اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الاربعون 40 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الاربعون 40 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الأربعون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

كانت غافية مُستندة برأسها على نافذة السيارة؛ وصل قاسم بيت المزرعة وصف سيارته ثم تفقد أحلام وحاول إيقاظها بهدوءٍ كي لا يُسبب لها الذعر:
_ أحلام، فوقي يا حبيبتي إحنا وصلنا..

لم تستجيب له فعاود ندائها بنبرةً أعلى:
_ أحلام، إصحي يا حبيبتي وصلنا..

النتيجة نفسها، دون جدوى، فتدخلت زينب من الخلف وهزتها برفقٍ مُرددة:
_ قومي يا ماما، كل دا نوم..

تلك الأثناء؛ انتاب أحلام نوبة ذعر عندما استيقظت فجأة وتفقدت ملامح قاسم المجاور لها وهتفت برعبٍ مُشكل على تقاسيمها:
_ عبدالله، فين عبدالله؟

تعجب قاسم من حالتها، وخِصيصًا خوفها المُبالغ، فلم يفتعلا شيئًا يستدعي كل ذلك الخوف تنهد وأجابها في محاولة منه أن يُطمئها:
_ اهدي متخافيش، عبدالله كويس..

_ عايزاه، خلوه يجي دلوقتي..
هتفتها بأسلوبٍ قد آثار القلق داخل قاسم الذي مد يده ليُطمْئِن قلبها بلمسته، فنفرت منه أحلام وتراجعت بجسدها قدر استطاعتها حتى لا يلمسها وهللت في هلع:
_ عايزة عبدالله، هاتولي عبدالله..

تبادل قاسم النظرات المُرتابة مع زينب التي تتطلع على والدتها بقلقٍ وشعور من الخوف ثم رددت:
_ مالك يا ماما، إحنا معاكي وجنبك..

_ عبدالله...
هتفتها ثم ترجلت من السيارة باحثه عنه، فركضا خلفها في حالة هلع مما أصابها، فهتف قاسم وهو يقوم بالإتصال على عبدالله:
_ بكلمه عشان يجي، اهدي..

توقفت أحلام ثم ظلت تتطلع في قاسم الذي تحدث عبر الهاتف:
_ أنت فين يا عبدالله؟

وما كاد يردف سؤاله حتى هرولت نحوه أحلام وقامت بسحب الهاتف من يده وصاحت بخوفٍ:
_ عبدالله، تعالى، أنت مش جنبي ليه؟

تملك من عبدالله القلق والريبة، وحاول طمأنتها بكلماته:
_ حاضر يا حبيبتي هجيلك على طول، أنتِ كويسة طيب؟

_ هكون كويسة لما تيجي.. متتأخرش
هتفتها بلهفةٍ، فأكد عبدالله مجيئه على الفور، فأبعدت أحلام الهاتف عن أذنها وأعادته إلى قاسم، ثم أولاتهما ظهرها وتوجهت إلى البيت، فنظر قاسم إلى زينب التي قابلته بنظراتٍ مرتعدة، ثم تَبِعَاها حتى توقفت أحلام ورفضت الدخول فتحدث قاسم:
_ ادخلي يا حبيبتي استنيه جوا البيت

آبت أحلام الإستماع إليه؛ وجلست أمام الباب، ثم احتضنت قدميها أمام صدرها وظلت تُحرك جسدها للأمام وإلى الخلف ثم ردت بإصرارٍ:
_ هستناه هنا..

كانا الآخرين يتعاملان مع تصرفها بريبة وخوفٍ سكن قلبهما، اهتز رنين زينب والذي أخرجها من حالتها فابتعدت عنهما ثم أجابت على الإتصال:
_ إيه يا عبدالله..

_ هو فيه إيه؟ ماما مالها؟
تساءل بصوتٍ الخوف والقلق فيه صريحان، فألقت زينب نظرةً على والدتها قبل أن تُخبره ما حدث:
_ مش عارفة، هي كانت نايمة في العربية وإحنا راجعين، ولما صحيت كانت خايفة وفضلت تنادي عليك وعايزاك، عشان كدا عمي قاسم كلمك، وهي حاليًا قاعدة قدام الباب مش راضية تدخل غير لما أنت تيجي..

تنفست بعض الهواء وقد اهتزت نبرتها وهي تُضيف:
_ عبدالله تعالى بسرعة، أنا خايفة أوي، أول مرة أشوفها كدا!

_ أنا جاي على طول، المهم خليكي جنبها
قالها ثم أنهى الإتصال وقام بعمل اتصالًا آخر، تحدث فور إجابة الطرف الآخر:
_ ايه يا وليد، روحت المركز ولا لسه؟

_ لسه، أنا بلبس ونازل..
أخبره وليد وهو يُمشط خُصلات شعره؛ فواصل عبدالله إخباره بما يريد:
_ طب على السريع كدا، عشان أنا مش عارف هروح امتى، يبقى حد موجود هناك..

_ تمام..
اكتفى بترديدها بينما أنهى عبدالله الإتصال في الحال، ثم دعس على البنزين ليزيد من سرعته كي يصل في وقتٍ وجيز، على الجانب الآخر؛ خرج وليد من بيته مُسرعًا، اهتز هاتفه مُعلنا عن اتصالاً، فقام بالرد عندما وجده زكريا:
_ استر يارب

_ روحت المركز ولا لسه؟
تساءل مُستفسرًا فأجابه الآخر بتهكمٍ:
_ هو إيه السؤال اللي كله بيساله دا؟
لا لسه موصلتش، أنا لسه نازل على السلم

_ طب تمام، عشان أنا هتأخر، أو بص ممكن مجيش..
قالها زكريا بجدية، فهتف وليد مستاءً:
_ أنت وصاحبك مش جاين، واضح إني هلبس الشغلانة دي لوحدي..

باستهزاءٍ لحديثه علق زكريا:
_ هتلبس إيه أومال لو مكنش شغال تحت ايدك اكتر من ١٠٠ واحد في المكان؟ دا أنت يدوب هتشرف بس بروح أمك

_ روح أمي!! انا مش هرد عليك عشان أنا روح أمي فعلًشا
قالها وليد بتهكمٍ مازح ثم أضاف ساخرًا:
_ طبعًا أنت فاتك قاعد تحت رجليها وعمال تقولها مولاتي أنا بطاطا تحت رجليكي!

_ بطاطا!! لا البطاطا دي عزة اللي بتعملهالك عشان تدفى يا حيلتها..
عقب زكريا بوقاحة، فلم يُمرق وليد الأمر دون وضع وقاحته أيضًا:
_ ماشي يا ابن هناء، روح طاطي يلا، مش فاضي لك

قهقه وليد بمُزاحٍ ثم أنهى الإتصال على الفور قبل أن ينال وقاحة أخرى، تلك الأثناء كان قد تخطَّى وليد شقة عمه ولم يلاحظ من فتحت الباب لتلحق به، عبست ملامح خلود بضيقٍ عندما لم ينتبه عليها وغادر ثم عاودت الدخول ونظرت إلى الهاتف الذي بين يديها ورددت بغيظٍ:
_ نازل ولا كلمني ولا حتى شافني، ماشي يا وليد شوف مين اللي هيعبرك النهاردة!

***

_ أحسن قرار أخدته يا حبيبي، يمكن قلبك واجعك حاليًا بس مع الوقت هتعرف إنك عملت الأصح ليك..
قالتها نهال وهي تربُت على ظهر عاصم بحنانٍ، بينما كان الآخر مُنكس الرأس لا يتجاوب معها، فحزنت نهال لحاله ونظرت إلى عز الذي يُجَاورهم وأشارت إليه بأن يتحدث فصاح الآخر بحنقٍ:
_ إيه؟ عايزاني أقول إيه، الواحد حاسس إنه في لعبة، فجأة يلا عايز أتجوز وفجأة أنا طلقت، أنا مش لاقي كلام أقوله، ابنك تقريبًا فاكر نفسه كبر لدرجة القرارت بقى حتى مش بيعرفنا بيها!!

انتفض عز من مكانه وغادرهم دون إضافة المزيد، فعضت نهال على شفاها السُفلية بضيقٍ وخزي من انفعال زوجها، عاودت النظر إلى عاصم وحاولت التخفيف من عليه:
_ دلوقتي يهدى ويجي يتكلم معاك..

أزاح عاصم يدها عنه ثم نهض وهو يُردد:
_ مش عايز حد يتكلم معايا في حاجة..

ثم مشى مُتجِهًا إلى الباب فرفعت نهال صوتها وهي تتساءل باهتمامٍ:
_ رايح فين؟

أجابها بإقتضابٍ:
_ رايح الشركة، وعلى العموم أنا هقعد في بيت المزرعة شوية، متستنونيش..

قالها وفر هاربًا من البيت؛ فزفرت نهال أنفاسها بضيقٍ شديد ثم نظرت إلى ڤاليا الشاردة وسألتها بفضولٍ:
_ مالك أنتِ كمان؟

انتبهت عليها ڤاليا وردّت بتِيه:
_ مش مصدقة اللي حصل مع آدم، معقول هو عمل كدا فعلًا؟ بحاول استوعب إن الإنسان اللي كان لطيف و gentleman وقتها نفسه الشخص المحبوس دلوقتي في قضية تحريض!!
ومين؟ صبا اللي كانت مرات عاصم اللي كانت حبيبة عبدالله!
مامي أنتِ مستوعبة كم الحاجات اللي عرفناها فجأة دي؟
سألتها بجدية فتراجعت نهال بظهرها إلى الخلف واستندت على الأريكة، ثم أخرجت تنيهدة مُطولة قبل أن تُردف:
_ ودي حاجات تتصدق دي، دا لازم فترة على لما نعرف نستوعبها وخصوصًا إنها كلها مع بعض كدا.. بس بجد آدم آخر حد أتوقع منه حاجة زي دي، الحمدلله إننا بعدنا عنه قبل الموضوع دا بدل ما كانت تبقى فضيحة..

استنكرت ڤاليا آخر كلماتها، ثم نظرت إلى الفراغ أمامها وداخلها يُخبرها بِثَمة شيئًا خاطئ، حتمًا هناك ما تجهله، لا يصدق عقلها ما يحدث، وربما عليها معرفته، لكن كيف؟ لا تدري..

****

وصل عبدالله في وقتٍ وجيز، ترجل من السيارة سريعًا وهرول نحو والدته الجالسه أرضًا خارج البيت، جسى أمامها وهو يتساءل بلهفةٍ:
_ مالك يا حبيبتي؟

لم تُجيبه بالكلمات؛ بل قامت باحتصانه وشدّت بقوة على ظهره وكأنها تهرب من شيءٍ يُخيفها، وعلى الرغم من شُعور عبدالله بالألم إلا أنه تركها تفعل ما تريد ربما تطمئن هكذا.

كان قاسم واقفًا خلفهما يُتابع ما يحدُث بريبة، يشعر بشعورٍ سيء داخله، لكن لا يدري ماهو، لم تكن زينب أقل منه سيئًا، فكليهما ينتباهما شعور الخوف من الفقد.

تراجعت أحلام للخلف لكنها ظلت مُمسِكة في قميص عبدالله وقالت:
_ عايزة أنام، وصلني لاوضتي..

_ من عنيا يا نور عيني..
هتفها عبدالله بحنانٍ ثم نهض وساعدها على النهوض، ولج البيت وصعدا الدرج حتى بلغ معها الغرفة، ثم ساعدها على الإستلقاء ولم يكاد يستقيم في وقفته حتى صاحت أحلام برعبٍ:
_ متسبنيش، خليك جنبي..

جلس عبدالله جوارها وأمسك يدها ليبُث فيها الطمأنينة وقال بصوتٍ رخيم:
_ أنا جنبك أهو، مش هبعد عنك متخافيش...

لم تطمئن أحلام لكلماته، ولألا يذهب قامت بِمُحاوطته بذراعيها؛ فأخذ عبدالله يُمسد على رأسها، ثم راودته فكرةً وأراد فِعلها مُتلِهفًا:
_ إيه رأيك نقرأ مع بعض قرأن، زي ما كنا بنقرا سوا لما كنت بخاف أنام لوحدي وأنا صغير؟

أماءت له بالقبول فبدأ يتلوا بصوتٍ هادئ:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم....

صمت عبدالله عندما وجدها مُستكينة لا تنبس بحرفٍ، فتفقد ملامحها ثم سألها:
_ مش بتقولي معايا ليه يا أحلام؟

رفعت أحلام رأسها ونظرت إليه وأردفت بتُيه:
_ مش فاكرة، هو إحنا كنا بنقول اللي بتقوله دا؟

صعق عبدالله مما قالته؛ نظرها إليه مذهولًا، وكلماتها تتردد في عقله، كان قلبه يخفق بخوفٍ شديد، كان صعبًا للغاية ما هي مُقبلة عليه، لن يتحمل، ستنهار حصونه كلما ساء الوضع، فماذا هو بفاعل؟

جهل التصرف لحظتها؛ فنظر إلى زينب الواقفة، فوجدها تكتم بكائها بيدها، محاولة ألا تنهار أمامهما، لكنها فشلت فركضت إلى الخارج هاربة، وباتت الغرفة خالية إلا من عبدالله ووالدته فتلبس عبدالله لباس القوة الزائفة مُجاهدًا حزنه وأخذ يُردد بنبرة مهزوزة:
_ قولي ورايا يا حبيبتي..
' بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم صراط أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين'

كانت أحلام تُردد خلفه كطفلاٍ في بداية عمره يتعلم تلاوة القرآن، فخارت قوة عبدالله على التماسك وأجهش في البُكاء تأثُرًا بما تمُر به والدته، فتعجبت الأخرى من بكائه وسألته بصوتٍ حزين:
_ مالك، بتعيط ليه؟

لم يتحلى بالشجاعة للرد عليها، بل أسدل رأسه عليها وأخذ يُقبل وجهها ورأسها وأيضًا يديها، وهي في حالة ذهول مما يفعله، لا تعي ما يحدث، لكنها كانت هادئة لم ترفضه.

في الخارج؛ كان قاسم ينهي اتصاله الذي يُجريه منذ فترة:
_ اتصرف يا صادق، أنا لازم أقابل آدم النهاردة، بأي تمن لازم أشوفه.. سلام دلوقتي ولو فيه جديد بلغني

أنهى الإتصال ثم اقترب من زينب التي رآها تهرول راكضة من الغرفة مُتسائلًا بتوجسٍ:
_ مالك يا زينب بتجري كدا ليه؟ أحلام جرى لها حاجة؟

نفت بحركة من رأسها وأخبرته ما حدث للتو:
_ عبدالله كان بيقرا لها سورة الفاتحة وهي مش عارفة إيه دي، ماما نسيتها

وما أن أنهت إخباره حتى إزداد نحيبها وركضت هاربة من أمامه، فوجه قاسم بصره على باب الغرفة بصدمةٍ حلت على وجهه وردد:
_ اللهم اربط على قلبي، وامنحني قوة الرضا بما قدّرت، وحسن التسليم لما قضيت
اللهم اجرني في مصيبتي...

ثم دلف الغرفة بِخُطُوات عرجاء، فوجد عبدالله في حالٍ يرثى له، تمالك حاله وتوجه نحوه وهمس:
_ سيبهالي وروح شوف شغلك..

تلك الأثناء صدح صراخ أحلام في الأرجاء وشدّت على قميص عبدالله بقوة مانعة إياه من النهوض وهتفت:
_ متسبنيش يا عبدالله..

شدَّ عبدالله علي يدها الموضوعة عليه وهتف من بين بكائه:
_ مش هسيبك والله يا حبيبتي، متخافيش، نامي واطمني، انا جنبك..

نظرت أحلام إلى قاسم بخوفٍ شديد، كأنها تجهل من يكون، فلم يتخطَّى قاسم ذلك وقام بالخروج على الفور من البيت محاولًا التقاط أنفاسه في الخارج وكذلك جاهد لتعليم قلبه الصبر على مصابه.

***

بعد مرور بِضعة ساعات؛ استطاع صادق تلبية أمر قاسم، وأتى له بزيارة سريعة ليرى آدم، وقف قاسم في مكتب المأمور لا يرفع نظريه عن الباب، يعُدُ بداخله الثوانِ حتى يلقاه، يرتجف داخله بشكل لا يوصف.

يجهل التعامل في مثل تلك المواقف، لا يدري ما عليه فِعله عند رؤيته، فقط ظل ينظر حيث الباب حتى فُتح فخفق قلبه بعنفٍ واهتزت أوصاله، ولج آدم برفقة عسكري، كانت خُطُواته شامخة، رأسه مرفوع لا ينحني، يسير كملكٍ يتجول في امبراطوريته.

نهض الضابط عن كرسيه وقال:
_ هسيبكم خمس دقايق، مش أكتر من كدا..

انسحب على الفور وكذلك العسكري، بينما باتت الغرفة خالية إلا من قاسم وآدم اللذان يتطلعان في بعضهما دون حديث، انهارت حصون قاسم على التماسك وقام بجذب آدم إلى صدره وعانقه بقوةٍ كما لم يفعلها معه من قبل.

كان آدم مُتفاجئًا بتصرف والده، فلم يتوقع رد فعلٍ حميمي كهذا بعد تصرفات والده الأخيرة معه، وما زاد غرابته بكاء قاسم الذي يقطعه بعض الشهقات القوية.

فقام آدم بِمُحاوطة أبيه بيديه وحاول تهدئته:
_ إهدى يا بابا، أنا كويس.. متخافش عليا

تراجع قاسم للخلف وتفقد المكان حولهما وصاح:
_ يعز عليا أشوفك في مكان زي دا، قلبي واجعني عليك يا بني وطول الوقت بلومك في عقلي إزاي تعمل كدا، وبلوم نفسي إزاي قدرت ادخلك هنا بإيديا، بس في كل الحالات دا الصح، دا اللي المفروض يحصل
كلام بصبر بيه نفسي عشان مش قادر اتخطَّى فكرة وجودك هنا وأنا برا عايش حياتي!
حرام عليك يا آدم، حرام عليك نفسك وأبوك يابني ..
ليه تحطنا في موقف زي دا؟

أخذ آدم نفسًا وأخرجه بقوة وردَّ بثباتٍ:
_ بلاش كلام يا بابا، الكلام مش هيزود لنا غير وجع وبس، أنا غلطت وبتحاسب وأنا متحمل تمن غلطتي وراضي
وعمومًا هنا مش وحش أوي يعني، بالعكس فرصة أعيد فيها تأهيل نفسي
ولو على خوفك عليا؛ فاطمن كل زمايلي موصين عليا وبتعامل أحسن معاملة من وقت ما وصلت...

رفع آدم يده وربتَّ على ذراع والده، وهتف مُضيفًا:
_ اقعد يا بابا..

توجه آدم إلى الكُرسي وجلس، وكذلك فعل قاسم، ثم قام بفتح أحد الشنط البلاستيكية التي معه ففاحت رائحة الطعام المُفضل لآدم، وأكلته عينيه قبل معدته التي طالبت به على عجالة.

ثم أخذ قاسم يُطعم آدم بيده فرفض الآخر قائلًا:
_ هاكل أنا..

بإصرارٍ واضح في عيني قاسم هتف:
_ لأ أنا اللي هأكلك بإيدي، مش عايز اعتراض..

استسلم له آدم إن كان هذا سُيُرِيحه، وأخذ ب
يتناول من يديه الطعام حتى امتلأت معدته فتراجع للخلف مرددًا:
_ شبعت الحمد لله..

فتوقف قاسم وأشار إلى بقية الشنط وهتف بصوتٍ أجش:
_ الشنط دي فيها كل حاجة أنت بتحبها، يخلصوا بس وهجيب لك غيرهم، أي حاجة عايزها قولها لأي عسكري أو بلغ بيها المأمور وتبقى تحت رجليك في وقتها، إوعى يكون نفسك في حاجة ومتقوليش يا آدم!

ابتسم له الآخر وقد تبخر تماسكه أمام قاسم وخارت قوته الذي يتلبسها، وأجهش باكيًا، فلم يتحمل قاسم بكائه ونهض سريعًا وقام بتقبيل رأسه وتقديم اعتذاراً على ماهو فيه:
_ أنا آسف يابني.. سامحني

ودون مجهودٍ قام آدم باحتضان والده كطفلاٍ تائه وجد مآواه للتو، ثم تذكر شيئًا، فهتف مُطالبًا به:
_ أنا عايز منك طلب يا بابا...

تراجع قاسم للخلف قليلًا وتساءل بلهفةٍ:
_ إيه يا حبيبي، اطلب أي حاجة

أخرج آدم تنهيدة أولًا قبل إخباره، فلن يكون سهلًا على والده سماع ما يريد، حمحم آدم ثم قال بترددٍ:
_ عايز أشوف ڤاليا، خليها تيجي لي هنا، محتاج أتكلم معاها..

كانت مُفاجئة ثقيلة على قاسم الذي أطال النظر به قبل أن يُبدي استيائه:
_ أجيب البنت هنا بأي حق؟ يعني هي لا بقت خطيبتك ولا حتى عز ممكن يوافق، ممكن إيه، دا استحالة يوافق على حاجة زي دي..

نهض آدم ووقف مُقابل قاسم وتوسله:
_ عشان خاطري يا بابا، حاول مرة واحدة، يمكن يوافقوا، أنا متأكد إنها لو عرفت إني عايز أقابلها هي هتقبل وهتيجي..

_ بس يابني..
كاد يعترض إلا أن آدم أظهر تمسُكه بذلك الطلب:
_ عشان خاطري حاول..

تلك الأثناء طُرق الباب فابتعد قاسم بهدوءٍ عنه لكنه لم يُبعد عينيه من عليه ثم ولج المأمور وقال بهيبة:
_ كفاية كدا يا قاسم بيه..

اكتفى قاسم بهز رأسه فأمر المأمور العسكري قائلًا:
_ خد آدم بيه يابني على الحجز..

نظر آدم في وجه أبيه وابتسم ثم سار إلى جوار العسكري تحت نظرات قاسم المُتابعة له بحسرة، وقلبٍ ينفطر حُزنًا على وضعه الذي بات فيه، أخرج زفيرًا قبل أن يستدير إلى المأمور ويُردف:
_ أي حاجة ابني محتاجها بلغوني على طول بعد إذنك..

_ طبعًا يا قاسم بيه، آدم بيه في عنينا
قالها الآخر فبث بعض الطمأنينة داخل قاسم الذي انسحب وغادر ذلك المكان الذي يُسبب له اختناقًا، وأخذ يُفكر بدقة كيفيفة تقديم طلب آدم لرؤية ڤاليا دون أن يفتعل مُشكلةً مع صديقه.

***

صف سيارته أمام الفيلا، وقع في حيرة بين عقله وقلبه، عقله يُخبره بأن الدخول إلى تلك الفيلا غير صائبًا وسَيقُوده إلى المشاكل، وبين قلبه الذي يأمره بفعلها مهما كان الثمن من أجل إبنه ذلك السجين بين جدران خالية من الروح.

وفي النهاية فاز قلبه وحرَّك السيارة حتى بلغ حديقة الفيلا وقام بالنزول، فكان عز في استقباله عندما أعطاه رجل الأمن خبرًا بوجود قاسم.

صافحا بعضهما البعض ثم رحب به عز إلى الداخل، حمحم قاسم وبترددٍ وارتباك واضحين بدأ حديثه:
_ ممكن ڤاليا تكون حاضرة معانا يا عز...

قطب الآخر جبينه بغرابةٍ لطلبه، وازدادت التساؤلات داخله حول مجيئه المفاجئ، وبعد نظراتٍ طالت بينهما قام عز بالنداء على ابنته التي جاءت على استحياء، جلست بجوار أبيها بعد أن رحبت بقاسم.

بينا حمحم قاسم ثم تناوب بنظره بينهما قبل أن يفصح عما جاء لأجله:
_ والله مش عارف أبدأ كلامي منين..

قاطعه عز بقلقٍ:
_ اتكلم يا قاسم، قلقتني يا راجل

بصعوبة قابلها قاسم في البداية تحدث بخجلٍ واضح:
_ طبعًا أكيد عرفتوا اللي حصل لآدم..

نكس رأسه في خجلٍ صريح، ثم تابع وهو ينظر إلى ڤاليا:
_ آدم ابني طالب منكم طلب، عايز يشوف ڤاليا!!

كانت مفاجئة غير متوقعة بالنسبة لعز، بينما خفق قلب ڤاليا بشدة، وشعرت بالإرتباك يُسيطر على خلاياها، ابتلعت ريقها وحاولت الثبات قدر استطاعتها، على جانبها وقف عز وباستنكارٍ تام تحدث:
_ هو أنت مقتنع يا قاسم باللي بتطلبه دا؟
يعني أنت لو مش عارفني كنت قولت ماشي، لكن أنت حافظني وفاهم كويس قد إيه سُمعة ولادي درجة أولى عندي، ثم إن ڤاليا وآدم معتش بينهم اللي يخليه يطلب طلب زي دا!

لم يتفاجئ قاسم برده فعل عز؛ بل كان أقل مما توقعَهُ، أخذ قاسم نفسًا زفره بتهملٍ قبل أن ينهض، وقف مقابل عز وأردف بوقارٍ:
_ عارف إن طلبي مش منطقي، بس حُط نفسك مكاني، ابنك في أزمة وطلب منك طلب على ما قد ماهو سخيف بس أنت نفسك تعمله أي حاجة يمكن تهون عليه أزمته..

هز عز رأسه رافضًا وهو يُردد بنبرة حادة:
_ أزمته دي هو السبب فيها يا قاسم مش هنضحك على بعض، أنا من وقت ما عرفت وأنا بقول الحمد لله إن العلاقة انتهت من قبل ما المصيبة دي تحصل، أنا آسف يا صاحبي طلبك مرفوض، أنا لولا العشرة اللي بينا كبيرة كان هيكون ليا كلام تاني..

كان أسلوبه وكلماته ليست هينة بالمرة على قاسم الذي شعر بوخزة في قلبه، ود لو يهرب من أمامهما لكنه تريث لِيُحاول محاولة أخيرة قبل ذهابه، دنا من عز وبرجاء نطق كلماته:
_ وافق يا عز واعتبره عمل انساني، وبنتك هي بنتي، أكيد مش هعمل أي حاجة تِمسَّها بسوء، هاخدها في سرية وهرجعها من غير ما حد يلاحظ..

_ لأ يا قاسم، لأ يعني لأ صدقني كلامي مش هتغير أبدًا، بنتي متدخلش المكان دا نهائي، لو سحمت متصعبش الموضوع أكتر من كدا!
هتفها عز بانفعالٍ فنهى الحوار بينهما بذلك الأسلوب الفظ، فأطال قاسم النظر به ثم انسحب وغادر دون إضافة الكلمات، استقل سيارته وقد شعر بصدره يضيق شيئًا فشيء، فقام بفك بعض أزرار قميصه عله يشعر ببعض التحسُن، تحرك بالسيارة عندما فشل في استعادة رونقه وقرر العود إلى أحلام وينسى أمر ذلك الطلب فهو قدم مُحاولاتٍ قدر إمكانه.

في الداخل؛ وقفت ڤاليا تُتابع تحرُك قاسم بالسيارة وقلبها يخفق حُزنًا على وضعه، فلم تراه ضعيفًا كاليوم، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم انتبهت على كلمات أبيها المُنفعل:
_ معتش إلا رد السجون اللي نروح عنده كمان، قاسم شكله اتجنن!!

تألمت ڤاليا من وصف أبيها لآدم، فكان قاسيًا للغاية، نظرت إليه بآسى ثم صعدت إلى غرفتها وأخذت تُفكر بعض الوقت قبل أن تأخُذ قرارًا سيترتب عليه الكثير.

وعندما وصلت إلى قرارٍ يُرضيها قامت بعمل اتصالًا في الحال:
_ آونكل قاسم، أنا موافقة أقابل آدم بس من غير ما دادي يعرف..

رد قاسم من الطرف الآخر:
_ بس يابنتي والدك لو عرف هـ...

قاطعته ڤاليا حاسمة قرارها:
_ دادي مش هيعرف متقلقش، أنا هعرف أتصرف المهم عرفني امتى وأنا هاجي مع حضرتك..

بإبتسامةٍ مُمتنة لـ لُطفِها أردف قاسم:
_ تعرفي إن آدم قالي إنك هتوافقي تقابليه لما تعرفي إنه عايز يتكلم معاكي!

تفاجئت ڤاليا بما أخبرها به، حمحمت بحرجٍ فاستشف قاسم خجلها وأراد إنهاء الإتصال:
_ على العموم أنا وقت ما هاخد تصريح الزيارة هكلمك قبلها أعرفك، شكرًا يا بنتي..

_ تمام يا أونكل، Good night..
قالتها بِرقةٍ ثم أنهت الإتصال وجلست تتطلع في الفراغ أمامها تُفكر فيما يُريدها به آدم وكيفية الخروج من المنزل دون أن تُثير الشُكُوك حولها.

***

حل المساء؛ وقد اشتد الجوع على ليلى التي ترفض طلب الطعام من زكريا، تأففت بضيق وهتفت بحنقٍ:
_ كان لازم تمشي يا سمر في الوقت دا، هفضل أنا جعانة كدا لغاية امتى؟

فتفاجئت ليلى برأس زكريا التي تميل من خلف جدار الغرفة فظهرت من خلال الباب وقال:
_ ما أنا بقالي ساعة بتحايل عليكي عشان تاكلي وأنتِ مش راضية!

انتاب ليلى لحظتها الخجل والتوتر، وصاحت عاليًا:
_ إيه ده، أنت إيه اللي موقفك هنا؟

_ واقف عشان لو احتجتي حاجة أسمعك..
قالها زكريا فأشاحت ليلى بنظرها عنه، فدلف هو الغرفة وهو يُردد:
_ عايزة تاكلي إيه؟ أطلب لك أكل؟ ولا أجيب الأكل المتبقي من الغدى؟ ولا نعمل جديد؟

تأففت الأخرى وصاحت ببغضٍ:
_ مش عايزة حاجة منك، أخرج برا

_ يعني مش هتاكلي؟
تساءل مُستفسرًا فهدرت بعد ليلى بنبرة حانقة:
_ زكريا أنا لو هموت من الجوع مش هاكل منك حاجة.. سيبني في حالي

هز زكريا رأسه مِرارًا ثم انسحب من الغرفة تحت نظراتها المُتابعة له، وما هي إلا ثوانٍ حتى عاد إليها، انحنى عليها ليحمل جسدها فصاحت ليلى بانفعال:
_ أنت بتعمل إيه؟ إياك تلمسني، إبعد..

لم يكترث لها زكريا وقام بحملِها فصرخت ليلى مُنفعلة:
_ أوف، نزلني بقولك..

بلا مبالاةٍ تحدث بنبرة باردة:
_ وطي صوتك يا ليلى إحنا في بيت عيلة!

_ أنت موديني فين؟
تساءلت وهي تُتَابع خروجه من الغرفة، فأجاب الآخر وهو يضعها على المقعد الذي وضعه في المطبخ:
_ لو صبر القاتل على المقتول مكنش اتقتل!

تفقدت ليلى بعينيها المكان حولها بإستياء شديد وهدرت:
_ جايبني المطبخ ليه؟

وقف زكريا أمامها وبحماسٍ ظهر على تقاسيمه أجابها:
_ هنطبخ حاجة، أنتِ عليكي تقوليلي بتتعمل إزاي وأنا هعمل.. اتفقنا

_ متفقناش..
قالتها بغيظ ثم أضافت بنفاذ صبر:
_ رجعني الأوضة...

دنا منها زكريا وبتوسلاٍ هتف:
_ خلاص يا ليلى عشان خاطري، بلاش الرفض دا!

تشدقت ساخرة وهي تُردد مستاءة:
_ ملكش خاطر عندي، وبعدين يعني إيه بلاش الرفض دا؟ أنت إزاي قادر تتعامل عادي ولا كأن أي حاجة حصلت؟

بصوتٍ يكسُوه الندم والرجاء أردف:
_ بحاول أكسبك من جديد...

هاجمته ليلى مُعنِفة، رافضة كلماته المسكينة:
_ لأ، أنت بس ضميرك واجعك أوي فعايز تريحُه بأي طريقة..

_ مش هنكر، وجع الضمير دا صعب أوي، أنا مش بعرف أنام وحتى لو غفلت خمس دقايق بيكون كابوس مش نوم، بس دا جزء بسيط، الجزء الأكبر والأهم إني أكسبك بجد يا ليلى، والله ندمان ونفسي تسامحيني ونبدأ من جديد..
هتف كلماته بنبرة يملؤها الندم مُتأملًا مُسامحتِها بينما صاحت ليلى عاليًا:
_ بدري أوي على الكلام دا..

مال زكريا برأسه ناظِرًا إليها بطرف عينيه وهو يستشف ما يوجد خلف كلماتها:
_ يعني أفهم من كلامك إنك هتسامحيني؟

رمقته ليلى باستنكارٍ، وأجابته على مضضٍ:
_ أنا مقولتش كدا، ودا مش قصد كلامي أبدًا، أنا قصدي إن لسه بدري على ما قدر أتعافى من اللي حصلي وعيشته ووقتها أقدر أخد قرار وغالبًا يعني هيكون الطـ...

قاطعها زكريا بعصبية مانعها من نطق تلك الكلمة:
_ مش هيحصل يا ليلى..

خرجت ليلى عن السيطرة وصامت بانفعالٍ تام:
_ هتقعدني جنبك غصب عني؟

هدأت نبرة زكريا ونظر في عينيها بتحدٍ وهو يُشير إلى قلبها بيده:
_ لما أحس منك فعلًا إنك مش عايزاني وقتها مقدرش أغصبك على حاجة، لكن دلوقتي أنتِ جواكي غضب مني، بس مش كُره يا ليلى، فيه فرق.. الغضب مع الوقت هيقل ويروح لكن الكُره مختلف!

_ ماهو أنا بكرهك!
هتفتها من بين أسنانها التي تحتك ببعضها؛ فهز الآخر رأسه بعدم تصديق وهو يُردف:
_ مش من قلبك، الكُره مش مجرد كلمة بتتقال، دا بيتحس في التصرفات والأسلوب..

تأففت ليلى بضجرٍ شديد وصاحت ببغضٍ:
_ أعمل لك إيه عشان تصدق إني مش قابلة أبص في وشك، كل ما بشوفك قدامي بفتكر إنك خُنتني!
وجعي بيزيد وبحس إني قرفانة منك لمجرد إنك مكنتش قابل حملي لغاية ما خسرته!
اللي أنا عايشة فيه مش بسهولة يقل زي ما أنت فاكر، ومش ممكن يتنسى أبدًا..

تبدلت نبرته وتحشرجت حتى شعرت ليلى أنه سينفجر باكيًا فصمتت واستمعت إلى كلماته المُتألمة:
_ حرَّمت، أقسم بالله حرَّمت، والله ما هتبطر تاني أبدًا، هحمد ربنا على نعمته..
وشيطان نفسي عمري ما هخليه يسيطر عليا تاني، بس أنتِ اديني فرصة نبدأ من جديد..

كانت عبرات ليلى حبيسة لا تُريد إخراجها حتى لا يتأمل من خلف تأثرها به، لكن انعكست على هيئة شهقاتٍ خرجت متقطعة مهزوزة، فأغمضت عينيها سريعًا حتى لا يراها، لكن هيهات لدموعها التي انسدلت وفضحت ما تحاول إخفائه هي.

فتحدثت بصوتٍ مهزوز لتُبعِدهُ عن سير حديثهما:
_ أنا جعانة..

لم يتوقع طلب كهذا الآن، لكن لها ما تريد، أطال النظر بها لبرهة قبل أن يُخرج تنهيدة مهمومة ثم خرج من الغرفة وقام بتسخين الطعام المُتبقي من الغداء، ثم وضعه في صينية وعاود بأدراجه إلى الغرفة.

وضعها جانبًا وكاد يجلس أمامها إلا أنها منعته قائلة:
_ حط الصينية على رجلي وأنا هاكل لوحدي..

_ مش هتعرفي..
لم يكاد يُبدي اعتراضه، حتى أصرّت هي دون أن تنظر إليه:
_ هاكل لوحدي، خلاص

أماء الآخر بقبول، ثم وضع الصينية على قدميها وانسحب من الغرفة، لكنه لم يبتعد كثيرًا، فكان يُراقب الوضع دون أن تشعر به، بدأت ليلى تتناول الطعام وقد وجدت صعوبة بسبب عدم رؤيتها جيدًا لما تفعله.

فاسبكت بعضًا على ملابسها، فتأففت بضجرٍ وتمتمت بنبرة حانقة:
_ أوف أوف، أنا هفضل كدا لغاية امتى...

قالتها ثم ألقت الملعقة بعصبية، فلم يتردد زكريا في الإنضمام إليها ثانيةً، فنكست رأسها في حياء ولم تستطع مُواجهته بعد رفضها له، فلم يلومها الآخر وقام بإبعاد الصينية عنها وقال بحسمٍ:
_ لازم تاخدي دوش...

قالها وقام بحملِها فلم تعترض، فكانت مُستنفرة من نفسها، تعلقت في رقبته مُتعمدة عدم النظر في عينيه، بينما توجه بها زكريا إلى المرحاض، وقد وضعها على حافة المغطس الرخامي، ثم جهز لها ما ستحتاجه أثناء استحمامها.

فتساءلت ليلى بخجلٍ:
_ الرقبة والجبس هنعمل فيهم إيه؟

أجابها وهو يُتابع تجهيز الأشياء:
_ هلفهم عشان ميجيش عليهم مية..

بعد فترة؛ كان قد أحاط زكريا قدمها ورقبتها بأغطية بلاستيكية ثم فتح صنبور المياه فانسدل أعلاها بعد أن أعدل جسدها لوضعية الإستحمام، كانت ليلى تُتَابعه بتأثرٍ وقلبٍ يخفق بشدة، لقد كان حنونًا حذِرًا في لمساته كي لا يؤلمها.

انتهى مما يفعله ثم قام بتجفيف جسدها وخصلاتها جيدًا، وأزاح عنها الأغطية ثم بعد ذلك قام بوضع المراهم الطبية أعلى الكدمات الزرقاء في جسدها وبالأخير ساعدها على ارتداء قميصًا قطني فضفاض حتى تكون أكثر راحة.

حملها بين ذراعيها وأعادها إلى الغرفة، ثم جلس خلفها يُمشط خصلاتها بنعومة وتركه يُكمل تجفيفه بنفسه، نهض وتفقد الطعام فوجده قد برد، فأخذه إلى المطبخ وعاد تسخينه وعاود إليها تحت هدوءٍ غير متوقع من ليلى.

كانت ساكنة، فقط تُتابع ما يفعله، تفاجئت بعودته بالطعام ساخنًا، جلس مقابلها ورفع يده بالمِلعقة قُرب فمها، فنظرت إلى يده المَمِدُودة نحوها ثم فتحت فاها وأخذت تتناول منه دون اعتراضٍ حتى شعرت بامتلاء معدتها فقالت:
_ كفاية، شبعت..

_ متأكدة؟
تساءل باستفسارٍ يُخالطه الإهتمام فأكدت ليلى بإيماءة من رأسها قبل أن تُردف مختصرة:
_ شبعت بجد..

أخرج زكريا زفيرًا براحة ثم نهض وخرج فشعرت ببعض الشفقة لهجومها الدائم تجاهه، ولكن سرعان ما طردت أفكارها اللعينة التي حتمًا ستجعلها تُسامحه عاجلًا.

عاود زكريا وتساءل وهو يستند بكتفه على باب الغرفة:
_ عايزة تنامي؟ أعدلك؟

ابتلعت ريقها وقالت:
_ هقعد شوية...

حاولت النظر إلى جانبيها لكنها فشلت فتساءلت:
_ هو موبايلي فين؟

زم زكريا شفتيه بآسى ثم أخبرها:
_ اتكسر وقت الحادثة..

حمحم ثم أسرع مواصلًا حديثه حتى لا تشعر بالحزن لخسارته:
_ هجيب لك واحد تاني إن شاء الله في أقرب وقت...

سحب هاتفه من جيبه ورفعه للأعلى قليلًا قبل أن يقترح:
_ تاخدي موبايلي دلوقتي؟

نفت بحركة من رأسها ثم صاحت:
_ لأ خلاص أنا هنام..

أماء بقبول، ثم توجه ناحيتها وانحنى بجسده عليها فانتباهُ قشعريرة عندما لمس جسدها واستنشق عبيرها الذكي، ابتلع ريقه وحاول السيّطرة على حاله وأسرع في الهرب إلى الخارج بعد أن أعدل جسدها لوضعية النوم.

***

في اليوم التالي؛ قلقت خلود إثر اهتزازة هاتفها، فنهضت في هلعٍ وقامت بالرد بتيِه:
_ زكريا..

فأجابها الطرف الآخر قائلًا:
_ خلود معلش اطلعي اقعدي مع ليلى ساعتين كدا هروح الشغل نص يوم كدا وراجع تاني..

أماءت الأخرى دون استيعابٍ منها فنادها زكريا بغرابة:
_ خلود، أنتِ سمعاني؟

أماءت مرة أخرى ثم نعتت سذاجتها وردت بصوتٍ لا زال اثر النعاس به:
_ أيوا سمعاك، هفوق بس الأول واطلع على طول..

_ تمام متتأخريش...
أنهى بها المكالمة ثم نظر إلى ليلى الجالسة على الأريكة وأردف وهو يتفقد ما قام بتحضيره حتى يُسهل عليها سحب أي شيءٍ تشتهيه:
_ المية والأكل، والحلويات، والمناديل المُبللة وفوطة احتياطي، مم بيتهيقلي كدا كله تمام..

ثم عاود بنظره نحوها وتساءل باهتمامٍ:
_ ادخلك الحمام تاني قبل ما أمشي؟

نفت بحركة من رأسها وهي تُجيبه:
_ لأ، أنا لسه خارجة..

فهز زكريا رأسه ثم قام بعمل اتصالًا آخر:
_ نزلت ولا لسه؟

أجابه وليد وهو يقوم بالخروج من البيت:
_ نازل أهو، فيه أوامر تانية النهاردة ولا إيه؟

_ لأ كنت هقولك استناني جاي معاك، مستني خلود تطلع بس وهنزل..
هتفها زكريا بجدية فردَّ وليد بصوتٍ أجش:
_ تمام، هطلب لنا عربية على لما تنزل تكون وصلت

قالها وأنهى الإتصال؛ وما كاد يفعل حتى تفاجئ بصعود خلود، ابتسم بعذوبة لرؤيتها لكنه صُدم بتجنبها له وكأنها لم تراه، رُفع حاجبه الأيسر تلقائيًا بغرابةٍ واستنكار لتصرفها وعلق مستاءً:
_ والله؟! هو أنا شفاف ولا إيه؟

لم تُعقب، وتابعت صُعودها فازداد وليد حُنقًا من عدم ردها وصاح بضيقٍ:
_ خلود أنا بكلمك على فكرة!

توقفت خلود ثم استدارت بجسدها ونظرت إليه بعيون جامدة هاتفة بعد أن عقدت ذراعيها عند صدرها:
_ بعاملك بالمِثل!!

قطب الآخر جبينه بعدم فهم، ثم اقترب بِضع خُطوات منها وتساءل بجدية:
_ وأنا عاملتك كدا امتى؟

بانفعالٍ واستنكار شديد صاحت:
_ أنا معرفش عنك حاجة بقالي يومين، لا بترن عليا، وحتى لما برن عليك معظم الوقت غير متاح أو بتكنسل عليا، وافضل استناك تكلمني بعدها ولا بتعبرني، فخلاص أنا كمان هعمل زيك، وأظن ملكش حق تزعل..

وما أن أنهتها حتى أولته ظهرها وتابعت صُعودها فتفقدت الدماء في عروق وليد وصاح بغضبٍ لمغادرتها له:
_ أنا لسه مخلصتش كلامي عشان تسبيني وتمشي، وعيب أوي لما أكون واقف وتديني ضهرك وتطلعي..

تجمّدت أقدام خلود بسبب غضبه التي تتعامل معه للمرة الأولى، ابتلعت ريقها وبخجلٍ يشوبه بعض الخوف استدارت إليه، فصعد وليد الدرجتين التي تفصل بينهما حتى بات مقابلها وهدر:
_ عارف إني مقصر، بس غصب عني، اخوكي فوق قاعد جنب مراته وعبدالله هناك قاعد مع أهله وأنا اللي لابس الموضوع لوحدي، مش لاقي وقت حتى أخد نفسي فيه ومش قادر أوفق بين الشغل وحياتي الشخصية ومش عارف الموضوع هيتحل إزاي، فمتجيش أنتِ كمان عليا..

خرجت كلماته مُندفعة تحت تأثُر خلود التي على وشك البُكاء من خلف أسلوبه، وما كاد يُنهي وليد كلماته حتى انفجرت باكية فتفاجئ وليد بذلك الوضع، ونعت نفسه المتسرعة وحاول تصليح الأمور:
_ أنا آسف، حقك عليا، بلاش عياط يا خلود مقصدش والله..

زمت خلود شفتيها محاولة إيقاف نوبة بكائها المفاجأة ففشلت، فوقف وليد في حيرة من أمره، كان أمرًا جديدًا عليه، يجهل التعامل معه، لا يعلم كيف ينجح في إسكاتها هو فقط يريدها أن تصمت.

_ غصب عني والله، مضغوط ومش بعرف أتعامل تحت ضغط..
قالها ثم رقق من صوته مُحاولًا كسب استعطافها:
_ وبعدين لو أنتِ مستحملتنيش مين يستحملني؟
أنتِ الوحيدة اللي مسموح لك تشوفي وليد على كل أشكاله، وهو مبسوط وهو مضايق، وهو بيحبك ويقولك كلام حلو وبيصالحك، ويقولك بلاش تُقل واقبلي اعتذاره وهو هياخد باله أكتر من كدا..

رمقته خلود بطرف عينيها، قبل أن يتقوس ثِغرها للجانب وتردد مازحة:
_ تقبلتُ..

ابتهج وليد وابتسم بِعُذوبة ثم هتف بشوقٍ حار:
_ وحشتيني والله

تملك من خلود الخجل الشديد وسرعان ما نكست رأسها فعقد الآخر مابين حاجبيه بعدم رضاء لذلك الرد الذي لم يناله وصاح مُبديًا استيائه:
_ دي لغة جديدة دي ولا إيه؟ فين وأنت كمان وحشتني، وحشتني موت، مش قادرة أتنفس من غيرك، أي حاجة من كلام الحب اللي مش بسمعه دا!

رفعت خلود رأسها متفاجئة بما قاله ثم لكزته في صدره فآنى وليد بألمٍ ولامها:
_ قوية، لسانك سم وايدك ٢٠

_ اتلم بقى، إيه الكلام دا، أنا قوية؟
هتفتها مستاءة، فقلب وليد عينيه وشاكسها:
_ والله أثبتيلي عكس كدا، بكلمة، لمسة، همسة أي حاجة منك مقبولة

رمقته خلود بازدراء، ثم صاحت مُندَفعة:
_ على فكرة عيب الكلام اللي بتقوله دا، ماشي..

غمزها بعينه وهو يُردف:
_ براحتك، بكرة نفتحها على البحري لما نكتب الكتاب..

قهقهت خلود ساخرة قبل أن تُعقب بتهكمٍ وثَبات:
_ هتفضل قِبلي يا روحي، عمرها ما هتتغير

دنا منها وليد وهمس بوقاحة:
_ قِبلي قِبلي، هنعرف نتعامل برده..

أبعدته خلود عنها وقالت مستهزئه بثقته:
_ خليك أنت إحلم كدا كتير..

ثم أولاته ظهرها وصعدت فأردف الآخر من بين ضحكه:
_ وماله..

قالها وتابع نزوله وهو يقوم بطلب إحدى السيارات لتقلهما إلى العمل.

****

قلِقت من نومها إثر رنين هاتفها الذي لا يتوقف، كانت تظن بأن عقلها الباطن يُخيل إليها ذلك الصوت لكنه كان حقيقة فنهضت وتفقدت الهاتف برؤى مشوشة، أجابت على الإتصال فور رؤيتها للإسم:
_ أونكل قاسم..

صباح الخير يا بنتي، أنا آسف على الإزعاج من بدري كدا بس صادق بصعوبة جاب لي تصريح زيارة كمان ساعة، وكان لازم أبلغك عشان تجهزي..
تفاجئت ڤاليا من سرعة ما يحدث، شعرت بالإضطراب فجأةً وعدم قدرتها على اتخاذ القرار، فشعر قاسم بالقلق حِيَال صمتها الذي طال وتحدث بوقارٍ:
_ أنا هكون مُتفهم لو رجعتي في كلامك...

قاطعته ڤاليا بقولها:
_ لا لا أنا هقابل آدم، بس اتفاجئت، متوقعتش المقابلة تكون بالسرعة دي أنا حتى مفكرتش لسه هقول لدادي إيه، بس محلولة متقلقش يا أونكل، إن شاء الله في خلال ساعة هكون...

صمتت ثم تساءلت بجدية:
_ هو أنا المفروض أروح فين؟

أخبرها قاسم عن المكان، ثم أنهى الإتصال، فأخذت ڤاليا تُفكر في كيفية الخروج من المنزل، وكان أول من جاء في مِخيلتها كان عاصم، ولم تتردد في مُهاتفته، وبعد وقتٍ أجاب بصوتٍ فاقد للحيوية:
_ إيه المكالمة دي، يارب سببها يكون خير..

_ بصراحة واقعة في مشكلة ومحدش هيساعدني غيرك..
قالتها وهي تقرض أظافرها، ثم أملت عليه مُشكلتها متوسلة إليه أن يساعدها ثم أنهت المكالمة ونهضت مهرولة نحو خِزانتها لتتجهز.

مرت فترة طويلة؛ كانت قد انتهت ڤاليا منذ مدة، كانت تتناوب بِخُطاها بين الغرفة وشُرفتها، تتفقد ساعة يدها من حين لآخر، زفرت براحة فور وصول سيارة عاصم وترجلت مهرولة لتستقبلهُ.

شاهداها والديها فاقتربوا منها متسائلين:
_ رايحة فين من بدري كدا؟

تلك الأثناء، قد ولج عاصم الفيلا وسؤالهما قد وقع على أذنيه فقام بالرد هو:
_ أنا هاخدها نخرج نفطر برا..

ضاق عز بعينيه عليهما قبل أن يُردف ظاهرًا بكلماته عدم تصديقه للأمر:
_ ودا من امتى دا؟

_ إيه المشكلة يا بابا، بحاول أخرج نفسي عن اللي أنا فيه، مش دي نصيحة حضرتك؟!
هتفها عاصم فأرغم والده على الصمت وعدم التعليق، بينما رجحت نهال خروجهما مـعلقة:
_ حلو، اعملوا كدا على طول، استنوا خدوا عامر معاكم...

اعترض عاصم بهجوم:
_ لأ..

نظرت إليه في غرابةٍ فأوضح الآخر سبب رفضه مُعللًا بثباتٍ كي لا يُكشف أمرهما:
_ عامر مش بيصحى دلوقتي، وإحنا يدوب هنفطر وهروح على الشركة مش عايز اتاخر..

أماءت نهال بتفهمٍ ثم انسحبا الآخرين إلى الخارج، استقلا سيارة عاصم فهتفت ڤاليا مُمتنة:
_ بجد Thank you very much، أنا من غيرك مكنتش عرفت أتخطى أسئلتهم وأخرج عادي كدا..

تحرك عاصم بالسيارة ثم تساءل بجدية:
_ تفتكري أنا غلط ولا صح عشان ساعدتك على حاجة بابا قالك عليها لأ؟!

زمت ڤاليا شفتيها بحزنٍ، ثم اعتدلت في جلستها ونظرت أمامها تفكر في إجابة، قبل أن تَرُد مُختصرة:
_ مش عارفة، بس أنا كنت محتاجة أعرف هو عايزني في إيه؟

أخرج عاصم تنهيدة ثم أردف وهو يَهُز رأسه:
_ عمومًا كويس إنك عرفتيني، مكنش ينفع تروحي لوحدك مكان زي دا..

نظرت إليه ڤاليا بعيون لامعة مُمْتنة دون حديث، بينما تابع عاصم قيادته حتى يصل في أقرب وقت، وبعد أن تجاوزا تلك المسافة، تقابلا مع قاسم وصادق أمام بوابة السجن.

وقام صادق بإدخال ڤاليا وعاصم الذي أصرَّ على مُرافقتها، جلست ڤاليا على مِقعد الإنتظار تهُز قدميها وتفرك أصابعها بتوترٍ واضح حتى جاء آدم مُتلهفًا فخفق قلبها بشدة وابتلعت ريقها مِرارًا على أمل إخفاء ارتباكها.

بينما وقف آدم يتطلع بڤاليا بقلبٍ لا يكف عن الخفقان، حمحم ومد يده ليصافحها، فأخفضت ڤاليا رأسها ناظرة إلى يده الممدودة، فكانت خجولة لا تستطع لمسه الآن، فتدخل عاصم وقام بمصافحته بدلًا عنها وتساءل باهتمامٍ:
_ عامل إيه يا آدم؟

للتو قد انتبه آدم على وجود عاصم، نظر إليه بمزيجٍ من الخجل والخزي، تبادلا المصافحة ثم رد أدم على سؤاله:
_ كويس..

جلس ثلاثتهم وساد الصمت للحظاتٍ قطعها عاصم بكلامه:
_ إيه يابني اللي جابك هنا، المكان لا هو شبهك ولا يليق بمكانتك العملية والإجتماعية، أنا لولا إني حاسس إن الشخصية اللي هنا دي مستحيل تكون نفس الشخصية اللي بنتعامل معاها مكنتش وافقت إني أجيب أختي هنا!

كان وجه الآخر مُحمرًا، يكسوه الخجل من نفسه، أخفض بصره وتحدث:
_ الإنسان بيغلط، والشيطان بيعمي عيونه وقلبه عن الحق لغاية ما يوقع في الغلط وبعدها يشيل الغشاوة من على عينه ويتصدم باللي هو اتسبب فيه..

أخرج آدم زفيرًا طويلًا ثم رفع رأسه وقال بجدية:
_ أنا عارفة إني غلطت مش هنكر، بس غلطي الوحيد إني وثقت في بني آدم غير سوي كنت فاكر إن أقصى درجات الأذى عنده يضايق إنسان في حياته، لكن عُمر ما جه في بالي إنه يعمل القذراة دي أبدًا..

ضاق عاصم بعينيه ورمقه بطرفها قبل أن يهتف بنبرةٍ مُندفعة هجومية فقد السيطرة عليها:
_ والنتيجة كانت إيه؟ كانت تمن حياة بنت في مكانة محترمة تتحول فجأة لجحيم، حياتها تتقلب وتاخد قرارات مش محسوبة وتدمر نفسها أكتر وتدمر حياة اللي حواليها
مش قادر أكون متعاطف معاك يا آدم للأسف عشان بتهورك دا مبوظتش حياة أخوك والبنت اللي بيحبها بس، أنت كمان بوظت لي حياتي وحياة أختي، أنت آذيت كتير أوي من غير ما تحس، دمرت حياتنا كلنا، للأسف عقابك دا مش كفاية، أنا مش بفهم في القانون، بس كنت المفروض تتعاقب أربع مرات مش مرة واحدة،
مرة لما حرضت على أذية بنت، ومرة إنك أذيت أخوك وفرقته عن اللي بيحبها ومرة لما دمرت لي حياتي بجوازي من صبا وخرجت أنا في الآخر خسران، والآخيرة لما دخلت حياة أختي وحاليًا سيرتها ملطوطة مع سيادتك!
تمن كل دا مين يدفعه؟

كان آدم مُندهشًا بهجوم عاصم، آلمته كلماته للغاية، وشعر نفسه ضئيلًا للغاية أمامهما، لم تكن ڤاليا أقل منه اندهاشًا، فنادِرًا ما ترى أخيها مُنفعلًا بشكلٍ مبالغ كالذي عليه، مدت هي يدها وشدت على ذراعه فنظر إليها عاصم وتلقى من خلال عينيها إشاراتٍ تخبره أن يهدأ.

فهب عاصم واقفًا وصاح بعصبية:
_ أنا هستناكي هناك، خمس دقايق بالظبط عشان نمشي

قالها ثم أولهما ظهره وتوجه إلى مقعدٍ آخر، فعاودت ڤاليا النظر إلى آدم وقالت بحرجٍ:
_ أول مرة أشوفه في الحالة دي، عاصم شخص هادي أوي، واضح إن التجربة كانت صعبة عليه..

لم يتجرأ آدم للنظر إلى عاصم، بل أخفض بصره وأبدى شفقته على وضعه:
_ معاه حق في كل اللي قاله، أنا دمرت حياة ناس كتير أوي وأنا كنت من ضمنهم..

أخرج زفيرًا قويًا ثم قال وهو يتطلع في عينيها:
_ أنا كنت عايز أقابلك عشان أبرر لك اللي حصل، بس حاسس إنه معتش فيه داعي لدا، هكون سخيف أوي لو بررت بعد كلام عاصم..

_ بس أنا عايزة أسمع كنت عايز تقول إيه؟!
هتفتها باهتمامٍ لِسماع ما لديه، ففوجئ آدم بما قالته ثم بدأ حديثه بغير ترتيب:
_ مش عارف أبدأ منين، بس أنا شخص اتربى مع ست طول الوقت كانت بتكرهه في أخوه، طول الوقت، بسبب ومن غير سبب، كلام أكبر من عقل طفل يفهمه ويعرف معناه، بس كان حاسس إنه كلام كبير ووراه حاجة وحشة أوي، كبرت وأنا شايل جوايا من عبدالله وخصوصًا إنها كانت معرفاني إن سبب سفر أبويا طول الوقت وإنه حارمني منه بسبب عبدالله..
كبرت وكُرهي وحقدي لعبدالله بيكبر، ومش قادر أوقفه، كل ما أكون محتاج لابويا ومقدرش أشوفه أو نتعامل كأب وابنه عن قُرب كُرهي يزيد،
كل ما أشوف علاقة أبويا وأمي البعيدة أوي عن حياة أي اتنين طبيعين أكُرهه أكتر
حاجات كتير أوي كنت مَعمِي بيها خلتني عايز أعمل أي حاجة تطفي النار اللي جوايا وأكون نقطة سودة في حياته زي ماهو كان نقطة سودة في حياتي..
وفعلا نجحت، وسوّدت عليه حياته كلها ومش هو بس، حياته وحياة اللي حواليه وحياة ناس ملهاش ذنب وحياتي اسودت أكتر من الأول
وآخرتها من ظابط بيتضرب له تحية لمسجون مرمي بين أربع حيطان..

تحشرج صوته، فتوقف عن الحديث ولم يُكمل، شهيقا وزفيرا فعلت ڤاليا وتحدثت بآسى شديد:
_ مش هقدر أنكر إنك غلطت، بس برده ليك دوافعك، أنا اسفة جدًا بس مش المفروض تتحاسب لوحدك، المفروض مامتك وباباك يتعاقبوا وأكتر منك كمان، لأن غلطتك دا نتيجة تربية والدتك وإهمال والدك
هم اللي وصلوك للمكان دا، أنت مقدرتش تكون سوي لأن ببساطة ملقتش الأجواء اللي تعيشها وتخلق في نفسك إنسان سوي يقدر يتحكم في نفسه ويتحكم في أخطائه لما شيطان نفسه يغويه..
أنت ضحية يا آدم، مش قادرة ألومك أبدًا على اللي حصل أنت كنت من ضمن اللي اتأذوا..

كان آدم مُستمعًا لها بذهولٍ تام، لم يتوقع كلماتٍ تُسكن آلام نفسه وتأنيب ضميره، إلتوى ثغره بإبتسامةٍ حاملة قدرًا كبيرا من الإمتنان، استشفته ڤاليا التي سألته بفضول واهتمام لمعرفة الإجابة:
_ أنت ليه كنت عايز تقابلني وتقولي الكلام دا، تفتكر يعني دا هيغير حاجة؟!

بآسى شديد قد رُسِم على تعابيره قال:
_ يمكن مش هيفرق معاكي، ومش هيغير الوضع، بس كان مهم بالنسبة لي إنك تعرفي الحقيقة، وإني مكنتش أقصد إن كل دا يحصل، مهم أوي عندي إن صورتي متتهزش في عينك، أو على الأقل تديني عُذر..

بصوتٍ أنثوي رقيق تساءلت بفضول:
_ ليه مهم؟

رمقها آدم مُعاتبًا إياها في نظراته وصرّح بمشاعره دون تردد أو زيف:
_ لأني بحبك يا ڤاليا، أنتِ مهمة عندي أوي، ومش فارق أي نظرة وحشة من أي حد، بس أنتِ تحديدًا من هقدر استحمل منك أي نظرة تقليل أو لوم، فكان لازم أعرفك حقيقة الوضع.. وأنا كدا ارتحت خلاص، أي حاجة تانية مش فارقة..

تلك الأثناء تفاجئوا بعودة عاصم الذي صاح أمِرًا:
_ يلا يا ڤاليا، كفاية كدا..

أومات ڤاليا بقبول، ثم ألقت نظرة أخيرة على آدم قبل أن تنهض، ابتلعت ريقها وهمست له قبل ذهابها بابتسامة هادئة:
_ كل إنسان محتاج فرصة تانية، دي مش آخر الدنيا يا آدم..

تسارعت نبضات قلب آدم، مُحاولًا فهم مخزى كلامها، فضاق بعينه عليها فازدادت ابتسامتها وهمست مُحركة شفتيها دون صوتٍ:
_ هستناك...

تلك اللحظة، حبس آدم أنفاسه فجأة، تابع مُغادرتها حتى اختفى طيفها من أمام عينيه فأخرج أنفاسه بقوة، ثم رفع يده وفرك مؤخرة رأسه فتشكلت بسمة عذبة عاكسة مدى سعادة قلبة، ثم انتبه على العسكري الذي صاح:
_ يلا قدامي..

فرمقه بطرف عينيه وسار بشموخٍ أمامه وقلبه لا يكف عن الخفقان، يشعُر أنه يُحلق في السماء وداخله شعورٍ لا يُمكنه وصفه لكنه جميل.

***

استيقظ قاسم وتحرك برفقٍ حتى لا يتسبب في إيقاظ أحلام، تفقد معالم وجهها بآسى شديد ثم انسحب من الغرفة سريعًا مانعًا أفكاره التي تقوده إلى أسوء ما قد يحدث.

ترجل الدرج ووجد زينب جالسة تتصفح في هاتفها، فألقى التحية بودٍ:
_ صباح الخير يا زينب

انتبهت على صوته فحركت رأسها حيث يقف وردّت مُبتسمة ببشاشة:
_ صباح الخير يا عمي، ماما صحيت؟

نفى بحركة من رأسه قبل أن يُجيبها قائلًا:
_ لسه، أنا قولت أقوم أحضر لها الفطار عشان تاخد الأدوية بتاعتها ..

نهضت زينب فجأة وقالت بنشاط:
_ سيبني أنا أحضر لها الفطار

رفض قاسم بشدة ثم علل:
_ لا خليني أنا أهتم بمراتي شوية، أنتوا ياما اهتميتوا بيها، إدوني فرصتي بقى..

ابتسمت ببهجة ثم صرحت مُعللة:
_ أنا مكنتش عايزة أتعب حضرتك...

لامها قاسم بنظراته قبل كلماته التي رد لها عليها:
_ كل حاجة بتتعمل لإحلام راحة بالنسبة لي، التعب اللي بجد بُعدها، ربنا ما يكتبوا عليا تاني..

أسرت السعادة قلب زينب بعد سماعها كلماته الحنونة المُتيمة وعلقت بلهفةٍ:
_ حُب حضرتك لماما جميل أوي، ياريت أقابل في يوم شخصية جميلة زيك تحبني الحب دا كله

اقترب منها قاسم وربت على كتفها بحنانٍ وأردف بلطفٍ:
_ هتقابلي أحسن مني كمان، وبكرة تقولي

اكتفت زينب ببسمةٍ مُمتنة بينما أولاها قاسم ظهره لكنه تريث وعاود بالنظر إليها ثم قال:
_ مش كان عاصم عرض عليكي تشتغلي معاه؟ ليه مبدأتيش؟

بخجلٍ صريح أجابته:
_ هو فعلاً قالي تعالي، بس أنا هروح إزاي واسيب ماما في الوضع دا؟

نكست رأسها في حزنٍ ثم أضافت:
_ مينفعش، لازم أكون جنبها هي محتجاني

مد قاسم يده ورفع بها رأسها فنظرت إليه وقد رأى إحمرار عينيها فابتسم في وجهها وملس على رأسها بحنانٍ ووِدٍ قبل أن يُردد:
_ وأنا روحت فين؟ أنا موجود، لا شُغلة ولا مشغلة، شُغلتي كلها أحلام، توكلي أنتِ على الله وكلميه وابدأي شغل..

_ بس..
كادت تعترض فأصرَّ قاسم على عملها، فردد بجدية:
_ يا زينب يا حبيبتي ليه مُصرة تكوني عزول بينا،
سيبني مع مراتي أعيش معاها شوية قبل ما اخلع..

قاطعته زينب مستنكرة:
_ بعيد الشر عنك يا عمي، متقولش كدا، ربنا يبارك في عمر حضرتك، أنا والله مش قصدي أكون عزول بس أنا مش هكون مرتاحة وأنا بعيد ومختارة نفسي وسيباها في وضعها دا..

تفهم قاسم مقصدها، وأردف بصوتٍ رخيم:
_ أنا فاهم كل اللي بتقوليه، بس ضميرك يأنبك لو كانت لوحدها، لكن أنا معاها، ثم إنها مجرد ما هتقول هاتولي زينب هبعت اجيبك في ثواني..

غمزها وهو يحثها على إتخاذ تلك الخُطوة:
_ كلميه يلا وأنا أروح أحضر الفطار..

أولاها ظهره وسرعان ما غادر المكان حتى يغلق أمامها ابواب الرفض، وبعد تفكيرٍ لوقتٍ شعرت زينب بحاجتها للإقتراب من عاصم، ابتسمت عندما تذكرت ملامحه الذكورية الجذابة، وكذلك أناقة ملابسه وروعة عِطره التي لم تشم مثله من قبل.

ناهيك عن معاملته الحنونة واللطيفة مع السيدات، هو رجل يمتلك صفات كثيرة مميزة، من تُرى من ستكون سعيدة الحظ التي ستمتلك قلبه بعد صبا؟

قلبت زينب عينيها مُستاءة من أفكارها الحمقاء، ورددت ساخرة:
_ أكيد مش أنتِ يعني يا زينب فوقي، من حمادة لعاصم متتصدقش دي..

قهقهت بتهكمٍ ثم أخذت نفسًا عميق زفرته بقوة، وأخذت تبحث عن الكارت الذي أعطاها إياه لِتُهاتفه، وبعد ثوانٍ قليلة قام بالإيجاب فقالت بحيوية:
_ باشمهندس عاصم..


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close