رواية ميراث الحنايا الفصل الثالث 3 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
بيتٍ طين، ورا جدرانه أسرار وحبٍ والميراث؟ ماهو ورث... هو نار.Part3
بعد ما اجتمعوا حول فهد... وارتفعت الأدعية، بدا البيت يتحرك.
بيت الحنايا... اللي كان صامت، صار يمتلئ بخطى ناس فقدت شخص... أو فقدت نفسها من سنين.
+
بعد ما طاحت صرخة الجدة...
سكت الكل.
+
بس الأرض... كأنها تنفست وجع.
+
الخدامات بدين يتحركون بخوف، يلمّعون، يرتبون،
حتى الصحون الفضية طلعت من الدولايب.
+
في زاوية المجلس... كانت جوري تطالع السقف.
كأنها تدور فيه طفولتها اللي ما عاشت.
+
ورزان؟
كانت واقفة عند الجدار... تمسح دموعها،
وتحاول تبين قوية... بس عيونها تشهد غير.
+
سلمان سحب كف أمه بهدوء... وقبله.
+
قال بصوت مكسور:
"بس ادعي له يمّه...
الباقي علينا."
+
سارة نظرت له، ثم نظرت لكل أولادها وعيالهم..
وعيونها تحكي:
"ما خليت بيت الحنايا يطيح...
لا تخلونه أنتم."
+
سارة نزلت عيونها...
وارتجف كفها شوي.
+
واللحظة سكّنت كل شي...
+
إلا نظرتين.
+
جوري التفتت بدون قصد...
+
وعلي، كان واقف بعيد،
بس عيونه سبقتها قبل خطواته.
+
والتقوا.
+
بدون كلمة.
+
جوري رمشت بسرعة...
وراحت تناظر الأرض.
+
بس ما كانت نظرتها هروب...
كانت وجع.
+
وعلي... تنفّس من خشمه،
ونزل نظراته بعد لحظة،
3
كأنه يقول:
"أدري... بس الوقت ما كان بيدي."
+
والسكوت بينهم؟
+
ما كان راحة...
+
كان جرح، من اللي ما يلتئم.
+
بعد ما اجتمعوا حول فهد... وارتفعت الأدعية،
بدأ البيت يتحرك.
+
بيت الحنايا... اللي كان صامت، صار يمتلئ بخطى ناس فقدت شخص... أو فقدت نفسها من سنين.
+
جت دانه، خطيبة علي، مع أمها غزيل وأبوها متعب.
+
نور، زوجة سلمان، كانت أول من استقبلهم مع سلمان وعلي...
وكأنهم يخففون سواد العزاء بابتسامة واجبة.
+
دخلوا المجلس الداخلي، وكل العيلة قامت ترحّب، إلا ثلاث:
جوري، ورزان، ونجلاء...
كان الترحيب في عيونهم ناقص، أو ما جاء أبدًا.
+
غزيل تقدمت بخطى مترددة،
سلمت على الجدة سارة...
حضنتها، وتماسكوا شوي...
بس دموعهم غلبتهم.
+
مشهد فهد ممدد ما قدروا يتحملونه.
+
بعدها...
سلمان، ناصر، علي، مطلق، سلطان، ومتعب شالوا فهد عشان يدفنونه بعد العشاء،
+
والناس بدت تجي تعزّي:
خوال، خالات، عيالهم، أطفال، كبار، صغار...
والبيت اللي ما سمع ضحكة من سنين، صار يسمع دموع كثير
+
هدى كانت فوق عند الجدة...
+
عطتها صحن العريكة، وقالت:
"ودّيه للمطبخ يا بُنيّتي..."
+
الصحن حار...
وهدى استعجلت.
+
مشّت بخطى سريعة،
و... اصطدمت فيه.
+
هايف.
+
رجعت خطوة... وارتبكت.
+
هو مد يده، وثبّت الصحن قبل لا يطيح.
+
نظرت له...
وهمست بصوت خافت:
"آسفة..."
+
ما رد.
بس عيونه، كانت تقول كل شي:
"أنا اللي آسف... على العمر اللي راح."
+
ركضت للمطبخ، قفلت الباب، وقلبها يدق بطريقة مو طبيعية.
+
العاملات استغربوا منها،
حتى شريفة عطتها مويه وقالت:
"بنتي، شفيك؟"
+
هدى هزّت راسها:
"ولا شي..."
+
لكن قلبها؟
كان يقول: "كل شي."
+
في مجلس الرجال...
الكل يتقهّون، ويدعون لفهد بالرحمة.
+
إلا هايف.
+
ماسك فنجانه، بس ما شرب.
+
عيونه في الفنجان...
وقلبه في هدى.
+
"هل كانت تحبني... ولا بس كنت حلم لحالي.؟
+
بعد ما شال الرجال جثمان فهد،
وراحوا يجهزونه للدفن بعد العشاء...
تحرّك الحوش.
+
طلعت رزان بنت منيرة وسلطان،
تمسح دموعها وتكابر...
ما ودها تبين مكسورة، بس عيونها تقول كل شي.
+
ووراها مشت هدى بنت سارة وفهد،
ترفع جلابيتها وتحاول تساعد،
وهي تحكي العاملات وش يسوون.
+
جات بعدهم غزيل، أم دانة وخطيبة علي،
ومعاها دانة نفسها... ساكته، بس عيونها تلف تلف على البيت، كأنها تحاول تحفظه.
+
والعاملات معاهم، يشيلون الفرش القديمة،
يفرشون الجديد،
يحطّون صحون التمر، ويفتحون القهوة.
+
من بعيد، كانت جوري بنت ناصر ونجلاء تمشي داخل الحوش.
قلبها يدق، والنفس ما يوصل...
ما كانت متعودة على الزحمة، ولا على اللمّة.
+
و...
فجأة، يجي فوجهها علي
+
علي.
+
ما قالت شي.
+
هو تكلم بهدوء:
+
"ما توقعت أشوفك هنا."
+
جوري بصوت خافت:
"البيت تغيّر."
+
علي:
"بس نظرتك...
نفس النظرة اللي ما تركتني سنين."
+
سكتت... عيونها تمدّعت، بس ما نزلت.
+
علي ابتسم من طرف واحد... قلبه كان بيطيح من مكانه، بس مسكه.
+
علي قالها بصوته الواطي، اللي يوجع أكثر من الصراخ:
+
"لو الزمن رجع... كنت قلت لك كل شي."
+
جوري لحظتها ما قدرت ترد،
بس نظرتها تكلّمت...
كلها ألم، شوق، حيرة... ومية سؤال.
+
كانت بترد،
بس شافت من بعيد العاملات جايين للحوش،
ومعاهم رزان، وهدى، وغزيل، ودانة...
+
كلهم شايلين أشياء،
وكلهم في وجيههم حزن ثقيل.
+
بسرعة رفعت طرف جلابيتها وفستانها،
مشت بخطى سريعة،
دخلت داخل البيت.
+
قلبها كان فراشات،
وكل فراشة فيها تنبض باسم "علي" و"ليش الحين؟"
+
مشاعرها كانت فوضى...
بس جوّاها، فيه شي بدأ ينبض من جديد.
+
أما علي؟
+
وقف مكانه،
يطالع مكانها...
وابتسم من قلبه.
+
ابتسامة شخص شاف شي حسبه ضايع... ولقاه.
+
كانت الجدة سارة جالسة فـ صدر المجلس...
على المفرش المطرّز القديم، اللي ما طلع من الدولاب إلا في هالمواقف.
+
رغم تعبها وكبر سنها،
كانت جالسة شامخة،
ظهرها معتدل،
وعيونها تمشي على كل تفصيلة في المكان.
+
الحريم تجمعوا حولها،
بعضهم يبكي، بعضهم ساكت، وبعضهم يسولف بصوت هادي عن "اللي راح."
+
دخلت نجلاء، زوجة ناصر...
والهواء تغيّر.
+
الجدة رفعت راسها،
وعيونها ثبتت في عيون نجلاء.
+
نظرات ما فيها سلام... ولا كره... ولا رضا.
+
كانت نظرة مكسورة، وفيها شي قديم...
شي ما نقال، ولا نُسي.
+
جوري بنتهم، دخلت وراها،
وجلست جنب أمها بدون ما تقول شي،
كأنها عارفة إن الهوى ثقيل.
+
رزان جت من آخر المجلس،
شافت نظرات سارة ونجلاء...
وقلبها صار يدق بدون سبب واضح.
+
منيرة، نور، هدى، ودانة كانوا يحاولون يخففون الجو،
يسوون شاي، يضبطون فناجين القهوة، يرتبون الأطفال.
+
بس الحقيقة؟
ما في أحد مرتاح.
+
لا المكان،
ولا الناس،
ولا حتى الصور اللي على الجدران.
+
وكأن بيت الحنايا...
يجمعهم... بس ما يصالحهم...
+
بعد صلاة العشاء...
تحرك الموكب.
+
الرجال صفّوا صفوفهم،
مشوا وراء فهد...
والشارع اللي قدام بيت الحنايا صار صامت،
إلا من صوت التكبير، والدعاء، والبكاء.
+
علي، ناصر، سلمان، سلطان، مطلق، مشعل، وهايف...
كلهم مشوا على الرمل اللي طال عمره ما شافهم كلهم مجتمعين سوا.
+
دفنوا فهد...
وبدت الأدعية ترتفع، والعيون تنزل.
+
بس فيه ثلاث عيون، ما كانت مثل الباقي:
+
هايف – ولد خالة هدى.
وقف على طرف القبر،
يناظرها وهي واقفة بعيد، بين النسوة،
+
ما كانت شايفته،
بس هو كان يشوفها بكل قلبه.
+
"يا رب خذ عمري، بس لا تاخذها من قدامي."
+
كانت كلمته اللي يقولها بصمت،
والدمعة اللي ما نزلت بس علقت بعينه.
+
من الجهة الثانية...
مشعل – ولد خال هدى،
عيونه تحرق فهدى،
+
بس نظراته كانت مختلفة.
+
ما فيها لهفة هايف...
فيها نضج، صبر، وغصّة رجولية.
+
"يمكن ما تحبني... بس أنا ما أكرهها."
+
وقف ساكت، ما تكلم،
بس صدره كان يعاني من صوت قلبه.
+
وهدى...
بعيدة عنهم،
ماسكة منديل جدتها،
تبكي على أبوها...
+
ويمكن على قلبها.
+
انتهى العزاء،
وانفضوا الناس،
ورجعت البيبان تنقفل.
+
ما بقي إلا العائلة.
+
الخالات، الخوال، العمّات، الأعمام،
بناتهم، عيالهم، والأحفاد...
+
والجدة سارة،
جالسة فـ صدر بيت الحنايا...
نفس مكانها الأول،
بس وجهها مو نفسه.
+
الحزن مخلّي المكان ثقيل،
+
والأرواح تتنفس بصعوبة.
ما في أحد قادر يتكلم كثير...
كل كلمة محسوبة،
وكل نظرة تخوّف.
+
في المجلس الداخلي،
الرجال متجمعين،
جالسين على السجاد، القهوة تمرّ من يد ليد،
لكن ما في سوالف.
بس دعاء، ذكر، وسكوت غريب.
+
سلمان، ناصر، علي، سلطان، مطلق، مشعل، هايف، متعب، فواز، بدر...
+
كل واحد منهم له قصة،
وكل واحد عينك تشوف فيها "شي ناقص".
+
فـ الحريم،
الجدة سارة ساكتة،
ما تتكلم،
بس تحرك مسبحتها بأصابعها بصوت خافت.
+
حوالينها:
نجلاء، نور، منيرة، هدى، جوري، رزان، دانة، غزيل، بنات الخالات، وعيال العمات.
+
وكل واحدة فيهم ماسكة مكانها كأنها في امتحان مشاعر.
+
هدى تمسك كف جدتها،
تقرّب وجهها لصدر سارة،
وتبكي بهدوء...
+
الجدة تمسح على راسها،
تقول بصوت واطي:
+
"فهد راح...
بس اللي خلّاه... ما راح."
+
كلهم رفعوا عيونهم.
+
ما حد فهم الجملة تمام،
بس الكل سكت.
+
نظرات راحت لـ سلمان،
ثانية راحت لـ علي،
وثالثة وقفت على جوري ورزان.
+
حتى نجلاء...
قلبها دقّ.
+
"هل تقصد... الوصية؟"
+
ما حدا تكلم،
بس الجو تغيّر.
+
بيت الحنايا... بدأ يهمس.
+
هدأت الأصوات.
+
الأطفال ناموا، والكل تفرق...
منهم اللي راح ينام،
ومنهم اللي جلس يسوّي روحه يقرأ قرآن،
بس هو بالحقيقة يفكر.
+
في ذيك الزاوية،
عند المجلس النسائي،
كانت الجدة سارة واقفة على عصاتها،
تتلفّت يمين ويسار.
+
بعد لحظة...
نادَت بصوت خافت:
+
"نجلاء... تعالي لي شوي."
+
نجلاء، استغربت.
+
ما قد صارت الجدة تناديها بهالطريقة...
دايمًا تناظرها بسكوت أو تتجاهلها.
+
قامت ومشت،
ووقفت عندها.
+
سارة بصوت منخفض جدًا، يكاد يهمس:
+
"أبغاك تروحين معي للغرفة القديمة... بس لا تخلين أحد يشوفك."
+
نجلاء شهقت بهدوء،
"وش فيه؟"
+
سارة ما ردّت، بس مشت...
ونجلاء لحقَتها، وعيونها فيها ألف علامة استفهام.
+
دخلوا سوا،
سارة طلعت مفتاح قديم من داخل عباءتها،
وفتحت به صندوق خشبي كبير، عليه غبار سنين.
+
فتحت الصندوق،
سحبت منه ظرف بني، مغلّف، ومكتوب عليه بخط قديم:
"لا يُفتح... إلا بعد حين."
+
سارة أعطته لنجلاء...
+
وعيونها ترجف.
+
سارة:
"هذا... خليه عندك، ولا تفتحينه أبدًا،
إلا إذا جاك الخبر مني أو من..."
+
سكتت.
+
نجلاء وهمست،
"من مين؟"
+
سارة طالعَتها،
وقالت:
+
"إذا ما قلت أنا... بيقول الزمن."
+
بعدها سكّرت الصندوق،
وسكتوا الاثنين.
+
وعيون نجلاء على الظرف،
وظهر سارة فيه انحناءة خوف، ما قد شافتها من قبل.
+
وما بين صمت الجدة...
ونظرة نجلاء المربكة...
والظرف اللي ما نعرف وش فيه...
+
كان فيه سؤال يلف في جدران بيت الحنايا:
+
"مين فعلاً يعرف كل شي؟ ومين باقي له عمر يكشفه؟"
1
الليل سحب نفسه من البيت،
وترك كل قلب فيه جمر ما طفى...
+
والميراث؟
ما كان بس ورق وأرض...
+
كان دمعة... وسرّ... وعُمر!
+
ما كل وصيّة تُقال... ولا كل حب له نصيب،
وبيت الحنايا ما ينام... هو بس يتظاهر.
+
"تَحرّك الصمت... وبدت الوصايا تنبض."
+
