اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الاربعون 40 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الاربعون 40 بقلم صابرين



40- وانتهت القضية
بالنسبة لموضوع إن حمزة ملزق وشخصية مش واقعية هو مش ملزق وإنما بيحب اللف والدوران لعوب وجرئ بمعنى أصح، وهو شخصية واقعية ليها عيوب ومميزات موجودة كتير حوالينا في شباب كتير بيحبوا يعاكسوا أي حاجة تعجبهم
المختلف في حمزة بيحب الغزل بالعربية الفصحى أكتر علشان كده بيميل له بالإضافة لأنه كاتب وقرأ كتب كتير، عيبه إنه مش فاهم إن ده حرام بل فاكر إن كده هيعجب نور أكتر علشان نسبة من البنات بتحب الكلام المعسول، ده لو مكنوش البنات كلهم
بس برضو نسبة من البنات زي نور عارفين الغلط من الصح والحلال والحرام، وعارفين اللي بيعمله حمزة ده مش صح طالما هو من جوزها
ودي فكرة مهمة منتشرة كتير حوالينا انا هشرحها قدام ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"إنتهت قضية السفاح التي حيرت الجميع لأشهر وسببت الرعب والقلق للشعب وسكان الإسكندرية بعد أن آثار الفزع في كلية الآداب منتويًا قتل الشاهدة التي شهدت على قضيته، والتي كشفت هويته ولكنه لم ينل منها، والمعروف أنه لا يوجد حرب دون ضحايا فقد ذهبت معيدة وطالبتين، وإصابة عامل آخر وطالب ومعيد آخر وهم الآن في المشفى للعالج، أما ذلك السفاح فقد أبى أن يسلم نفسه للشرطة رغم إحاطة القوات للكلية من أجل القبض عليه، لينتهي به الأمر منتحرًا بعد أن أطلق الرصاص على جانب رأسه وحدث هذا في صباح السادس عشر من يناير
رقية محمد هواري، عن جريدة أحداث اليوم "
رفع عمر أنظاره عن الحاسوب بعد أن قرأ المنشور الذي أنزلته رقية البارحة على صفحة جريدتها، نظر إلى رقية الشاردة أمامه مبتسمًا لها بتقدير :
-مبروك اديكي نزلتي أول بوست عن اللي حصل للسفاح وشايف إن الريتش عالي جدًا من إمبارح للنهاردة
هزت رقية رأسها يمينًا ويسارًا بمعنى لا قائلة بحيرة :
-تعرف إن يونس وسفيان هما اللي طلبوا مني أنزل المنشور ده وقالوا ليا إن هو انتحر وانزل ده في الجريدة
رفع عمر منكبيه لا يفهم ما الخطأ في الأمر إذ قال :
-وفيها ايه على الأقل نفعوكي بحاجة
-لأ انا حاسة انهم بيعملوا حوار من ورايا والكلام اللي نزلته ده علشان نسكت الناس به والقضية دي تتقفل، فيه حوار انا معرفوش
ابتسم عمر بسمة جانبية ولتوه لاحظ أن رقية شغوفة بشدة بعملها وعلى الأرجح إن طلب منها أن تتركه لن ترضخ للأمر بسهولة، تنحنح وهو يعتدل في جلسته متناولًا كوب العصير الذي أمامه فهو يجلس الآن معها في أحد الكافيهات في الساعة الثامنة صباحًا بعدما طلبت منه بشكل ضروري أن يأتي رغم الأجواء الباكرة هذه
نظر إلى رقية والتي بدت منغمسة في التفكير وتأخذ الأمر على محمل الجد، ثم قال :
-بتحبي مجالك ده أوي يا رقية؟؟
آماءت له رقية ثم قالت بحب ظهر بوضوح في عينيها :
-انا بحب المجال ده أوي من وانا في إعدادي، كان نفسي تبقى معايا يوم تخرجي
ابتسم لها الآخر لا يعلم كيف يوضح لها وجهة نظره في أمر ترك هذا العمل :
-بصي انا عايز اتكلم معاكي في الموضوع ده، انا شايف إن بعد الجواز ملوش لزوم الشغل
هى لم تسمع بشكل خاطئ وهى متأكدة من هذا، لكنه غير متوقع منه فكيف يطلب منها طلبًا كهذا وهو يعلم مدى ذكائها في هذا المجال بل وقد أثنىٰ من قبل عليها، أم أنه أصبح ذكوري ولا يريد من زوجته أن تصبح متفوقة
مثل الكثير من الرجال يريدون زوجاتهم في خلفهم في ظلهم ولا يتقدمون عليهم
وعند هذه النقطة تحولت ملامحها بشكل كبير فعلم عمر أن الأمر لن يمر مرور الكرام وقد تنشب مشاجرة الآن لذا سارع في التفسير لها :
-بصي انا مش عايز أقلل منك أو من شغلك انا عارف قد ايه انتي ذكية ده انتي الوحيدة اللي كشفتي إني صاحب صفحة NO ضد الفساد، بس يا رقية انتي عارفة بعد الجواز حياة البنت بتتغير مش هيبقى معاكي وقت للشغل
وبرد فعل طبيعي من فتاة عنيدة مثل رقية اعترضت على هذا إذ قالت :
-لا هيبقى معايا وقت، أصلًا فيه ستات متجوزة وبيشتغلوا في الجريدة معايا عادي
تنهد عمر محاولًا قدر الإمكان أن يوصل لها وجهة نظره بهدوء :
-أكيد فيه حاجة في حياتهم مش واخدة حقها، انتي كبنت دلوقتي عندك وقت فراغ كتير علشان كده بتشتغلي، بعد الجواز هيبقى عندك مشاغل البيت والأولاد وانا، وطبعًا لازم تهتمي بنفسك مش قبل الجواز تبقى على سنجة عشرة وبعد الجواز تهملي نفسك خالص، اديني مثال عن ست واحدة بتشتغل وعارفة تدي كل دول حقوقهم ووقتهم
-كتير يا عمر بيدو حقوقهم ووقتهم لده كله، وانا هعرف أعمل كده ولا انت مش عايزني اشتغل علشان حاجة تانية وبتحجج بكلمة مش هتلاحقي
نطقت بها بإتهام صريح فـنفى عمر برأسه موضحًا لها ما يفكر به أكثر :
-صدقيني مش هتعرفي وانتي مش محتاجة الشغل، انا والله مش عايز أقلل منك أو أحاول أفرض عليكي تفكير ذكوري زي ما انتي بتفكري دلوقتي، انا بسمع مشاكل زي كده في الشغل واحدة بتقول إنها بتشتغل وعيالها بتوديهم حضانة خاصة بالرضع وهما عندما لسه سنتين يعني عيالهم في السن ده محتاجين لأمهم جدًا، ولما بترجع من الشغل بتبقى مهدودة وتاخد العيال من الحضانة وتروح وعندها عيال أكبر في المدراس عايزة تتغدى، بتعمل غداء وتنضف البيت لحد ما يجي جوزها وبتضطر وهى تعبانة ومضغوطة وهتموت وتنام إنها تهتم بنفسها علشان تعرف تعمل واجاباتها الزوجية ومتقصرش في حق جوزها، وكل يوم عندها نفس الضغط ونفس الروتين وفوق ده مش عارفة تقعد مع عيالها ساعتين على بعض من الشغل ومشاغل البيت، انا حسيت الست وهى بتحكي حاسة بالقهر لأن ظروفها محتاجة الشغل ده علشان تعرف هى وجوزها يخلوا عيالهم يعيشوا حياة كويسة وعايشة في ضغط نفسي شديد بس مضطرة، وده حال كل ست بتشتغل بتبقى عايشة كل يوم في الضغط ده وفي الآخر مقصرة في حق عيالها لأنها مش عارفة تقعد معاهم ومش بإيديها تعمل أكتر من كده
تنهد محدقًا في ملامحها التي بدا عليها التفكير في الأمر :
-انا مش هقول الست ليها المطبخ بس انا بعد اللي سمعته من الست دي مش عايز مراتي تضغط في شغل هى مش محتاجاله، رقية انتي لو كملتي في الشغل ده بعد الجواز مش هتعرفي تلاحقي على كل حاجة زي ما انتي فاكرة، وبلاش تبصي على كلام رضوى الشربيني أو غيرها لأن الناس دي عندها فلوس تدفع لناس تانية تهتم ببيتهم وعيالهم وهما يهتموا بشغلهم، فين حين عيالهم هما الأولى بالإهتمام ده علشان لما يكبروا هيحسوا بنقص ناحية أمهم لأنها مكنتش موجودة في حياتهم بل كانت في الشغل طول الوقت ونسبة من العيال دي وانا بقول نسبة مش كلهم، هيطلعوا ناقصين تربية أو فاشلين دراسيًا لأن الست الوالدة مكنتش موجودة علشان تربيهم
ذمت رقية شفتيها بتفكير بالطبع لا يعجبها أن تترك العمل ولكنها وضعت والدتها مثال حي أمام أعينها متذكرة الضغط الذي تعيش به منذ أن خرجت هى للدنيا، وحتى هذه اللحظة ترى والدتها مضغوطة رغم أنها لا تحتاج لعمل تكسب منه المال فحياتهم المادية جيدة بشدة
ولكنها أصرت على أن تعمل ووالدها لم يمانع وفي النهاية تم التقصير في حقها هى واخويها
لا تقول أن والدتها تهملهم بل لم تكن تجد الوقت الكافي للجلوس معهم، كان يحدث معها نفس ما وصفه عمر بالضبط ولحسن الحظ كان يوسف ويونس أكبر منها لذا كانوا يهتمون بها ويدرسون لها لأنفسهم
لم تكن والدتها بحاجة للعمل رغم الضغط الذي كانت به وحتى الآن، لكنها أرادت أن تعمل لسبب آخر وهو أن تجعل لنفسها أهمية أخرى ولا يقال عليها المرأة خلقت للمطبخ وهى أيضًا لا تريد أن يقال عليها نفس الأمر
نظرت إلى عمر بعناد وعندما رأى منها الآخر هذه النظرة شعر بالضيق لأنها حتى الآن لا تفهم ما يريد أن يوصله لها أو حتى غير مقتنعة به، تحدثت رقية بجدية وحان وقتها لكي تشرح وجهة نظرها هى :
-انا مش هسيب الشغل يا عمر سيبني أجرب الشغل بعد الجواز
-هتضغطي يا رقية وهتقصري، الراجل هو اللي بيجيب الفلوس مش الست ومعظم الستات اللي بتشتغل يا إما عندهم وسواس قهري إن الست متخلقتش للبيت والمطبخ أو مضطرين للشغل علشان يكفو مصاريف بيتهم، وأنا مش هقصر في حق المصاريف وشغلي بيوفر ليا دخل كبير وانتي عارفة، يبقى انتي بقى من النوع الأول
تراجعت رقية للخلف على ظهر المقعد هاتفة بنبرة مُصرة جادة :
-آه يا عمر انا من النوع الأول ما هو مش عدل بعد ١٢ سنة دراسة وأربعة كلية ضاعوا من حياتي مشتغلش وأعمل لنفسي قيمة قدام نفسي بشهادتي اللي تعبت فيها، علشان ميجيش راجل ذكوري دكتاتوري يشوف إني أقل منه في حاجة، بل انا زيي زيه بالظبط
استقام عمر من مكانه زافرًا بقوة ولم تعجبه جملتها الأخيرة البتة فلو هو رجل ذكوري دكتاتوري بالفعل لأجبرها على ترك العمل دون أن يشرح لها وجهة نظره بكل هدوء
يبدو أن رقية متأثرة تمامًا بكلام حقوق المرأة، هو لا يقلل من حقوقها ولكن على المرأة أن تعطي واجباتها قبل أن تبحث عن حقوق خارجية لها
فمن وجهة نظره العمل للمرأة ليس إلا حق إضافي خارجي ليست مضطرة لأن تأخذه فهناك واجابات قد تضيع مقابل هذا الحق، وشهادتها التي تتحدث عنها من أجل ألا تكون جاهلة وتفتخر بنفسها وليس لشئ آخر
وبالطبع لم يتحدث معها بهذا فيكفي ما تحدثوا به اليوم، أخرج محفظته وترك بعض الأوراق النقدية على الطاولة فقالت رقية تراه يهم بالذهاب :
-انت رايح فين دلوقتي كلامنا لسه مخلصش!؟
نظر لها الآخر بجدية مفرطة ثم قال :
-كلامنا لسه مخلصش بس لو اتكلمنا أكتر وإحنا مختلفين كده هنتخانق قدام الناس، انا هاروح الشغل دلوقتي وبالليل هبقى أكلمك مع السلامة
تحرك عدة خطوات للأمام فقالت رقية بتوجس :
-الخطوبة بعد بكرة هيبقى المعاد زي ما هو ولا خلاص صرفت نظر عن الموضوع؟!
ابتسم عمر قبل أن يستدير إليها نصف استدارة، يبدو أنها لم تفهم شخصيته بعد أو لم تعتاد على تغيره الذي طرأ عليه خلال الأربع سنوات الماضية :
-مش علشان إختلاف واحد حصل ما بينا وبشكل طبيعي هصرف نظر عنك تمامًا، الجواز مش كله حلو وأكيد في مشاكل كتير هتقابلنا أكبر من الإختلاف ده يا رقية
استقامت رقية من مكانها وتوقفت أمامه مع حفظ مسافة بينهما ثم قالت ببسمة جانبية :
-واضح إنك هتبقى أعقل مني يا عمر واتمنى أي إختلاف بينا أو أي مشكلة متأثرش على علاقتنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أنهى تغير الجرح لأخيه والذي أتاه من الساعة السابعة والنصف صباحًا حتى قبل أن يبصم على حضوره، وهذا بعد أن علم أنه في المشفى فقد ظن يونس أنه بها في هذا الوقت الباكر وقد اتصل عليه يسأله أين هو
تنهد بضيق وهو ينظر إلى ملامح أخيه المرهقة من السهر الليل كله خارج المنزل مع سفيان على شئ رفض أن يخبرهم به، ولكن والده كان يعلم بالأمر لذا لم يعترض على مبيت يونس خارج المنزل الكثير هذه الأيام
جذب المقعد وجلس عليه أمامه بعد أن وضع القطن واللاصق الطبي على جنب ثم بدأ العتاب واللوم عليه :
-تعبان وجرحك جديد، الليل كله بتعمل ايه برا البيت؟؟
عدل يونس من ملابسه ببطء ثم أجابه بإختصار :
-شغل يا يوسف
-شغل ايه والقضية خلصت والسفاح انتحر وراح، مش رقية نزلت كده في الجريدة؟!
-انا قولتلها تنزل كده علشان الناس تهدى، السفاح مات بس اللي قتله لسه برا
ارتفعا حاجبي يوسف بإندهاش مرددًا :
-هو اتقتل منتحرش؟!
وأجابه الآخر بهدوء وهو يخرج علبة السجائر الخاص به من سترته الملقاة جانبًا أمام أنظار يوسف المصدومة :
-آه بس متقولش لأختك انا عارفها تقلب البلد في ثانية
كاد أن يضع السيجار بين شفتيه فانتشلها يوسف منه بل انتشل العلبة بأكملها وقام بفركها في سلة المهملات صائحًا بغضب :
-أقسم بالله هيجيلك فشل رئوي من الزفت السجاير دي، أرحم نفسك بقى هو إدمان؟!
رفع يونس حاجبه لصراخ يوسف في وجهه هكذا إذ قال :
-انت بتزعق فيا يلاه ثم انا اتعودت عليها ومش عارف أبطلها
-لأ هتبطلها ثم مين الحيوان اللي عودك عليها من الأول أصلًا
اغمض الآخر عينيه بضيق لصراخه هذا فلا ينقصه صداع، وقد انقذه صوت الممرضة التي طرقت على الباب طالبة حضور يوسف إذ قالت :
-دكتور يوسف الدكتور النبطشي مشي ومحدش من الدكاترة لسه جه وفيه حالة مستعجلة في الإستقبال
ذهب معها يوسف بإستعجال فتحرك يونس مكانه ونظر إلى سلة المهملات ولكنه لم يجد سيجار واحد سليم، لذا زفر بضيق وارتدى سترته وخرج متجهًا إلى بهو المشفى حتى يعود إلى المنزل ويستريح قليلًا
تباطأت خطواته عندما رأى براءة تدلف من الباب الرئيسي فتذكر بشكل تلقائي شروق وللحق هى لم تغب عن عقله طوال الليلة الماضية حتى أنه وضع عساكر يسهروا أسفل البناية لحمايتها، فعادل غير موجود وقد ظهر في كاميرات الكلية وهو يقتل كاظم ثم اختفى
وهذا بالطبع غير الحوار الذي دار بينه وبين كاظم في السيارة والذي يؤكد أن عادل شريك لشقيقه في جرائمه
يالا تدابير القدر العجيبة تخلصوا من السفاح ليظهر شريكه، ومَن يعلم كم شريك له
وقف أمام براءة ثم هتف بهدوء ونبرة خشنة :
-صباح الخير يا براءة
تبسمت الأخرى وهى تشد على حقيبة ظهرها :
-صباح الخير يا دكتور جاي بدري النهاردة يعني؟!
تنحنح يونس وقد حك لحيته هاتفًا ببسمة جانبية :
-انا يونس مش يوسف
-لا والله!؟
نطقت بها بذهول وهو تعود للخلف ترمقه من الأعلى للأسفل وكأنها تنظر إلى يوسف فلا فرق بينهما، يبدو أنها ستعاني كثيرًا من هذا الأمر
تحدث يونس بشكل مباشر يسألها عن شروق إذ قال بنبرة حاول قدر الإمكان أن تظهر عادية :
-هى شروق عاملة ايه النهاردة؟!
وتنهدت الأخرى بحيرة شديدة لا تدري ماذا تقول له فهى نفسها لا تفهم ما الحالة التي تمر بها شقيقتها الآن :
-لما رجعنا إمبارح دخلت استحمت ونامت مع إن الوقت كان لسه العصر ولا كأني حاجة حصلت ومن غير ما تتكلم مع حد، عمتي قالت سيبوها وهتيجي الصبح، النهاردة الصبح بقى الساعة خمسة ونص الفجر في وقت محدش فيه صاحي سمعنا خبط كتير في المطبخ وريحة حاجة بتتشوي، إحنا قولنا الشقة بتولع مرة تانية بس لما دخلنا المطبخ لقيناها بتعمل أكل رز وفراخ وبطاطس لأ وكمان قالت تعالوا كلو، إحنا اقسم بالله شكينا في نفسنا وقولنا اللي حصل إمبارح ده محصلش من كتر ما هى بتتعامل طبيعي
تعجب يونس بشدة مما تقول فكيف تتعامل بشكل طبيعي والبارحة أبصرت امرأة تُقتل أمامها ونظرًا لأقوال عاصم كان كاظم سيقتلها خنقًا لولا أنه نجدها منه :
-يعني من إمبارح لحد دلوقتي لا صرخت ولا بكت ولا ادت أي رد فعل؟!
نفت براءة بهزة بسيطة من رأسها ثم قالت :
-ولا حاجة، بتتعامل طبيعي جدًا وبتتكلم عادي جدًا بس مش بتتكلم عن اللي حصل يعني سألتني عن الخطوبة ويوسف وسألت عائشة عن إمتحاناتها، انا والبنات فتحنا النت علشان نبحثوا عن معنى لحالتها دي
-ولقيتوا ايه؟!
-ملحقناش علشان سمعنا قفل الباب وشروق مش في البيت نزلنا ندور عليها لقيناها تحت وعايزة تقعد قدام البحر الساعة سبعة ونص الصبح في عز التلج وعايزة تشرب آيس كوفي، انا بالنسبة ليا دي شروق اللي أعرفها بس باللي حصل إمبارح وردت فعلها الغريبة على الموضوع، دي مش شروق وفيها حاجة غلط
تنفس يونس بعمق يدور بعينيه في المكان بحيرة ثم قال :
-طب وهى فين دلوقتي
-هى دلوقتي قاعدة على البحر مع عائشة علشان رفضت تطلع فوق ومصرة تقعد فعائشة قعدت معاها وانا سيبتهم وجيت وهحاول أمشي بدري النهاردة علشان مش مطمنة بصراحة ليها، فيها حاجة مش طبيعية
جلس يونس على أحد المقاعد الموجودة في الإستقبال يفكر في حالة شروق الآن، ربما ظن في البداية أنها لا تحتاج لطبيب نفسي لكن بعد الذي قالته براءة الآن فشروق في حاجة ماسة للتحدث مع طبيب نفسي
رفع رأسه لبراءة ثم هتف بجدية :
-انتي لازم تاخديها لدكتور نفسي رد فعلها وتعاملها بطبيعية كده مش طبيعي، في المرة الأولى واللي كانت أخف من دي بكت بس دلوقتي مش مخرجة أي رد فعل طبيعي لواحدة كانت هتتقتل
-بس هى مش راضية حتى مش راضية تتكلم عن اللي حصل مع ولا واحدة فينا، عمتي إمبارح لما جات تتكلم معاها سابتها ونامت.... بس ثواني كده
صمتت براءة تفكر في أمر ما فقال يونس بتركيز :
-بتفكري في ايه؟؟
نظرت له الأخرى بإنتباه ثم قالت ما يدور في خلدها :
-لما رجعت شروق إسكندرية كانت ساكتة طول الوقت وفي اكتئاب بس بعد شوية بدأت تتكلم معانا وتضحك تاني هو مش زي الأول بس كان فيه تحسن، ولما سألتها نور قالت إن في دكتور عندها في الكلية اسمه عاصم وهو أخصائي نفسي وبيشتغل دكتور هناك
تغيرت ملامح يونس بشكل واضح عندما ذكرت اسمه فاسترسلت الأخرى دون الإنتباه له :
-قالت إنه بيتكلم معاها وبيحاول يطلعها من الاكتئاب، حتى كان بيتكلم معاها فيديو كول يشرح ليها الدروس والمحاضرات في ليلة الإمتحان، بصراحة هو شخصية محترمة ما شاء الله عليه ولولاه شروق مكنتش هتعرف تكتب حرف في الإمتحان، اعتقد ممكن تقبل تتكلم معاه أو حتى يقولنا شروق فيها وتقريبًا رقمه معاها
ضم يونس قبضتيه هامسًا باسمه بحنق شديد لن يزول بإتجاه عاصم، بل شعر بتزايد هذا الشعور نحوه عندما رأى نظراته لشروق، ذلك الأحمق ماذا يظن نفسه وهو يحب طالبة عنده لم تكمل العشرين من عمرها بعد
لما يصر القدر على أن يجمعه مع ذلك المدعو عاصم، القبول من عند الله وهو لا يقبله أبدًا
وايضًا لما شروق تتحدث معه؟؟ تركت جميع الأطباء والأخصائيين النفسيين لتذهب وتتحدث مع هذا؟!
انتبه على ظهور يوسف قادم من بعيد فأشار إليه بعينيه محدثًا براءة :
-أهو يوسف جاي هناك
استدارت براءة نحو المكان الذي يشير نحوه لتبصر يوسف قادم بالفعل يرتدي معطفه الطبي الذي يزيده وسامة فوق وسامته، للحق ترى يوسف دائمًا وسيم ولكن هذه المرة الأولى التي تمعن النظر إليه
ابتسم لها يوسف رامقًا إياها بنظرات مُحِبة وهذه البسمة جعلتها ترى الفارق بين يونس ويوسف، كان محق عندما قال لها أن الفارق الذي تستطيع أن تفرقه به بينهما هو نظراته وبسمته لها
وقف يوسف أمامها متعجبًا تحديقها به، حتى أنها لم ترفع عينيه عنه حتى الآن، لذا هتف بمشاكسة :
-ايه شكلي حلو النهاردة؟! اتعودت إنك لما تشوفيني جاي تلفي كأنك مشوفتيش أو تنفخي مضايقة إني جيت
ابتسمت الأخرى بحرج تبعد عينيها عنه فقال يوسف محدثًا يونس حتى لا يحرجها :
-هتروح يا يونس تاخد مفاتيح العربية؟!
-آه هاتها
نطق بها يونس بهدوء شديد غلفه التعب فبحث الآخر عن المفاتيح في جيبه ولكنه لم يجدها لذا توقع أنها في المكتب الآن حيث ترك يونس بعد أن غير له على جرحه
التف إلى براءة بشكل مصادف ليجدها عادت تحدق به مرة أخرى وكأنها تحفر ملامحه داخل عقلها فقال ضاحكًا :
-لأ بقى انا فعلًا شكلي حلو النهاردة، أو شكلي فيه حاجة غلط
تنحنحت الأخرى بحرج شديد تفكر في حجة لتحديقها به فالطبع لن تخبره أنها كانت شاردة في ملامح وجهه :
-لأ انا بس بحاول يعني أشوف فرق في الشكل بينك انت وأخوك علشان متلخبطش فيكم
ابتعدت قليلًا منسحبة من المكان وهى تقول :
-انا هاروح أغير هدومي
ابتسم يوسف عليها وعينيه لاحقت طيفها فقال يونس بسخرية على الرومانسية التي أصبح بها أخيه، ألا يكفيهم حمزة :
-خلاص يا اخويا مشيت من بدري بص قدامك بقى وروح شوف المفاتيح فين
همهم يوسف بخفوت وكاد أن يتحرك ولكن استوقفه يونس عندما قال :
-هو مش ده كريم!؟
نظر بسرعة إلى الناحية التي يشير نحوها ليجد كريم بالفعل يقف في البهو بحثًا عن أحد فاتجه نحوه هو ويونس مناديًا عليه :
-كــريــم بتعمل ايه هنا؟؟
استدار الآخر للصوت ليتحدث بسرعة عما أتى لأجله، فقد أتاه إتصال من هاتف سعد وكان المتحدث أحد زملائه في السكن وأخبره أن سعد تم نقله للمشفى بعدما وجدوه فاقد الوعي في المرحاض :
-يوسف كان فيه شاب جامعي لسه جاية من شوية اسمه سعد جاد الرب هو فين
تعرف عليه يوسف بسرعة فهو المريض الذي وصل في الإستقبال منذ دقائق ولكن كيف كريم يعرفه، ازدرد لعابه بهدوء مستعد لقول أكثر جملة يكرهها في مجال الطب :
-هو الولد ده صاحبك يا كريم
تردد قليلًا عندما أجاب ولكنه بدأ يعتبر سعد صديقه منذ فترة لذا قال :
-هو يعني.... آه هو صاحبي يا يوسف هو فين دلوقتي؟؟ هو كويس!!
ونفى الآخر بأسى ثم قال :
-البقاء لله هو مات بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية وواضح إنه مدمن على مواد مخدرة علشان كده هنعمل تشريح للجثة نعرف هو مات طبيعي ولا بسبب جرعة مخدرات زايدة
رمش كريم بأهدابه عدة مرات لا يستوعب أنه مات هكذا ببساطة، معروف أن نهاية أغلب المدمنين هو الموت ولكن سعد أراد أن يتعالج فلما مات وكيف مات هكذا فجأة!؟ لقد كان يتحدث معه الأمس عن الاختبارت والمحاضرات وبدا جيدًا وفي تحسن فكيف اختطفه الموت دون سابق إنذار...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قطمت من الشطيرة القابعة بين يديها وهى تنظر إلى الناس حولها، من يذهب إلى عمله ومن يذهب إلى المدرسة بينما هى جالسة على الكورنيش، فتاة طبيعية بالنسبة لأي أحد يراها ولكن بالنسبة إلى نور وعائشة لم تكن أبدًا بطبيعية
نظرت عائشة إلى هاتفها هى ونور يقرآن بصمت عن الحالة التي بها شروق الآن وقد تم تفسيرها أنها حالة إنكار للصدمة التي مر المرء بها، حيث يتعامل المصاب بهذه الحالة بطبيعية شديدة وكأن أي شيئًا لم يحدث
وشروق الآن في حالة إنكار لما رأته البارحة أو أنها كانت على وشك أن تُقتل، وعقلها قد هيأ لها هذه الحالة وحظر جميع أحداث أمس حتى يهرب من التفكير بها
ولكن هناك سلبيات كثيرة لما تمر به شروق الآن وهى أنها تكتم بداخلها جميع الضغوطات النفسية التي مرت بها رافضة البوح عنها أو حتى التفكير بها وكأنها هكذا ستصبح أفضل إن لم تتحدث عن الأمر وتظل محتفظة به بداخلها
نظرت شروق إليهما حيث كانا يجلسان على بعد منها لتقول بنبرة عادية :
-نور انتي مش هتروحي المدرسة النهاردة؟؟
نفت نور برأسها وهى تستقيم من مكانها :
-لأ هاروح دلوقتي
نظرت إلى عائشة ثم استرسلت :
-عمتي اتصلت وقالت مش هتقدر تيجي علشان عمي محفوظ تعب وعلق محاليل وقالت نيجوا إحنا، خدي شروق وروحوا وانا بعد المدرسة هحود عليكم
اعترضت عائشة على الذهاب فهى من النوع الذي يفضل الجلوس في البيت عوضًا عن الخروج :
-طب ما نقعدوا هنا انا مش عايزة أروح
-لأ انا عايزة أروح
نطقت بها شروق وهى تستقيم من مكانها لتجذب نور شقيقتها على جنب قائلة بخفوت :
-مينفعش تقعدوا انتي وهى وحديكم افرض عملت حاجة في نفسها وانا مش مطمنة بصراحة للحالة اللي هى فيها دي، هتعملي ايه انتي ولا هتتصرفي ازاي!؟ روحي عند عمتك انتي وهى وانا هقول لبراءة بعد ما تخلص تروح هناك ومتجيش هنا وبالمرة نسألوا على الراجل اللي تعبان ده
ختمت حديثها ثم نظرت إلى شروق التي كانت تنظر إليهما بهدوء ولا تستمع لما يقولان نظرًا لضجيج السيارات في هذا الصباح الباكر :
-انا هاروح المدرسة وانتوا خدوا عربية وروحوا وأوعوا تركبوا تاكسي، سلام
ختمت حديثها واستدارت في الطريق الذي تسلكه يوميًا إلى المدرسة على قدميها فهى تحب المشي كثيرًا وبالخطوة السريعة فهى أسرع من تسير بين بنات أعمامها، وربما هذا السبب الذي يجعلها تكتسب نحافة زائدة من حرقها بإستمرار للدهون _الغير موجودة من الأساس_
وصلت بعد دقائق طويلة إلى المدرسة ثم ولجت إلى الداخل بخطى ثابتة وأعينها لا ترفعها مع على الأرض، يطلقون عليها هنا أنها تسير كما يسير العساكر في الجيش وهى لا تشعر بالضيق من هذا فقد اعتادت على السير بهذه الطريقة السريعة، عكس شقيقتها التي قد تلتفت لها أكثر من عشر مرات خلفها تراها أين وصلت ولم تضيع منها نظرًا لبطء خطوات عائشة
توقفت قليلًا في السير عندما نادت عليها فتاة ولم تكن أي فتاة بل هاجر والتي لم تراها منذ ما يقارب الأسبوعين، ابتسمت ابتسامة صادقة وليست مجاملة فهى حقًا تحب هاجر وهى أقرب زميلة لها هنا، خاصةً منذ أن ضاعت في هذه المدينة ولم تجد من ينتشلها من الضياع غير هاجر
من وقتها وهى تكن لها الكثير من الامتنان، ولم تكن هاجر تختلف عنها كثيرًا بل كانت تعتبرها صديقة لها، بالأخص أنها لا تمتلك صديقة منذ أن أنهت فترتها الجامعية أي منذ ما يقارب الخمس سنوات وأكثر
وقفت أمام نور متفاجئة من اندفاع الآخر وضمها فابتسمت من عفويتها وبادلتها العناق دون نفاق، قد تظهر نور من بعيد أنها فتاة منطوية لا تحب الحديث مع أحد ولكن من يعاشرها يرى الفرق واضحًا
صحيح هى مع الغرباء والرجال على الأخص تختصر الكلام وتفضل الصمت ولكن إن جلست مع شخص ترتاح له ويفهمها، أو تعرفه معرفة قوية حينها تتكلم كثيرًا دون توقف تقريبًا
هى شخصية غريبة لا تفهمها ولكنها تحبها حقًا فلم تنسى ذلك اليوم الذي أتت تزورها به عندما علمت أنها متعبة، لأول مرة يسأل أحدهم عليها وتشعر أن أحدهم يهتم لها، بالله لقد طلبت منها أن تغسل هى الأطباق إن كانت لا تقدر على هذا
وعندما غابت هذه الفترة عنها وجدت عدة مكالمات فائتة منها بل وراسلتها تسأل عن أحوالها ولما هى مختفية، لم ترد عليها برسالة بل أصرت على أن تأتي المدرسة وترى صديقتها الوحيدة
ابتعدت نور عنها وانهالت عليها بالأسئلة عن لما اختفت وأين كانت هذه الفترة ولما لم ترد عليها، وقد اجابتها الأخرى بإختصار دون أن تذكر لها أنها كادت تموت في أمن الدولة بالطبع :
-ظروف طويلة عريضة مش عايزة افتكر منها حاجة، المهم انتي عاملة ايه
رفعت الأخرى منكبيها هاتفة ببساطة :
-عايشة في الدنيا والحمد لله، كنت عايزة اجي اسأل عليكي بس حصلت بلاوي كتير معايا، انا عن ساعة ما خطيت البلد دي وانا بتحصلي بلاوي ومصايب ما يعلم بيها إلا ربنا، انا شكيت ان انا اللي منحوسة بس مش بلدكم، بس بعد اللي حصل لبنت عمي عشية تأكدت ومن غير زعل إن بلدكم هى اللي نحس
ضحكت هاجر لعفويتها هذه لتبدأ في السير معها في ملعب المدرسة تزامنًا مع سؤال نور :
-انتي هترجعي تاني هنا؟؟
-مش عارفة والله بعد الغياب ده كله هيبقى ايه النظام، عايزة ارجع بس ممكن أكون اتفصلت
-طب ما تروحي تجربي يمكن لو حكتيله عن الظروف اللي حصلت معاكي متتفصليش
آماءت لها هاجر موافقة على هذا، رغم أنها لا تحتاج العمل بعد أن ورثت نصف أملاك حاتم ولكنها ستعود من أجل صديقتها :
-هحاول ولو موافقش هشوف واسطة علشان ارجع انا وانتي في مدرسة واحدة، ونقعدوا في الفسحة ناكل سندوتشات مع بعض زي باقي العيال
ضحكت نور معترضة على أن تستمر في هذه المدرسة إذ قالت :
-لأ عندك انا أخري الأسبوع ده وهفلسع على بلدنا بدون رجعة
عبست ملامح هاجر بشدة لقولها هذا فقالت وهى تتوقف مكانها :
-ليه بس؟؟ ده انا مش محتاجة الشغل وهارجع علشانك
-صدقيني يا بنتي انا لو قعدت تاني في إسكندرية مش هارجع بلدنا لأمي قطعة واحدة، حتى بصي
رفعت لها يدها المصابة أمام أعينها ثم استكملت :
-ترلة عشية قفلت الباب على صوابعي كانت هتكسرها، سيبيني يا بنت الحلال أرجع لأمي ده انا أقسم بالله بقيت بدعي وانا بصلي الأسبوع ده يعدي على خير من غير مصيبة جديدة، وانا ابقى جذمة لو طلعت برا بلدنا تاني
علت ضحكات هاجر وحاولت اخفائها، يبدو أن نور بالفعل منحوسة فقد حكت لها عن انقلاب القطار وأنها ضاعت ثلاث مرات وكاد سائق سيارة الأجرة أن يختطفها، وهذا كله دون أن تعلم ماذا حدث لها مجددًا في الأسبوعين اللذان تركتها بهما دون أن تعلم عن آخر أخبارها
أبصرت نور رحمة تتقدم نحوهما وفي يدها كتاب فتوقعت أنها تود أن تسألها عن شئ قبل أن يبدأ الاختبار، ولكن اليوم ليس اختبار مادة الدراسات الإجتماعية؟!
توقفت رحمة أمامهما ملقية تحية الصباح وقد ردتها هاجر ونور ببسمة هادئة لتقول رحمة وهى تنظر إلى هاجر التي بدت وكأنها ليست هى رغم أنها نفس المرأة، ولكن نظراتها بدت أكثر برودًا وملامحها اللطيفة أصبحت جامدة بعض الشئ وكأن روحها تغيرت :
-ازيك يا مس هاجر انتي بطلتي ليه تيجي المدرسة؟؟
-معلش يا رحمة شوية ظروف، انتي عاملة ايه؟؟
-الحمد لله
نطقت بها رحمة بإختصار ثم نظرت إلى نور وقدمت لها الكتاب وهناك بسمة على ثغرها تكاد تشق وجهها من فرط إتساعها :
-اتفضلي يا مس نور دي هدية
أمسكت الأخرى الكتاب متسائلة بتعجب وقد أدركت أنها رواية وليس مجرد كتاب عادي، والأدهى من هذا أن هذه الرواية أحدث روايات كاتب الظل ولم تتوفر بعد، لأن اليوم هو معرض الكتاب في القاهرة وستُعرض هناك :
-هدية بمناسبة ايه؟! ثم جبتي الكتاب ده منين ده لسه منزلش
رفعت رحمة مستواها قليلًا هامسة بجانب أذنها وكأنها ستطلعها على سر وهو بالفعل كذلك :
-دي هدية من حمزة، آخر رواية نزلت لكاتب الظل وعلفكرة يبقى هو كاتب الظل، ابقي إقري الإهداء والرسالة اللي جوا الكتاب
ختمت حديثها بصوت مرتفع ثم ابتعدت عنها وركضت بعيدًا وهى تقهقه بقوة على ملامح البلاهة التي أعتلت وجه نور، رمقت هاجر رحمة بتعجب متسائلة :
-هى البنت دي قالتلك ايه خليتك تتنحي كده!؟
لم تجبها نور بل فتحت الكتاب بسرعة تحدق في أول صفحة، تبصر أول إهداء خُط لها فهى لا تمتلك أي كتاب رغم رغبتها العارمة لهذا
"إهداء لصاحبة الأعين الجميلة ببحورها العسلية وشواطئها الخضراء التي خطفت لُبي وقلبي، اتمنى أن ينال كتابي إعجابكِ وكوني عالمة أنكِ صاحبة أول نسخة فلم أجد من هو أعز منكِ ليقتنيها"
وضعت هاجر يدها على ثغرها تمنع ضحكاتها من التسلل :
-ده ايه الحب ده كله؟؟ ده فيه شاعر واضح إنه مغرم بيكي يا نور
حدقت بها الأخرى بملامح مندهشة لدرجة الجنون التي وصل إليها ذلك الرجل، ألا يكفي ما فعله وغزله الصريح لها أمام مسمع عائلته، الآن ارتفع بدرجات الجنون وأرسل لها هدية
سقطت ورقة من الكتاب فهبطت هاجر قليلًا وألتقطتها ثم قالت ضاحكة :
-كمان باعت رسالة ده ايه الجو القديم ده؟!
ظهرت بسمة على جانب ثغر نور ثم قالت بخفوت :
-قاطعة عليه كل طرق التواصل علشان كده بيتعامل بالرسايل وبعت الكتاب مع اخته رحمة علشان برضو عارف إن مستحيل كنت أقبله منه
أخذت منها الورقة ووضتعها داخل الكتاب كما كانت فقالت هاجر بسرعة :
-بتحطيها ليه اقرأيها الأول
-لأ طبعًا انا أصلًا هرجعله الكتاب بالرسالة هى ناقصة دربكة
ذمت الأخرى شفتيها لا تصدق ما تقوله نور إذ صاحت بها :
-الراجل شكله بيموت فيكي كاتبلك إهداء شاعر لحبيبته وباعتلك رسالة ولا كأنه في عهد عبد الحليم وشادية وانتي بتتبطري على النعمة، حد عاقل يسيب راجل زي ده
وأجابتها الأخرى بتصميم تحاول ألا تنخرط خلف حديثها، وتحاول جاهدة ألا تنصاع خلف وسوسة الشيطان لها بأن تقرأ رسالته :
-لأ ما هى بتبدأ كده بهدية وكام كلمة حلوة وفي الآخر ألاقي نفسي في نقطة انا مش عايزة أوصلها وآخد عليها ذنوب، طالما مدخلش البيت من بابه يبقى بأي حق يبعتلي هدية؟!
برمت الأخرى شفتيها مقتنعة بوجهة نظرها ولكن بداخلها فضول لتعلم ماذا يقول هذا الشاعر في رسالته، فلم يسبق ورأت شيئًا كهذا سوى بالأفلام القديمة :
-طب ماشي اتقلي زي ما انتي عايزة بس بالله إقري الرسالة ورجعيها تاني، وابقي اعملي نفسك مقرأتيش حاجة
همهمت نور بتفكير في الأمر وقبل أن تنبس بكلمة كانت هاجر تختطف منها الكتاب ملتقطة الورقة من داخله تقرأها هى :
"أكيد اتضايقتي لما عرفتي اني كاتب الظل وأول حاجة جات على بالك الحركة اللي عملتها على الفيس وانتي عملتي ليا بلوك، يمكن من وجهة نظرك هى سخيفة بس انا كان عندي دافع وراء ده هبقى أقولك عليه لما نتخطب إن شاء الله"
نظرت هاجر إلى نور ببسمة ماكرة ثم قالت :
-لا ده الراجل بجد واقع وشكلك فعلًا قاطعة عليه كل طرق التواصل يا نور
أخذت منها نور الورقة بسرعة تقرأ باقي الرسالة وقد التصقت بها هاجر حتى تقرأ هى أيضًا
" دي أول نسخة من كتابي الجديد قمري الغائم اتمنى تعجبك وانا متأكد إنها هتعجبك علشان نفس المواصفات اللي انتي بتحبي تقرأيها، انا لسه فاكر لحد دلوقتي أول حوار بيني وبينك، انا سافرت النهاردة القاهرة علشان المعرض وبعتلك الكتاب مع رحمة وبإذن الله لما أرجع من القاهرة أول حاجة هعملها إني هاخد اهلي وننزل الصعيد نشرب شاي مع والدك مع إني مش بحب الشاي بصراحة بس هشربه علشانك واقوله جئت لأسترد ضلعي الذي آمنك الله عليه لحين أن آتي انا وآخذه فأبنتك يا عمي سرقت قلبي وانا لن أرضى بأقل من أن أفعل المثل"
عضت نور على باطن شفتيها من الداخل بخجل شديد، تستمع لتصفيق هاجر الحار بجانبها وهى تقول :
-لأ ده الراجل مش بيلعب ده عايز يروح الصعيد ويتقدملك، ملكيش حجة بقى ومش هترجعي الكتاب والرسالة علشان الشاعر الولهان ده هيبقى جوزك
رفعت نور أنظارها عن الكتاب بخجل شديد، ربي ماذا يريد منها هذا الرجل لما لا ينفك عن محاولة التقرب منها
ضيقت عينيها قليلًا عندما رأت شاب يقف بجانب باب المدرسة وعينيه عليها، لم تتعرف عليه من الدقيقة الأولى بسبب هذه القبعة وهذه الكمامة، ولكن عندما اخفض كمامته ولوح لها علمت بسرعة أنه حمزة
ضمت شفتيها بقوة وأصابها التوتر والإرتباك من وجوده بل وتلويحه لها، لهذا استدارت حتى لا يراه أحد وهو يلوح لها ثم قامت بجذب هاجر مبتعدة عن الملعب بأكمله
أما حمزة خرج من المدرسة وصعد إلى سيارته، لقد أعطى الكتاب لرحمة صباحًا وطلب منها أن تعطيه لنور بسرية بينما هو سيسافر للقاهرة ولكن كان هناك فضول شديد لرؤية رد فعلها وكم أراد أن يراه عن قرب ولكن لا بأس سيأخذ والده معاد مع والدها من أجل أن تكون هذه الفتاة نصيبه ولن يكون لها حجة للهروب منه بعد الآن
ترك قبعته والكمامة على جنب وشغل سيارته متجهًا إلى القاهرة من أجل معرض القاهرة السنوي للكتاب، هو يكون متواجد هناك ليوم كامل من أجل التوقيع والصور فرغم الغموض الذي يحيط به نفسه إلىٰ أنه كاتب معروف ويعمل في مجال الكتابة هذه لسنوات وله جمهور كبير
ولكن يبدو أن هذه السنة لن يذهب للمعرض إذ دق هاتفه برقم كريم لذا أجاب بنبرة مازحة :
-لو قولت أجي معاك القاهرة هقولك لأ علشان مش بحب حد يجي معايا وانت عارف ومتحاولش تتحايل عليا
-حمزة انت سافرت
نطق بها الآخر بصوت مبحوح مختنق فاوقف حمزة السيارة على جنب متعجبًا نبرته هذه وقد شعر بالقلق عليه :
-مالك يا كريم
حاول كريم ألا يبكي ولكنه لا يستطيع خاصة بعد أن رأى جثة سعد بعينيه ومن وقتها ولا يستطيع الكف عن البكاء وهو يجلس بجانبه، وكأن شريط طويل لحياته وهو مدمن يعرض أمام عينيه بكل لحظة ألم نفسي وجسدي عاش بها :
-سعد مات يا حمزة انا عايزك جنبي، بحاول أبطل عياط بس مش قادر، عايز أحضن حد ومش عايز حد غيرك
أدار حمزة سيارته عن طريق السفر هذا ثم سأله بنبرة جادة حنونة فحين يتعلق الأمر بكريم يشعر وكأنه يحادث ابنه وليس أخيه الصغير :
-طب اهدى انت فين قولي
-انا في المستشفى اللي بيشتغل فيها يوسف
-طب انا جاي أقفل
أغلق الهاتف وألقى به على المقعد بجانبه مضاعفًا السرعة حتى يذهب لأخيه، ملقيًا بسفره الذي ينتظره كل عام عرض الحائط فلديه ما هو أهم الآن وهو أخيه الصغير والذي طلبه بالاسم، فوالله لو في منتصف المعرض الآن سيترك كل شئ ويأتي له...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقف أمام اللوحة يتأملها للمرة التي لا يعلم عددها، لوحة لشاب مرسومة بالرصاص قد رسمتها هاجر منذ يومين وهو رآها البارحة أثناء تواجده في هذه الشقة، فلم يجد ما هو أأمن منها حتى يرى ماذا يفعل في حياته التي تتلاشى أمام عينيه وبيتلعها الظلام دون أن يستطيع أن يوقف هذا
رفع اللوحة وهو يعلم صاحب هذه الصورة فقد رآه قبلًا يتحدث مع هاجر في حديقة الفيلا، وقد رآه في السيارة التي هبطت منها يوم أتى لزيارتها، وعندما سألها البارحة حين أحضرت له الطبيب من أجل معالجة جرح رأسه، أجابته بنبرة خجولة ويقسم أنه رأى لمعة سعادة في عينيها لم يراها منذ أن توفي والديها :
-ده كان جاري في الشقة اللي قدامنا
وأجابها حين بنبرة جامدة وهو يضع يده على رأسه الملتفة بالشاش الأبيض :
-وانتي أي حد بتقابليه برسميه؟؟ انا أعرف إنك مش بترسمي البني آدمين كتير بتحبي ترسمي المناظر اللي حواليكي أكتر
قبضت هاجر على كفيها بحرج مجيبة عليه :
-هو بصراحة أتقدم ليا وانا شايفة إنه مناسب، ومش هقعد وحيدة طول عمري يعني وأكيد هتجوز
لا يعلم ما كان شعوره وقتها، حتى إن لم تكن ستتزوج لم يكن يستطيع الحصول عليه فهى أصبحت محرمة عليه، حاول مرارًا أن ينساها ولكن وجودها أمام عينيه طوال الوقت جعله غير قادر على هذا، ولم يقدر على رؤية امرأة غير التي أحبها منذ مراهقته
كان يرى هاجر وهى صغيرة مع والدتها في مطبخهم وكان يحب أن يلعب معها رغم رفض والدته الدائم لهذا ولكنه لم يكن يستمع لها، ومع مرور الأيام أحب ابنة الحارس حبًا جمًا دون أن تدرك هى هذا، أحب نقاءها وجمالها البسيط وصوتها الناعم، وعندما سافر للدراسة في الخارج كان متحمس لأن يعود ثم يطلب من والده أن يزوجها له
ليأتيه في يوم الخبر الذي حطم قلبه إلى أشلاء وهو زواج أبيه من الفتاة التي يحبها ليجعلها محرمة عليه لبقية حياته، ومن حينها وأصبح شعور القهر ملازم له في كل مرة ينظر بها إلى هاجر
تغيرت شخصيته وأصبحت أكثر جمودًا وبرودًا حتى أنه فعل الكثير من المعاصي وأكبرها القتل، حتى وصل به الأمر لقتل شقيقه فحتى إن كان الآخر مجنونًا هو ليس كذلك
لا يزال يتذكر يوم أمس بحذافيره حين آفاق على أوجاع رأسه ليجد نفسه ملقى في المقعد الخلفي لسيارته ورأسه ينزف، لم يحتج الكثير من الوقت لأجل أن يعلم ماذا يفعل هنا فسرعان ما تذكر ماذا فعل شقيقه المجنون، ونظرًا للمكان المتواجدة به السيارة علم أنه نفذ ما برأسه وسيقتل تلك الفتاة المدعوة شروق
هبط من السيارة بصعوبة وهو يضع يده على رأسه ولم يكن هناك من يركز معه بل كل التركيز كان مع ما يحدث بالداخل، أمال المقعد الخلفي حيث يحتفظ بمكان سري يضع به بعض الأسلحة فمنذ أن عمل مع كاظم وهو طلب منه فعل هذا تبعًا إن تعرض في يوم لهجوم أو ما شابه
لم يجد إلا سلاح واحد فقد أخذ كاظم الأسلحة الموجودة وكأنه ذاهب إلى حرب، استمع لصافرات الشرطة قادمة من بعيد فاخذ السلاح ودلف إلى الكلية حيث كان يجتمع الطلاب والمعلمين والعاملين جمعيهم في الخارج، بينما شقيقه المجنون يمسك بفتاة ويهدد الجميع
تسلل إلى الداخل المبنى بسرعة عندما اقتحمت الشرطة المكان ثم أخذ يتربص بأخيه الذي تم إصابته بطلق ناري ليظهر أمامه عندما اختبأ الآخر خلف الحائط، غير مبالي بالكاميرات التي لقطته
تنفس كاظم بقوة وهو يرى عادل أمامه فقال بلهفة يراه يمد له يده بكل هدوء :
-هتخرجني من هنا؟؟
وآماء عادل بصمت ونوايا كارثية ليقف الآخر ممسكًا بيده، وقبل أن بنبس بكلمة وجد عادل يضع فوهة سلاحه على جانب رأسه هامسًا له بنفس جملته :
-متثقش في قاتل حتى لو كان أخوك
وتلىٰ حديثه رصاصة استقرت داخل جمجمة كاظم معلنة نهاية حياته المختلة على يدي شقيقه الذي علمه الكار بنفسه
بصعوبة استطاع الخروج من الكلية ولم يجاذف ويذهب إلى مشفى فعلم أن الكاميرات قد صورته وهو يقتل كاظم، والشرطة أول ما ستفعله هو مراجعة الكاميرات لذا اتصل على هاجر متوجهًا إلى الشقة التي كانت تجلس بها هى وقد طلب منها أن تحضر طبيبًا معها
ورغم تعجب الأخرى من الحالة التي وجدته بها إلىٰ أنها لم تضغط عليه في معرفة ما الذي حدث له، حدث كل هذا قبل أن تعلم هاجر أن كاظم قد مات وحتى الآن لم تأتي وهو لم يتصل عليها
كان فقط يريد أن يتزوج من هاجر وفي المقابل انقلبت حياته إلى كابوس لا يستطيع الخروج منه، وهو من قلبها بيديه والآن لم يعد هناك مفر سوف يُقبض عليه ويُعدم ويموت ملطخًا بسواد الدنيا والذنوب
رفع رأسه نحو النافذة وإلى الشمس التي تتسلل منها يشعر بالخجل حتى من أن يتبرأ من ذنوبه فهل سيقبل الله توبته بعد كل المعاصي التي ارتكبها؟؟
أخذ هاتفه وفتحه بعد أن كان على الوضع المغلق ومن الجيد أن كاظم تركه له في السيارة، ثم بعث رسالة مختصرة لهاجر
"خلي بالك من لمار يا هاجر متسيبهاش تضيع زي اللي ضاعوا، دي أمانة عندك"
أغلق التطبيق وفتح آخر متصلًا على الشرطة وفي يده سلاحه مقررًا إنهاء هذه القضية، فهو خسر نفسه وخسر عائلته والفتاة التي أحبها من صميم قلبه وربما أيضًا خسر آخرته
تنفس بصعوبة عندما سمع الرد على الناحية الآخر فقال بصوت متحشرج وقلبه يقرع بقوة :
-الو انا عادل الدخيلي قتلت اخويا سفاح إسكندرية وابقى شريكه في جرايمه، انا موجود دلوقتي في سيدي بشر في العمارات المستثمرة فيها عيلة الدخيلي وبسلم نفسي


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close