زكريا مما سمعه، التفت برأسه ورمقه بنظراتٍ مُشتعلة وهتف سؤاله:
_ أنت بتقولي أنا الكلام دا؟
بثباتٍ أجاب:
_ أيوا بقولك أنت، هي الصراحة بقت تزعل ولا إيه؟
صرَّ زكريا أسنانه، وهتف متوعدًا:
_ على فكرة أنت رقابتك تحت رجلي، يعني بكلمة مني أفشل لك الخطوبة بتاعتك وأبقى ظالم بجد بقى..
قهقه وليد وتمتم من بين ضحكه:
_ طب بس بلاش الثقة دي عشان وأنا بحط صوباعي اللي بصم على القسيمة في وشك متبقاش تزعل!
ازدادت ضحكات وليد وتابع أمرًا:
_ ويلا روح شوف اللي وراك عشان تخلص بسرعة وتجري تكمل نحنة يا حنين!
لم يُعطيه وليد فرصة لإبداء ردًا يليق بسخريته وانصرف سريعًا، بينما لم يُبرح زكريا مكانه مُتوعدًا لذلك الوغد داخله، زفر أنفاسه ثم سحب هاتفه من جيبه وقام بالإتصال على خلود ليطمئن على ليلى قبل بِدءه في العمل.
***
ترجلت من التاكسي، نظرت إلى مبنى الشركة الهائل، سحبت نفسًا ثم أخرجته بتمهلٍ، وخطت أولى خُطُواتها داخل الشركة، عرَّفت زينب عن هويتها لرجل الأمن الذي ابتسم ببشاشة وقال بِترحاب:
_ أهلًا يا فندم، عاصم بيه مديني خبر، اتفضلي الأسانسير من هناك..
سبقها العامل إلى المصعد الكهربائي، فترددت زينب في مرافقته بمفردهما، لكن في النهاية قد ولجت بقلبٍ قلِق، وقفت في زاويةٍ بعيدة عن العامل، كانت تعُد الثواني حتى وصلت إلى الطابق الكائن به مقر الشركة.
فزفرت أنفاسها بارتياح، ثم تَبِعته حتى وصل هو إلى السكرتيرة الخاصة بعاصم وقال:
_ الأستاذة زينب إبراهيم وصلت يا أستاذة كاميليا..
تقوس ثغر كاميليا ببسمةٍ عملية فبل أن تردد:
_ تمام يا عم فضل، اتفضل روح أنت وأنا هدخلها للباشمهندس..
غادر العامل بينما لاحظت كاميليا توتر زينب الظاهر لعينيها، فقالت:
_ اتفضلي، باشمهندس عاصم قالي تدخلي أول ما توصلي على طول..
ابتسمت زينب بِخفة، ثم لحقت بها حتى بلغت مكتب عاصم، كان تصميمه رائعًا، ناهيك عن مساحته الهائلة، لقد نال إعجاب زينب التي لم تخفض بصرها مُتفقدة كل جُزءٍ به.
_ واضح كدا إن مكتبي عِجبك..
قالها عاصم مَازِحًا، فتفاجئت زينب بحديثه، ونظرت إليه في خجلٍ ثم صرَّحت:
_ بصراحة اه، جميل جدًا.. لايق مع حضرتك، تحسه شبهك!
ضاق عاصم بعينيه عليها عندما لم يستشف مخزى كلامها وتساءل مُستفسرًا بفضول:
_ شبهي؟ إزاي؟
زفرت زينب أنفاسها لتسطيع المواصلة، وأردفت موضحة ما تقصده من خلف كلماتها:
_ يعني شيك وأنيق.. زي حضرتك!
كانت مفاجئة بالنسبة لعاصم ذلك التصريح الجرئ، لم تكُن كاميليا أقل منه تفاجُئًا فلقد تعجبت من أسلوب التعامل بينهما والمُزاح، فعاصم لا يُمازح موظفيه البتّة أثناء فترة العمل، لكن ما هذا الآن.
خرجت كاميليا من شرودها على صوت عاصم الآمر:
_ كاميليا، من النهاردة زينب تحت عينيك، تعلميها كل حاجة وهي مش هتتعبك، هي شاطرة وذكية وهتتعلم بسرعة..
نظر حيث زينب التي تقف على استحياء شديد من خلف كلماته المُشجعة وصاح:
_ مش كدا يا زينب، ولا شكلك هتكسفينا ولا إيه؟
كانت نبضاتها تخفق بقوة ولا تتوقف لذلك المدح، فأجبرت شفتيها على الإبتسام وهي تردد:
_ لا إن شاء الله هكون عند حُسن ظنك..
_ تمام، دلوقتي تقدري تروحي مع كاميليا تفهمك الدنيا ماشية إزاي..
قالها بجدية فأماءت زينب ثم خرجت خلف كاميليا التي بدأت توضح لها طبيعية العمل، تحت إنصاتٍ جيد من زينب.
***
بينما كانت جالسة على فراشها مُنهمرة بين أفكارها، صدح رنين هاتفها فقطع عليها حِبال شرودها، شعرت بالإمتنان له لأنه كان مُنقذها من اضطراباتٍ تعيشها في رأسها لا يعلم عنها أحد.
أمسكت الهاتف فتفاجئت بذلك الإتصال، أخذت نفسًا ثم أجابت:
_ عاصم.. احم، باشمهندس عاصم.
_ أخبارك إيه يا دكتورة؟
هتفها مستاءً من وضعها ذلك اللقب، فابتلعت صبا ريقها وردَّت:
_ الحمد لله بخير، أنت كويس؟
_ أحب اكتفى بالإجابة دي لنفسي..
قالها بثباتٍ ثم أضاف بصوتٍ أجش:
_ عمومًا أنا مش بكلمك عشان أتكلم عن نفسي، أنا بس كنت عايز أقولك إني اتكلمت مع دكتور رمزي وعرفته يخليكي ثابتة في الشيفت الصباحي عشان لو حابة ترجعي شغلك وقلقانة عشان موضوع العِدة وكدا...
كانت مفاجئة قد سببت الحرج لصبا، التي عضت شفاها قبل أن تَشكُره مُمتنَّة وإيضاح بعض الأمور الذي يجهلها:
_ شكرًا جدًا يا باشمهندس لتفكيرك فيا ولتعبك، بس في حاجة حضرتك ناسيها، إن أنا مليش عِدة، إحنا جوازنا مكنش كامل!! بس حقيقي شكرًا إنك أخدت الخطوة دي لأني أصلًا مش مُحبين الشيفت الليلي.. أهو ارتاح منه فترة.
_ إيه دا أنا نسيت خالص، راحت عن عقلي اعذريني، وكويس إني عملت كدا برده من غير تفكير، أهو فادك في الآخر، وعمومًا لو أنتِ لو احتجتي لحاجة متتردديش تكلميني، يعني مش معنى إن جوازنا انتهى تبقى العلاقة بينا خلصت..
أردفها بودٍ وسماحة، فعاودت صبا شُكره مُمِتنَّة:
_ أكيد، شكرًا ليك مرة تانية..
_ مع السلامة يا دكتورة..
_ مع السلامة يا باشمهندس
هكذا أنهيا الإتصال، نظرت صبا إلى هاتفها بعيون لامعة مـتأثرة، ثم رفعت يدها وتحسَّست أعلى صدرها ولقِفت تلك القلادة التي تُحاوِط عنقها، أخرجت بعض الأنفاس الحارة وهي تُغمض عينيها وهتفت:
_ وحشتني أوي يا عبدالله..
طُرق باب الغرفة فدست صبا القلادة داخل ملابسها سريعًا، ثم سمحت للطارق بالدخول:
_ اتفضل..
كان جلال أخيها، دلف بِخُطاه الغرفة وهو يتساءل باهتمامٍ:
_ قاعدة لوحدك ليه؟ تعالي اقعدي معانا
أطالت صبا النظر به قبل أن تُصرح بما يدور داخلها وتشعر به:
_ أقولك على حاجة بس متقولش لحد..
ضاق جلال بعينه عليها وهو يُردد بريبة:
_ إيه؟
حمحمت صبا ثم أوضحت:
_ بقيت حاسة إني غريبة أوي عن نفسي وعن اللي حواليا..
نظرت حولها مُتفقدة الغرفة التي تمكُث بها قبل أن تُعاود مُتحدثة:
_ ببص على الأوضة مش بلاقيها نفسها اللي كِبرت فيها، أوضة غريبة عليا، بيت جديد معرفش لسه معالمه كويس، أهل وشوشهم اتغيرت فجأة في عيني ومش حاسة براحة وأنا وسطهم.. حتى أنا مبقتش عارفة أنا مين ولا عايزة إيه؟
تساقط دمعها فأخفضت رأسها خافية ضعفها ثم استرسلت متواصلة:
_ كل حاجة بقت غريبة عني، مش عارفة دا إحساس مؤقت ولا هكمل عمري وأنا حاسة بالغُربة دي..
رفعت رأسها ونظرت في عينين أخيها المُشكل على تقاسيمه الدهشة وقالت:
_ إحساس وحش إنك وسط ناسك ومش مُتقبلهم، حاسس إنك عايز تهرب بعيد عنهم بعد ما كانوا أقرب ليك من روحك، تهرب حتى نفسك اللي مبقتش فاهمها، بقيت مُشفقة على نفسي وبرده جوايا غضب كبير مش عارفة أوازن مشاعري ولا أفهم أنا محتاجة لإيه بالظبط.. بس أنا بفكر فِعليًا إني أدور على بيت أقعد فيه لوحدي بعد ما العِدة تخلص..
_ إيه!! إزاي يعني هتقعدي لوحدك؟ ومين هيوافقك أصلًا؟!
هتفها جلال باستنكارٍ فتحدثت صبا بتهكمٍ:
_ أعتقد بعد كل اللي عيشته يحق لي أخد قرار يريحني، أنا مش هقدر أقعد هنا وأنا حاسة بالغُربة دي، يمكن لما أبعد كل حاجة تتصلح، المسافات والحواجز اللي اتبنت دي تختفي مع الوقت
بذهولٍ يُخالطه الرفض وعدم التصديق لقرارها قال:
_ كلامك بقى غريب أوي يا صبا، حاسس إني مش عارفك..
إلتوى ثغر صبا بشجنٍ ظاهر، وقالت بلوعة:
_ مش بقولك مبقتش عارفة أنا مين.. أنا محتاجة أكون لوحدي يا جلال، اللمة اللي كانت بتطمني وبحس بدفا فيها بقيت مش حاسة وسطها بأى حاجة..
نهض جلال ومط ذراعيه في الهواء وهو يزُم شفتيه للأمام قبل أن يردد بِقلة حيلة:
_ والله ما أنا عارف أقولك ايه، بس اعملي اللي يريحك، أنتِ أدرى الناس بحالك
أولاها ظهره وخرج من الغرفة تحت نظراتها المُتابعة له، ثم نظرت في الفراغ أمامها تُرتب أفكارها بِعناية ربما تنجح في فهم ماذا تريد.
***
بعد مرور ثلاثون يومًا؛
بعد أرقٍ كان مُصاحبًا لها طيلة الليل، نهضت من على الفراش ثم اتجهت نحو الخزانة، وقفت تتفقد ملابسها، ثم التقطت العديد من الملابس الصيفية وأخرى شتوية وقامت بارتداء جميعهم حتى شعرت بِثقل شديد في جسدها لكنها لم تكترث.
خرجت من الغرفة كطِفلاٍ ضائع يبحث عن مآواه، كانت تتلفت يمينًا ويسارًا باحثة عن باب الخروج، حتى وصلت إليه فقامت بفتحه وخرجت إلى الخارج، ومنه إلى الطريق العُمومي، كانت تسير دون تحديد وِجهة مقصودة، حتى فقدت طريقها فنظرت إلى الخلف فجهلت معالم الطريق حولها، فركضت مهرولة تارة إلى الأمام وتارة أخرى إلى الخلف ثم صرخت بصوتٍ خائف مُرتجف:
_ عبدالله، أنت فين يا عبدالله؟
***
استيقظت للتو من نومها بِمُساعدة ذلك المُنبه المُزعِج المرافق لها في الأوانة الأخيرة، أغلقته ثم نهضت مُرددة بانزعاج وحُنقٍ:
_ أنا كان مالي ومال الشغل، كنت بصحى براحتي وبنام براحتي
تأففت بضجرٍ بائن ثم نهضت مُبتعدة عن الفراش، وبدأت في روتينها الصباحي حيث دخول المرحاض وارتداء ملابسها الرسمية ووضع بعض المساحيق القليلة ثم خرجت من الغرفة باحثة عن أحدٍ قد استيقظ لكنها لم تجد، فترجلت إلى الطابق الأول لتتفاجئ بالباب مفتوحًا.
اتسعت عينيها بتوجسٍ، ثم توجهت نحوه متسائلة في نفسها:
_ إيه اللي فتحه دا؟
خرجت إلى الحديقة تبحث عن أحدٍ خارج المنزل، ربما هو من تركه مفتوحًا، لكنها لم تجد اثرًا لوجود أحدًا في المكان، وما زاد الخوف داخلها تلك البوابة المفتوحة على مصرعيها.
فسحبت الهاتف سريعًا من حقيبتها وتفقدت الكاميرات من خلاله، جحظت عينيها وهي تُشاهد خروج والدتها من البيت، لم تقف ثانية أخرى وهرولت إلى الخارج ربما تجدها.
_ ماما، يا ماما أنتِ روحتي فين؟
نادتها مِرارًا وهي تبحث كالمجنونة في الأرجاء المُجاورة، وعندما فشلت في إيجادها عادت من جديد إلى الفيلا حيث غرفة عبدالله، اقتحمتها دون استئذان، فسببت الذُعر لعبدالله الذي انتفض من نومه مُرددًا سؤاله بتِيه:
_ في إيه؟
بنبرةٍ مهزوزة مُرتجفة تحدثت:
_ ماما خرجت من البيت وإحنا نايمين، مش موجودة..
وكأن كلماتها كانت دافعًا لتضاعف سرعته الذي تلبسها، هب واقفًا فجأة وظل يُردد وهو في حالة ضياع وعدم قُدرة على فهم ما يحدث:
_ يعني إيه خرجت، هتكون راحت فين؟
رفعت زينب كتفيها للأعلى قبل أن تُردف بتوجسٍ مُشكل على تقاسيمها ونبرتها:
_ مش عارفة..
ثم رفعت الهاتف في وجه عبدالله فشاهد لحظة خروجها، قُبض قلبه برعبٍ وحاول الإتيان بفكرةٍ:
_ جَرِي الوقت شوية يمكن تكون رجعت..
_ مرجعتش، أنا شوفت لغاية الساعة اللي إحنا فيها دي ومرجعتش..
قالتها بنبرة تُهدد بالبُكاء، بينما ركض عبدالله خارج الغرفة، تلك الأثناء خرج قاسم من غرفته مُتلهفًا، هرول نحو زينب عندما وجدها أمامه وتساءل:
_ مشوفتيش أحلام يا زينب، مش في الأوضة؟
بآسى وحزن شديدين أجابته:
_ ماما خرجت من البيت يا عمي ومرجعتش..
قابل قاسم كلامها بعيون مُتسعة مصدومة، لم تقف زينب لدقيقة أكثر بل لحقت بعبدالله وكذلك فعل قاسم الذي استقل سيارته ليكون سهلًا عليه البحث.
بينما ركضا عبدالله وزينب مُتفرقين في جميع الأنحاء المُجاورة للفيلا، يُنَادون والدتهم بصوتٍ خائف خشية أن يفقدونها، مرت فترة والوضع كما هو عليه، لا جديد.
كان قد قطع عبدالله مسافة كبيرة في السّير بحثًا عن والدته وعندما شعر بِهروب أنفاسه من رئتيه جلس أرضًا بإهمالٍ خافيًا وجهه بِكلتى يديه، كان قليل الحيلة لا يُحسِن التفكير، ثوانٍ وجاءت زينب ووقفت أمامه تلتقط أنفاسها وهتفت بصوتٍ مُضطرب:
_ يعني إيه؟ هتكون راحت فين؟
وما أن أنهت جُملتها حتى انتبهت على رنين هاتفها، تفقدت المُتصل فوجدته عاصم، نفخت بضيقٍ ثم أعادت وضع الهاتف في حقيبتها، لكنه لم يتوقف عن الرنين فقررت الإيجاب:
_ باشمهندس عاصم، آسفة على التأخير، المفروض أكون قبل حضرتك في الشركة بس ماما مش لاقينها و...
_ مامتك معايا
قاطعها عاصم، فبرقت عينين زينب بذهولٍ وهتفت غير مُصدقة:
_ مع حضرتك! طب أنت فين وهي كويسة وجت لك إزاي؟
_ هبقى أقولك لما أشوفك، المهم أنا راجع حاليٍا على الفيلا، قابلوني هناك
هتفها بصوتٍ رزين هادئ، فأنهت زينب الإتصال وتوجهت بِقُرب عبدالله وقالت:
_ باشمهندس عاصم بيقول إن ماما معاه!
تفاجئ عبدالله بما سمعه، هب واقفًا وتساءل باهتمامٍ:
_ وهو فين؟
_ راجع الفيلا، إحنا لازم نرجع حالًا..
قالتها زينب، فأخذ عبدالله باحِثًا عن هاتفه، فلم يجده، لقد خرج على عجالة دون أخذ أشيائه فوجه حديثه إلى زينب:
_ كلمي بابا عرفيه، مش معايا موبايلي..
قالها ثم عاد بأدراجه مُتجهًا إلى الفيلا، فلحقت به زينب بعد أن أعطت خبرًا لقاسم بوجود أحلام مع عاصم، عاد الجميع إلى الفيلا فكان عاصم في استقبالهم داخل سيارته، ترجل منها وقال وهو يتجه نحو الباب الآخر:
_ ياريت عبدالله اللي يجي ياخدها، لأنها مردتش تيجي معايا غير لما قولت لها هرجعك لعبدالله..
لم يتردد عبدالله وأسرع نحو الباب، قام بفتحه فوجدها تجلس مُنكمشة على نفسها، فتألم قلبه للغاية وتحدث:
_ أنا جيت يا حبيبتي، تعالي..
تفاجئت به أحلام ورمقته بعيون جاحظة ثم تراجعت للخلف مُستنفرة منه، فابتلع عبدالله ريقه مُحاولًا التعامل بهدوءٍ وعناية لكي يُطمئنها:
_ أنا عبدالله يا ماما..
مد لها يده وأضاف بنبرة حنونة:
_ تعالي ندخل البيت يا حبيبتي..
كانت تتطلع به وكأنها تتعرف على ملامحه، ثم رددت بصوتٍ مهزوز:
_ أنت عبدالله؟
أماء الآخر ثم جلس القُرفصاء ليكون أقرب لها وقام بمسك يدها برفقٍ ووضعها على وجهه وأردف:
_ أنا عبدالله والله، عبدالله ابنك، حبيبك..
ابتسمت الأخرى ببلاهة وظلت تُردد دون استيعاب:
_ عبدالله، أنت عبدالله..
حرك عبدالله رأسه مِرارًا مُؤكدًا لها هويته ولم يستطع منع دموعه التي انسدلت كالشلالٍ لعدم تعرُفها عليه، نهض وساعدها على الترجل، ثم مشى بها مُتجهًا إلى البيت، بينما اقترب عاصم من قاسم وزينب اللذان يُتابعان سَير عبدالله وأحلام بملامحٍ شاحبة يكسُوها الحُزن ثم هتف بآسى وشفقة لوضعهما:
_ أنا كنت رايح الشركة واتفاجئت بيها على الطريق بتنادي على عبدالله، حاولت كتير إني أرجعها بس هي كانت خايفة مني ومرضتش تركب معايا غير لما قولت لها هنروح لعبدالله..
أخرج قاسم تنهيدة حزينة ثم دنا من عاصم وربتَّ على كتفه وعينيه على باب الفيلا ثم أردف بنبرة باهتة:
_ شكرًا يابني..
وما أن قالها حتى اختفى خلف باب الفيلا، تحت نظرات زينب وعاصم المُتأثرة، زم عاصم شفاه مُبديًا رأفةً بهم:
_ الله يكون في عونكم، الوضع صعب ويوجع القلب..
ازدردت زينب عندما فشلت في إخراج الكلمات، حتمًا ستنفجر باكية إن حركت شفتيها، جاهدت نفسها ثم قالت بصوتٍ يغمُره الحُزن وصدرٍ يثقُله الغم:
_ أنا آسفة، لو ممكن أخد إجازة النهاردة..
_ أه طبعًا اتفضلي، النهاردة أو أي يوم كمان..
كان عاصم عطوفًا لوضعها، فردَّت زينب مُمتنة:
_ شكرًا، بعد إذنك
_ اتفضلي..
قالها عاصم فغادرت زينب على الفور، بينما كان عاصم يعتصره الآسى من خلف ما يمرون به، فلم يكُن هينًا، زفر أنفاسه ثم عاد إلى سيارته وخرج من المكان مُتجهًا إلى عمله.
داخل الفيلا؛ أجلسها عبدالله على الفراش، ثم جاورها وقام بوضع رأسها على كتفه وهتف بصوتٍ مُتحشرج يكتوي باللوعة:
_ فكرت إني خِسرتك يا أحلام، للحظة حسيت إني تايه والدنيا دي غريبة أوي وأنتِ مش فيها..
أمسك يدها ثم شدَّ عليها وقال:
_ اوعديني متسبنيش أبدًا..
_ هسيبك ليه؟
تساءلت أحلام بتِيهٍ فقال عبدالله وقد شعر بغصَّة في حلقِه:
_ إوعديني وخلاص.. قولي مش هسيبك أبدًا يا عبدالله
_ مش هسيبك أبدًا يا عبدالله..
قالتها بدون فهم لماذا تقول ذلك، فانحني عبدالله علي يدها طابعًا قُبلةً عليها، تلك الأثناء ولج قاسم
وتلته زينب ثم اقتربا من أحلام لكنها صرخت عاليًا:
_ مين دول، فين عبدالله، عايزة أروح لعبدالله
حاول عبدالله تهدئتها بترديده:
_ أنا جنبك اهو، متخافيش..
نظرت إليه أحلام بتوجسٍ مشكل على تقاسيم وجهها وصاحت:
_ لأ، مش عايزاك عايزة عبدالله..
_ والله العظيم أنا عبدالله، اهدي
هتفها وهو يقترب منها مُحاولًا لمسِها لكنها دفعته بقوةٍ أثارت تعجب عبدالله، فهو نفسه لا يمتلك قوةً مثلها، أغمض عينيه مُحاولًا جمع شتات نفسه، لكنه فشل بسبب صُراخها الذي اخترق أذنيه فسبب له اضطرابًا وجعله غير مُتزنًا جاهلًا التصرُف.
في المُقابل، حاول قاسم التدخل وتهدئتها:
_ اهدي يا أحلام، أنا قاسم جوزك...
لكن دون جدوى، صُراخ لا يتوقف، فتدخلت زينب تلك المرة وهتفت من بين بكائها:
_ يا ماما متعمليش كدا عشان خاطري، يا ماما أبوس إيدك اهدي أنتِ بتخوفيني...
دخلت زينب في نوبة بكاء هيستريا من خلف وضع والدتها المُذري، بينما صاح قاسم بنفاذ صبر:
_ اطلعي برا يا زينب، الوضع مش مستحمل..
_ ماما يا عمي.. ماما
قالتها مذعورة فخرج قاسم عن طوره واندفع بها:
_ قولت لك اخرجي برا يا زينب
تفاجئت زينب من انفعاله، فازداد نحيبها ثم انسحبت مهرولة إلى الخارج، بينما صاح عبدالله بقلبٍ يرتجف:
_ كدا مش هينفع، لازم نتصرف، كلم الدكتور بتاعها..
وما كان من قاسم إلا أنه حرك رأسه مِرارًا ثم خرج من الغرفة يُهاتف الطبيب المُتابع لحالة أحلام، والذي أخبره على حُقنة مُهدئة طارئة، فتوجه قاسم إلى الخارج دون تفكير ليقوم بشرائها في الحال.
وبعد فترة؛ عاد إلى الفيلا وكان الوضع كما تركه، نظر حيث عبدالله وأمره بجدية:
_ حاول تمسكها كويس عشان أديها الحقنة...
تفقد عبدالله حالتها قبل أن يُعلق:
_ مش هعرف لوحدي..
_ نادي زينب يا عبدالله، اتصرف يا أخي
هتفها قاسم بأعصابٍ تالفة فخرج عبدالله من الغرفة مُناديًا شقيقته التي جاءت، ثم قاما بمسك أحلام في مُحاولة منهما على إيقاف حركتها حتى انتهى قاسم من إعطائها الحقنة، وماهي إلا ثوانٍ حتى شعرا بارتخاء عضلات أحلام فأسرع عبدالله بِمُحاوطتها جيدًا ثم وضعها على الفراش بِمساعدة قاسم وزينب.
وقف الثلاثة ينظرون إليها، وعيونهم تعتصر حزنًا، ناهيك عن صدورهم التي ضاقت وتضاعف الهم بها، خرج قاسم عن صمته وقال وعينه مُثبتة على أحلام:
_ كل واحد يروح على شغله..
_ بس..
قالها عبدالله فلم يُعطيه قاسم فرصة الإعتراض وصاح بحنقٍ:
_ اسمعوا الكلام بقى، ابعدوا عن الوضع دا شوية.. كل واحد يشوف حياته
تبادل عبدالله النظرات مع زينب، ثم كان أول من انسحب من الغرفة، تلته زينب إلى الخارج وتساءلت بصوتٍ مُتقطع:
_ هتروح الشغل؟
توقفت أقدام عبدالله، تطلع في الفراغ أمامه بعيون تترقرق فيهما العبرات، ثم أردف كلماته بنبرة مهزوزة:
_ حاسس إني عايز أهرب من الدنيا كلها، بس أروح على فين؟ لما كانت بتضيق بيا كنت بجري على حضنها وأنام على رجليها وتقعد تطبطب عليا بايديها وكلامها، لكن دلوقتي أروح لمين؟
أنهى جُملته وفر هاربًا خارج البيت، دون النظر لملابسه المنزلية التي بات عليها منذ البارحة، ركب سيارته ودعس على البنزين فتحركت وخرج من الفيلا يود الهرب إلى مكانٍ ربما يصبح بخير.
بينما ولجت زينب غرفتها، نزعت عن رأسها ذلك الحجاب، ثم جلست أرضًا مستندة بظهرها على جدار الفراش، ثم لقفت إحدى الوسادات التي كانت على مقربةٍ منها وقامت بِمُعانقتها فانسدلت دموع زينب أعلاها بآسى شديد لما تعيشه والدتها مؤخرًا.
في الغرفة المجاورة؛ جاور قاسم أحلام، لم يرفع بصره عنها قط، فقط كان يتطلع بها دون إبداء ردٍ، لكن داخله كان ينزفٍ دمًا، وقلبه يتقطع إربًا إربا على ما أصابها.
ليس من السهل تقبُل بعض الأقدار المُفجعة، وخِصيصًا إن مسَّت من تُحب، فلا تستطع عليه صبرًا، الآن قد فهم قاسم لماذا هناك جزاء للصابرين على مصائبهم لأنه من الصعب الصبر على الإبتلاء لشخصٍ عزيزًا.
***
تجلس ليلى على الفراش الطبي، يُقابلها الطبيب الذي ينزع عنها طُوق رقبتها بعد أن نزع الجبس الطبي عن قدمها، كانت تجاور الطبيب صبا التي نظرت إلى ليلى وقالت بابتسامة هادئة:
_ حمد لله على السلامة يا لولو..
زفرت ليلى أنفاسها براحة قبل أن ترُد:
_ ياه بجد، كان حِمل تقيل أوي، الحمد لله
اكتفت صبا بإبتسامة، بينما هتفت خلود التي تُرافقهن:
_ لما الحاجة بتعدي بتحسي إنك معشتيش أي لحظة وحشة قبل كدا، صح؟
رمقتها ليلى بنظراتٍ باردة وهتفت:
_ مش كله بيعدي للأسف
بِشفقةٍ تطلعت بها خلود، ثم نهضت ليلى وتوجهت إلى الخارج عندما انتهى الطبيب مما يفعله، فتبعنها الفتاتان، بينما كان زكريا جالسًا على مقاعد الإنتظار برفقة وليد يتسامران، ثم هابا واقفين عندما خرجت ليلى من الغرفة.
اقتربَ منها زكريا مُتلهفًا وقال:
_ حمد لله على السلامة..
أطالت ليلى النظر به ولم تُعطيه رد فتدخل وليد قائلًا:
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
_ الله يسلمك يا وليد
كان ردها مُتعمد مما أخجل زكريا الذي لامها في نظراته ثم وجه حديثه إلى صبا وتساءل:
_ كدا تمام يا دكتورة، ولا لسه هنيجي تاني؟
نفت صبا بحركة من رأسها قبل أن تُخبره:
_ لا كدا خلاص، خُد أنت بالك منها بس
_ دي في عنيا
هتفها زكريا وهو يُحاوط كتفي ليلى بذراعه، نفرت منه ليلى لكنه شدَّ على كتفها حتى لا تستطع الإبتعاد ثم ردد:
_ يلا بينا إحنا بقى..
أرغم ليلى على السَّير بجانبه فلم تفتعل تصرُفًا أحمقًا أمام الآخرين، بينما جاورت خلود وليد تاركة بينهما مسافةً لا بأس بها، حتى خرجوا من المستشفى وقاموا بركوب أحد السيارات الذي استعارها وليد خِصيصًا لتقلهم بسهولة دون الحاجة إلى وسائل المواصلات.
جلس الشابين في المقاعد الأمامية بينما جلست الفتاتان في الخلف، لم ينتظر وليد طويلًا وهتف اقتراحه لطالما انتظره بِفروع صبر:
_ كدا بقى نقدر نحدد كتب الكتاب، ولا إيه يا دود؟
قال آخر جُملته وهو يُعدِل المرآة على وجه خلود، فاستحت منه وتلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة، فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ مش عارف كتب كتاب إيه دلوقتي، قبل الفرح يا حبيبي لسه بدري..
تلك اللحظة قد كبس وليد على الفرامل فجأة فنهره زكريا مُعنفًا:
_ أنت عبيط؟ حد يفرمل فجأة كدا في نص الطريق؟!
دون أن يكترث لكلماته صاح الآخر بحنقٍ:
_ بقولك إيه ياعم أنت مش كل خطوة أنت وأمك هتُقفولي فيها، كتب كتاب إيه اللي قبل الفرح، دا إحنا متفقين على ٣ سنين، عايزني استنى كل دا؟!
تلفت زكريا حوله عندما استمع إلى زمور السيارات خلفهم، وصاح باستياء واضح:
_ اطلع ياعم وليد وابقى اعمله بكرة حتى، يخربيت العبط، هتموتنا عشان تكتب كتابك؟!
انتبه وليد على استياء وحُنق الآخرين، فقام بالدعس على مُحرك الوقود فتحركت السيارة، ثم عقَّب وليد ضاحكًا وهو ويشاهد تقاسيم وجه خلود المُنكسة رأسها في خجلٍ:
_ أيوا كدا اتعدل، عيلة متجيش غير بالصوت العالي
لكزه زكريا في ذراعه بقوة قبل أن ينهره ثانيةً:
_ اتلهي بقى، وسوق وأنت ساكت..
ضحك وليد وتابع قيادته بهدوءٍ ورزانة ولم يُعقب أيًا منهم حتى وصلوا إلى وِجهتهم، ترجل الجميع فلحق زكريا بـ ليلى وقال وهو يُمسك ذراعها حتى تقف له:
_ استني يا ليلى..
استدارت إليه فتابع ترديد ما يُريد:
_ أنا هروح على الشغل، وهحاول أرجع بدري، مش عايزة حاجة أجيبها وأنا راجع؟
حدجت ليلى ذراعها الذي بين قبضته ثم رفعت عينيها في عينيه وأردفت بجمودٍ:
_ أنا أصلًا مش هكون في البيت.. أنا راجعة بيت بابا
علامات الإستفهام كانت جلية على وجه زكريا الذي أبدى استيائه:
_ يعني إيه راجعة بيت بابا؟ بعد كل دا ولسه عايزة تمشي؟!
سحبت ليلى يدها بهدوءٍ ثم زفرت قبل أن تُواجهه بثباتٍ:
_ أنا مكنتش قاعدة برغبتي، أنا كنت مجبورة!
_ يا ليلى بلاش كدا، أنا بقالي أكتر من شهر بحاول أرضيكي وأنتِ لسه على موقفك!
هتفها بكللٍ لمحاولاته الفاشلة في الأيام الماضية، بينما أخرجت ليلى تنهيدة وأردفت:
_ مقدرتش تنجح إنك تنسيني خيانتك يا زكريا، أصلها صعبة أوي تتنسى في شهر!!
ابتلع الآخر ريقه وهو يتطلع في عينيها علها تُشفق عليه، لكنه وجد ثباتٍ وتحدٍ لم يُقابلهما من قبل، فأغمض عينيه يتلبس القوة ثم هتف:
_ طب خليكي النهاردة، لو مقدرتش أقنعك تعطيني فرصة تانية اعملي اللي أنتِ عايزاه ومش هعارضك..
بنفاذ صبر قالت:
_ مفيش حاجة هتتغير من هنا لبليل يا زكريا، خلينا نوفر على بعض....
قاطعها زكريا بإصرارٍ واضح:
_ فرصة أخيرة يا ليلى، وبعدها هعملك اللي أنتِ عايزاه..
أطالت ليلى النظر به قبل أن تهتف مُختصرة:
_ تمام
قالتها وأولته ظهرها سريعًا صاعدة إلى الأعلى، بينما وقف زكريا يُتابع حركتها حتى اختفت، وعقله يرسُم له بعض ما يُمكنه فِعله حتى يكسب رضائها من جديد، ثم عاد إلى السيارة مُتلهفًا لِبدء بعض الخطط التي يُمكنه بها توطيد علاقتهما من جديد.
***
بعد مرور بِضع ساعات، قد حان وقت الراحة، خرج من مكتبه فوقعت عينيه على تلك الجالسة، شاردة الذهن لا تشعر بما يدور حولها، اقترب منها مُتسائلًا بقلقٍ:
_ زينب أنتِ بتعملي إيه هنا؟
رفعت رأسها ورمقته بعيون تترقرق فيهما الدموع، ناهيك عن أنفها وشفتيها الحمروين، نظر عاصم إلى كاميليا التي حضرت للتو مُمسِكة بكوب من الماء وسألها بجدية:
_ هو في إيه، زينب مالها؟
رفعت كاميليا كتفيها للأعلى قبل أن تُعطيه إجابة:
_ معرفش، هي جت وهي في الحالة دي روحت أجيب لها مية ولسه راجعة...
أماء عاصم بتفهمٍ، ثم أخفض من مستوى طوله حيث يكون قريبًا من زينب وهتف:
_ تعالي نتكلم جوا المكتب يا زينب..
دون مُجادلة نهضت ولحقت به حيث مكتبه بعد أن أخذت كوب الماء من كاميليا، تلك الأثناء؛ خرج عز من مكتبه وشاهد اصطحاب عاصم لزينب فعقد ما بين حاجبيه بغرابةٍ قد راودته، وتوجه بِخُطاه تلقائيًا نحو كاميليا الواقفة مُتسائلًا:
_ فيه حاجة ولا إيه؟
انتاب كاميليا الذُعر إثر سؤال عز المفاجئ فلم تشعر بوجوده، فخرجت نبرتها مُتلعثمة:
_ دي زينب بتعيط، والباشمهندس أخدها المكتب..
أثارت تلعثُم كلماتها مُضاعفة ريبة عز وقرر الإنضمام إلى إبنه وتلك الفتاة حتى يعلم حقيقة ما يحدث، تابع سيره حتى وقف أمام باب الغرفة وقام بالطرق عليها قبل ولوجه، انتبه عليه عاصم ورحبَ به:
_ أهلا يا بابا، اتفضل
اختلس عز نظرة عليهما فوجد كليهما جالسًا في مِقعدٍ غير الذي يجلس عليه الآخر، كان الأمر يبدوا طبيعيًا، فحاول اختلاق كذبة تُخْرِجه دون إثارة الشك حول مجيئه المفاجئ:
_ أنا كنت هطلب أكل ليا، فكنت هسألك لو عايز..
نفى عاصم بحركة من رأسه قبل أن يُردف بجدية:
_ لا أنا شبعان.. شكرًا
اكتفى عز بإيماءة من رأسه ثم ألقى نظرة أخيرة على زينب المُنكسة رأسها قبل مُغادرته المكتب، بينما عاود عاصم ببصره نحوها وتساءل:
_ ها، قوليلي مالك حد ضايقك؟ وبعدين أنتِ إيه اللي جابك مش الصبح اتفقنا تفضلي جنب مامتك!
وما أن ذكر والدتها حتى أجهشت زينب باكية، تفاجئ عاصم ببكائها وفشل في التعامل معه، نهض عن كرسيه واقترب منها مُحاولًا تصليح ما اقترفه:
_ ليه العياط؟ أنا قولت حاجة غلط؟
من بين بُكائها أجابته بصوتٍ مُتحشرج:
_ ماما وضعها بيسوء بسرعة غريبة، صعبانة عليا وقلبي واجعني عليها، صعب عليا أوي إنها متكنش عارفاني وخايفة مني.. عمي قاسم طلب مني إني أمشي من البيت لما شاف حالتي وملقتش مكان أروحه غير هنا..
كانت تُردف كلماتها وهي تفرك أصابع يديها وعينيها مُثبتة عليهم، بينما يقف عاصم مُشفقًا على وضعهم وما تعيشه، لكنه لم يدري ما عليه فعله للتخفيف عنها، سحب نفسًا عميق وعاود الجلوس مقابلها مُحاولًا إيجاد الكلمات:
_ أول مرة مبقاش عارف أقول إيه، المرض بالذات مش بكون قادر أواسي صاحبه لأنه خارج إرادتنا كلنا..
بس أنتِ لازم تكوني أقوى من كدا، يمكن هي مش فكراكي بس أنتِ بنتها الوحيدة، المفروض تكوني قوية عشان هي محتجاكي أنتِ
مسحت زينب عبراتها ونظرت في عينيه بآسى شديد قبل أن تُردد:
_ المشكلة إنها رافضة قُربي منها، هي مش فاكرة غير عبدالله، يعني حتى هي مش عارفة تفرق بين ملامحه وملامحي بس هي فاكرة اسمه، لكن مش فكراني خالص، أحيانًا بحس إني مليش وجود..
أسرع في خفض رأسها هاربة من نظراته وأضافت بنبرة مهزومة كمن هزمه جيشه:
_ أنا بقيت حاسة إني لوحدي، هو مش إحساس هو حقيقة..
تساقطت عبراتها وهي تفيض بمشاعرها، ثم انتبهت على وجودها، ومع من تُصرح بما تُخفيه داخل قلبها فأسرعت في مسح دموعها وقالت وهي تنهض عن مقعدها:
_ أنا آسفة إني دوشتك، أكيد حضرتك عندك حاجات تتعمل، بعد إذنك..
أسرع عاصم في الوقوف واللِحاق بها قبل مُغادرتها، حيث أنه أعاد إغلاق الباب التي فتحته للتو فتلامست يدهما دون قصدٍ، فسرت رجفة قوية في أوصال زينب التي أدارت رأسها وتفقدت عينيه التي كانت قريبة للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسه.
تغلغلت رائحة عِطره أنفها، كان وضعٍ مُريب سبب لها هياج في نبضات قلبها، فخشت أن يشعُر بها فتراجعت خُطوة إلى الخلف وأخفضت رأسها في حياء، بينما انتبه عاصم على نفسه وحاول تبرير رفضه لذهابها:
_ أنا اسف، بس متعودتش أسيب حد زعلان كدا، خليكي لما تحسي إنك كويسة وبعدين اخرجي..
_ شكرًا لحضرتك بس مش عايزة أزعجك..
هاتفها بحياءٍ فردد الآخر مازحًا:
_ إزعجيني ياستي هتيجي عليكي يعني..
رفعت زينب رأسها فجاة ورمقته مذهولة فهلل عاصم عاليًا:
_ بهزر، والله العظيم بهزر..
تشكلت الإبتسامة تلقائيًا على وجه زينب، فبادلها عاصم الإبتسام وقال:
_ بصراحة كدا أنا جوعت، تاكلي معايا؟
بحرجٍ رفضت:
_ لأ أنا تمام..
_ تمام ولا بتقولي كدا، مش عايز بطني توجعني وأنا باكل..
قالها مُمَازِحًا إياها فضحكت زينب وقالت مُختصرة:
_ لا بجد أنا تمام، مش جعانة..
_ احتياطي برده هطلب لك، عشان أضمن سلامتي..
هتفها بمرحٍ وهو يتجه نحو مِكتبه ليسحب الهاتف، ثم التفت بجسده وغمزها قبل أن يقول:
_ ها، هتطلبي إيه؟
وقبل أن ترفض أصرَّ عاصم:
_ نتكلم جد، كدا كدا هخصم لك تمنه من مرتبك
لم تكف زينب عن الضحك، ثم أخبرته لما تريد تناوله تحت ضغطٍ منه، عاودت الجلوس وكان هو المُتحدث الذي أسبق بالحديث:
_ بس كاميليا بتشكر لي فيكي أوي، بتقول إنك اتعلمتي بسرعة وتقدري تستلمي شغلك..
_ بس أنا هشتغل مع مين؟ يعني حضرتك معاك كاميليا ووالد حضرتك معاه سكرتيرة، أنا بقى ظروفي إيه؟
تساءلت بفضولٍ، فأخبرها عاصم عن قراره الذي اتخذه مؤخرًا:
_ أنا نويت أرقي كاميليا وأخليها تِمسك مدير الفرع التاني بتاعنا، وبكدا مكتبي هيكون محتاج سكرتيرة، وهتكون مين يا ترى سعيدة الحظ؟
بخجلٍ صريح أخفضت رأسها وهي تُجيبه:
_ أنا..
_ بالظبط..
هتفها عاصم، ثم جائه مُكالمة من رجل الأمن يُخبره بوصول الطعام، فأخبره بأن يجلبه له، وبعد مرور دقائق قليلة كان الطعام موضوعًا على الطاولة وأخذا كليهما يتناولان في صمتٍ ساد لِلحظات حتى قطعه عاصم بتأففه:
_ ليه بس كدا..
نظرت زينب إلى سُترته فوجدتها قد تلطخت بالكاتشب، فتركت ما بيدها وقالت وهي تقترب منه:
_ اعطيني أغسله بسرعة وأرجعه لحضرتك..
رفض عاصم مُعللًا:
_ لا لا مفيش داعي..
قاطعته زينب مُصرة:
_ مينفعش حضرتك تمشي كدا، متخافش مش هبوظه..
قالت آخر جُملتها مازحة، فما كان منه إلا أنه نهض وخلع عنه السُترة، ثم أعطاها إياها، فشهقت زينب بصدمة عندما وجدت قميصه الأبيض قد تلطخ أيضًا:
_ قميص حضرتك..
تفقد عاصم القميص ثم قلب عينيه باستياء، وقال:
_ يلا مجتش عليه..
زمت زينب شفتيها وقالت:
_ لو تسمح لي أخده هو كمان؟
أماء عاصم بقبولٍ وقام بخلع القميص أيضًا فظهر صدره بوضوحٍ لها فأسرعت في إخفاض رأسها بإستيحاء، فلم تتوقع أنه لا يوجد أسفله شيء، كادت تلتقط منه قميصه إلا أنه رفض قائلًا:
_ لا سبيلي حاجة أعملها، الإتنين كتير عليكي..
لم تُعارضه، فكان الخجل سيد الموقف، أسبق هو بِخُطاه نحو المِرحاض الخاص به ووقف يُحاول تنظيف البُقعة من القميص، جاورته زينب مُتحاشية النظر عنه، وأخذت تُنظف البقعة حتى نجحت في إزالتها، بينما صاح عاصم عاليًا:
_ مطلعتش من القميص..
_ ممكن حضرتك تعطيهولي..
قالتها ثم تناولت منه القميص وقلبها ينبض بقوة، فكان ذلك وضعًا يُشعرها بالإرتباك ويُضاعف خجلها، فشلت في إخراج البُقعة وعللت ذلك:
_ القميص محتاج حاجة تساعده ينضف، الغسيل اليدوي مش نافع..
أجبرت عينيها على التطلع في عينيه وتساءلت بفضول:
_ حضرتك هتعمل إيه؟
_ ولا حاجة، هلبس غيره.
قالها وانسحب من المِرحاض، فلحقت به وهي تجهل أين هو ذاهب، تجمَّدت مكانها عندما فتح خزانة لديه تحتوي على العديد من القميصان وبعض الملابس الأخرى، فغرت فاها بذهولٍ وتابعته حتى انتقى واحدًا من بينهم ثم قام بارتدائه.
فازدادت غرابتها منه، فإن كان يمتلك ملابس أخرى لماذا فعل ذلك؟ لماذا وافق على خلع ملابسه وظهوره بجسدٍ عاري أمامها؟ حتمًا هناك أمرًا حول فِعلته.
لم تُفضل زينب المكوث لأكثر وقالت وهي تُلَملم أشيائها:
_ أنا هخرج، عن إذنك
لم تُعطيه فرصة الرفض وقامت بالخروج على الفور، بينما نظر عاصم إلى الباب التي خرجت منه للتو، وزفر أنفاسه ثم تابع ارتداء ملابسه.
***
حل المساء؛ عاد زكريا إلى المنزل حاملًا باقة من الزُهور الرائعة ذات الرائحة العطرة الذكية، وبيده الأخرى حقيبة من القماش قام بطلبها خِصيصًا لتحتوي ذِكرياتًا لهما.
بحث بعينه عن ليلى فلم يجدها، فخشى أن تكون نفذت ما تريد وتركت المنزل، فوضع ما في يده على الطاولة وركض باحثًا عنها، فاستمع إلى صوتٍ خلف باب المرحاض، فزفر أنفاسه بطمأنينة لعدم ذهابها.
ثم خرج وقام بحمل الباقة ثانيةً، ووقف في انتظار خروجها، مرت دقيقة حتى ظهرت هي وتفاجئت بعودته، وعلى الرغم من انجذاب عينيها على الزهور التي حازت على إعجابها لكنها لم تُظهر.
اقترب منها زكريا وشكَّل بسمةً على محياه، قائلًا بصوتٍ رخيم:
_ أنا آسف، وشكرًا إنك فضلتي موجودة، لأنك مينفعش تمشي، أنا حياتي من غيرك ضلمة..
ابتسمت ليلى في وجهه، فخفق قلبِه فرحًا لكن سُرعان ما اختفت ابتسامته عندما قالت:
_ أنت قعدتني عشان الكلمتين دول؟
كنت تقدر تقولهم في الموبايل بدل ما تكلف نفسك..
قالتها وهي تُشير بعينها إلى الزهور، فبهتَ وجه زكريا وشحب، أسقط باقة الزهور الذي كان مُمسِكًا بها، ثم وضعها على الطاولة، وأخذ الحقيبة القُماشية وقال:
_ الألبوم دا أنا طلبته مخصوص ليكي، يمكن يفكرك باللي بينا ويخليكي ترضي عني..
قلبت ليلى عينيها بفتورٍ، فأصرَّ زكريا على أخذها للألبوم، فتناولته منه ثم اتجهت إلى الأريكة وأخذت تُقلب من صفحاته، نجحت تلك الصور في جعل قلبها يتأثر، عندما أعادت إليها ذاكرتها كل تلك الذكريات التي عاشاها سويًا.
انتقى زكريا من الذكريات أجملهم والتي عَلِمَ أنها سَتُفِيده، جلس إلى جوارها وأشار إلى إحدى الصور وأردف:
_ يوم قرى فاتحتنا، اليوم اللي كنت مستنيه بقالي شهور، ومكنتش مصدق نفسي لما وافقتي.. شوفتي كنت فرحان بيكي إزاي؟!
لم تُبدي ليلى رد فِعل رغم تعاطُفِها لتلك الذكرى، فأشار زكريا إلى صورة أخرى وأردف:
_ ودي كانت أول مرة أقولك فيها بحبك، أول اعتراف خرج من قلبي وكان بجد، كنت أول مرة أعرف يعني إيه حُب وتفهم كلمة بحبك وأعيشها كان معاكي!
انتقل زكريا إلى الصفحة التالية، فضحك وهو يُشِير إلى ذلك الجواب الذي يحتوي على كلِماتٍ قد كتبها خِصيصًا من أجلها:
_ أول جواب أكتبه عشان عرفت إنك بتحبي الحاجات دي.. فاكرة كنت كاتب فيه إيه؟
لم ترد، فتابع هو بسخرية:
_ كنت كاتب لك،
يا حبيبتي...
أنتِ اللغةُ التي لم يتعلّمها أحد،
والقصيدةُ التي تُتلى بلا كتاب،
أنتِ أنوثةُ الورد حين يتفتّح،
وموسيقى المطر على نوافذ الغياب...
أحبكِ،
كما يُحب البحرُ أسراره،
وكما يعانق العطرُ وردته،
وكما يكتشف الطفلُ الحكايةَ لأول مرة
_ وكانت المفاجأة إنك عارفة شِعر نزار قباني، وقفشتيني وقتها..
قهقه زكريا على تذكُره لتلك الذِكرى، لم تستطع ليلى منع ابتسامتها التي جاهدت لعدم ظهورها، لكنها عاشت تلك اللحظة ثانيةً فلم تنجح في إخفاء شعورها.
وعندما رآها زكريا تبتسم شعر أن الجليد قد بدأ في الذوبان، فرفع رأسها بيده وأرغمها على النظر إليه، ثم ملَّس بيده على خُصلات شعرها واقترب من وجهها هامِسًا برجاء:
_ عشان خاطر الذكريات الحلوة اللي بينا، خلينا نبدأ من جديد، وحشتيني يا ليلى، وحشني حضنك، وحشني أحس إنك بتحبيني...
كاد يُقبل ثِغرها الذي يشتاق إليهما، لكنها قد وضعت يدها على فمه مانِعة اقترابه، فنظر إليها مُعاتبًا، فهمست:
_ الذكريات دي مخلتنيش أنسى اللي حصل، بالعكس خلتني أزعل أكتر إنها هانت عليك، هان كل لحظاتنا الحلوة وحُبنا، وقدرت تِخُوني..
تعَالت وتيرة أنفاسها وهي تُجاهد نفسها بألا تبكي، ثم تمتمت أمام شفتيه:
_ طلقني يا زكريا...
جن جنون الآخر وهب واقفًا رافضًا تلبية طلبها:
_ برده يا ليلى! أعمل لك إيه عشان متقوليش الكلمة دي؟
طلاق مش هيحصل، افهمي كدا!!
بلغت ليلى ذُروة تحمُلها ونهضت هاتفة بحنقٍ ساحِق:
_ هتجبرني أعيش معاك؟ مش أنت اللي قولت لي وقت ما غضبك يهدى هنتكلم، وأديني صبرت وهديت، وأنا دلوقتي بقولك مش قادرة أعيش معاك بعد اللي حصل..
دنا منها زكريا ثم وضع يده على موضِع قلبها وهمس بألمٍ:
_ قلبك مش قادر يغفر لي الغلطة دي ليه؟ كرهتيني للدرجة دي؟
تراجعت ليلى للخلف وصاحت مُنفعلة وهي توليه ظهرها:
_ لو على قلبي فهو للأسف لسه بيحبك ولسه بيتأثر بيك، بس القلب والحُب مش صح دايمًا، أنا معتش هعرف أثق فيك، معتش هعرف أحط راسي على المخدة جنبك وأنا شاكة إنك ممكن تكون بتكلم غيري..
استدارت بجسدِها نحوه وأضافت بتهكمٍ وثقة مُنعدمة:
_ أصل يعني إيه اللي يخليني أطمن لك تاني؟ ما أنا كنت مطمنة لك وواثقة فيك وأنت في المُقابل عملت إيه؟
خونت!
طب ليه متعملهاش تاني؟ إيه اللي يمنعك يعني؟ مكنش عندك دوافع تغلط وغلطت، فإيه بقى اللي يأكدلي إن متكررهاش تاني؟
_ أنا أهو واقف قدامك بأكد لك إني مش هكررها تاني...
لم يُنهِيها بعد فقاطعته ليلى مُعنفة:
_ ما هو أنا أصلًا معتش بثق في كلامك عشان أخده عهد إنك متغلطش..
صمت زكريا عندما أخرسته بكلماتها القاسية، فأغمض عينيه عندما انتابه حالة من التِيه والضَيَاع، وأخذ يتنفس بصوتٍ مسموع، ثم أعاد فتح عينيه وقال بهدوءٍ مريب:
_ أنتِ إيه اللي يرضيكي؟
_ إننا نتطلق!
هتفتها دون تفكيرٍ، فابتلع الآخر ريقه وهتف:
_ حتى لو أنا لسه عايزك ومتعلق بأي أمل يرجعنا لبعض
أشاحت ليلى بصرها عنه حتى لا تتأثر بنبرته المكلومة وكلماته التي آلمت قلبها وردّت:
_ مش لازم كل حاجة تكون أنت عايزها تحصل، دي مُنتهى الأنانية، لو بتحبني بجد اعمل لي اللي أنا عايزاه..
اقترب زكريا منها وأرغمها على النظر إليه بعيون لامعة تُهدد بالبكاء:
_ متأكدة من قرارك؟
صمتت ليلى لبُرهة فلقد اهتز كيانها، كان هناك تناقضًا يشتت قرارها تلك اللحظة، شتان بين قلبها الذي يتمنى لو أن تُلقِي بنفسها بين ذراعيه وتُخبره بأن الأمر انتهى، وبين عقلها الذي يود الإنفصال عنه بعد عيش خسارتها لجنينها وآمانها من خلفه.
أغمضت عينيها لِلحظة مُحاولة طرد ذلك الصوت من عقلها حتى تتخذ قرارًا صائبًا فلا تعود نادمة لاحقًا، استغل زكريا ذلك الضعف وحاول كسب استعطافها، فجذبها بهدوءٍ إلى صدره بشوقٍ حار لكل أنشٍ بها، لكنها لم تستكين مُدة طويلة، بل تراجعت على الفور وهي تُردد:
_ مش قادرة.. خلصني بقى وقولها
_ يا ليلى..
نطق حروف إسمها متوسلًا بأن تصرف نظر عن ذلك الإنفصال لكنها أصرَّت:
_ يلا يا زكريا.. قولها بقى
انهمرت دموعه وتساقطت حُزنًا، كانت شفتيه تتحرك دون استطاعته على نُطقِها، فكانت كلمة ثقيلة ترفُضها جميع خلاياه، لكنه كان مغلوبٌ على أمره وتحت إصرارٍ منها همس:
_ أنتِ طالق!
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
وصل الشباب ثلاثتهم في آنٍ واحد، لاحظا وليد وزكريا شُرود عبدالله، وحالة التِيه الذي كان عليها، ناهيك عن إحمرار عينيه وكأنه لم ينم لحظة، لكز وليد كتف زكريا فرمقه بطرف عينيه فتساءل وليد بعينيه عما به، فرفع زكريا كتفيه إلى الأعلى مُبديًا عدم عِلمه.
ثم توجه بِقُرب عبدالله الذي لم يُلاحظ وجوده، فهتف الآخر وهو يضرب ظهره بِخفة:
_ مالك يا عم كدا، حد مزعلك ولا إيه؟
_ مفيش..
اكتفى بها عبدالله، كان صوته به بحة تُؤكد وجود شيئًا يُخفيه، فأصرَّ زكريا على معرفة ما يمُر به:
_ عليَّ برده؟ من امتى وإحنا بنخبي على بعض..
بصوتٍ أشبه بالبُكاء قال:
_ أمي تعبانة..
التفت برأسه حيث صديقيه وأضاف بحشرجةٍ أثَّرت على نقاء صوته:
_ عندها زهايمر..
لم يتحمل عبدالله نظرات الشفقة في أعينهما وسُرعان ما أدار رأسه للجانب الآخر، مُحاولًا السيطرة على حالته المُذرية عن طريق التنفس، شهيقًا وزفيرًا فعل مِرارًا حتى شعر نفسه أفضل.
فانتبه على وليد الذي ربتَّ على كتفه وقال بآسى شديد:
_ فجأة كدا؟ دي مامتك مش كبيرة عشان يجي لها مرض زي دا..
ابتلع عبدالله ريقه ثم توجه إلى أحد المقاعد التي أمامه، اعتلاها وأجاب بِجمودٍ:
_ بِجِملة وجع القلب..
وسُرعان ما استنكر قوله وهلل نادمًا:
_ استغفر الله العظيم، إيه اللي أنا بقوله دا..
أغمض عينيه لثانية مُحركًا رأسه يمينًا ويسارًا وهو يُردد:
_ أنا بس مش قادر استوعب ليه؟ ليه أمي؟ دا أمي أغلى حاجة في حياتي؟
طب ليه صبا؟ دي أكتر إنسانة اتمنيتها وقلبي حبها؟!
ليه اللي بحبهم بيروحوا مني؟
ليه الإبتلاء فيهم؟
أنهى جُملته فتساقطت دموعه بغزارة، تبادل زكريا نظراته مع وليد المذهُولة والمُشفقة لحالته، اقترابا منه وقاموا بمآزرته من خلال الربت على كتفه من قِبل وليد، بينما أردف زكريا كلماته لِيُخفف مما يشعر به:
_ وأنا صغير، جدتي أم أمي توفت، وقتها أمي كانت مُنهارة لأنها كانت متعلقة بيها جدًا، وقتها واحدة قريبتنا جت وطبطبت عليها وقالت لها كلام يمكن مفهمتوش وقتها بس عمري ما نسيته، قالت لها اصبري الجنة للصابرين..
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ثم زفره قبل أن يُتابع مُسترسلًا:
_ اصبر يا صاحبي، جزاء كل دا يستاهل..
_ ياريت بإيدي، ياريت أقدر أقنع عقلي إن دا نصيب ومقدر لأمي، بس مش قادر، مش قادر أتخيل إنها مش هتفتكرني، الست اللي ضحت بحياتها كلها عشاني فجأة مش هتكون عرفاني، صعب أوي، صعب قلبي يصبر على ابتلاء صعب كدا..
تمتم بها عبدالله ورأسه مُنخفضًا، مسح عبراته التي تكاثرت على وجهه وواصل:
_ كنت قدرت أقنع قلبي لغاية دلوقتي إن صبا مش ليا، إن اللي حصل دا كله يمكن ملناش نصيب في بعض، بس مش قادر، لسه عايش على أمل إننا نكون سوى، إزاي معرفش..
تدخل وليد مُعلقًا:
_ ياه يا عبدالله، بعد كل دا يا صاحبي ولسه متعلق إنكم تكونوا لبعض؟!
دي بِعدت واتجوزت واتطلقت وبِعدت تاني بعد كل اللي حصل، وأنت لسه بتفكر فيها!
قاطعه عبدالله بانفعالٍ وهو يُشير ناحية قلبه:
_ دي حتة من روحي يا جدع، دا أنا بسمع صوتها كل يوم وهي بتقولي أخيرًا بقينا لبعض يا عبدالله، صوتها بيونسني كل ما بقفل عليا باب اوضتي!
بتأثُرٍ شديد وشفقة هتف زكريا:
_ دا إحنا نتعلم منك الحُب يا عبدالله والله.. لما إحنا موهومين بالحُب، أومال اللي أنت فيه دا إسمه إيه؟
صمت حل لِلحظة قبل أن يقطعُه عبدالله بوقوفه المُفاجئ وهتف وهو يُوَليهم ظهره:
_ يلا كله يروح يشوف وراه إيه..
قالها وغادرهما، فزمَّ زكريا شِفاه بِحُزنٍ ثم أخرج تنيهدة مُحملة بالشجن وهمس:
_ محدش مرتاح يا صاحبي..
ثم انتبه على تعقيب وليد المُتهكم:
_ لأ أنت حاسب نفسك زيه ولا إيه، طب هو اتظلم وحبيبته سابته، لكن أنت اللي نيلت الدنيا على دماغك بأفعالك القذرة، يعني أنت الظالم هنا مش المظلوم..
تفاجئ زكريا مما سمعه، التفت برأسه ورمقه بنظراتٍ مُشتعلة وهتف سؤاله:
_ أنت بتقولي أنا الكلام دا؟
بثباتٍ أجاب:
_ أيوا بقولك أنت، هي الصراحة بقت تزعل ولا إيه؟
صرَّ زكريا أسنانه، وهتف متوعدًا:
_ على فكرة أنت رقابتك تحت رجلي، يعني بكلمة مني أفشل لك الخطوبة بتاعتك وأبقى ظالم بجد بقى..
قهقه وليد وتمتم من بين ضحكه:
_ طب بس بلاش الثقة دي عشان وأنا بحط صوباعي اللي بصم على القسيمة في وشك متبقاش تزعل!
ازدادت ضحكات وليد وتابع أمرًا:
_ ويلا روح شوف اللي وراك عشان تخلص بسرعة وتجري تكمل نحنة يا حنين!
لم يُعطيه وليد فرصة لإبداء ردًا يليق بسخريته وانصرف سريعًا، بينما لم يُبرح زكريا مكانه مُتوعدًا لذلك الوغد داخله، زفر أنفاسه ثم سحب هاتفه من جيبه وقام بالإتصال على خلود ليطمئن على ليلى قبل بِدءه في العمل.
***
ترجلت من التاكسي، نظرت إلى مبنى الشركة الهائل، سحبت نفسًا ثم أخرجته بتمهلٍ، وخطت أولى خُطُواتها داخل الشركة، عرَّفت زينب عن هويتها لرجل الأمن الذي ابتسم ببشاشة وقال بِترحاب:
_ أهلًا يا فندم، عاصم بيه مديني خبر، اتفضلي الأسانسير من هناك..
سبقها العامل إلى المصعد الكهربائي، فترددت زينب في مرافقته بمفردهما، لكن في النهاية قد ولجت بقلبٍ قلِق، وقفت في زاويةٍ بعيدة عن العامل، كانت تعُد الثواني حتى وصلت إلى الطابق الكائن به مقر الشركة.
فزفرت أنفاسها بارتياح، ثم تَبِعته حتى وصل هو إلى السكرتيرة الخاصة بعاصم وقال:
_ الأستاذة زينب إبراهيم وصلت يا أستاذة كاميليا..
تقوس ثغر كاميليا ببسمةٍ عملية فبل أن تردد:
_ تمام يا عم فضل، اتفضل روح أنت وأنا هدخلها للباشمهندس..
غادر العامل بينما لاحظت كاميليا توتر زينب الظاهر لعينيها، فقالت:
_ اتفضلي، باشمهندس عاصم قالي تدخلي أول ما توصلي على طول..
ابتسمت زينب بِخفة، ثم لحقت بها حتى بلغت مكتب عاصم، كان تصميمه رائعًا، ناهيك عن مساحته الهائلة، لقد نال إعجاب زينب التي لم تخفض بصرها مُتفقدة كل جُزءٍ به.
_ واضح كدا إن مكتبي عِجبك..
قالها عاصم مَازِحًا، فتفاجئت زينب بحديثه، ونظرت إليه في خجلٍ ثم صرَّحت:
_ بصراحة اه، جميل جدًا.. لايق مع حضرتك، تحسه شبهك!
ضاق عاصم بعينيه عليها عندما لم يستشف مخزى كلامها وتساءل مُستفسرًا بفضول:
_ شبهي؟ إزاي؟
زفرت زينب أنفاسها لتسطيع المواصلة، وأردفت موضحة ما تقصده من خلف كلماتها:
_ يعني شيك وأنيق.. زي حضرتك!
كانت مفاجئة بالنسبة لعاصم ذلك التصريح الجرئ، لم تكُن كاميليا أقل منه تفاجُئًا فلقد تعجبت من أسلوب التعامل بينهما والمُزاح، فعاصم لا يُمازح موظفيه البتّة أثناء فترة العمل، لكن ما هذا الآن.
خرجت كاميليا من شرودها على صوت عاصم الآمر:
_ كاميليا، من النهاردة زينب تحت عينيك، تعلميها كل حاجة وهي مش هتتعبك، هي شاطرة وذكية وهتتعلم بسرعة..
نظر حيث زينب التي تقف على استحياء شديد من خلف كلماته المُشجعة وصاح:
_ مش كدا يا زينب، ولا شكلك هتكسفينا ولا إيه؟
كانت نبضاتها تخفق بقوة ولا تتوقف لذلك المدح، فأجبرت شفتيها على الإبتسام وهي تردد:
_ لا إن شاء الله هكون عند حُسن ظنك..
_ تمام، دلوقتي تقدري تروحي مع كاميليا تفهمك الدنيا ماشية إزاي..
قالها بجدية فأماءت زينب ثم خرجت خلف كاميليا التي بدأت توضح لها طبيعية العمل، تحت إنصاتٍ جيد من زينب.
***
بينما كانت جالسة على فراشها مُنهمرة بين أفكارها، صدح رنين هاتفها فقطع عليها حِبال شرودها، شعرت بالإمتنان له لأنه كان مُنقذها من اضطراباتٍ تعيشها في رأسها لا يعلم عنها أحد.
أمسكت الهاتف فتفاجئت بذلك الإتصال، أخذت نفسًا ثم أجابت:
_ عاصم.. احم، باشمهندس عاصم.
_ أخبارك إيه يا دكتورة؟
هتفها مستاءً من وضعها ذلك اللقب، فابتلعت صبا ريقها وردَّت:
_ الحمد لله بخير، أنت كويس؟
_ أحب اكتفى بالإجابة دي لنفسي..
قالها بثباتٍ ثم أضاف بصوتٍ أجش:
_ عمومًا أنا مش بكلمك عشان أتكلم عن نفسي، أنا بس كنت عايز أقولك إني اتكلمت مع دكتور رمزي وعرفته يخليكي ثابتة في الشيفت الصباحي عشان لو حابة ترجعي شغلك وقلقانة عشان موضوع العِدة وكدا...
كانت مفاجئة قد سببت الحرج لصبا، التي عضت شفاها قبل أن تَشكُره مُمتنَّة وإيضاح بعض الأمور الذي يجهلها:
_ شكرًا جدًا يا باشمهندس لتفكيرك فيا ولتعبك، بس في حاجة حضرتك ناسيها، إن أنا مليش عِدة، إحنا جوازنا مكنش كامل!! بس حقيقي شكرًا إنك أخدت الخطوة دي لأني أصلًا مش مُحبين الشيفت الليلي.. أهو ارتاح منه فترة.
_ إيه دا أنا نسيت خالص، راحت عن عقلي اعذريني، وكويس إني عملت كدا برده من غير تفكير، أهو فادك في الآخر، وعمومًا لو أنتِ لو احتجتي لحاجة متتردديش تكلميني، يعني مش معنى إن جوازنا انتهى تبقى العلاقة بينا خلصت..
أردفها بودٍ وسماحة، فعاودت صبا شُكره مُمِتنَّة:
_ أكيد، شكرًا ليك مرة تانية..
_ مع السلامة يا دكتورة..
_ مع السلامة يا باشمهندس
هكذا أنهيا الإتصال، نظرت صبا إلى هاتفها بعيون لامعة مـتأثرة، ثم رفعت يدها وتحسَّست أعلى صدرها ولقِفت تلك القلادة التي تُحاوِط عنقها، أخرجت بعض الأنفاس الحارة وهي تُغمض عينيها وهتفت:
_ وحشتني أوي يا عبدالله..
طُرق باب الغرفة فدست صبا القلادة داخل ملابسها سريعًا، ثم سمحت للطارق بالدخول:
_ اتفضل..
كان جلال أخيها، دلف بِخُطاه الغرفة وهو يتساءل باهتمامٍ:
_ قاعدة لوحدك ليه؟ تعالي اقعدي معانا
أطالت صبا النظر به قبل أن تُصرح بما يدور داخلها وتشعر به:
_ أقولك على حاجة بس متقولش لحد..
ضاق جلال بعينه عليها وهو يُردد بريبة:
_ إيه؟
حمحمت صبا ثم أوضحت:
_ بقيت حاسة إني غريبة أوي عن نفسي وعن اللي حواليا..
نظرت حولها مُتفقدة الغرفة التي تمكُث بها قبل أن تُعاود مُتحدثة:
_ ببص على الأوضة مش بلاقيها نفسها اللي كِبرت فيها، أوضة غريبة عليا، بيت جديد معرفش لسه معالمه كويس، أهل وشوشهم اتغيرت فجأة في عيني ومش حاسة براحة وأنا وسطهم.. حتى أنا مبقتش عارفة أنا مين ولا عايزة إيه؟
تساقط دمعها فأخفضت رأسها خافية ضعفها ثم استرسلت متواصلة:
_ كل حاجة بقت غريبة عني، مش عارفة دا إحساس مؤقت ولا هكمل عمري وأنا حاسة بالغُربة دي..
رفعت رأسها ونظرت في عينين أخيها المُشكل على تقاسيمه الدهشة وقالت:
_ إحساس وحش إنك وسط ناسك ومش مُتقبلهم، حاسس إنك عايز تهرب بعيد عنهم بعد ما كانوا أقرب ليك من روحك، تهرب حتى نفسك اللي مبقتش فاهمها، بقيت مُشفقة على نفسي وبرده جوايا غضب كبير مش عارفة أوازن مشاعري ولا أفهم أنا محتاجة لإيه بالظبط.. بس أنا بفكر فِعليًا إني أدور على بيت أقعد فيه لوحدي بعد ما العِدة تخلص..
_ إيه!! إزاي يعني هتقعدي لوحدك؟ ومين هيوافقك أصلًا؟!
هتفها جلال باستنكارٍ فتحدثت صبا بتهكمٍ:
_ أعتقد بعد كل اللي عيشته يحق لي أخد قرار يريحني، أنا مش هقدر أقعد هنا وأنا حاسة بالغُربة دي، يمكن لما أبعد كل حاجة تتصلح، المسافات والحواجز اللي اتبنت دي تختفي مع الوقت
بذهولٍ يُخالطه الرفض وعدم التصديق لقرارها قال:
_ كلامك بقى غريب أوي يا صبا، حاسس إني مش عارفك..
إلتوى ثغر صبا بشجنٍ ظاهر، وقالت بلوعة:
_ مش بقولك مبقتش عارفة أنا مين.. أنا محتاجة أكون لوحدي يا جلال، اللمة اللي كانت بتطمني وبحس بدفا فيها بقيت مش حاسة وسطها بأى حاجة..
نهض جلال ومط ذراعيه في الهواء وهو يزُم شفتيه للأمام قبل أن يردد بِقلة حيلة:
_ والله ما أنا عارف أقولك ايه، بس اعملي اللي يريحك، أنتِ أدرى الناس بحالك
أولاها ظهره وخرج من الغرفة تحت نظراتها المُتابعة له، ثم نظرت في الفراغ أمامها تُرتب أفكارها بِعناية ربما تنجح في فهم ماذا تريد.
***
بعد مرور ثلاثون يومًا؛
بعد أرقٍ كان مُصاحبًا لها طيلة الليل، نهضت من على الفراش ثم اتجهت نحو الخزانة، وقفت تتفقد ملابسها، ثم التقطت العديد من الملابس الصيفية وأخرى شتوية وقامت بارتداء جميعهم حتى شعرت بِثقل شديد في جسدها لكنها لم تكترث.
خرجت من الغرفة كطِفلاٍ ضائع يبحث عن مآواه، كانت تتلفت يمينًا ويسارًا باحثة عن باب الخروج، حتى وصلت إليه فقامت بفتحه وخرجت إلى الخارج، ومنه إلى الطريق العُمومي، كانت تسير دون تحديد وِجهة مقصودة، حتى فقدت طريقها فنظرت إلى الخلف فجهلت معالم الطريق حولها، فركضت مهرولة تارة إلى الأمام وتارة أخرى إلى الخلف ثم صرخت بصوتٍ خائف مُرتجف:
_ عبدالله، أنت فين يا عبدالله؟
***
استيقظت للتو من نومها بِمُساعدة ذلك المُنبه المُزعِج المرافق لها في الأوانة الأخيرة، أغلقته ثم نهضت مُرددة بانزعاج وحُنقٍ:
_ أنا كان مالي ومال الشغل، كنت بصحى براحتي وبنام براحتي
تأففت بضجرٍ بائن ثم نهضت مُبتعدة عن الفراش، وبدأت في روتينها الصباحي حيث دخول المرحاض وارتداء ملابسها الرسمية ووضع بعض المساحيق القليلة ثم خرجت من الغرفة باحثة عن أحدٍ قد استيقظ لكنها لم تجد، فترجلت إلى الطابق الأول لتتفاجئ بالباب مفتوحًا.
اتسعت عينيها بتوجسٍ، ثم توجهت نحوه متسائلة في نفسها:
_ إيه اللي فتحه دا؟
خرجت إلى الحديقة تبحث عن أحدٍ خارج المنزل، ربما هو من تركه مفتوحًا، لكنها لم تجد اثرًا لوجود أحدًا في المكان، وما زاد الخوف داخلها تلك البوابة المفتوحة على مصرعيها.
فسحبت الهاتف سريعًا من حقيبتها وتفقدت الكاميرات من خلاله، جحظت عينيها وهي تُشاهد خروج والدتها من البيت، لم تقف ثانية أخرى وهرولت إلى الخارج ربما تجدها.
_ ماما، يا ماما أنتِ روحتي فين؟
نادتها مِرارًا وهي تبحث كالمجنونة في الأرجاء المُجاورة، وعندما فشلت في إيجادها عادت من جديد إلى الفيلا حيث غرفة عبدالله، اقتحمتها دون استئذان، فسببت الذُعر لعبدالله الذي انتفض من نومه مُرددًا سؤاله بتِيه:
_ في إيه؟
بنبرةٍ مهزوزة مُرتجفة تحدثت:
_ ماما خرجت من البيت وإحنا نايمين، مش موجودة..
وكأن كلماتها كانت دافعًا لتضاعف سرعته الذي تلبسها، هب واقفًا فجأة وظل يُردد وهو في حالة ضياع وعدم قُدرة على فهم ما يحدث:
_ يعني إيه خرجت، هتكون راحت فين؟
رفعت زينب كتفيها للأعلى قبل أن تُردف بتوجسٍ مُشكل على تقاسيمها ونبرتها:
_ مش عارفة..
ثم رفعت الهاتف في وجه عبدالله فشاهد لحظة خروجها، قُبض قلبه برعبٍ وحاول الإتيان بفكرةٍ:
_ جَرِي الوقت شوية يمكن تكون رجعت..
_ مرجعتش، أنا شوفت لغاية الساعة اللي إحنا فيها دي ومرجعتش..
قالتها بنبرة تُهدد بالبُكاء، بينما ركض عبدالله خارج الغرفة، تلك الأثناء خرج قاسم من غرفته مُتلهفًا، هرول نحو زينب عندما وجدها أمامه وتساءل:
_ مشوفتيش أحلام يا زينب، مش في الأوضة؟
بآسى وحزن شديدين أجابته:
_ ماما خرجت من البيت يا عمي ومرجعتش..
قابل قاسم كلامها بعيون مُتسعة مصدومة، لم تقف زينب لدقيقة أكثر بل لحقت بعبدالله وكذلك فعل قاسم الذي استقل سيارته ليكون سهلًا عليه البحث.
بينما ركضا عبدالله وزينب مُتفرقين في جميع الأنحاء المُجاورة للفيلا، يُنَادون والدتهم بصوتٍ خائف خشية أن يفقدونها، مرت فترة والوضع كما هو عليه، لا جديد.
كان قد قطع عبدالله مسافة كبيرة في السّير بحثًا عن والدته وعندما شعر بِهروب أنفاسه من رئتيه جلس أرضًا بإهمالٍ خافيًا وجهه بِكلتى يديه، كان قليل الحيلة لا يُحسِن التفكير، ثوانٍ وجاءت زينب ووقفت أمامه تلتقط أنفاسها وهتفت بصوتٍ مُضطرب:
_ يعني إيه؟ هتكون راحت فين؟
وما أن أنهت جُملتها حتى انتبهت على رنين هاتفها، تفقدت المُتصل فوجدته عاصم، نفخت بضيقٍ ثم أعادت وضع الهاتف في حقيبتها، لكنه لم يتوقف عن الرنين فقررت الإيجاب:
_ باشمهندس عاصم، آسفة على التأخير، المفروض أكون قبل حضرتك في الشركة بس ماما مش لاقينها و...
_ مامتك معايا
قاطعها عاصم، فبرقت عينين زينب بذهولٍ وهتفت غير مُصدقة:
_ مع حضرتك! طب أنت فين وهي كويسة وجت لك إزاي؟
_ هبقى أقولك لما أشوفك، المهم أنا راجع حاليٍا على الفيلا، قابلوني هناك
هتفها بصوتٍ رزين هادئ، فأنهت زينب الإتصال وتوجهت بِقُرب عبدالله وقالت:
_ باشمهندس عاصم بيقول إن ماما معاه!
تفاجئ عبدالله بما سمعه، هب واقفًا وتساءل باهتمامٍ:
_ وهو فين؟
_ راجع الفيلا، إحنا لازم نرجع حالًا..
قالتها زينب، فأخذ عبدالله باحِثًا عن هاتفه، فلم يجده، لقد خرج على عجالة دون أخذ أشيائه فوجه حديثه إلى زينب:
_ كلمي بابا عرفيه، مش معايا موبايلي..
قالها ثم عاد بأدراجه مُتجهًا إلى الفيلا، فلحقت به زينب بعد أن أعطت خبرًا لقاسم بوجود أحلام مع عاصم، عاد الجميع إلى الفيلا فكان عاصم في استقبالهم داخل سيارته، ترجل منها وقال وهو يتجه نحو الباب الآخر:
_ ياريت عبدالله اللي يجي ياخدها، لأنها مردتش تيجي معايا غير لما قولت لها هرجعك لعبدالله..
لم يتردد عبدالله وأسرع نحو الباب، قام بفتحه فوجدها تجلس مُنكمشة على نفسها، فتألم قلبه للغاية وتحدث:
_ أنا جيت يا حبيبتي، تعالي..
تفاجئت به أحلام ورمقته بعيون جاحظة ثم تراجعت للخلف مُستنفرة منه، فابتلع عبدالله ريقه مُحاولًا التعامل بهدوءٍ وعناية لكي يُطمئنها:
_ أنا عبدالله يا ماما..
مد لها يده وأضاف بنبرة حنونة:
_ تعالي ندخل البيت يا حبيبتي..
كانت تتطلع به وكأنها تتعرف على ملامحه، ثم رددت بصوتٍ مهزوز:
_ أنت عبدالله؟
أماء الآخر ثم جلس القُرفصاء ليكون أقرب لها وقام بمسك يدها برفقٍ ووضعها على وجهه وأردف:
_ أنا عبدالله والله، عبدالله ابنك، حبيبك..
ابتسمت الأخرى ببلاهة وظلت تُردد دون استيعاب:
_ عبدالله، أنت عبدالله..
حرك عبدالله رأسه مِرارًا مُؤكدًا لها هويته ولم يستطع منع دموعه التي انسدلت كالشلالٍ لعدم تعرُفها عليه، نهض وساعدها على الترجل، ثم مشى بها مُتجهًا إلى البيت، بينما اقترب عاصم من قاسم وزينب اللذان يُتابعان سَير عبدالله وأحلام بملامحٍ شاحبة يكسُوها الحُزن ثم هتف بآسى وشفقة لوضعهما:
_ أنا كنت رايح الشركة واتفاجئت بيها على الطريق بتنادي على عبدالله، حاولت كتير إني أرجعها بس هي كانت خايفة مني ومرضتش تركب معايا غير لما قولت لها هنروح لعبدالله..
أخرج قاسم تنهيدة حزينة ثم دنا من عاصم وربتَّ على كتفه وعينيه على باب الفيلا ثم أردف بنبرة باهتة:
_ شكرًا يابني..
وما أن قالها حتى اختفى خلف باب الفيلا، تحت نظرات زينب وعاصم المُتأثرة، زم عاصم شفاه مُبديًا رأفةً بهم:
_ الله يكون في عونكم، الوضع صعب ويوجع القلب..
ازدردت زينب عندما فشلت في إخراج الكلمات، حتمًا ستنفجر باكية إن حركت شفتيها، جاهدت نفسها ثم قالت بصوتٍ يغمُره الحُزن وصدرٍ يثقُله الغم:
_ أنا آسفة، لو ممكن أخد إجازة النهاردة..
_ أه طبعًا اتفضلي، النهاردة أو أي يوم كمان..
كان عاصم عطوفًا لوضعها، فردَّت زينب مُمتنة:
_ شكرًا، بعد إذنك
_ اتفضلي..
قالها عاصم فغادرت زينب على الفور، بينما كان عاصم يعتصره الآسى من خلف ما يمرون به، فلم يكُن هينًا، زفر أنفاسه ثم عاد إلى سيارته وخرج من المكان مُتجهًا إلى عمله.
داخل الفيلا؛ أجلسها عبدالله على الفراش، ثم جاورها وقام بوضع رأسها على كتفه وهتف بصوتٍ مُتحشرج يكتوي باللوعة:
_ فكرت إني خِسرتك يا أحلام، للحظة حسيت إني تايه والدنيا دي غريبة أوي وأنتِ مش فيها..
أمسك يدها ثم شدَّ عليها وقال:
_ اوعديني متسبنيش أبدًا..
_ هسيبك ليه؟
تساءلت أحلام بتِيهٍ فقال عبدالله وقد شعر بغصَّة في حلقِه:
_ إوعديني وخلاص.. قولي مش هسيبك أبدًا يا عبدالله
_ مش هسيبك أبدًا يا عبدالله..
قالتها بدون فهم لماذا تقول ذلك، فانحني عبدالله علي يدها طابعًا قُبلةً عليها، تلك الأثناء ولج قاسم
وتلته زينب ثم اقتربا من أحلام لكنها صرخت عاليًا:
_ مين دول، فين عبدالله، عايزة أروح لعبدالله
حاول عبدالله تهدئتها بترديده:
_ أنا جنبك اهو، متخافيش..
نظرت إليه أحلام بتوجسٍ مشكل على تقاسيم وجهها وصاحت:
_ لأ، مش عايزاك عايزة عبدالله..
_ والله العظيم أنا عبدالله، اهدي
هتفها وهو يقترب منها مُحاولًا لمسِها لكنها دفعته بقوةٍ أثارت تعجب عبدالله، فهو نفسه لا يمتلك قوةً مثلها، أغمض عينيه مُحاولًا جمع شتات نفسه، لكنه فشل بسبب صُراخها الذي اخترق أذنيه فسبب له اضطرابًا وجعله غير مُتزنًا جاهلًا التصرُف.
في المُقابل، حاول قاسم التدخل وتهدئتها:
_ اهدي يا أحلام، أنا قاسم جوزك...
لكن دون جدوى، صُراخ لا يتوقف، فتدخلت زينب تلك المرة وهتفت من بين بكائها:
_ يا ماما متعمليش كدا عشان خاطري، يا ماما أبوس إيدك اهدي أنتِ بتخوفيني...
دخلت زينب في نوبة بكاء هيستريا من خلف وضع والدتها المُذري، بينما صاح قاسم بنفاذ صبر:
_ اطلعي برا يا زينب، الوضع مش مستحمل..
_ ماما يا عمي.. ماما
قالتها مذعورة فخرج قاسم عن طوره واندفع بها:
_ قولت لك اخرجي برا يا زينب
تفاجئت زينب من انفعاله، فازداد نحيبها ثم انسحبت مهرولة إلى الخارج، بينما صاح عبدالله بقلبٍ يرتجف:
_ كدا مش هينفع، لازم نتصرف، كلم الدكتور بتاعها..
وما كان من قاسم إلا أنه حرك رأسه مِرارًا ثم خرج من الغرفة يُهاتف الطبيب المُتابع لحالة أحلام، والذي أخبره على حُقنة مُهدئة طارئة، فتوجه قاسم إلى الخارج دون تفكير ليقوم بشرائها في الحال.
وبعد فترة؛ عاد إلى الفيلا وكان الوضع كما تركه، نظر حيث عبدالله وأمره بجدية:
_ حاول تمسكها كويس عشان أديها الحقنة...
تفقد عبدالله حالتها قبل أن يُعلق:
_ مش هعرف لوحدي..
_ نادي زينب يا عبدالله، اتصرف يا أخي
هتفها قاسم بأعصابٍ تالفة فخرج عبدالله من الغرفة مُناديًا شقيقته التي جاءت، ثم قاما بمسك أحلام في مُحاولة منهما على إيقاف حركتها حتى انتهى قاسم من إعطائها الحقنة، وماهي إلا ثوانٍ حتى شعرا بارتخاء عضلات أحلام فأسرع عبدالله بِمُحاوطتها جيدًا ثم وضعها على الفراش بِمساعدة قاسم وزينب.
وقف الثلاثة ينظرون إليها، وعيونهم تعتصر حزنًا، ناهيك عن صدورهم التي ضاقت وتضاعف الهم بها، خرج قاسم عن صمته وقال وعينه مُثبتة على أحلام:
_ كل واحد يروح على شغله..
_ بس..
قالها عبدالله فلم يُعطيه قاسم فرصة الإعتراض وصاح بحنقٍ:
_ اسمعوا الكلام بقى، ابعدوا عن الوضع دا شوية.. كل واحد يشوف حياته
تبادل عبدالله النظرات مع زينب، ثم كان أول من انسحب من الغرفة، تلته زينب إلى الخارج وتساءلت بصوتٍ مُتقطع:
_ هتروح الشغل؟
توقفت أقدام عبدالله، تطلع في الفراغ أمامه بعيون تترقرق فيهما العبرات، ثم أردف كلماته بنبرة مهزوزة:
_ حاسس إني عايز أهرب من الدنيا كلها، بس أروح على فين؟ لما كانت بتضيق بيا كنت بجري على حضنها وأنام على رجليها وتقعد تطبطب عليا بايديها وكلامها، لكن دلوقتي أروح لمين؟
أنهى جُملته وفر هاربًا خارج البيت، دون النظر لملابسه المنزلية التي بات عليها منذ البارحة، ركب سيارته ودعس على البنزين فتحركت وخرج من الفيلا يود الهرب إلى مكانٍ ربما يصبح بخير.
بينما ولجت زينب غرفتها، نزعت عن رأسها ذلك الحجاب، ثم جلست أرضًا مستندة بظهرها على جدار الفراش، ثم لقفت إحدى الوسادات التي كانت على مقربةٍ منها وقامت بِمُعانقتها فانسدلت دموع زينب أعلاها بآسى شديد لما تعيشه والدتها مؤخرًا.
في الغرفة المجاورة؛ جاور قاسم أحلام، لم يرفع بصره عنها قط، فقط كان يتطلع بها دون إبداء ردٍ، لكن داخله كان ينزفٍ دمًا، وقلبه يتقطع إربًا إربا على ما أصابها.
ليس من السهل تقبُل بعض الأقدار المُفجعة، وخِصيصًا إن مسَّت من تُحب، فلا تستطع عليه صبرًا، الآن قد فهم قاسم لماذا هناك جزاء للصابرين على مصائبهم لأنه من الصعب الصبر على الإبتلاء لشخصٍ عزيزًا.
***
تجلس ليلى على الفراش الطبي، يُقابلها الطبيب الذي ينزع عنها طُوق رقبتها بعد أن نزع الجبس الطبي عن قدمها، كانت تجاور الطبيب صبا التي نظرت إلى ليلى وقالت بابتسامة هادئة:
_ حمد لله على السلامة يا لولو..
زفرت ليلى أنفاسها براحة قبل أن ترُد:
_ ياه بجد، كان حِمل تقيل أوي، الحمد لله
اكتفت صبا بإبتسامة، بينما هتفت خلود التي تُرافقهن:
_ لما الحاجة بتعدي بتحسي إنك معشتيش أي لحظة وحشة قبل كدا، صح؟
رمقتها ليلى بنظراتٍ باردة وهتفت:
_ مش كله بيعدي للأسف
بِشفقةٍ تطلعت بها خلود، ثم نهضت ليلى وتوجهت إلى الخارج عندما انتهى الطبيب مما يفعله، فتبعنها الفتاتان، بينما كان زكريا جالسًا على مقاعد الإنتظار برفقة وليد يتسامران، ثم هابا واقفين عندما خرجت ليلى من الغرفة.
اقتربَ منها زكريا مُتلهفًا وقال:
_ حمد لله على السلامة..
أطالت ليلى النظر به ولم تُعطيه رد فتدخل وليد قائلًا:
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
_ الله يسلمك يا وليد
كان ردها مُتعمد مما أخجل زكريا الذي لامها في نظراته ثم وجه حديثه إلى صبا وتساءل:
_ كدا تمام يا دكتورة، ولا لسه هنيجي تاني؟
نفت صبا بحركة من رأسها قبل أن تُخبره:
_ لا كدا خلاص، خُد أنت بالك منها بس
_ دي في عنيا
هتفها زكريا وهو يُحاوط كتفي ليلى بذراعه، نفرت منه ليلى لكنه شدَّ على كتفها حتى لا تستطع الإبتعاد ثم ردد:
_ يلا بينا إحنا بقى..
أرغم ليلى على السَّير بجانبه فلم تفتعل تصرُفًا أحمقًا أمام الآخرين، بينما جاورت خلود وليد تاركة بينهما مسافةً لا بأس بها، حتى خرجوا من المستشفى وقاموا بركوب أحد السيارات الذي استعارها وليد خِصيصًا لتقلهم بسهولة دون الحاجة إلى وسائل المواصلات.
جلس الشابين في المقاعد الأمامية بينما جلست الفتاتان في الخلف، لم ينتظر وليد طويلًا وهتف اقتراحه لطالما انتظره بِفروع صبر:
_ كدا بقى نقدر نحدد كتب الكتاب، ولا إيه يا دود؟
قال آخر جُملته وهو يُعدِل المرآة على وجه خلود، فاستحت منه وتلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة، فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ مش عارف كتب كتاب إيه دلوقتي، قبل الفرح يا حبيبي لسه بدري..
تلك اللحظة قد كبس وليد على الفرامل فجأة فنهره زكريا مُعنفًا:
_ أنت عبيط؟ حد يفرمل فجأة كدا في نص الطريق؟!
دون أن يكترث لكلماته صاح الآخر بحنقٍ:
_ بقولك إيه ياعم أنت مش كل خطوة أنت وأمك هتُقفولي فيها، كتب كتاب إيه اللي قبل الفرح، دا إحنا متفقين على ٣ سنين، عايزني استنى كل دا؟!
تلفت زكريا حوله عندما استمع إلى زمور السيارات خلفهم، وصاح باستياء واضح:
_ اطلع ياعم وليد وابقى اعمله بكرة حتى، يخربيت العبط، هتموتنا عشان تكتب كتابك؟!
انتبه وليد على استياء وحُنق الآخرين، فقام بالدعس على مُحرك الوقود فتحركت السيارة، ثم عقَّب وليد ضاحكًا وهو ويشاهد تقاسيم وجه خلود المُنكسة رأسها في خجلٍ:
_ أيوا كدا اتعدل، عيلة متجيش غير بالصوت العالي
لكزه زكريا في ذراعه بقوة قبل أن ينهره ثانيةً:
_ اتلهي بقى، وسوق وأنت ساكت..
ضحك وليد وتابع قيادته بهدوءٍ ورزانة ولم يُعقب أيًا منهم حتى وصلوا إلى وِجهتهم، ترجل الجميع فلحق زكريا بـ ليلى وقال وهو يُمسك ذراعها حتى تقف له:
_ استني يا ليلى..
استدارت إليه فتابع ترديد ما يُريد:
_ أنا هروح على الشغل، وهحاول أرجع بدري، مش عايزة حاجة أجيبها وأنا راجع؟
حدجت ليلى ذراعها الذي بين قبضته ثم رفعت عينيها في عينيه وأردفت بجمودٍ:
_ أنا أصلًا مش هكون في البيت.. أنا راجعة بيت بابا
علامات الإستفهام كانت جلية على وجه زكريا الذي أبدى استيائه:
_ يعني إيه راجعة بيت بابا؟ بعد كل دا ولسه عايزة تمشي؟!
سحبت ليلى يدها بهدوءٍ ثم زفرت قبل أن تُواجهه بثباتٍ:
_ أنا مكنتش قاعدة برغبتي، أنا كنت مجبورة!
_ يا ليلى بلاش كدا، أنا بقالي أكتر من شهر بحاول أرضيكي وأنتِ لسه على موقفك!
هتفها بكللٍ لمحاولاته الفاشلة في الأيام الماضية، بينما أخرجت ليلى تنهيدة وأردفت:
_ مقدرتش تنجح إنك تنسيني خيانتك يا زكريا، أصلها صعبة أوي تتنسى في شهر!!
ابتلع الآخر ريقه وهو يتطلع في عينيها علها تُشفق عليه، لكنه وجد ثباتٍ وتحدٍ لم يُقابلهما من قبل، فأغمض عينيه يتلبس القوة ثم هتف:
_ طب خليكي النهاردة، لو مقدرتش أقنعك تعطيني فرصة تانية اعملي اللي أنتِ عايزاه ومش هعارضك..
بنفاذ صبر قالت:
_ مفيش حاجة هتتغير من هنا لبليل يا زكريا، خلينا نوفر على بعض....
قاطعها زكريا بإصرارٍ واضح:
_ فرصة أخيرة يا ليلى، وبعدها هعملك اللي أنتِ عايزاه..
أطالت ليلى النظر به قبل أن تهتف مُختصرة:
_ تمام
قالتها وأولته ظهرها سريعًا صاعدة إلى الأعلى، بينما وقف زكريا يُتابع حركتها حتى اختفت، وعقله يرسُم له بعض ما يُمكنه فِعله حتى يكسب رضائها من جديد، ثم عاد إلى السيارة مُتلهفًا لِبدء بعض الخطط التي يُمكنه بها توطيد علاقتهما من جديد.
***
بعد مرور بِضع ساعات، قد حان وقت الراحة، خرج من مكتبه فوقعت عينيه على تلك الجالسة، شاردة الذهن لا تشعر بما يدور حولها، اقترب منها مُتسائلًا بقلقٍ:
_ زينب أنتِ بتعملي إيه هنا؟
رفعت رأسها ورمقته بعيون تترقرق فيهما الدموع، ناهيك عن أنفها وشفتيها الحمروين، نظر عاصم إلى كاميليا التي حضرت للتو مُمسِكة بكوب من الماء وسألها بجدية:
_ هو في إيه، زينب مالها؟
رفعت كاميليا كتفيها للأعلى قبل أن تُعطيه إجابة:
_ معرفش، هي جت وهي في الحالة دي روحت أجيب لها مية ولسه راجعة...
أماء عاصم بتفهمٍ، ثم أخفض من مستوى طوله حيث يكون قريبًا من زينب وهتف:
_ تعالي نتكلم جوا المكتب يا زينب..
دون مُجادلة نهضت ولحقت به حيث مكتبه بعد أن أخذت كوب الماء من كاميليا، تلك الأثناء؛ خرج عز من مكتبه وشاهد اصطحاب عاصم لزينب فعقد ما بين حاجبيه بغرابةٍ قد راودته، وتوجه بِخُطاه تلقائيًا نحو كاميليا الواقفة مُتسائلًا:
_ فيه حاجة ولا إيه؟
انتاب كاميليا الذُعر إثر سؤال عز المفاجئ فلم تشعر بوجوده، فخرجت نبرتها مُتلعثمة:
_ دي زينب بتعيط، والباشمهندس أخدها المكتب..
أثارت تلعثُم كلماتها مُضاعفة ريبة عز وقرر الإنضمام إلى إبنه وتلك الفتاة حتى يعلم حقيقة ما يحدث، تابع سيره حتى وقف أمام باب الغرفة وقام بالطرق عليها قبل ولوجه، انتبه عليه عاصم ورحبَ به:
_ أهلا يا بابا، اتفضل
اختلس عز نظرة عليهما فوجد كليهما جالسًا في مِقعدٍ غير الذي يجلس عليه الآخر، كان الأمر يبدوا طبيعيًا، فحاول اختلاق كذبة تُخْرِجه دون إثارة الشك حول مجيئه المفاجئ:
_ أنا كنت هطلب أكل ليا، فكنت هسألك لو عايز..
نفى عاصم بحركة من رأسه قبل أن يُردف بجدية:
_ لا أنا شبعان.. شكرًا
اكتفى عز بإيماءة من رأسه ثم ألقى نظرة أخيرة على زينب المُنكسة رأسها قبل مُغادرته المكتب، بينما عاود عاصم ببصره نحوها وتساءل:
_ ها، قوليلي مالك حد ضايقك؟ وبعدين أنتِ إيه اللي جابك مش الصبح اتفقنا تفضلي جنب مامتك!
وما أن ذكر والدتها حتى أجهشت زينب باكية، تفاجئ عاصم ببكائها وفشل في التعامل معه، نهض عن كرسيه واقترب منها مُحاولًا تصليح ما اقترفه:
_ ليه العياط؟ أنا قولت حاجة غلط؟
من بين بُكائها أجابته بصوتٍ مُتحشرج:
_ ماما وضعها بيسوء بسرعة غريبة، صعبانة عليا وقلبي واجعني عليها، صعب عليا أوي إنها متكنش عارفاني وخايفة مني.. عمي قاسم طلب مني إني أمشي من البيت لما شاف حالتي وملقتش مكان أروحه غير هنا..
كانت تُردف كلماتها وهي تفرك أصابع يديها وعينيها مُثبتة عليهم، بينما يقف عاصم مُشفقًا على وضعهم وما تعيشه، لكنه لم يدري ما عليه فعله للتخفيف عنها، سحب نفسًا عميق وعاود الجلوس مقابلها مُحاولًا إيجاد الكلمات:
_ أول مرة مبقاش عارف أقول إيه، المرض بالذات مش بكون قادر أواسي صاحبه لأنه خارج إرادتنا كلنا..
بس أنتِ لازم تكوني أقوى من كدا، يمكن هي مش فكراكي بس أنتِ بنتها الوحيدة، المفروض تكوني قوية عشان هي محتجاكي أنتِ
مسحت زينب عبراتها ونظرت في عينيه بآسى شديد قبل أن تُردد:
_ المشكلة إنها رافضة قُربي منها، هي مش فاكرة غير عبدالله، يعني حتى هي مش عارفة تفرق بين ملامحه وملامحي بس هي فاكرة اسمه، لكن مش فكراني خالص، أحيانًا بحس إني مليش وجود..
أسرع في خفض رأسها هاربة من نظراته وأضافت بنبرة مهزومة كمن هزمه جيشه:
_ أنا بقيت حاسة إني لوحدي، هو مش إحساس هو حقيقة..
تساقطت عبراتها وهي تفيض بمشاعرها، ثم انتبهت على وجودها، ومع من تُصرح بما تُخفيه داخل قلبها فأسرعت في مسح دموعها وقالت وهي تنهض عن مقعدها:
_ أنا آسفة إني دوشتك، أكيد حضرتك عندك حاجات تتعمل، بعد إذنك..
أسرع عاصم في الوقوف واللِحاق بها قبل مُغادرتها، حيث أنه أعاد إغلاق الباب التي فتحته للتو فتلامست يدهما دون قصدٍ، فسرت رجفة قوية في أوصال زينب التي أدارت رأسها وتفقدت عينيه التي كانت قريبة للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسه.
تغلغلت رائحة عِطره أنفها، كان وضعٍ مُريب سبب لها هياج في نبضات قلبها، فخشت أن يشعُر بها فتراجعت خُطوة إلى الخلف وأخفضت رأسها في حياء، بينما انتبه عاصم على نفسه وحاول تبرير رفضه لذهابها:
_ أنا اسف، بس متعودتش أسيب حد زعلان كدا، خليكي لما تحسي إنك كويسة وبعدين اخرجي..
_ شكرًا لحضرتك بس مش عايزة أزعجك..
هاتفها بحياءٍ فردد الآخر مازحًا:
_ إزعجيني ياستي هتيجي عليكي يعني..
رفعت زينب رأسها فجاة ورمقته مذهولة فهلل عاصم عاليًا:
_ بهزر، والله العظيم بهزر..
تشكلت الإبتسامة تلقائيًا على وجه زينب، فبادلها عاصم الإبتسام وقال:
_ بصراحة كدا أنا جوعت، تاكلي معايا؟
بحرجٍ رفضت:
_ لأ أنا تمام..
_ تمام ولا بتقولي كدا، مش عايز بطني توجعني وأنا باكل..
قالها مُمَازِحًا إياها فضحكت زينب وقالت مُختصرة:
_ لا بجد أنا تمام، مش جعانة..
_ احتياطي برده هطلب لك، عشان أضمن سلامتي..
هتفها بمرحٍ وهو يتجه نحو مِكتبه ليسحب الهاتف، ثم التفت بجسده وغمزها قبل أن يقول:
_ ها، هتطلبي إيه؟
وقبل أن ترفض أصرَّ عاصم:
_ نتكلم جد، كدا كدا هخصم لك تمنه من مرتبك
لم تكف زينب عن الضحك، ثم أخبرته لما تريد تناوله تحت ضغطٍ منه، عاودت الجلوس وكان هو المُتحدث الذي أسبق بالحديث:
_ بس كاميليا بتشكر لي فيكي أوي، بتقول إنك اتعلمتي بسرعة وتقدري تستلمي شغلك..
_ بس أنا هشتغل مع مين؟ يعني حضرتك معاك كاميليا ووالد حضرتك معاه سكرتيرة، أنا بقى ظروفي إيه؟
تساءلت بفضولٍ، فأخبرها عاصم عن قراره الذي اتخذه مؤخرًا:
_ أنا نويت أرقي كاميليا وأخليها تِمسك مدير الفرع التاني بتاعنا، وبكدا مكتبي هيكون محتاج سكرتيرة، وهتكون مين يا ترى سعيدة الحظ؟
بخجلٍ صريح أخفضت رأسها وهي تُجيبه:
_ أنا..
_ بالظبط..
هتفها عاصم، ثم جائه مُكالمة من رجل الأمن يُخبره بوصول الطعام، فأخبره بأن يجلبه له، وبعد مرور دقائق قليلة كان الطعام موضوعًا على الطاولة وأخذا كليهما يتناولان في صمتٍ ساد لِلحظات حتى قطعه عاصم بتأففه:
_ ليه بس كدا..
نظرت زينب إلى سُترته فوجدتها قد تلطخت بالكاتشب، فتركت ما بيدها وقالت وهي تقترب منه:
_ اعطيني أغسله بسرعة وأرجعه لحضرتك..
رفض عاصم مُعللًا:
_ لا لا مفيش داعي..
قاطعته زينب مُصرة:
_ مينفعش حضرتك تمشي كدا، متخافش مش هبوظه..
قالت آخر جُملتها مازحة، فما كان منه إلا أنه نهض وخلع عنه السُترة، ثم أعطاها إياها، فشهقت زينب بصدمة عندما وجدت قميصه الأبيض قد تلطخ أيضًا:
_ قميص حضرتك..
تفقد عاصم القميص ثم قلب عينيه باستياء، وقال:
_ يلا مجتش عليه..
زمت زينب شفتيها وقالت:
_ لو تسمح لي أخده هو كمان؟
أماء عاصم بقبولٍ وقام بخلع القميص أيضًا فظهر صدره بوضوحٍ لها فأسرعت في إخفاض رأسها بإستيحاء، فلم تتوقع أنه لا يوجد أسفله شيء، كادت تلتقط منه قميصه إلا أنه رفض قائلًا:
_ لا سبيلي حاجة أعملها، الإتنين كتير عليكي..
لم تُعارضه، فكان الخجل سيد الموقف، أسبق هو بِخُطاه نحو المِرحاض الخاص به ووقف يُحاول تنظيف البُقعة من القميص، جاورته زينب مُتحاشية النظر عنه، وأخذت تُنظف البقعة حتى نجحت في إزالتها، بينما صاح عاصم عاليًا:
_ مطلعتش من القميص..
_ ممكن حضرتك تعطيهولي..
قالتها ثم تناولت منه القميص وقلبها ينبض بقوة، فكان ذلك وضعًا يُشعرها بالإرتباك ويُضاعف خجلها، فشلت في إخراج البُقعة وعللت ذلك:
_ القميص محتاج حاجة تساعده ينضف، الغسيل اليدوي مش نافع..
أجبرت عينيها على التطلع في عينيه وتساءلت بفضول:
_ حضرتك هتعمل إيه؟
_ ولا حاجة، هلبس غيره.
قالها وانسحب من المِرحاض، فلحقت به وهي تجهل أين هو ذاهب، تجمَّدت مكانها عندما فتح خزانة لديه تحتوي على العديد من القميصان وبعض الملابس الأخرى، فغرت فاها بذهولٍ وتابعته حتى انتقى واحدًا من بينهم ثم قام بارتدائه.
فازدادت غرابتها منه، فإن كان يمتلك ملابس أخرى لماذا فعل ذلك؟ لماذا وافق على خلع ملابسه وظهوره بجسدٍ عاري أمامها؟ حتمًا هناك أمرًا حول فِعلته.
لم تُفضل زينب المكوث لأكثر وقالت وهي تُلَملم أشيائها:
_ أنا هخرج، عن إذنك
لم تُعطيه فرصة الرفض وقامت بالخروج على الفور، بينما نظر عاصم إلى الباب التي خرجت منه للتو، وزفر أنفاسه ثم تابع ارتداء ملابسه.
***
حل المساء؛ عاد زكريا إلى المنزل حاملًا باقة من الزُهور الرائعة ذات الرائحة العطرة الذكية، وبيده الأخرى حقيبة من القماش قام بطلبها خِصيصًا لتحتوي ذِكرياتًا لهما.
بحث بعينه عن ليلى فلم يجدها، فخشى أن تكون نفذت ما تريد وتركت المنزل، فوضع ما في يده على الطاولة وركض باحثًا عنها، فاستمع إلى صوتٍ خلف باب المرحاض، فزفر أنفاسه بطمأنينة لعدم ذهابها.
ثم خرج وقام بحمل الباقة ثانيةً، ووقف في انتظار خروجها، مرت دقيقة حتى ظهرت هي وتفاجئت بعودته، وعلى الرغم من انجذاب عينيها على الزهور التي حازت على إعجابها لكنها لم تُظهر.
اقترب منها زكريا وشكَّل بسمةً على محياه، قائلًا بصوتٍ رخيم:
_ أنا آسف، وشكرًا إنك فضلتي موجودة، لأنك مينفعش تمشي، أنا حياتي من غيرك ضلمة..
ابتسمت ليلى في وجهه، فخفق قلبِه فرحًا لكن سُرعان ما اختفت ابتسامته عندما قالت:
_ أنت قعدتني عشان الكلمتين دول؟
كنت تقدر تقولهم في الموبايل بدل ما تكلف نفسك..
قالتها وهي تُشير بعينها إلى الزهور، فبهتَ وجه زكريا وشحب، أسقط باقة الزهور الذي كان مُمسِكًا بها، ثم وضعها على الطاولة، وأخذ الحقيبة القُماشية وقال:
_ الألبوم دا أنا طلبته مخصوص ليكي، يمكن يفكرك باللي بينا ويخليكي ترضي عني..
قلبت ليلى عينيها بفتورٍ، فأصرَّ زكريا على أخذها للألبوم، فتناولته منه ثم اتجهت إلى الأريكة وأخذت تُقلب من صفحاته، نجحت تلك الصور في جعل قلبها يتأثر، عندما أعادت إليها ذاكرتها كل تلك الذكريات التي عاشاها سويًا.
انتقى زكريا من الذكريات أجملهم والتي عَلِمَ أنها سَتُفِيده، جلس إلى جوارها وأشار إلى إحدى الصور وأردف:
_ يوم قرى فاتحتنا، اليوم اللي كنت مستنيه بقالي شهور، ومكنتش مصدق نفسي لما وافقتي.. شوفتي كنت فرحان بيكي إزاي؟!
لم تُبدي ليلى رد فِعل رغم تعاطُفِها لتلك الذكرى، فأشار زكريا إلى صورة أخرى وأردف:
_ ودي كانت أول مرة أقولك فيها بحبك، أول اعتراف خرج من قلبي وكان بجد، كنت أول مرة أعرف يعني إيه حُب وتفهم كلمة بحبك وأعيشها كان معاكي!
انتقل زكريا إلى الصفحة التالية، فضحك وهو يُشِير إلى ذلك الجواب الذي يحتوي على كلِماتٍ قد كتبها خِصيصًا من أجلها:
_ أول جواب أكتبه عشان عرفت إنك بتحبي الحاجات دي.. فاكرة كنت كاتب فيه إيه؟
لم ترد، فتابع هو بسخرية:
_ كنت كاتب لك،
يا حبيبتي...
أنتِ اللغةُ التي لم يتعلّمها أحد،
والقصيدةُ التي تُتلى بلا كتاب،
أنتِ أنوثةُ الورد حين يتفتّح،
وموسيقى المطر على نوافذ الغياب...
أحبكِ،
كما يُحب البحرُ أسراره،
وكما يعانق العطرُ وردته،
وكما يكتشف الطفلُ الحكايةَ لأول مرة
_ وكانت المفاجأة إنك عارفة شِعر نزار قباني، وقفشتيني وقتها..
قهقه زكريا على تذكُره لتلك الذِكرى، لم تستطع ليلى منع ابتسامتها التي جاهدت لعدم ظهورها، لكنها عاشت تلك اللحظة ثانيةً فلم تنجح في إخفاء شعورها.
وعندما رآها زكريا تبتسم شعر أن الجليد قد بدأ في الذوبان، فرفع رأسها بيده وأرغمها على النظر إليه، ثم ملَّس بيده على خُصلات شعرها واقترب من وجهها هامِسًا برجاء:
_ عشان خاطر الذكريات الحلوة اللي بينا، خلينا نبدأ من جديد، وحشتيني يا ليلى، وحشني حضنك، وحشني أحس إنك بتحبيني...
كاد يُقبل ثِغرها الذي يشتاق إليهما، لكنها قد وضعت يدها على فمه مانِعة اقترابه، فنظر إليها مُعاتبًا، فهمست:
_ الذكريات دي مخلتنيش أنسى اللي حصل، بالعكس خلتني أزعل أكتر إنها هانت عليك، هان كل لحظاتنا الحلوة وحُبنا، وقدرت تِخُوني..
تعَالت وتيرة أنفاسها وهي تُجاهد نفسها بألا تبكي، ثم تمتمت أمام شفتيه:
_ طلقني يا زكريا...
جن جنون الآخر وهب واقفًا رافضًا تلبية طلبها:
_ برده يا ليلى! أعمل لك إيه عشان متقوليش الكلمة دي؟
طلاق مش هيحصل، افهمي كدا!!
بلغت ليلى ذُروة تحمُلها ونهضت هاتفة بحنقٍ ساحِق:
_ هتجبرني أعيش معاك؟ مش أنت اللي قولت لي وقت ما غضبك يهدى هنتكلم، وأديني صبرت وهديت، وأنا دلوقتي بقولك مش قادرة أعيش معاك بعد اللي حصل..
دنا منها زكريا ثم وضع يده على موضِع قلبها وهمس بألمٍ:
_ قلبك مش قادر يغفر لي الغلطة دي ليه؟ كرهتيني للدرجة دي؟
تراجعت ليلى للخلف وصاحت مُنفعلة وهي توليه ظهرها:
_ لو على قلبي فهو للأسف لسه بيحبك ولسه بيتأثر بيك، بس القلب والحُب مش صح دايمًا، أنا معتش هعرف أثق فيك، معتش هعرف أحط راسي على المخدة جنبك وأنا شاكة إنك ممكن تكون بتكلم غيري..
استدارت بجسدِها نحوه وأضافت بتهكمٍ وثقة مُنعدمة:
_ أصل يعني إيه اللي يخليني أطمن لك تاني؟ ما أنا كنت مطمنة لك وواثقة فيك وأنت في المُقابل عملت إيه؟
خونت!
طب ليه متعملهاش تاني؟ إيه اللي يمنعك يعني؟ مكنش عندك دوافع تغلط وغلطت، فإيه بقى اللي يأكدلي إن متكررهاش تاني؟
_ أنا أهو واقف قدامك بأكد لك إني مش هكررها تاني...
لم يُنهِيها بعد فقاطعته ليلى مُعنفة:
_ ما هو أنا أصلًا معتش بثق في كلامك عشان أخده عهد إنك متغلطش..
صمت زكريا عندما أخرسته بكلماتها القاسية، فأغمض عينيه عندما انتابه حالة من التِيه والضَيَاع، وأخذ يتنفس بصوتٍ مسموع، ثم أعاد فتح عينيه وقال بهدوءٍ مريب:
_ أنتِ إيه اللي يرضيكي؟
_ إننا نتطلق!
هتفتها دون تفكيرٍ، فابتلع الآخر ريقه وهتف:
_ حتى لو أنا لسه عايزك ومتعلق بأي أمل يرجعنا لبعض
أشاحت ليلى بصرها عنه حتى لا تتأثر بنبرته المكلومة وكلماته التي آلمت قلبها وردّت:
_ مش لازم كل حاجة تكون أنت عايزها تحصل، دي مُنتهى الأنانية، لو بتحبني بجد اعمل لي اللي أنا عايزاه..
اقترب زكريا منها وأرغمها على النظر إليه بعيون لامعة تُهدد بالبكاء:
_ متأكدة من قرارك؟
صمتت ليلى لبُرهة فلقد اهتز كيانها، كان هناك تناقضًا يشتت قرارها تلك اللحظة، شتان بين قلبها الذي يتمنى لو أن تُلقِي بنفسها بين ذراعيه وتُخبره بأن الأمر انتهى، وبين عقلها الذي يود الإنفصال عنه بعد عيش خسارتها لجنينها وآمانها من خلفه.
أغمضت عينيها لِلحظة مُحاولة طرد ذلك الصوت من عقلها حتى تتخذ قرارًا صائبًا فلا تعود نادمة لاحقًا، استغل زكريا ذلك الضعف وحاول كسب استعطافها، فجذبها بهدوءٍ إلى صدره بشوقٍ حار لكل أنشٍ بها، لكنها لم تستكين مُدة طويلة، بل تراجعت على الفور وهي تُردد:
_ مش قادرة.. خلصني بقى وقولها
_ يا ليلى..
نطق حروف إسمها متوسلًا بأن تصرف نظر عن ذلك الإنفصال لكنها أصرَّت:
_ يلا يا زكريا.. قولها بقى
انهمرت دموعه وتساقطت حُزنًا، كانت شفتيه تتحرك دون استطاعته على نُطقِها، فكانت كلمة ثقيلة ترفُضها جميع خلاياه، لكنه كان مغلوبٌ على أمره وتحت إصرارٍ منها همس:
_ أنتِ طالق!
