رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثالث 3 بقلم آية الطري
٣- اللقاءات الأولى
جميل أن تتجاهل حزنًا عميقًا بداخلك وتقول؛ قدَّر الله ما شاء فعل.
+
اللهم صلِّ وسلم على خير خلقك أجمعين
+
---------------
+
يمشي بزيِّه الرسمي الأنيق، مصففًا شعره بقصة عصرية تليق به، ودخل ذلك القصر الفخم وسط الحرس المنتشرة حوله، ليصطحبه أحدهم نحو مكتب " سلمان منصور " الجالس على كرسيه بشموخ ليقول:
_ " انت الحارس اللي باعته رشيد باشا المصري؟! "
+
رد راجح بإبتسامة رسمية:
_ " بالظبط يا فندم "
+
نظر سلمان في ساعة يده في استعجال قائلًا:
_ "تمام، أنا استعلمت عنك وفعلًا طلعت مناسب للأمانة اللي سايبهالك، بس خليك فاكر لو اتخدشِت اترحم على نفسك وعلى عيلتك كلها "
+
لو تعامل راجح بشخصيته الحقيقية لكان أخرج رصاصة من سلاحه استقرت في جبهة ذلك الذي يهدده بعجرفه لكنه لم يعطِ الأمر اهتمامًا بل وقال:
_ " روحِي فدى معاليك والهانم الصغيرة يا باشا "
+
رفع سلمان رأسه بإستعلاء ووقف متجها للخارج وهو يقول:
_ " مسك بنتي فوق في أوضتها، بسلمك كل تحركتها ومواعيد خروجها ودخولها، المهم عندي مايتأذيش منها شعرة "
+
أومأ راجح بطاعة:
_ " تمام يا فندم "
+
حضر عيسى مدير أعمال سلمان قائلًا بعجلة:
_ " يلا يا باشا عشان تلحق الطيارة "
+
مشى سلمان معه وخلفهم راجح الذي وقف مع الحرس يودع السفير حتى خرجت سيارته من البوابة متجهة للمطار، تاركًا خلفه حكايات ستبدأ منذ هذه اللحظة.
+
نظر راجح للشاب الواقف جواره والذي قال بتنبيه:
_ " خد بالك بقى عشان آنسة مسك عنيدة جدًا وممكن تغفلك وتهرب وتبقى حكمت عليك بالموت "
+
ابتسم له راجح بإصفرار وتركه ودخل، لا تتعجبوا فهذا هو راجح لا يحب الاختلاط بتاتًا خاصةً أثناء تأدية عمله،
+
وقف في منتصف القصر وعينيه تفحص تفاصيله، ينوي الكثير والكثير، وما أن أعطى ظهره للدرج حتى سمع خطوات مهرولة خلفه فاستدار فورًا، وبسرعة بديهية تلقى جسد صغير بين ذراعيه مانعًا إياه من السقوط،
+
بدأت تتأوه بين يديه من إلتواء قدمها، بينما هو مازال يستوعب أنه يمسك بخصر فتاة شقراء بأعين زرقاء دامعة وإلى هنا واعتدل وهي معه تقول بألم:
+
_ " ااه رجلي، رجلي اتكسرت "
+
_ " اهدي، استنى هشوفها " قالها بعملية وأجلسها على الدرجة قبل الأخيرة من السلم ورفع قدمها قليلًا وهو يسأل:
+
_ " حصل ايه طيب؟! "
+
ردت بملامح موجوعة:
_ " كنت نازلة بسرعة وبعدين رجلي اتلوت وكنت هقع "
+
تأفف بضيق وأمر بجدية:
_ " ماتصوتيش "
+
لم تفهم مقصده قبل أن تصرخ صرخة دوت في أرجاء المكان بعد أن لوى قدمها بحركة مدروسة كي يعيدها لحالتها الأولى،
+
خبطت قبضتها بالأرض وبكت بقوة وهو تصرخ فيه:
_ " آه يامتخلف انت عملت ايه؟، انت مابتفهمش!! "
+
إن لم يمنع نفسه لكان كسر فكها دون تردد لكنه أردف من تحت أسنانه:
_ " كنت برُدهالك يا فندم، عشان تصحى يافندم، حتى اتحركي عليها يا فندم هتلاقيها بقت تمام يا فندم "
+
ردت بإستنكار وسخرية ومازالت تنوح وتبكي:
_ " اسكت انت ماتعرفش حاجة فاكر نفسك دكتووور! "
+
ضغط على شفته السفلى بأسنانه ثم بادر بعصبية:
_ " مش دكتور بس بعرف أتصرف مش بقع وأنا نازل السلم شبه الأهطل "
+
رفعت نظرها له بصدمة ووقفت بسرعة شاهرة سبابتها في وجهه تردف بغيظ:
_ " يعني أنا هاطلة؟، انت لازم بابي يطردك يا قليل الذوق "
+
لا هو ليس بذلك الشخص الذي يُهان دون أن يتدخل جهازه العصبي وبالفعل وجد نفسه يمسك عضدها بقوة مهددًا:
_ " ورب العرش لو لسانك ده طِول بكلمة كمان لأبلَّعهولك باقي عمرك "
+
تسارعت أنفاسها من نظراته المرعبة وتوعده لكنها لن تترك كبرياءها يضيع على يدي حارس، فسحبت يدها بسرعة وصاحت :
_ " دا انت مجنون بقى، يا يوسف، يا زفت "
+
تقدم المدعو يوسف الذي كان يشاهد منذ قليل بعدما دخل على صرختها:
_ " نعم، تحت أمرك يا مسك هانم "
+
ردت برأس مرفوعة وعجرفة:
_ " ارموا الوقح ده برا ومتدخلوش الأشكال دي هنا تاني "
+
نظر يوسف لراجح المُضيق عينيه وأسنانه تأكل شفتيه من الداخل في صورة تعكس مدى تحامله على أعصابه، فأردف يوسف ورأسه مُطأطأ:
_ " الصراحة يا آنسة مسك، سلمان باشا هو اللي جايبه وهو بس اللي يؤمر أنه يمشي"
+
عقدت ملامحها بعدم رضا وقالت بحدة:
_ " ايه الكلام ده! وبابي جايبه ليه أصلًا؟ "
+
هنا أخرج راجح أول نفس أخذه من سيجارته التي أشعلها الآن وقال بإستفزاز:
_ " حارسك الشخصي يا فندم، يعنى الكعب ده (أشار لقدمها) مش هيخرج برا الباب ده من غير إذني يا... فندم "
+
هزت رأسها تضحك بسخرية:
_ " دا انت بتحلم، مجنون ده ولا ايه! "
+
رد يوسف بإقرار:
_ " الصراحة دي أوامر سلمان باشا "
+
صاحت بصدمة واستنكار:
_ "ا What!!! لأ بقى دا أنتم كلكم مجانين، أوعوا من وشي، أنا خارجة وعايزة أشوف هتمنعوني ازاي "
+
خبطت صدر راجح بغضب وأوشكت أن تتخطاه للخارج بعناد لكنها وجدت نفسها معلقة على كتفه الصلب يصعد بها الدرج تحت صراخها وصدمة يوسف وبعض الخادمات المدعيين للتنظيف لتقول احداهما لابنتها:
_ " يا خرابي هو أهبل ولا ايه !، ازاي يعامل الست هانم كدة؟!"
+
ردت فتاة في عمر مسك تقريبًا قائلة بسخرية:
_ " على رأيك ياامة دا مش بعيد تقطع عيشه، ( ثم أردفت بإعجاب) بس لفحها على كتفه زي كيس الجوافة وما اترفش ليه جفن "
+
طالعتها أمها بسخرية قائلة:
_ " طيب ياختي يلا نشوف شغلنا مالناش دعوة "
+
أما في الطرقة العلوية كانت تضرب ظهره بعنف وتلوح بقدميها في الهواء كي يتركها:
_ " سيبني يا حيوان، سيبني يا بارد يا متحرش، دا أنا هخلي بابي يسجنك "
+
ابتسم بسخرية وتمتم بغيظ:
_ " بابي وأبو بابي، دلع ماسخ "
+
ثم أنزلها في منتصق غرفتها التي عرفها عن طريق لون بابها الأنثوي اختلافًا مع باقي الغرف، وقال بهدوء فجائي:
_ " لما عنادك يكون نهايته أذاكي يبقى بلاها عناد، حكِّمي عقلك يا آنسة واعرفي إن خروجك برة ممكن يوصلك للموت، ولحد ما سلمان باشا يتخلص من أعداؤه حافظي على حياتك"
+
نظرت له لثواني وهي ساكنة وأنفاسها متسارعة بهيئة مبعثرة سلبت تركيزه قبل أن تدخل في ثوران فجائي جعلها تتحرك محطمة كل شيء حولها وحنجرتها تصرخ:
_ " هو من امتى يهمه حياتي؟؟؟، بيكذب عليا ولا على نفسه، دا انسان أناني، سيبوني في حالي بقى، اخرج... اخرج، غووور، اخرجوا كلكم... "
+
أخذت تصيح عليه ليخرج وتقدمت تدفعه للخارج تحت ذهوله من تحولها وبكائها الهيستيري فاستجاب لدفعاتها ليخرج وتغلق الباب بعنف ثم تسدد له بعض الضربات التي تؤذيها هي فقط،
+
أما راجح فوقف خارج الغرفة مشدوه من تصرفها حتى قاطعه صوت نفس الفتاة التي كانت تحدث أمها بالأسفل قائلة:
_ " ماتستغربش، مسك هانم كدة دايمًا متبترة على العيشة اللي عايشاها، ولابسة دور المسكينة الوحيدة، فكك منها، دي ناس مابتقرش بخير... ألا اسم الكريم ايه؟ "
+
ناظرها راجح بتفكير عميق مستفهمًا:
_ " انتِ شغالة هنا من زمان؟ "
+
ردت وهي تداعب خصلاتها بدلال:
_ " يهمك؟ "
+
في لمح البصر ارتسمت على شفتيه ابتسامة لعوبة شقية وغمز بوقاحة:
_ " لو مايهمنيش يهم مين؟ "
+
التمعت عينيها بغرور أنثوي وتشدقت:
_ " شغالة هنا من صغري مع أمي أصلها مدبرة المنزل ومسئولة عن كل الخدم اللي في القصر، و... اسمي فرحة "
+
نطقت اسمها بدلال فرد بنفس النبرة الملتوعة:
_ " باين على وشك يا فوفَّة، أنا راجح، هو... ماعندكومش أكل هنا؟ "
+
أومأت بلهفة:
_" طبعًا فيه، ولو مافيش أطبخلك بإيدي"
+
غمز مرة أخرى بعينيه الخضراء الساحرة وأردف بغزل:
_ " يسلمولي يا أبيض "
+
---------------
+
تمشي بشعر طويل مجعد بشكل فوضوي وملابس عبثية تدل على عدم اهتمام شخصي وتشرد، دخلت مكان شعبي اعتادت التواجد به في الفترة الأخيرة، اقتربت من شاب يظهر عليه الإجرام واقف يدخن في بداية الشارع وما أن رآها قال بسخط:
_ " يا دي الليلة اللي باينة من أولها، انتِ تاني؟!، يابت أنا لو قولت للريس هيقطعك ويرميكي في الزبالة "
+
نظرت له بمسكنة وقالت برجاء:
_ " بقى كدة يا حريقة، دا بدل ما تتوسطلي عند المعلم وتخليه يسرحني زيكم ما انت شايف الحال من بعضه "
+
رفع الفتى حاجبه مع جانب فمه قائلة باستنكار وحنق:
_ " انتِ هتصاحبيني يا بت ولا ايه!! ولا عشان ربنا بالينا بيكِ من أسبوع بقيتي مننا وعلينا؟! كلي عيش بعيد يا شاطرة وخدي جنب من سكتنا "
+
مالت على أذنه بخبث قائلة:
_ " طب مش يمكن ربنا باعتني ليك انت بالذات عشان نكبر سوا ونبعد عن الفقر وشغل القطاعي ده"
+
نظر لها ببعض الاهتمام وسأل بسخرية:
_" دا اللي هو ازاي يعني، دا انتِ مش لاقية تاكلي "
+
ابتسمت داخليًا فالهدف لان أخيرًا، ردت عليه بخبث دفين وثقة:
_ " وصلني انت بس للمعلم وهناك هتفهم كل حاجة "
+
هنا رمى سيجارته وأمسكها من ملابسها بقوة قائلًا بِشرّ:
_ " انتِ حكومة يا بت ولا ايه؟ ، دا انتِ واقعة أبوكِ سودة "
+
هُنا ارتعبت حقًا وحركت رأسها برفض قاطع وأردفت بصدق:
_ " و ربنا ما حكومة، هي الحكومة فاضيالكم أصلًا _ثم دمعت بتأثر وحزن شديد_ أنا.... أنا بس كنت شغالة في الكار من وأنا صغيرة وبعدين اتمسكت ودخلت الأحداث وخرجت اشتغلت كذا شغلانة ماجابوش همهم، فقولت مابدهاش بقى وعايزة أرجع أوزع تاني عشان أعرف أصرف على نفسي وعلى أمي اللي المرض هدها "
+
تأثر بحالتها فقال بتحذير:
_ " هكلملك المعلم بس وعزة جلالة الله لو طلعتي لبش وبتحوري لتحصلي ضحايا المعلم "
+
هزت رأسها يمين ويسار وقالت بتأكيد:
_ " اخص عليك دا أنا أعجبك أوي "
+
طالعها بنظرات غريبة وابتسامة جانبية وسأل بخبث:
_ " انتِ في السليم يا بت ولا مدوراها"
+
شهقت بشعبية وردت بدفاع:
_ " مدوراها دا ايه؟!، عينك يا بابا لأخزقها "
+
اتسعت ابتسامته وغمز قائلًا:
_ " عسل، اخفي بقى على ما أديكِ خبر، سلامات يا مخربش"
+
تركها ورحل بينما تحولت نظراتها الرخيصة لأخرى خبيثة ونظرت حولها سريعًا ثم انصرفت،
+
على بعد بسيط كان يراقبهما من خلف زجاج سيارته فابتسم ابتسامة سنايبر الخاصة وأردف بإعجاب:
_ " شكلك مش ساهلة يا ست نور، عجبتني المقدمة، الظاهر هحب المهمة دي أوي "
1
أما نور فخرجت من الحارة واتجهت لسيارة سوداء حديثة الموديل مصفوفة بعيدًا عن مرأى العين، ركبت سيارتها تلك وأغلقت زجاجها معتم الرؤية، وتأففت خالعة عنها تلك الملابس البالية ناظرة لشعرها الهائش بحنق قائلة:
_ " على ما أخلص الحكاية دي مش هيفضل فيا حاجة نضيفة، بقى ده شعري الكيرلي المفلفل، عليك العوض يا رب "
+
-----------------
+
يرتشف قهوته بيد واليد الأخرى منغمسة مع عينيه في الأوراق الموضوعة على مكتبه في مبنى المخابرات.
+
سمع تنهيدات زميله فارس في الكرسي المقابل وبعدها سمعه يقول:
_ " ها يا سيف، ناوي على ايه؟!، وخد في اعتبار انك مهمل قضية الديب بقالك فترة وحسب آخر معلومات هو استقل بشغله عن المافيا التابع ليها و..."
+
رفع سيف اصبعيه كإشارة لطلب الصمت وهذا ما إلتزمه فارس لدقائق حتى وقف الآخر بشبح ابتسامة وقال بإقرار:
_ " يعني بنت أخوه مش بتطلع من الڤيلا نهائي!!، اللي مش فاهمه لما بيخاف عليها أوي كدة وعزيزة على قلبه ليه مادعمهاش تكمل دراستها؟! "
+
رد فارس وملامحه متحيرة:
_ " شوف حسب اللي وصلتله ان البنت دي ماكانتش عايشة معاه من صغرها، وماجابهاش بيته غير وهي سبع سنين، بس كانت فين ومع مين الله أعلم، وليه دوَّر عليها وجابها بعد سنين برضو مش عارف "
1
همهم سيف ثم سأل بإهتمام:
_ " والدها ووالدتها متوفيين من امتى؟! "
+
_ " وليد الصيفي انتحر بعد ما قتل مراته وعشيقها في بيته، الكلام ده من عشرين سنة تقريبًا "
+
عقد سيف حاجبيه بتعجب من الواقعة تلك، استكمل فارس كلامه:
_ " صحيح يا سيف الفترة الجاية هكون مشغول في قضية جديدة، وللأسف مش هقدر أراقب اللي اسمه حسام ده ف.. "
+
أومأ له سيف رافعًا عنه الحرج بعدما قال:
_ " ولا يهمك عندي اللي يكمل المهمة، تشكر يا فارس"
+
ثم وقف ساحبًا مفاتيحه قائلًا بجدية وعملية كبيرة:
_ " يلا بينا لازم نتناقش مع اللوا شاكر في قضية الديب، عندي معلومات جديدة "
+
رمش فارس بصمت الاستغراب ثم أردف بدهشة:
_ " انت اتوصلت لحاجة جديدة؟ امتى وازاي ؟! "
+
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي الڤامبَيَر ونطق بثقة ونبرة مرعبة:
_ " زمان كنت بنام بعين مقفولة والتانية مفتحة، النهاردة عينيا الاتنين ماباقتش تعرف نوم، اللي راح مش شوية، القصَاص لشريف قصاص عاجل ومن الكل، والجاي مافيهوش امتى وازاي، الجاي فيه تم وبس "
+
-------------------
+
التفتت حولها جيدًا قبل أن تستقل المقعد المجاور له في سيارته برهبة رغم أنها المرة الثانية التي يُهوِّن الشيطان عليها نفسها وعِرضها لتُجالس رجل لا يحل لها في الخفاء،
+
ابتلعت ريقها ونطقت بعجلة:
_ " مش معنى اني طلبت أقابلك يبقى تتعود على كدة، ده مش هيحصل تاني من غير ارتباط رسمي "
+
اختفت ابتسامته الخبيثة ونطق باستغراب به بعض التودد:
_ " ليه كدة بس يا سلمى، وأنا اللي سايب شغلي وجاي طاير على أساس حنيتي عليا؟ "
+
انزعجت من نفسها وتسرعها الذي أوصله للحزن كما تعتقد، فأخذت نفس عميق وقالت:
_ " بص يا حسام، أنا ما أنكرش اعجابي بيك وانك أول شاب قلبي عطاه فرصة يقرب مني لدرجة نتقابل سوا في السر، بس أنا واثقة فيك فعلًا وشوفت في أخلاقك اللي يطمني من ناحيتك... "
+
صمتت فجأة بعدما لمس يدها القريبة منه والتي سحبتها سريعًا قائلة بحدة مصحوبة بالخجل:
_ " حسام لو سمحت مش بحب كدة "
+
تغاضى عن اعتراضها وبدأ يلقي كلمات حانية بصوت أجش عاشق:
_ " أنا فضلت سنة كاملة بحاول أقربلك لحد ما ربنا حنن قلبك عليا، حبيبتي أنا بقيت بجتهد أوي في الشغل عشان بابا يوافق على مبدأ ارتباطي ويثق ويتأكد أني بقيت قد المسئولية وبعدها هييجي الجزء الحلو، أتقدملك وأبقى معاكِ قدام الناس كلها من غير كسوف، سلمى أنا بحبك "
+
أين الحب في رجلٍ يبحث عن مكان نائي ليلتقي بكِ كما لو كنتِ ذنب يخجل البوح به أمام الناس، أين الحب في جعل الله أهون الناظرين؟!!!
+
خجلت سلمى من كلماته كثيرًا وأخذت تعبث بيدها وحجابها غافلة عن الأسهم المقززة الخارجة من عينيه السلبية، جمعت شتات نفسها وقالت ببعض الثبات :
_ " المهم عشان اتأخرت، أنا عايزة أسألك عن شغل والدك كمال الصيفي "
+
لاحظت نظرات الترقب والتعجب الخارجة منه لتُدلي بمقصدها سريعًا:
_ " قصدي انت شغال معاه في ايه وكدة؟!، كلمني عن مستقبلك "
+
لاحظ توترها وعلم بوجود مغزى خلف تساؤلها لكنه ادعى البساطة قائلًا:
_ " ماشي ياستي هحكيلك عن شغلي لو ده يهمك "
+
بدأ يُحادثها في أمور عديدة مما شتت فكرها وهذا ليس لغبائها الواضح، لكن أيضًا لدهاء الجالس أمامها، فهو بالفعل لا يعلم شيء عن شغل والده سواء القانوني أو ما وراء الستار، هذا آخر همه، أينشغل بالعمل ويترك هواه ومزاجه مع النساء والمواد المخدرة!!؟، غير تلاعبه بالفتيات التي أصبحت سلمى احداهن وان كانت لم تقع له إلى الآن كما يريد،
+
اطمأنت لعدم تورطه في شيء يضره وقالت:
_ " تمام، أنا بس جالي فضول أعرف، خصوصًا إنك مش بتجيبلي سيرة عن شغلك رغم إني كنت بشوفك في الشركة في الشهر اللي نزلته تدريب عندكم"
+
ابتسم بحب مزيف وقال:
_ " دا كان أجمل شهر في حياتي رغم الردح اللي شبعتيني بيه قدام الموظفين لما اتهورت وقلبي ساقني وعاكستك بس انتِ كنتِ عنيدة ومعقدة أوي يا سلمى تعبتيني وتعبتي قلبي اللي عايش يحلم بقربك"
+
كالعادة، الصغيرة خجلانة من كلمات الشاطر حسن كما تحسب، لا تعرف أنه الثعلب الماكر المتربص للفتك بأحلامها الوردية، أيقن قرب الهدف من الوقوع في فخه، مما جعله يمدح نفسه وجاذبيته التي تجعل الفتيات تهيم به كما يُصور له غروره،
+
استدركت تأخرها على والدتها التي تعتقد بوجود ابنتها في الجيم النسائي المعتادة التردد عليه، انصرفت بعدما أعطته وعدًا بإعادة اللقاء للمرة الثالثة، لكن لا تعلم أنها ستكون المرة الآخيرة مُرفقة بصفعة قوية ستُضاف في صفيحة أخطائها التي بدأت برسالة صغيرة على أحد تطبيقات التواصل منذ ثلاثة أشهر، وانتهت بلقاءات سرية تحت بند لقاء العشاق المنتظرين للحلال، أوا يُنجبُ الحرام حلالًا !!!!
+
----------------
+
نزلت أمام العمارة السكنية القاطنة بها في تلك المنطقة الراقية، لتجد خالها جالس مع البواب يرتشفان الشاي ليردف الخال مكملًا حديثه دون أن يلاحظ وصول نور التي يُعدها ابنته:
_ " أهي دي بقى يا سيدي قصة بنتي الفلتانة اللي ماعرفتش أربيها"
+
رد البواب المدعو راضي بزهول:
_ " يالهو بالي!! يعني بتك بقالها يومين لا حس ولا خبر وانت سايبها كدة على حل شعرها، دي لو بتي كنت طخيتها عيارين وخلصت عاري. "
+
رد عامر محركًا رأسه يمينًا ويسارًا بمسكنة:
_ " كبرت وماعادتش تسمع كلامي، بس انت معاك حق أول ما تظهر هجيبها من شعرها وأفرج عليها الشارع كله، أومال ايه دا احنا رجالة أوي "
+
_ " خالو "
نطقت بها نور الواقفة خلفه عاقدة يدها حول صدرها وتنظر نحوه بِشر، تهللت أساريره ونهض ملهوفًا يستقبلها بين ذراعيه قائلًا بعتاب وقلق حقيقي:
_ " كدة يا نور قافلة تليفونك من أول امبارح وقلقاني كدة!!، شغلك هيوديكِ في داهية وهتحرقي قلبي عليكِ "
1
حنت لكلماته وارتخت ملامحها ضاممة نفسها إليه قائلة بصدق:
_ " حقك عليا يا حبيبي، لولا سرية الشغل كنت كلمتك، صحتك عاملة ايه أخدت كل أدويتك؟ "
+
بدأ يطمئنها وأخذها وصعد نحو الشقة الخاصة به، بينما نظر البواب في أثرهما بصدمة:
_ " رجالة آخر زمن، قال هجيبها من شعرها قدام الشارع كله، راجل بُق صحيح "
+
دخلا الشقة سويًا، ليستقبلهما صوت غاضب حانق مردفًا:
_ " أهلًا أهلًا بحضرة المحامية اللي مشرفانا أهلًا، أهلًا برد السجون أهلًا "
+
خرج عامر للبلكون قبل أن تعنفه زوجته بالكلمات على فشله في التحكم في ابنة أخته بينما لوت نور شفتيها بحنق مردفة وهي تخلع حذاؤها:
_ " يا مرات خالي بالله عليكِ ما تشغلي الأسطوانة دلوقتي، وبعدين ايه رد السجون دي؟ أنا دخلت الحبس أربع أيام بمزاجي عشان أوصل لمعلومات مهمة ماعملتش جريمة يعني "
+
قاطعها صوت فضيلة التي صاحت بسخط:
_ " ماعملتيش حاجة أبدًا، فضحتينا بس وشوهتي سمعتنا، وطفشتي العرسان اللي بيجولك، حسبي الله فيكِ "
1
_ " يادي النيلة عل العرسان وسنين العرسان دا أنا ٢٣ سنة يا عالم يعني لسة طفلة طفلة "
+
_" قصدك شحطة" هكذا زجرتها فضيلة زوجة خالها وكادت تكمل حديثها الساخط
+
لكن توقفت عندما خرج من غرفته مراهق بنظارة دائرية وهيئة مجتهدة قائلًا بضيق هادئ:
_ " لو سمحتوا يا جماعة مش عارف أذاكر من أصواتكم، ممكن تلتزموا الهدوء لحد ما أخلص "
+
ردت نور محركة حاجبيها بمرح قائلة:
_ "و هو انت بتخلص يا أستاذ معتصم الملتزم، بس تصدق ليك وحشة يا ولا، خُش في حضن أخوك "
+
اقتربت لتحتضنه لكنه رفع يده ومنعها سريعًا قائلًا بغضب:
_ " لو سمحتي يا آنسة نور ماتقربيش مني أنا مابقيتش صغير، حافظي على الحدود بينا من فضلك "
+
رفعت جانب شفتها بسخرية وضحكت بقوة قائلة بإستهزاء:
_ " ياد دا انت ١٤ سنة، دا أنا لو اتجوزت بدري كنت خلفتك، الله يرحم أيام ما كنت بحمِّيك أنا وأمك"
1
احمر وجه الفتى من الإحراج ونفخ صافعًا باب غرفته في وجوههم.
+
بينما انهارت نور من الضحك وضحكت فضيلة هي الأخرى واقتربت ضاربة نور على مؤخرة رأسها بخفة قائلة بعتاب:
_ " بطلي بقى، الواد كبر وبيتكسف الله! "
+
ردت نور بإبتسامة حنونة:
_ " بهزر معاه، ربنا يحفظه، آه يا مرات خالي لو تشوفي أطفال الشوارع اللي في سنه وأصغر منه بيُستَغَلوا ازاي في الشغل الشمال!!، عاملين زي العرايس اللعبة في ايد ناس معدومة الضمير بتستغل ظروفهم ويُتمهم في الفساد، وفي الآخر الطفل لو اتمسك يدخل الأحداث ويضيع مستقبله وتدمر نفسيته ويخرج أسوأ من الأول وينعدم ضميره وتموت روح البراءة اللي فيه "
+
دمعت أعين السيدة وقالت بأسى:
_ " حسبي الله ونعم الوكيل في أهاليهم اللي رموهم لكلاب السكك تنهش فيهم "
+
هنا ارتسمت ابتسامة مريرة ساخرة على وجه نور قائلة بحزن دفين:
_ " بس دول أهاليهم ميتين أو ظروفهم صعبة، الدور والباقي على اللي عايشة في رعب متوقعة الموت في أي لحظة من شخص حابب ينتقم من أبوها"
+
تألمت السيدة من كلمات نور واقتربت مرتبة على ظهرها قائلة:
_ " بعيد الشر عنك ياضنايا، ربنا يعمي عيونهم عنك كارهين نجاح أبوكِ.... تعرفي رغم أنك بنتي اللي ماخلفتهاش بس نفسي تروحي تعيشي تحت جناح عارف باشا..... مش عارفة ايه اللي زعلك منه أوي كدة، ده روحه فيكِ "
+
احتضنتها نور وبدأت تخبئ دموعها قائلة:
_ " وأنا كمان كنت بحبه بحبه أوي..... ونفسي أفهم ليه عمل فيا كدة "
4
لم تسألها فضيلة عن مقصدها التي تأبى الإعتراف به فأخذت تهديها قائلة:
_ " طب بس خلاص هقفل على السيرة.... أصلًا عايزة أكلمك في حاجة ضرورية أمك موصياني أفاتحك فيها "
+
ابتعدت عنها نور قليلًا وهي تجفف دموعها وسألت بإنتباه:
_" خير نرجس هانم عايزة مني ايه كمان؟؟ "
+
استنشقت فضيلة نفسًا عميقًا ونبست بهدوء:
_" انتِ عارفة أنكم ماشاء الله معارفكم ناس كبار وراقيين وانتِ ماتنفعيش غير لعيلة منهم.... وكل يوم بيتقدملك بدل العريس عشرة عش...."
+
استشفت نور ما ترمي إليه فقاطعتها مردفة بتهكم:
_ " بلاش كلام في المواضيع دي يا أم حازم لو سمحتي "
+
أغمضت فضيلة عينها بحزن ثم فتحتهما بعدما امتلأتا بالدموع:
_ " حازم ابني الله يرحمه، إنما انتِ لسة صغيرة والدنيا قدامك ان شاء الله، فوقي بقى لنفسك و ادي للحياة فرصة تعشيها زي بقيت البنات، مش انتِ أول ولا آخر واحدة خطيبها يموت، هتفضلي قافلة على قلبك لحد امتى يابنتي؟! "
+
سالت دموع لا ارادية من عيني نور وقالت برفض قاطع كعادتها:
_ " أنا بعد حازم مش شايفة حد، لو سمحتي يا مرات خالي بالله عليكِ ورحمة حازم ماتكلمنيش في الموضوع ده تاني، انتِ كدة بتوجعيني "
+
أومأت لها فضيلة بمسايرة كي تهديها فهي تعلم المرحلة القادمة هي الإنهيار إن ضغطت عليها أكثر من ذلك فقالت بهدوء:
_ " خلاص ياحبيبتي، ادخلي ارتاحي على ما أحضرلك عشا، بس ماتعيطيش بقى "
+
أومأت لها نور ودخلت غرفتها لتنفجر في بكاء شديد جالسة أرضًا، تنعي حبيبها الذي اختطفه الموت منذ ثلاث سنوات، وقد شعرت بعدها بفقدان لذة الحياة، فقد كان لها الأهل و الأخ والحبيب.
+
-----------------
+
أدخل والده لغرفته واطمئن على صحته، ووقف في البلكون ينتظر ردها هاتفيًا حتى وصله صوتها الغاضب:
_ " أخيرًا بكر بيه افتكر الكلبة اللي مش معبرها!، وياترى بقى شايف شوفة جديدة ولا زهقت حضرتك؟! "
+
أغمض عينيه برهة ونطق بهدوء ليمتص غضبها:
_ " وحشتيني "
+
سمع صمتها يليه صوت ساخر:
_ " لا والله ما هو باين، كتر خيرك، انت عارف منظري بقى ايه قدام أهلي كل ما يسألوني عليك، مابيتكلمش ليه؟ ومابيجيش ليه؟! أخباره ايه؟! "
+
ظل على نفس هدوءه رغم حزنه من عدم اهتمامها بحالته خاصة وقد علمت من أبيه بوفاة أحد أصدقائه:
_ " حقك عليا يا حبيبتي، والله العظيم ماكنت قادر أكلم حد "
+
ردت بثوران مضاعف:
_ " وهو أنا أي حد، اللي زعلان يقعد خمس أيام مكتئب؟! دا لو أنا مش هتزعل عليا كدة يا بكر "
+
رد سريعًا وبلهفة:
_ " بعيد الشر عنك، ماتقوليش كدة عشان خاطري، الفراق صعب أوي يا ناهد "
+
سمع تأففها ثم صوتها الذي هدأ قليلًا:
_ " وهتصالحني ازاي بقى؟! "
+
ابتسم بحب وقال:
_ " زي ما تحبي، أنا تحت أمر عيونك "
+
أردفت ناهد بلهفة آمرة:
_ " تاخدني نعمل شوبينج ونقضي النهار كله برا، و... اه كان فيه ساعة عجبتني على موقع كدة مش فاكرة اسمه ه..."
1
قاطعها بموافقة نابعة من قلبه:
_ " من عيوني يا روحي، هتجيب كل اللي نفسك فيه، صافي يا لبن "
+
شعر بفرحتها بعدما قالت:
_ " هو أنا أقدر أزعل منك يا كوكي، وأكيد انت هتعتذر من ماما عشان فكراك مطنشها ومنظري بقى وحش أوي قدامها "
+
تنهد بصوت مسموع وقال بطاعة حانية:
_ " هصالحها حاضر، ممكن بقى نتكلم في حياتنا شوية، بقولك وحشتيني وانتِ ماردتيش "
+
هذه المرة ردت بدلع أسعده مبدئيًا:
_ " وانت كمان وحشتني أوي، تخيَّل صحابي كلهم كانوا كابلز امبارح في خطوبة ميرنا وأنا كنت لواحدي بجد زعلت أوي منك على الموقف ده، ماكانتش عارفة أبررلهم غيابك ازاي"
+
وجد نفسه يبعد الهاتف عن أذنه وينظر للسماء بهم ثقيل على صدره فهو الآن لا يحتمل عتاب أبدًا
+
_ " بكر روحت فين؟ "
+
أعاد الهاتف لأذنه وقال بأعين قد دمعت رغم ثبات صوته:
_ " بكر حزين أوي يا ناهد أوي "
+
ردت ناهد بدون تفكير:
_ " يا بكر الحي أبقى من الميت بقى، هو انت هتكمل نكد! كدة كتير بجد"
+
لم يكن هذا هو الرد الذي ينتظره ولأول مرة يشعر بالنفور من طباعها رغم حبه لها وتقبله لكثير من مساوئها التي يأمل أن تتغير بعد ذلك، وجد نفسه تلقائيًا يعاتبها قائلًا:
_ " هو ده ردك على حزني يا ناهد؟! "
+
شعرت بتسرعها فحمحمت وحاولت إصلاح ما وصله:
_ " مش قصدي يا حبيبي بس بحاول أبسط عليك الأمور، يعني شايفة انك مزودها على نفسك أوي، فاهمني "
+
_" اممم " هكذا سايرها قبل أن يقول:
_" خلاص نتقابل بكرا يا حبيبتي، هروح أتأكد لو بابا محتاج حاجة"
+
هكذا تحجج كي يغلق المكالمة رغم أن والده نائم الآن، لكنها قالت بحنق طفيف لتذكرها بإصرار بكر أن يأخذ شقة زواجهما أعلى شقة والده كي يكون معه دائمًا:
_ " طيب ياحبيبي، سلملي عليه "
+
ودعها وأغلق الهاتف وقبل أن يدخل سمع صوت ضعيف يأن كأنه يبكي، أخذ ينظر حوله حتى توصل لمصدر الصوت والذي خرج من الشقة المجاورة لهما الخاصة بذلك الشاب الصغير كما أخبره والده،
+
احتار قليلًا وأخذ يتذكر اسم الشاب كي ينادي عليه ليتأكد أنه بخير، حتى خرجت منه كلمات هادئة محرجة قليلًا:
_ " نعمان، احم، نعمان "
+
سمع صوت شيء انكسر وهذا ماحدث بالفعل عند نعمان، الذي وقف فجأة بأعين مصدومة بعدما استمع لصوت أحد ينادي اسمه وقد أسقط كأس المياة الموضوعة جانبه بالخطأ، أخذ الفتى ينظر حوله ومسح دموعه سريعًا متوجهًا للبلكون، قائلًا بلهفة وصوت متحشرش:
_ " بتنادي يا أستاذ صلاح "
+
رفع بكر عينيه لذلك الجسد الضئيل الذي ظهر أمامه، كان شاب قصير بوجه أملس وملامح رقيقة كأنه طفل ليس مراهق حسب معلوماته،
+
حمحم بكر ليجلي بصوته بهدوء:
_ " انت بقى نعمان ؟! "
+
تفاجأ بكر بتوتر الفتى وابتلاعه لريقه بل ورده بنبرة خائفة:
_ " ااا آه... أنا نعمان... هو هو حضرتك ابن عمي صلاح؟! "
+
أومأ له بكر واقترب من الصور الفاصل بين الشرفتين ومد يده قائلًا:
_ " اه ابنه، اسمي بكر "
+
أخذ الفتى يعبث في يديه قبل أن يقربها من يد بكر الممدودة ويسلم عليه ثم سحب يده سريعًا، أما بكر فشعر بتضارب غريب من هيئة الفتى وتصرفاته بل وملمس يده المرتعشة فقال ببعض المرح المقصود:
_ " انت عليك تار يابني وهربان ولا قصتك ايه؟، مالك خايف كدة؟! "
+
هز الفتى رأسه بنفي وقال بثبات مزيف رغم معالم الخوف التي تملكته:
_ " لأ تار ايه!!، أنا أنا مش هربان، ليه بتقول كدة؟! "
1
رأى بكر انكار الفتى المفضوح بالنسبة له ولم يتمالك نفسه بل انفجر في الضحك تحت تعجب الفتى الذي أخذ ينظر لبكر بإطالة ثم أردف بحنق:
_ " حضرتك بتتريق عليا؟ "
+
توقف بكر عن الضحك وقال بجدية مزيفة:
_ " أبدًا مش بتريق ياسيدي، ماتزعلش نفسك أوي كدة، قولي بقى انت منين و لا أهلك فين؟! "
+
عاد نعمان لتوتره وقال:
_ " أنا أنا أهلي تعيش انت، و كنت عايش في اسكندرية مع خالتي لحد ما ربنا افتكرها، والشقة اللي كنا قاعدين فيها صاحبها جه أخدها وأنا عشان تحت السن خوفت ياخدوني الملجأ فجيت على هنا مع واحد أعرفه وهو اللي أجرلي الشقة دي "
+
لو كان يحدث رجل عادي لم يتمكن من معرفة كذبه الذي استشفه بكر بسهولة، بل وعرف أشياء أخرى جعلته يركز في معالم الفتى قائلًا:
_ " معاك بطاقة؟! "
+
تفاجأ نعمان من طلب بكر لكنه أومأ بتأكيد:
_ " آه طلعت بطاقة أنا قربت أكمل ١٨ سنة "
+
رد بكر بجدية:
_ " محتاج أشوفها عشان حوار المحل اللي بابا حكالي عنه"
+
أومأ له نعمان ودخل ليأتي بها وهنا اتسعت عيني بكر بتفاجؤ كان يكتمه أمام الفتى كي لا يعرف أن أمره افتضح ونطق بذهول:
_ " معقول!! هو فيه كدة؟! "
1
خرج نعمان بالبطاقة وقدمها لبكر الذي نظر بها وابتسم مردفًا بمكر:
_ " شعرك طول عن صورتك في البطاقة "
+
حرك نعمان يده في شعره الحريري الواصل لأعلى رقبته وقال بثبات مصطنع:
_ " ه..هبقى أقصه "
+
أرجع له بكر البطاقة وقال بخبث أكبر:
_ " وماله ابقى قصه، أصل مطلعك شبه البنوتة بوشك اللي زي كف ايدي ده "
+
أقسم أنه رأى الدمع في عيني الفتى ليشفق بكر على حاله قائلًا:
_ " بس عادي وأنا في سنك ماكانش طلعلي لا شنب ولا دقن برضو "
1
ارتاحت أنفاس نعمان وقال بحشرشة:
_ " آه فيه ناس كدة، عن اذنك هدخل أنام تصبح على خير "
+
_ " وانت من أهل الخير "
+
--------------
+
في يومٍ جديد و مكان جديد على الأحداث والذي لم يكن سوى حارة صغيرة أقل من البسيطة بسكانها الذين أخذوا من ضيق الحال أسلوب حياة، ندخل لمنزل صغير متهالك قليلًا
+
_" يا ماما هاتي فلوس الدرس بقى هتأخر الله! " قالتها مراهقة في عامها السادس عشر لوالدتها التي تكاد تجن وهي تبحث في غرفتها البسيطة وفراشها المتهالك عن الأموال.
+
_ " استني يا سها الله لا يسيئك...." قالتها والدتها بغلب وضيق
+
ثم انعقدت ملامحها تتوقى القادم وهي تدعي برجاء أن يخيب ظنها: "يارب ما يكون اللي في بالي صح... لأجل حبيبك النبي يارب دول هما اللي في الدار "
+
تأففت سها بضيق ونطقت بتزمر:
_" يوووه البنات مستنييني برة وأنا قولتلهم دقيقة هجيب الفلوس هيفكروا ايه دلوقتي وأنا كل ده ماخرجتش؟!"
+
رفعت السيدة ذات الخمسة والثلاثين عامًا نظرها لإبنتها وقالت بعتاب وحدة:
_ " وانتِ كل اللي شاغل بالك صحابك هيقولوا ايه؟ مايقولوا اللي يقولوه يابنت بارم ديله "
+
قرصت الفتاة أسنانها وخرجت منها نظرة تمرد وغيظ وهي تتحدث بوقاحة:
_ " اتريقي بعدين هتجيبي الفلوس ولا بلاها دراسة ودروس واحراج؟ "
+
تمالكت حالها كي لا تدمع في مثل هذا الموقف فالمال البسيط التي ادخرته بأعجوبة خلال هذا الشهر اختفى من مكانه وابنتها تقف أمامها تهددها بترك دراستها وكل ما يهمها مظهرها في أعين رفقائها، أعلم أن الأمر للبعض عادي لا يستدعي البكاء لكن بالنسبة لعتاب كان معضلة صعبة الحل،
+
اقتربت من ابنتها وزجرتها بحدة وهي تقول:
_ " بعد ما صرفت ابتدائي واعدادي وطلع جلدي في القرش جاية على الثانوي وتقولي بلاهة دراسة... دا أنا أشرب من دمك يابت عرفة... انجري روحي درسك وقولي للمدرس هتجيبيهم الحصة الجاية مش هنطير ولا صابحة تاخدي الأسانس( ليسنس) "
+
اهتاجت الفتاة وهي تقول بصوت مرتفع محتج:
_ " يالهوي بعد ده كله ومفيش فلوس طب و المصحف ما..."
+
_" اكتمي " صرخة فيها والدتها هكذا وأكملت بهم:
_ " هطلع أستلفهم لك من الست نهال... ياكشي تبطلي حجج وتحسوا بيا شوية "
+
بالفعل خرجت سريعًا وهي تستغفر وتتحسر على ضياع الأموال:
_ " ماشي يا عرفة والله ما هعديهالك المرة دي "
+
وصلت عند باب المنزل المقابل وتفرك يديها بعضهما من الإحراج لكن ما باليد حيلة طرقت الباب وانتظرت ثواني قبل أن يفتح لها شاب صغير قائلًا بإبتسامة ودودة:
_" تعالي يا عمة ادخلي "
+
تفاجأت قليلًا وقالت بإبتسامة:
_ " جيت من الدرس امتى يا نوح؟ ومارجعتش البيت على طول ليه؟! "
+
شعر بالإحراج قليلًا وقال ببعض الإرتباك:
_ " رجعت حطيت الكتب فلقيت سها بتذاكر وماحبتش أزعجها.... فجيت أطمن على الخالة نهال وسالي جات من الكتاب على هنا هي كمان"
+
ابتسمت له بحنان وفخر وقد فهمت عدم رغبته للإختلاء بابنة عمته اجتنابًا للشبهات فرتبت على صدره بشكر وقالت:
_ " سها خارجة دلوقتي روح غير هدومك وكل غداك حطاه في أوضتك وابدأ مذاكرة على طول أنا عايزة مجموع كبير يرفع راسي "
+
ابتسم لها وانصرف بعد أن قال:
_" بعون الله "
+
دخلت هي لتجد ابنتها سالي ذات التسع سنوات تجلس جوار السيدة نهال أمام مكتبتها الصغيرة
+
_ " هو انتِ يا عتاب!، وأنا أقول نوح سرح في الكلام مع مين، تعالي " قالتها تلك السيدة الستينية بترحاب
+
ردت عتاب بإحراج واستعجال:
_ " لأ أنا جاية في طلب على الواقف "
+
أما في الشارع مشى نوح بخطوات بطيئة نحو منزل عمته تحت همسات صديقات سها الواقفات ينتظرنها بالخارج، أشاح بنظره عنهن وعقله في حيرة من دخول المنزل
+
_ " بالله عليك يا نوح نادي سها عشان اتأخرنا " قالتها احداهن بنبرة لم تروقه بعدما استشف منها ال...سهوكة
+
دون تفكير دخل المنزل وهو يتأفف فوجدها واقفة تهز قدمها بضيق وعلى وجهها علامات الغضب فحمحم وقال بهدوء:
_ " كلمي صحباتك يا سها "
+
كاد يدخل غرفته لكنها أوقفته وقد تبدل حالها لأخرى تبتسم بخبث وقالت:
_ " هو انت مش المفروض جيت من ساعة، روحت فين؟! "
+
رد بإختصار:
_ " روحت أشوف خالة نهال لو محتاجة حاجة "
+
أوقفته مرة أخرى وهي تتشدق بلؤم:
_ " ولا اتكسفت تدخل البيت وأنا لوحدي؟ "
+
استدار لها وسأل بهدوء:
_" وده يزعلك في حاجة؟ "
+
ردت ببراءة مزيفة:
_" لا أبدا، انت بس محبكها شوية احنا اخوات يعني، على العموم خد راحتك أنا خارجة يارب عمتك تخلصني وتديني الفلوس بس"
+
انتبه لها وقد تغاضي عن طريقتها وقال بجدية:
_ " عايزة كام؟ "
+
ابتسمت بتفاجؤ ونبست ببعض السخرية:
_" ايه ده هتديني تاني!، لأ دا انت فلوسك كترت اليومين دول! ياترى اشتغلك تبع أهني جماعة بدقنك دي؟! "
+
رمقها بغيظ وكاد يلقي عليها كلمات عقلانية لعلى وعسى ينصلح حالها لكنه تراجع في الوقت الحالي، وأخرج ورقتين من فئة المائتين جنيه وقدمهم لها قائلًا بجمود:
_" اتفضلي ادفعي للدرس وشوفي لو ناقصك حاجة... فلوس حلال على فكرة "
+
التقطتهم منه بفرحة قاصدة لمس يديه لإستفزازه ونجحت في ذلك وأردفت:
_" ميرسي بجد يا نوح انت أحسن... ابن خال في الدنيا "
+
تركها ودخل غرفته الصغيرة دون رد بينما خرجت هي مسرعة لصديقاتها فرأت والدتها تشير لها بالتقدم لكنها قالت وهي تذهب مع رفقتها:
_ " خلاص أخدت من نوح "
+
تفاجأت عتاب كثيرًا ونبست بحيرة:
_" ونوح جاب فلوس منين؟ دا يادوب شغله في الجزارة بيسدد مصاريف دراسته بالعافية! "
+
حقًا شعرت بالخوف من انسياق ذاك اليتيم ابن أخيها الراحل وراء مصادر الحرام التي أصبحت أكثر شيوعًا من الحلال في هذه الأيام، لكن سرعان ما نهرت نفسها نافية:
_" اللهم اخذيك ياشيطان، ده الواد ما بيفوتش فرض، ربنا يرزق يا نوح ويديم عليك عقلك "
+
--------------
+
مازلنا في البداية لم ندخل إلى الآن في أعماق القصة...
+
رأيكم ؟؟؟
+
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان الله.
+
