اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم صابرين



41- النصيب أقوى من الحب
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
-استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
نطق بها الشيخ وهو يقف أمام قبر سعد وخلفه عائلته ومعارفه يدعون له بالرحمة، كان موت سعد صدمة بالنسبة إلى جميع من يعرفه فهو لا يزال شاب في العشرين من عمره وموته لم يكن على خاطر أحد، ولكن هذا هو الموت يأتي دون استئذان
ومن ضمن الموجودين كان كريم وبجانبه حمزة يقف معه فقد أصر كريم إصرار غريب على أن يحضر دفن سعد، رغم أنه سيدفن في محافظة غير محافظة الإسكندرية وهذا لأنه طالب مغترب
أدمعت عيني كريم رغمًا عنه داعيًا له بالرحمة والمغفرة، ربما لم تتجاوز فترة معرفته به عن الثلاث أسابيع وربما أقل، ولكنه رأى نفسه به عندما كان في نفس حالته، كان في أشد أوقاته بؤسًا ويحتاج لمن يدفعه نحو الصواب وهو اعتبره صديق له حتى يخرجه من ذلك المستنقع
لا يعلم كيف مات فجأة ونظرًا لتقرير الطب الشرعي لقد مات سعد نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية أي لم يمت من جرعة زائدة من المخدرات كما شك به، يبدو أن المرحوم كان لديه العزيمة على أن يتوقف بالفعل فعسى الله أن يغفر له ذنوبه
انتهت مراسم العزاء وأغلقوا القبر وبدأ الجميع يرحل حتى حمزة مال عليه قليلًا محيطًا بكتفه ثم قال :
-يلا يا كريم نمشي علشان نلحق نرجع إسكندرية دي الشمس خلاص غابت
آماء له كريم بصمت متقدمًا من والد سعد الذي جلس بجانب قبر ابنه وكأن الرجل لا يصدق بعد أن ابنه قد رحل عن الدنيا، كم هو مؤلم فراق الأحبة فكما قال رسولنا الكريم "الموت مصيبة"
وقف كريم خلف أقارب والد سعد يحاولون أن يجعلوه يقف معهم حتى يرحل، دلف بينهم حتى يصل إلى الرجل وما إن أصبح أمامه حتى جثى على ركبتيه، ناظرًا له بقهر :
-سعد كان بيحبك أوي ولو هو موجود بينا دلوقتي مكنش هيعجبه ده
لم ينظر له الآخر بل تلمس باب القبر هامسًا بصوت رجل كُسر ظهره بموت فلذة كبده :
-انا مش همشي هبات الليلة دي معاه دي الليلة الأولى أكيد سعد خايف، انا جنبك يا سعد يا ابني مش همشي
ارتفعت الأصوات بعدة جمل مثل "لا إله إلا الله، وحد الله" بينما قال كريم وهو يتكتم على سر سعد فهو يعلم أن لا أحد من عائلته يعلم أنه كان مدمن وسوف يكتم هذا السر حتى لا تقل صورته أمام عائلته بعد مماته :
-سعد كان شاب كويس وشاطر وربنا أكيد رحمه من الدنيا دي لسبب في علم الغيب ادعيله بالرحمة والثباث عند السؤال علشان هى الليلة الأولى زي ما بتقول
استقام من أمامه واتجه إلى حمزة الذي استقبله بعناق قوي داعم فدفن الآخر رأسه في كتف أخيه باكيًا بقوة وكأنه فقد صديق عمره
جذبه حمزة معه إلى السيارة التي ركنها في الخارج بعيدًا نوعًا ما عن المقابر ثم شغلها عائدين إلى البيت، ولطول الطريق هدأ كريم واستكان بصمت ليتوقف حمزة أمام محطة وقود حتى يعبئ السيارة فخرج كريم من السيارة إلى المرحاض الموجود في المحطة حتى يغسل وجهه ويستعيد تركيزه متمتمًا لسعد بالرحمة والمغفرة
عاد إلى السيارة وقد وجد حمزة يتحدث في الهاتف مع والده وهو يقول :
-لأ يا بابا قدامنا ربع ساعة وندخل على إسكندرية وهنروح على البيت فمتستناش نيجي لعمي محفوظ هبقى اسأل عليه بكرة
-يا ابني بقولك عمك تعبان أوي خلي عندك دم وتعالى اسأل عليه وهات كريم
أشار كريم له بأن يرفض فهو لا يريد أن يذهب إلى مكان الآن بعد هذا اليوم الطويل بشدة، بل يريد أن يعود لمنزله وينام، انقلبت ملامح حمزة بشدة بشكل عجيب إلى زواية الغضب فنظر إليه متسائلًا :
-فيه ايه يا حمزة؟؟
رفع يده له حتى يصمت وقد قال :
-ثواني يا بابا اسكت دقيقة
نصف دقيقة من الصمت قد مرت على كلا الطرفين ليقول حمزة متسائلًا :
-بابا هو صوت مين الغريب عندك؟؟ صوت راجل وكمان صوت نور عالي كده ليه وبتضحك أوي على غير عادتها الصامتة
نظر عثمان خلفه إذ كانت تمازح نور وبراءة رجلًا في منتصف الثلاثينات وثلاثتهم يحاولون إخراج محفوظ من صمت المرض، عاد إلى ابنه مبتسمًا بإتساع بسمة ماكرة :
-بتهزر مع واحد
-بتهزر مع واحد ببساطة كده وبصوت عالي كمان ده انا سامعها من عندك، وبعدين مين ده اللي منفتحة أوي معاه ده انا بشحت منها صباح الخير بالعافية، ويا قالتها يا طنشتني
نطق بها حمزة بمشاعر غيرة حبيب لطالما كتب عنها وقرأ عنها حتى شعرًا، ولكن لم يجربها قبلًا حتى مع خطيبته الأولى ولا يعلم لما، ربما لأن نور دائمًا متحفظة لا تدع رجلًا يقترب منها حتى هو، وتحفظها هذا يجعله يشعر بالغيرة، فإن كانت تمنعه حتى من الحديث معها فمن هذا الذي تتحدث معه بكل هذه الأريحية
ابتسم كريم على أخيه منشغلًا معه بعيدًا عن التفكير بسعد، يسمع والده يستفزه على الناحية الأخرى إذ قال :
-وانت مالك بيها
وصاح حمزة بغضب على غضبه :
-مالي إزاي وهى هتبقى مراتي!؟ من حقي أعرف بتضحك وتهزر كده بصوت عالي مع مين
-حيلك مراتك ده ايه؟؟ ده ابوها لحد دلوقتي لسه مردش علينا، ثم خف الدلقة دي واتقل شوية، مش بيقولك حب البنت تسيبك، سيب البنت تحبك
آماء كريم برأسه كاتمًا ضحكة كادت أن تنفلت منه على ملامح أخيه المتشجنة :
-بصراحة معاه حق انت نازل طالع بتعاكس البنت حتى قدامنا، عندك بجاحة عالية يا حمزة
ولم يعجب الآخر هذا الحديث فصاح به قائلًا :
-اعاكس مين في الطالعة والنازلة دي مجنناني بتقلها، اقسم بالله ما بعرف أتكلم معاها لو شافتني في الاسانسير بتنزل السلم ولو نزلت السلم وراها أو قدامها بتاخده في خمس ثواني علشان متبقاش جنبي، لو شافتني جاي بتغير طريقها ولو اتكلمت معاها في شئ عابر كده عينيها في الأرض مش بترفعها، ولو قعدت معايا في مكان واحد حتى لو حوالينا خمسين واحد بتحجج بأي حاجة علشان متقعدش، دي فضلت بالجوع ورمضيتش تقعد تاكل معايا انا وغادة ورحاب لما كنا معزومين عند عمي محفوظ، بتهرب مني طول الوقت أكني لو مسكتها هعضها
ارتفعت ضحكات كريم في الأجواء بعد أن كان يبكي وينوح منذ ساعتين، حتى عثمان ضحك على حديث ابنه مستمعًا لكريم الذي سحب الهاتف من حمزة وقال :
-بابا اتصرف وجوزهاله لأحسن يجيبلنا مصيبة، انا عارف حمزة لما عقله يطير من راسه
جذب حمزة الهاتف من يده قائلًا بنفس النبرة الغاضبة عندما عاد واستمع إلى صوت نور وهى تتحدث مع أحد وقد اختلط صوتها بالضحكات :
-قولي مين بتتكلم معاه كده وريحني، ابوها؟؟
-لأ
-عمها الصغير اللي اسمه حسن ده!؟
-لأ برضو سلام
أغلق في وجهه دون أن يقول له كلمة تريحه وتخفض من غضبه فألقى حمزة الهاتف أمامه وأدار سيارته بسرعة عالية هذه المرة تزامنًا مع قوله :
-انا هوصلك البيت وأروح لعمك محفوظ نشوف الآنسة التقيلة بتضحك مع مين
ابتسم كريم بشدة على أخاه العاشق إذ قال :
-حبتها أوي يا حمزة البنت دي
وضم الآخر شفتيه وعقد حاجبيه بعدم اقتناع ثم أجاب :
-لأ انا لسه محبتهاش، انا لسه في مرحلة الإعجاب
وما إن ختم حديثه حتى صاح به كريم بطريقة افزعته :
-إعجاب مين يا ابو إعجاب!؟ ده انت هتطق من الغيرة جنبي، عيب تبقى كاتب رومانسي وتنكر الحب
ضحك حمزة بخفة مُصرًا على رأيه :
-لا صدقني انا لسه محبتهاش فعلًا علشان لسه متعاملتش معاها، كل ده إعجاب بس
-إعجاب بس؟! طب بس انت وأطلع علطول على عمك محفوظ علشان مش هفوت انا اللحظة دي
وبعد أقل من ساعة توقف حمزة أمام البناية التي يقطن بها عمه وفور أن هبط من كريم حتى رأى يوسف ويونس يهبطان أيضًا من سيارتهما وتبدو الراحة على يونس على غير العادة فقال كريم ملقيًا عليهم التحية :
-ايه يا يونس مرتاح البال يعني!؟
وآماء الآخر بصمت فقد أنهى أخيرًا القضية المشؤومة هذه بعد أن وصل خبر من شرطة النجدة بإتصال من عادل وقد سلم نفسه وهو الآن في مبنى أمن الدولة للتحقيق معه، لا يعلم لما سلم نفسه ولكن عندما رآه بدا عليه الندم بوضوح، ولكن فيما ينفع الندم بعد أن سلم عقله لوسوسة الشيطان
تخطاهم حمزة والجًا إلى داخل البناية دون أن يلقي التحية حتى فقال يوسف بتعجب :
-ايه يا حمزة ماشي زي القطر كده ليه!؟
وأتته الإجابة من كريم وهو يلحق بأخيه بحماس لرؤية ما سيفعله وبالطبع قد لا يخلو الأمر من كلامه :
-أصله غيران
ولم يفهم لا يونس ولا يوسف المعنى من كريم، لذا لحقا بهما وصعدا المصعد معهما وعندما اقتربا من الطابق الذي يسكن به عمهم محفوظ حتى استمعوا إلى أصوات مرتفعة من الداخل وكأنه صراخ فقال يونس عاقدًا حاجبيه :
-ايه الصويت ده يكونش عمكم مات؟!
جحظت أعين يوسف بصدمة مما قاله أخيه ولم يبالي حقًا حمزة بما قال وخرج من المصعد فهذه ليست أصوات صراخ وإنما أصوات صياح وبعضها ناعم كصوت الفتيات، وقبل أن يصل إلى شقة عمه المفتوحة أبصر نور تخرج من الداخل بسرعة وفي يدها أوراق لعب صائحة بصوت شبه مرتفع :
-لا لا لا لا انت خمام اقسم بالله ما اضَّرِب تاني انا هاروح أروح
-نورهان
صاح بها حمزة وهو يقترب منها بخطوات سريعة ليجدها ابتعدت عن الباب بل وعنه تزامنًا مع خروج ياسر من الداخل وهو يضحك بقوة، وهذا ما آثار شعور الغيرة بداخل حمزة أكثر فهو يغار من ياسر كثيرًا بسبب تقربه من نورهان أكثر من أي فتاة أخرى في عائلته
بل وهناك وسوسة داخلية تقول له أن الفتاة المحجوزة من بنات علي لياسر هى نورهان فالأخرى صغيرة عليه ولا يراه يعاملها كثيرًا بل بالعكس أغلب حديثه مع نور :
-طب تعالي رايحة فين مش هخليه يضربك، تعالي خليتي الناس تتفرج علينا
وصاحت به الأخرى برفض شديد معاكسة لملامح وجهها الضاحكة :
-كداب يا ياسر وملكمش أمان انتوا الاتنين، ادخل معاك علشان الاقي ايده طرقعت على ضهري خليه يضرب براءة ولا عائشة شوية انا اضربت كتير النهاردة
-انت عايز تضربها ليه؟؟
نطق بها حمزة بحدة شديدة وهو يقف أمام نور يخفيها بجسده مثيرًا تعجب ياسر فلما يحادثه بهذه الطريقة الحادة، ولم يكد أن يتحدث إلا وسمع صوت عمه ماهر من الداخل يقول بصوت مرتفع :
-هات البت اللي هربت برا دي يا ياسر اللي مش كد اللعب ميلعبش
نظر حمزة نحو صاحب الصوت والذي ظهر من خلف ياسر وبدا أنه شاب في منتصف الثلاثينات أي في نفس عمر إسماعيل، وهناك شبه كبير بينه وبين زوجة عمه أسماء لذا توقع أن يكون إحدى اخوتها فهى تمتلك الكثير من الاخوة
كان سن ماهر قريب قليلًا من سن أبناء اخوته لذا يحب المزاح معهم، وكان يمازح نور والتي هربت للخارج خوفًا من تنفيذ حكمه عليها بعد أن خسرت في لعبة الأوراق أو ما تسمى "كوتشينة"
وعندما أبصر أربع شباب يقفون في الخارج حتى انقلبت ملامحه ونظر إلى نور بنظرة قوية جعلتها تطأطأ رأسها وتدلف بسرعة إلى الداخل وهذا بعد أن ابتعد هو وياسر من أمامها
أقترب يونس من حمزة قليلًا ومال عليه هامسًا بشئ آثار حنقه إذ قال بمكر :
-براحة يا حمزة لتولع من الغيرة، تلاقيه عمها ولا انت غيران من ياسر؟؟
ختم حديثه ودلف إلى شقة عمه وكان الوضع كالآتي الجميع موجود في البهو، والديه وعمه عثمان واسماعيل وغادة والفتيات هم الأربعة، وهذا بالإضافة إلى ياسر وهذا الضيف الجديد وعلى الأرجح أحد اخوة زوجة عمه الكُثر
ألقى التحية ودلف وخلفه ابني عمه وشقيقه، وهذا بالتزامن مع وقوف الفتيات حتى يفسحن مجال للقادمين فلن يكفي المكان كل هذا العدد، نظر حمزة نحو نور مراقبًا تحركها بتركيز شديد فهى لا تنظر إليه ولو بنظرة عابرة رغم أنها تراه مع الموجدين، ولكنها لا تبالي بوجوده
لم يتوقع أبدًا رد الفعل هذا بعد رسالته لها صباحًا ولولا أنه رآها تقرأ الرسالة لظنها تعامله كالعادي منها ولكنها قرأت ما كتبه لها إذًا لما هى ثقيلة إلى هذه الدرجة، وثقلها هذا يثير جنونه وفوق هذا الجنون شعوره بالغيرة من وجود ياسر، فهو حتى الآن يشعر أن نور مكتوبة لياسر لأنه ابن عمها لذا والدها لا يرسل لهم رده لا بموافقة ولا برفض
خرج من أفكاره هذه على جذب أسماء له بعيدًا عن الموجدين وقبل أن يسألها عن سبب جذبه هكذا قاطعته هى بنبرة تهديدية رغم انخفاض صوتها :
-اسمع يا ابن ناهد انا عارفاك صريح وجرئ في كلامك بس حسك عينك تفتح كلام مع نور ولا تبصلها حتى، ماهر اخويا قاعد وانا اخواتي طبعهم شديد ودمهم حامي متجبش للبنت الكلام منه سامع
آماء لها حمزة بطاعة فهو لا يود بالفعل أن يأتي لها بمشاكل من أحد، ولكن يريد من أحدهم الإجابة على أسئلته لذا سألها هى بطريقة مباشرة قائلًا :
-مرات عمي هى مين البنت اللي هيتجوزها ياسر من بنات علي صفوان، نورهان ولا أختها
تعجبت أسماء سؤاله هذا فمن الذي أخبره بهذا الأمر، ولم تجبه بسبب ظهور ماهر أمامهما متسائلًا بهدوء بعد أن ألقى نظرة خاطفة على حمزة :
-أم إسماعيل تعالي عايزينك برا
خرجت معه أسماء وقد لحق بهم حمزة وجلس إلى جانب شقيقه في البهو والذي كان يحادث عمه محفوظ الجالس بينهم وفي يده إبرة موضوع عليها شريط طبي لاصق :
-لا بس احنا توقعنا نيجي ونلاقيك في حال غير الحال، بس انت كويس أوي أهو يا عمي
حمحم محفوظ ساعلًا بخفة ثم قال :
-الحمد لله ده دور برد بس تقيل شوية تعبت نفسكم وجيتوا والله، جهزي عشاء يا أسماء أو ابعتي حد يجيب جاهز أسرع
-انا بجهز أهو والبنات بيساعدوني بس متخليش انت حد يمشي
نطقت بها أسماء وهى تعدل الوسادة خلف ظهره حتى يرتاح عليها فهو أصر أن يترك الفراش ويجلس معهم وقد أخرجه ماهر والفتيات بمزاحهم من أجواء المرض حتى أنهم جعلوه يلعب معهم بالأوراق
تحدث ماهر وهو يخرج عدة أوراق يحفظهم داخل ملف قائلًا :
-بصراحة جيت اسأل عليكي وماشي بس مكنتش أعرف إن محفوظ تعبان وادينا خرجناه من جوا الأوضة وبقى زي الفل، اتفضلي بقى قدام جوزك وعيالك ورثتك من أبوكي
نظرت الأخرى إلى الأوراق التي يقدمه لها ثم تساءلت بتعجب :
-ورث ايه بعد أكتر من خمسة وعشرين سنة، انا قولتلكم مش عايزة حاجة انت نسيت ولا ايه؟؟
-لأ منستش يا أختي بس حقك تاخديه واعملي اللي انتي عايزاه فيه وعبد الجواد كان هيجي معايا بس فيه كام حاجة حصلت في البلد وياسر هو اللي جه معايا
استقام من مكانه وأعطاها الأوراق بين يديها، فنظرت الأخرى إلى زوجها والذي بدوره رفع كفه بمعنى أنه خارج هذا الكلام :
-انتي واخواتك أحرار بقى انا اطلع منها دي
استقامت أسماء من مكانها وقد جذبت ماهر معها لغرفة أخرى بعيدًا عن البهو فقال عثمان بعد أن رحلت سائلًا شقيقه :
-مش مراتك اخدت ورثتها
-لأ هى قالت مش عايزة بس عبد الجواد كان بيزرع هو الأرض وبيبعت ليها الإيجار مش عارف ايه جد وبعت لإسماعيل من أسبوع وكتب نصيبها من الأرض باسمها واديه بعت الورق، بس انا برا الموضوع هما أخوات ويتصافوا مع بعض، اخدت الورث خير، مأخدتوش انا مش حارمها من حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نظر إلى الهاتف القابع بين يديه على رقمها لا يدري أيتصل عليها أم لا، ربما يتصل عليها بحجة أنه يريد فقط الاطمئنان عليها بعد ما حدث بصفقته أستاذ لها
تنهد بحزن وهو يلقي الهاتف أمامه فعلى من يخدع هو لا يشعر نحوها كأنها طالبة عنده بل أكثر من هذا، وهى رفضت وقطعت الطريق عليه فلما المحاولة عليه أن ينساها تمامًا
تحدثت والدته وهى ترفع امامه طبق به وجبة طعام جاهزة ثم قالت :
-يلا يا عاصم علشان تاكل وتاخد علاجك
أخذ منها عاصم الوجبة مردفًا بهدوء :
-انا عايز أخرج من المستشفى طيب
-الدكتور قال مش هينفع دلوقتي لازم راحة علشان جرحك يلتئم والحمد لله ده قال الرصاصة كان بينها وبين الكلية كام سنتي، الحمد لله ربنا سترها
نظر الآخر إلى الطعام بدون شهية ولكن عليه أن يأكل من أجل العلاج الذي يأخذه، طرق الباب وقد دلفت ابنته تالين قبل أن تسمع أحدهم يسمح لها بالدخول، راكضة نحوه بسرعة وهى تهتف بكلمة بابا ثم صدح بعدها صوت عايدة التي دلفت خلف ابنتها بسرعة :
-استني يا تالين براحة ده تعبان
رفعت ابنتها من على الأرض قبل أن تصل إلى والدها لتقول الأخرى بصوت طفولي وهى تمد ذراعيها نحوه فهى بالكاد بلغت الثلاث أعوام :
-بابا
لم ينتبه عاصم لها بل اندهش لعايدة نفسها وقد كان اندهاش والدته مضاعف إذ كانت أمامهما امرأة تشبه عايدة ولكن يقسمان على أنها ليست هى فهذه مختلفة اختلاف جذري بدايةً من الخمار الأزرق الطويل الذي يغطيها من الأمام والخلف ولا توجد خصلة واحدة تظهر منه
وإدناء متسع باللون الأسود، طويل يصل إلى الأرض فلا يظهر منها سوى وجهها وكفيها فقط، بينما وجهها خالي من مستحضرات التجميل فقط تُظهر بشرتها البيضاء بالنمش الموجود فوق انفها ووجنتيها
أوقفت عايدة ابنتها على قدميها مبتسمة بهدوء لنظرات الذهول المرسومة على وجه عاصم ووالدته :
-حمد الله على السلامة انا عرفت اللي حصل وإحنا برضو كنا عشرة فجيت اسأل عليك
ابتسم عاصم بهدوء يشعر أن وجهها قد أضاء بالحجاب :
-مبارك على الحجاب يا عايدة
جلست الأخرى على أقرب مقعد مبتسمة بحرج وهى تتابع تالين التي رفعت يديها إلى والدها حتى يرفعها له، وقد استجاب لها الآخر وجعلها تجلس إلى جانبه قائلًا :
-وحشتيني يا توتة مبقتش أشوفك كتير ليه؟؟ بتحبي تقعدي مع ماما أكتر مني، انا هستنى لما تكبري علشان تيجي تقعدي معايا
-هى لما تكبر هتاخدها مني يا عاصم؟؟
نطقت بها عايدة بخوف حقيقي من أن يأخذها منها لتقول والدة عاصم بتأكيد :
-أكيد لما تكبر هياخدها، هى علشان صغيرة دلوقتي فهى معاكي لكن لما تكبر هترجع لأبوها
رأى عاصم الحزن في عيني عايدة وانتقلت نظراته إلى تغيرها الملحوظ الذي لطالما طلبه منها فلما تغيرت هكذا بعد أن انفصلوا لما لم تستمع له من البداية، انتقلت نظراته لابنته وضمها بحنان، لقد كبر ولم يعد صغيرًا حتى لا يعلم ما الذي يريده وإن لم تكن شروق له فعليه أن يرى ما الذي بين يديه ويحافظ عليه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أشعل سيجاره في الشرفة بعيدًا عن باقي العائلة فهم يتناولون الطعام الآن بينما هو لا يشعر بالجوع بل يفكر في القادم بعد زواج رقية وأخيه هل سيظل هو عازب أم ماذا؟!
لقد طلبت منه والدته عشرات المرات مقابلة عدة فتيات في جلسة صالونات، أي فتاة لا يعرفها وسيتعامل معها لأول مرة ولكنه رفض هذا الأمر في كل مرة تطلب منه، ليس لأنه يريد الزواج عن حب بل لأنه يعلم أن الزواج بتلك الطريقة تضمن إخفاء العيوب وإظهار العروس لأفضل ما لديها ليتفاجأ هو بعيوبها بعد الزواج
لا يريد أن يتزوج أي فتاة والسلام، والأصعب أن لا فتاة قد جذبت تركيزه لها.... عداها هى
نظر إلى جانبه في الشرفة الأخرى حيث كانت تجلس شروق وهى تضع رأسها على سور الشرفة دون انتباه لما حولها، فهى حتى لا تراه يقف منذ دقائق طويلة بداخل الشرفة الأخرى
نفث الدخان في الهواء وعينيه عليها فهى لم تتحرك منذ فترة لذا شك أنها نامت فناداها بنبرة عادية قائلًا :
-لو هتنامي نامي جوا مش في البرد ده
لم تسمعه أو ربما تجاهلته لذا اقترب من السور أكثر محدقًا بها في تركيز ليتبين له أنها تضع سماعات الأذن وتنظر إلى هاتفها وليست نائمة لذا لم ينادي عليها مرة أخرى، بل استند بيده على السور والأخرى يمسك بها السيجار وهناك بسمة جانبيه على وجهه يسأل نفسه سؤال
لما تعجبه هذه الفتاة؟!
ربما لأنها تطاولت عليه أكثر من مرة وهو يعشق النوع الذي يرد له الكلمة بعشر
المرأة القوية المتمردة وهى كذلك، حتى أنها تمردت على كل الأحداث التي حدثت لها ونفتهل من عقلها ونكرتها تمامًا
جريئة فقد أخرجته من السيارة بمفردها ولم تتركه وتهرب تحت كلمة "انا مالي"
تثير غضبه وسخطه أجل ولكنها تثير إعجابه وبشدة، ولكن إن قطعتموه إربًا لن يبدي لأحد بهذا ولا حتى لأقرب الاقربين له، فهو ليس مثل حمزة الذي يغازل نور علانيةً، أو مثل يوسف الذي يتعامل مع براءة بعفوية، أو مثل إسماعيل الذي يحتوي غادة بكلمات داعمة حنونة
هو يونس ومختلف عن الجميع، لا يغازل بل يقول ما في صدره دون الاكتراث لأحد، ليس عفوي بل ذكي مراوغ، لا يعرف شيئًا عن المرأة لذا لا يعلم كيف يتعامل معها أو ما الكلمات التي قد تجعل المرأة تلين للرجل، هو مغرور لذا لا يبدي إعجابه بأي شئ حتى إن كان يعجبه حقًا
لديه الكثير من الصفات الذميمة ولكن هذه هى شخصيته ولا يستطيع تغييرها، فالطبع قد غلب التطبع
أخرجه من تفكيره صوت كريم وهو يدلف إلى الشرفة مناديًا عليه :
-ايه يا يونس قاعد هنا وسايب حمزة شايط برا ده انا قولت هتبقى أول الموجدين علشان تشمت فيه... هو انت بتبص على ايه؟!
دفعه يونس أمامه قبل أن يدلف ملقيًا بالسيجار من الشرفة وقد خرجا من المكان نحو البهو حيث كان يجلس الجميع بعد إنتهاء العشاء، حتى الفتيات موجودات بإستثناء شروق، وعلى الأرجح هناك قصة قديمة تروى نظرًا لملامح الحنين المرسومة على وجوه عميه ووالده
جلس إلى جانب أخيه يستمع لنور والتي هتفت بفضول مستغلة أنهم يحكون قصص قديمة لهم :
-بابا بيقول جدي صفوان أكتر حد كان يحبه هو انتي علشان بنته الوحيدة والباقي أولاد، على كده يا عمتي هو جدي وافق كده عادي تتجوزي بعيد عنه؟!
وأتتها الإجابة من محفوظ بنفسه إذ قال ساخرًا :
-آه عادي وافق بسهولة حتى لسه بابا بيقول عايزين بنتك لابننا قال على بركة الله
عقدت براءة حاجبيها فيبدو أنه يسخر منهم إذ قالت :
-هو انت بتتريق؟!
وأجابها محمد بنبرة ضاحكة مجيبًا :
-أكيد طبعًا بيتريق ده اتقدملها يطلع خمس مرات، مرة مع أمي كلمت أمها ومرة اختي توحيد كلمت أمها برضو وأبوها يبعت الرفض مع مراته، يتهد محفوظ؟ لأ يكلم أبوه يقوله انا عايز بنت عمي صفوان وابويا كلم عمي صفوان وهو رفض بذوق وقاله البنت لسه صغيرة، مع إنه زمان كانت البنات بتتزوج بدري وهى كانت ١٧ سنة تقريبًا علشان فاكر هى وعثمان كانوا من سن بعض، سكت محفوظ شوية ورجع قال تاني جوزهالي، يا ابني ما ابوها رافض شوفلك واحدة غيرها، لأ هى يعني هى، ورجعت أمي كلمت أمها وبرضو مفيش موافقة، أمي وقتها قالت يمين عظيم ما ياخدها أربع مرات ويقولوا لأ هو انا ابني وحش
وافقه كريم هذا الحديث هاتفًا بذهول :
-وربنا معاها حق ايه يا عمي الإصرار ده كله؟! أربع مرات وتترفض أين هى الكرامة؟ أومال لو كانت حلوة
أخرجت أسماء صوتًا متهكمة دليلًا على سخطها وقبل أن ترد عليه سبقتها عائشة بقولها الحانق :
-ايه لو كانت حلوة دي؟! ده أمي بتقول عمتي أسماء أحلى واحدة فيه العيلة، كفاية عينيها اللي وقعت عمك فيها
ضحك محفوظ معترفًا بالحقيقة وبكل صراحة :
-أكدب لو قولت لأ هما اللي وقعوني فعلًا، كان صيف ورجعت أجيب غداء للناس اللي بيشتغلوا في زرعتنا علشان أمي اتاخرت وكان فيه واحدة طالعة من بيتنا لابسة أسود بس مش أمي ولا توحيد فقولت أكيد خالتي، روحت سلمت وقولت ازيك يا خالة ألاقي وش كده حلو اترفع وعيون ملونة لا هى عسلي ولا هى خضرة بس من الشمس حسيتها بتنور، معرفش بقى حصلي ايه أو هى قالت ايه ومشيت، دخلت البيت وسألت أمي مين ياما البت اللي طلعت من هنا قالتلي دي أسماء بنت عمك صفوان، ومن وقتها وانا معرفتش أشوفها تاني وهموت واشوفها، مكنش عبد الجواد بيخليها تطلع كتير وانا عايز أشوفها روحت قولت جوزهالي
تبسمت أسماء لزوجها على تذكره لمثل هذه الذكريات التي مر عليها أكثر من ثلاثين عام لتقول رقية بفضول لمعرفة باقي القصة :
-طب واتجوزتها ازاي؟!
-من كتر الزن على أبوها وافق، ومن وقتها والناس عارفة إنك تتجوز واحدة من عيلة صفوان يبقى هتشرب المر، صح يا ياسر؟؟
نطق بآخر جملة موجهًا حديثه لياسر بالأخص فضحك الآخر مدركًا ما يقصد :
-آه والله فاضلي حبة وابوس ايد عمي علي علشان يجوزني بنته
خجلت عائشة بشدة مما قال ونكست رأسها مدعية العبث في الهاتف، لتصيح نور به بمزاح قائلة :
-عيب يا عم ياسر ولاحظ إني قاعدة
نكزتها براءة في كتفها هامسة بضحك :
-بس ليقوم ياخدك قلمين علشان انتي اللي واقفة في جوازته
مال يونس على حمزة الذي لم تزاح عينيه عن ياسر ونور بعد قولهم هذا، ليهمس له بكيد :
-حد شامم ريحة شياط؟؟ تحب اجيبلك جردل مياه يا حمزة تطفي به نارك
نظر له الآخر بطرف عينيه ضاغطًا على فكه بضيق شديد وحتى الآن لم يجد إجابة سؤاله، مَن التي يقصدها ياسر فقد خجلت عائشة ولكن ما قالته نور يحير أيضًا، وفي كلتا الحالتين لا يطيق وجود ياسر بينهم
تحدثت أسماء منادية على ابنتها رحاب حتى تضع شاي للموجدين فقالت نور وهى تستقيم من مكانها هروبًا من نظرات حمزة لها فبالله تشعر أنه سيحرقها بنظراته ولا تعلم لما :
-رحاب بترضع بنتها أعمل انا
-ماشي اعملي ستة شاي واتنين قهوة وواحد نسكافية علشان حمزة
-بس انا معرفش أعمل قهوة هتتعمل ازاي؟!
حدقت بها أسماء بدهشة مرددة :
-متعرفيش إزاي تعملي قهوة؟؟
-معرفش علشان مش بشربها ولا حد في بيتنا بيشربها غير عائشة، وماما مش بتدخلها البيت أصلًا بتقول مُرة ملهاش عازة
دفع ماهر عائشة بخفة حتى تقف قائلًا :
-طب قومي اعملي انتي قهوة واعمليلي انا برضو بلاش شاي ليا
استقامت الأخرى ودلفت مع شقيقتها تزامنًا مع نظر ماهر للتوأم يونس ويوسف سائلًا براءة :
-على كده مين فيهم الدكتور يوسف
أحتارت براءة بينهما مرة ثانية وقد ظلت لخمس ثواني تنظر للإثنين دون إجابة ليأتي الرد من شروق والتي أشارت تمامًا نحو يوسف قائلة :
-ده هو
رمقتها براءة بتعجب فكيف علمت أنه هو بينما ابتسم يوسف بضحكة خفيفة قائلًا :
-لأ شاطرة جبتيها صدفة ولا تعرفي الفرق فعلًا؟!
نظرت شروق نحو يونس والذي رمقها بنظرة غربية لم تفهمها ولكن تكذب إن قالت أنها لم تثير اهتمامها، ونظراته هذه هى التي تستطيع بها أن تفرق بينهما، فيونس نظراته قوية نبرته جامدة أو ساخرة في بعض الأحيان عكس يوسف تمامًا :
-فيه فرق كبير بينكم بغض النظر عن ان الشكل واحد، بس حتى الصوت والنظرات وطريقة الكلام كل ده مختلف
أشار يوسف نحو براءة هاتفًا بمزاح :
-اتعلمي منها بقى
دفع ماهر براءة من جانبه هاتفًا بجدية :
-قومي خدي اختي وشوفوا الشاي يلا اتحركي
ولم تعارضه براءة بل تحركت وجذبت شروق بصعوبة فالأخرى كانت تنظر بقوة إلى يونس الذي لم يحيد بنظراته عنها، وهى أيضًا لم تفعل تريد أن تفهم ما مغزى هذه النظرات المريبة
هى جريئة في الكلام والأفعال وليس مثل باقي فتيات العائلة، لا تقول أنها لا تخجل بل تخجل مثل أي فتاة ولكن الخجل عندها أسفل العادي لذا تتطاول على أي شئ لا يعجبها أو يزعجها
دلفا إلى المطبخ مع الفتيات لتقول براءة لها بشئٍ من الحدة :
-ايه يا شروق كنتي باصة ليونس قوي كده ليه
وأجابتها الأخرى بنبرة عادية غير مبالية بشئ :
-هو اللي كان بيبص ففضلت بصاله علشان يشيل عينه بس انتي اللي سحبتيني
تابعت نور وعائشة هذا الحوار لتقول عائشة وقد فتحت الموضوع مع شروق فحتى الآن تتعامل بطريقة عادية مع الجميع :
-شروق انتي فاكرة حصل ايه عشية ولا انتي نسيتي خالص
حدقت شروق بها بصمت دام لخمس ثواني قبل أن تقول وهى تخرج هاتفها وكأنها تذكرت شئ هام :
-صح فكرتيني أقول لماما تبعتلي صورة لمقاس النظر بتاعي على الواتس علشان أعمل واحدة غير اللي ضاعت
ختمت حديثها وخرجت من المطبخ هاربة من اسئلتهم وهاربة من التفكير في أي شئ يخص ما حدث البارحة، فحدق الثلاث فتيات ببعضهن بحيرة لا يعلمن ما الصواب لفعله في حالة شروق
أيتركنها تتماشى مع النكران وتعود لحياتها وكأن شيئًا لم يحدث، أم يضغطن عليها إلىٰ أن تنفجر وتخرج ما تكتمه بداخلها
وهن لا يفقهن شيئًا في علم النفس لذا قررن الإختيار الأول وهو الأنسب في هذه الظروف
وقف ياسر أمام المطبخ بعدما كان متوجهًا إلى المرحاض ولكنه مشغول الآن لذا أراد أن يشاكس عائشة قليلًا لذا قال :
-عائشة اعملي الشاي سكر خفيف ليا
وأجابته عائشة ببسمة محرجة فهى لا تصنع الشاي بل نور وهو يرى هذا بعينيه :
-حاضر يا ياسر
ابتسمت له براءة بسماجة قائلة :
-مش قالتلك حاضر لسه واقف ليه اطلع برا يلا
-وانتي مالك انت هو انا واقف على راسك
نطق بها بنفس نبرتها تزامنًا مع فتح باب المرحاض وقد خرج منه حمزة يجفف يديه وعندما رأى ياسر يقف بالقرب من المطبخ ابتسم ابتسامة غريبة وهناك فكرة مجنونة متسرعة قد قفزت لعقله وسوف ينفذها
اقترب من ياسر راسمًا على وجهه ملامح هادئة ثم قال :
-ازيك يا ياسر أخبار جرح ضهرك ايه؟؟
انتبهت نور لصوت حمزة الذي ظهر في المكان وقد ارهفت السمع دون النظر، تسمع ياسر يجيب عليه :
-الحمد لله أحسن من الأول
-مش يوسف قالك بلاش حركة كتير ده يدوب فات أسبوع على اللي حصل جيت ليه بس وتعبت نفسك
-مش بحب قعدة البيت علشان كده جيت وهبقى أنزل الشغل بس من غير إجهاد يعني
ارتفعت همهمات براءة في الداخل هى نور فنظر نحوهما حمزة ثم عاد بنظره إلى ياسر مبتسمًا بمغزى :
-صحيح هو انت خاطب؟! قولت برا إنك تقريبًا كده متكلم على بنت عمك علي
آماء ياسر له مهمهمًا بإيجاب وكان من الفطنة التي تجعله يدرك ما السؤال التالي لحمزة، فهو لا يسأل عنه من باب معرفة أحواله والإطمئنان عليه، بل يريد أن يصل لشئ في عقله وها هو حمزة يسأله السؤال الذي توقعه إذ قال :
-نورهان ولا عائشة بقى
اتسعت أعين نور رامقة حمزة بصدمة لجرأته على أن يسأل سؤالًا كهذا لا يخصه في شئ، وبالطبع لم تستطع أن تنبس بكلمة لا هى ولا عائشة ولا براءة، فقط يتابعن ما يدور بصمت في إنتظار إجابة ياسر، والذي ابتسم له مجيبًا بنبرة هادئة يحسد عليها :
-عائشة يا حمزة، نورهان وبراءة وشروق وباقي بنات عمي كلهم زي إخواتي
اتسعت بسمة حمزة على وجهه براحة متمتمًا بجملة عادية وهو يتخطاه :
-ربنا يكملك على خير
ختم حديثه وعاد إلى البهو فنظر ياسر إلى نور بالذات من دون الموجدات ولم ينبس بكلمة بل اتجه نحو المرحاض واكتفى بإلقاء نظرة غامضة لنور سببت الارتباك لها، أخذت تقلب الشاي هاربة بنظراتها من عائشة وبراءة، ثم أعطت الصنية لبراءة قائلة بإختصار :
-طلعي الصنية انا هاروح أصلي العشاء
خرجت أمامهما وقد نادت على عمتها أسماء وهى تقف في آخر ممر الغرف منتوية على وضع النقاط على الحروف، وتضع حدًا لحمزة الذي وصل به الأمر إلى إرسال رسائل وهدية لها مع شقيقته
ربما أصابها الخجل كأي فتاة عندما قرأت الرسالة ولكن عندما فكرت في الأمر باقي اليوم شعرت بتأنيب ضمير حاد لأنها قبلت الهدية من شاب لا تعرفه ولا تربطه بها صلة وأنها هكذا تخون ثقة والديها وترتكب ذنبًا، ما كان عليها الصمت على مغازلته لها منذ البداية فبصمتها وعدم إيقافه عند حده أعطت له مساحة وجرأة أكثر لدرجة أنه بعث لها رسالة وهدية
هى ليست هكذا ولم تعطي فرصة واحدة لأي شاب أن يتجرأ على الحديث معها، فحتى كلمة صباح الخير لم تكن تقولها لرجل إلا في أضيق الحدود ومن باب الذوق فقط، حتى تقطع أي فرصة لأي شاب من تعدي حدوده معها
وكانت تأخذ نفس التصرف مع حمزة ولكن الآخر جرئ بشدة، وبإختصار لن تطلب منه تركها وشأنها بل ستطلب من عمتها أن تحرجه وتوقفه عند حده ففكرة أن يتزوجها هذه لن تتم وهى تعلم وعليه هو أيضًا أن يعلم حتى يتوقف عن جنونه هذا
أتت أسماء لها هاتفة بتساؤل :
-فيه ايه يا نور؟ وفين الشاي؟!
-خليت براءة توديه بصي يا عمتي قولي لولد سلفك ملوش دعوة بيا ويطلعني من دماغه، انا عاملة إحترام لأبوه وأمه علشان هما ناس محترمين وكتر خيرهم مقعدينا في عمارتهم بإيجار لا يذكر، وانا مش بحب المشاكل من النوع ده بالذات وبتقي شرها علشان محدش يقول كلمة وحشة عليا بس كفاية كده
توجست أسماء لحديثها وقد جذبتها إلى غرفتها بعيدًا عن مسامع الجميع قائلة بخفوت ونبرة متوجسة :
-عملك ايه؟؟
ترددت نور في الإفصاح لها فلا تحب التحدث عن حياتها الشخصية لأي أحد فحتي والدتها لا تحادثها إن تطاول شاب في الحديث معها، فقط تصده وتتكتم الأمر، وحتى حين كانت تتعرض للتنمر في صغرها لم تقل لأحد بل كانت تصمت على حقها وتسكت، وهذا ما جعلها تجد صعوبة في التحاور مع الأخرى على حياتها فهى من النوع الذي لا يحب مشاركة أسراره حتى مع أقرب الاقربين
-يا بنتي اتكلمي عملك ايه متخليش دماغي تودي وتجيب
نطقت بها أسماء بحدة تخشي أن يكون حمزة تعدى الكلام معها إلى مرحلة أكبر وإن كان فعل هذا وتعدى حدوده معها فسوف تقوم بتعنيفه أمام والديه، بنات اخوتها أمانة في رقبتها ولن تصمت إن ازعجهم أحد
شعرت نور بالتوتر أكثر ولكن عليها التحدث مع أحد ليتوقف حمزة عن اللف والدوران حولها ولا يوجد من هو أقرب من عمتها في هذه الغربة لذا تشجعت في الكلام :
-بصي يا عمتي هو مقربش مني وانا أشهد علشان لو كان عملها كان هيبقى فيه تصرف تاني، بس هو بيحاول يتكلم معايا وانا بصده، وقدامك حصل بيعاكسني قدام الكل ومش مراعي حتى إن ده حرام ومينفعش وسبق وكلمني على الفيس بأكونت مش باسمه وانا عملتله بلوك، والصبح بعتلي هدية مع أخته، الله أعلم بنيته ايه وحشة ولا زينة بس في كلتا الحالتين انا متربية على الحلال والحرام وعمري ما امشي مع واحد من وراء أهلي ولو كان أحسن بني آدم على وش الأرض، طالما في الضلمة يبقى ميلزمنيش
-بس هو طلبك من أبوكي تعرفي ده؟!
نطقت بها أسماء بنبرة ذات مغزى وقد اندهشت نورهان حقًا لما قال فلم يصل لها هذه الخبر من والديها، وطالما أنه لم يصل إذًا هما يرفضان وهذا متوقع منهما، فليس حمزة أول شاب من هذه المدينة يتقدم لها ويتلقى الرفض
استرسلت أسماء في حديثها قائلة بضيق فهى غير راضية على رفض أخيها :
-بس أبوكي رفض هو وأمك علشان مش عايزين يجوزوكي بعيد عنهم ومش أول واحد يتقدملك من هنا ويرفضوه، صحيح مش عاجباني طريقة حمزة ومعاكستوا ليكي قدامنا بس انا عارفاه والله ومربياه وعارفة إنه مش بتاع لف ودوران على البنات، هو يحب الشعر والغزل وأحيانًا بيتغزل في اللي قدامه لو عايز يناكشه ده مرة عاكسني، هو ايوه هبت منه كذا مرة قدامنا وهبت أكتر لما يبعتلك هدية من غير حاجة رسمي بينكم، أنا مش ببرر موقفه بس انا عارفة إنه عمل كده علشان عنده عشم إنك هتبقى خطيبته أول ما ابوكي يوافق
تذكرت نور ما كتبه في رسالته لها وعن أمر سفره إلى الصعيد مع عائلته من أجل أن يطلب يدها ولكن سيُكسر خاطره وفرحته حين يعلم رفض والدها، لا تنكر أنها أُعجبت به فهو وسيم بشدة وذو مظهر راقي ولسانه المعسول هذا يجعل أي فتاة تقع في عشق كلماته، ولكنها دائمًا ما تضع دينها وثقة والديها أمام أعينها لذا كانت تصده طوال الوقت وتحاول صد وقع كلماته الساحرة عليها
حمحمت بتوتر وحرج وهى تسألها بنبرة مترددة :
-وهو عرف إن بابا رفضه؟!
وجلست الأخرى على الفراش إلى جانبها لاوية شفتيها بعدم رضا :
-لأ لسه ما هو عثمان متكلمش مع علي علطول بعت مع محفوظ وهو كلم ابوكي ورد نفس الرد المعتاد منه، شايهم مشروب انا مش هجوز بناتي بعيد عني والجيزة "الجوازة" البعيدة تغور، رفض المحامي والأستاذ حتى المهندس يكونش مستني وزير الوزراء؟!
ابتسمت نور على رد والدها فهى تعلم لما يرفض أي رجل يطلب يدها ويكون مسكنه بعيدًا عن بلدهم، هو ووالدتها ينظران نظرة مستقبلية :
-أشك لو حتى وزير الوزراء وبعيد عن بلدنا هيرفضوا علشان هما خايفين في يوم من الأيام يبقوا فيه لوحدهم ومحتاجين اللي يساعدهم ويشيلهم وميلقوش حد علشان غرَّبوا بناتهم بإيديهم، تعرفي بابا وافق على ياسر مع إن عائشة كانت لسه ١٦ سنة بس علشان هو ولد عمها وضامن إنها مش هتبعد وعلى الأقل خالص هتيجي يومين في الأسبوع تقعدهم معاهم، وانا بصراحة مقدرش ألومهم على رفض أي واحد يفكر ياخد بنتهم بعيد وهما معندهمش غير بنتين، يجوزوهم بعيد ويقعدوا وحديهم في الآخر؟!
آماءت أسماء متفهمة جيدًا وجهة نظر أخيها المستقبلية مردفة بتوافق :
-معاه حق الغربة وحشة أوي يا بنتي انا كنت ببكي علشان ابويا وأمي وحشوني، وزمان مكنتش التليفونات منتشرة وفي الصعيد بالذات، تقريبًا في كل بلد صغيرة تليفون واحد أرضي
ربتت على كتفها ثم استرسلت وهى تقف من جانبها :
-انا هاروح أقول لناهد وعثمان كل شئ قسمة ونصيب، ويقولوا لحمزة ينسى موضوعك خالص
لا تنكر نور أنها شعرت بالحزن لأن الموضوع سينتهي قبل أن يبدأ حتى، ولكن كما قالت عمتها كل شئ قسمة ونصيب والنصيب في واقعنا المرير هذا يتغلب على كل شئ حتى على الحب...


الثاني والاربعون من هنا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close