رواية انتصر قلبي الفصل الثالث 3 بقلم قسمة الشبيني
الفصل الثالث
أفاقت هبة فى اليوم التالى لكنها لم تعد تصرخ بل بدت مستسلمة للمصير الذى وصلت إليه ، فتحت عينيها وكانت أمها وعمتها بالقرب منها وقد اتشحتا برداء الحزن القاتم لتدرك أنها غابت طويلاً ، دارت عينيها بصمت لدرجة أنهما لم تشعرا أنها استيقظت وظلتا على نفس الجلسة التى توحى بحمل من الهموم اثقل الكاهل واحنى الرأس بصمت معلنا اقتراب المزيد من المعاناة.
بدأت ذكريات اليوم الذى مر بجهد بالغ تتجمع أمام عينيها لتعود الدموع للتجمع أيضاً ، حاولت التنفس بهدوء لتظل على هذا الوضع لدقائق حتى دخلت الممرضة التى ابتسمت
_ انت فوقتى اهو الحمدلله
اتجهت إلى هبة الأعين بينما اتجهت عينيها إلى الممرضة وهى ترفع كفها الذى يتصل به محلول تجهل ماهيته لتتساءل
_ إيه ده؟
_ ماتخافيش ده محلول علشان انت نايمة من امبارح
فتحت امبولا وكادت أن تضيفه إلى الزجاجة لتقاطعها هبة
_ هتحطى إيه انا حامل
شهقة مزدوجة صدرت عن أمها وعمتها بينما ابتسمت الممرضة محاولة اخفاء الألم عن ملامحها
_ ماتخافيش مايضرش وانا هدى خبر للدكتور
علا بكاء مرڤت لتتجه نحوها سندس تضم رأسها المثقل بما يحويه
_ وحدى الله يا مرڤت ماتروحى تطمنى على جاد مش الدكتور قال هيفوق النهاردة
شردت هبة عن الحوار فلم تسمع إجابة عمتها وهى تتذكر ما حدث منذ أسبوع واحد حين كان يستعد زوجها وأخيه للسفر ودخلت إلى شقة عمتها برفقة ياسر الذى علا صوته مناديا أخيه الأكبر
_ يا جاااد ما تتحرك يا عم عاوزين نوصل بدرى مش لازم ساعة قدام المرايا مش رايحين فرح احنا
خرج جاد من غرفته بينما اعترضت مرڤت التى تعد الفطور
_ محدش هيتحرك قبل ما تأكلوا وانت كمان يا هبة تعالى نفطر معاهم على ما يصحى هيثم براحته
اتجهت هبة نحوها بلا تردد
_ انا عن نفسي جعانة وهاكل مع جوزى طبعا
جلس ياسر بالقرب منها وهو ينظر نحو جاد الذى ينظر إلى المرآة ويعيد ضبط سترته كعادة لا تتغير فيه
_ اخلص يا جاد انت مش رايح تخطب
_ ده يبقى يوم المنى بس هو يشاور
اقترب جاد وهو ينظر نحو ياسر بحدة رادعة ليقبل رأس أمه ثم يجلس بجوارها
_ قريب يا امى إن شاء الله
_ بجد يا جاد !
لم تفلح اللهفة بصوت أمه على دفعه للافصاح عن نواياه ليكتفى بابتسامة هادئة بينما تدخلت هبة فى الحوار
_ اختار انت بس وسيب الباقى عليا انا وعمتى
_ انا اخترت من زمان يا هبة بس اللى اخترتها اختارت غيرى
لم ينتبه أي منهم لنظرات عينيه بهذه اللحظة لتتابع هبة بنفس الحماس
_ هى الخسرانة ده انت تستاهل ست البنات
_ مش تبقى كبيرة عليه يا هبة ؟
نظرت لزوجها الذى يحول كل حوار جاد لمزحة لتدفعه بصدره ويضحكان معا قبل أن تنظر إلى جاد مرة أخرى متناسية الحوار الأصلى ومهتمة بما يهمها فعلياً
_ جاد خلى بالك من جوزى، انت مستلمة منى اهو ترجعهولى زى ما هو اوعا البنات يخطفوه منك
ضحك الجميع ولم تهتم هبة من منهم يضحك ومن يتضاحك فقط تريد عودة زوجها سالما لأحضانها مرة أخرى لتتوقف الضحكات مع رجاء ياسر
_ خليك جدع ونسافر بعربيتى
نظر له جاد مستنكراً فهو لا يذكر عدد المرات التى ألح فيها بهذا الطلب منذ حددا سويا موعد السفر
_ ليه هو انا مستغنى عن عمرى!
_ بعد الشر عنكم
نظر جاد لأمه بينما نظر ياسر لزوجته مع النهرة المزدوجة منهما ، تبدلت النظرات عبر الأوجه لينظر ياسر إلى ساعته ويحث أخيه
_ طيب يلا هنتأخر ، خلينى اسوق علشان نلحق الموظفين بدرى
_ انسى يا ياسر مش هتسوق عربيتى أبدا
نفخ ياسر وجنتيه بتأفف طفولي وهو يستقيم ليقبل رأس زوجته وأمه ثم يتجه إلى حقيبته مظهرا الغضب من أخيه الذى لا يبدو مهتما لهذا الغضب .
انتبهت هبة من ذكريات آخر لقاء لها بزوجها الغالى مع صوت الممرضة التى اقتحمت الغرفة
_ استاذ جاد فاق
انتفضت مرڤت تركض للخارج وسندس تلتقط هاتفها لتنقل الخبر إلى زوجها بينما نظرت هى إلى الممرضة بحدة
_ انا عاوزة أخرج من هنا ، شيلى اللى فى ايدى ده انا عاوزة اروح
_ طيب حاضر أهدى بس احنا ماصدقنا اعصابك هديت وانت حامل كمان
لم تلتفت لقول الممرضة وبدأت تحاول نزع الخرطوم عن كفها لتسرع إليها الممرضة قبل أن تؤذى نفسها بشكل أو بأخر .
...........
وصلت مرڤت للممر الذى تقع فيه غرفة الرعاية لينتفض قلبها مع صرخات جاد التى تشق سكون المكان فتهرول قدميها رغم إجهادها الشديد .
اقتحمت الغرفة وكان جاد يمسك به اثنين من الممرضات يحاولان تقيد ذراعيه ودفعه للاستلقاء وهو يصرخ ويحاول نفضهما عنه
_ سيبونى ، يا يااااسر ، اخويا فين بقولكم سيبونى ؟
_ جااد
صمت تماما مع صوت أمه الذى سيطر على حواسه جميعا لتتحرك رأسه بعشوائية فى اتجاهات مختلفة فزعا
_ ماما انا مش شايف حاجة ، ماما انت فين انا سمعتك انا مش شايف
ارتفع كف مرڤت يكلل فمها وهى تحاول التحكم في الصدمة الجديدة التى تلقتها للتو لتتابع التحرك نحوه حتى لمست ذراعه لينفض الممرضة عنه ويتمسك بها كصغير عادت إليه أمه بعد تيه طويل ، أطلت اللهفة من قسماته مع عجزه عن الحركة بشكل كامل فهو يحرك ذراعيه فقط وجزء من جذعه العلوى
_ ماما ياسر فين؟ إيه اللى حصل انا.. انا فاكر العجلة فرقعت والعربية كانت بتلف بجنوووون ، فين ياسر هو مش جمبى ليه؟ ماما ردى عليا
ارتمت أمه فوق صدره تبكى بحرقة ليتلفت بعشوائية وصخب مع ارتباك شديد فهو يربت فوق رأسها مرة ويرفعها عن صدره أخرى وكأنه يجاهد لينظر إلى وجهها رغم عجزه عن ذلك
_ ماما فى ايه؟ ها ؟ بتعيطى علشانى؟ انا كويس ماتخافيش
كادت أن تخبره بالفاجعة التى نزلت بهم لكن دخول الطبيب اوقف كلماتها
_ أهدأ يا استاذ جاد هنشوف موضوع عنيك حالا بس بلاش حركة عشوائية انت عامل عملية كبيرة مش عاوزين نضطر ندخل عمليات تانى
نزلت الكلمات على جاد لتقيد حركته تماما وقد استقر ذراعيه حول أمه التى لا تزال فوق صدره ليحدثها الطبيب بتروى
_ من فضلك ابعدى عنه علشان افحصه ، انتظرى برة وانا هفهم حضرتك .
ابتعد مرڤت بشكل جزئى ليتمسك بها جاد بفزع فتربت فوق كفيه
_ الدكتور يكشف واجى لك تانى يا حبيبي انا هنا ماتخفش.
بدأ جاد يفرج عن كف أمه بتردد مع أنفاسه الثائرة الرافضة ، تراجعت للخلف ليقترب الطبيب ويفحص عينيه دون أن يتوقف لسانه عن التساؤل الذى لا يجيبه الطبيب سوى بجمل تطالبه بالهدوء والصبر . أنهى الفحص ليتجه نحو درج جانبى يخرج من داخله أبرة يضيفها للمحلول معتمدا على عدم رؤية جاد
_ هنعمل شوية فحوصات انا شايف عينك سليمة بس هنتأكد ، حاول ترتاح شوية
_ ياسر فين ؟ انا عاوز اشوف ياسر
بدأت نبرة صوته تخبو رغم عدم توقفه عن ترديد رجاءه و مع شعوره بتردد صدى صوته فى فراغ مظلم قبل أن يرتخى رأسه دون مقاومة منه عادت شفتيه تتحرك لكن لم يعبر من بينهما صوته الذى اختفى تماما كما اختفى وعيه كذلك .
غادر الطبيب الحجرة وكان عبدالقادر قد انضم إلى مرڤت ليتساءل بلهفة
_ ها يا دكتور طمنا
_ مجرد أنه فاق خطوة كويسة جدا
_ وعينيه يا دكتور
أولاها اهتمامه مع توقع سؤالها فهو يقدر ما تعانيه هذه الأم منذ أمس ليتحدث بهدوء
_ الفحص المبدئى بيقول مفيش مشكلة في عينيه بس هنعمل فحوصات اكتر للاطمئنان لو هى كمان كويسة يبقى مش سبب عضوى من الأساس وده اللى برجحه هو مصدوم صدمة شديدة علشان كده كويس أنه ماعرفش بوفاة اخوه لأن واضح بيلوم نفسه على الحادث
_ طيب وعملية امبارح يا دكتور ؟
عاد بنظره إلى عبدالقادر فهذه نقطة جيدة ومبشرة وهو سعيد أن هذه الحالة بها ما يمكن أن يكون جيدا
_ الحمدلله العملية نجحت وعملنا قبل ما يفوق فحوصات أكدت نجاح العملية وهيقدر يمشى بس طبعا الكسر اللى فى رجله هيأخر الحكاية دى شوية المهم عندنا العمود الفقري سليم ومراكز الأعصاب سليمة بعد كده كله مسألة وقت
رفع عبدالقادر ذراعه بتلقائية يحيط كتفى شقيقته وكأنه يضمها احتفالا بهذا الخبر الذى هو أسعد ما وصل لمسامعهم منذ أمس بينما استأذن الطبيب وغادر بعد أن اخبرهما أن جاد تحت التنويم حاليا ولا يجب أن يعلم عن وفاة أخيه وسيتم تمرير الخبر له بواسطة طبيب نفسى.
تحركت مرڤت بدفع من أخيها لتعود قدميها نحو الممر الذى ترقد في إحدى غرفه هبة والتى كانت بالممر فعليا تتجه نحو باب المصعد ليستوقفها صوت أبيها
_ هبة انت رايحة فين ؟
_ راجعة بيتى يا بابا، بيت ياسر اللى هو مش هيدخله تانى ، كفاية حرمتونى أودعه هتحرمونى أعمر بيته كمان ؟
_ يا بنتى محدش حرمك تودعى جوزك، انت كان مغمى عليكى وحالتك صعبة
_ ماشى يا عمتى شكراً تسمحوا لى اروح اشوف ابنى واقعد فى بيتى
ظهر الغضب على ملامح عبدالقادر وهم بنهرها لكن ضغطة من كف مرڤت أوقفته عن الحديث وهى تقول
_ روحى يا بنتى محدش يقدر يمنعك
اتجهت هبة بخطوات سريعة انفعالية إلى المصعد ليتجه عبدالقادر تجاه زوجته التي غادرت الغرفة للتو
_ هى بنتك جرى لها إيه يا سندس؟
لم تجب سندس لتجيب عنها شقيقته
_ اعذرها يا عبدالقادر كلنا نعرف هم كانوا بيحبوا بعض ازاى، صدمتها شديدة ربنا يصبرها
_ كلنا كنا بنحب ياسر يا مرڤت بس ماحدش يقدر يعترض على قضاء الله
_ معلش بكرة ربنا يربط على قلبها وانتوا كمان روحوا انا هقعد جمب جاد
رفض عبدالقادر مغادرة المشفى أو ترك أخته وحيدة فهو يعجز فعليا عن مجرد الإبتعاد عنها بعد كل ما لاقته مؤخراً فما تتحمله هى يفوق ما يتحمله الجميع ، يعلم أنها أمه التى فقدت جزء من قلبها بفقده ولن يخفق هذا القلب بطمأنينة مجدداً بينما لحقت سندس بابنتها لعلها تتمكن من التخفيف عنها قليلا .
غادرت سندس لتتساءل مرڤت
_ مش هتروح علشان العزا يا عبدالقادر ؟
_ عبيد ابن عمه هناك هو ياخد العزا خلينا فى اللى عايش يا مرڤت هو ده املنا دلوقتى أن ربنا يشفيه .
.........
وصلت هبة إلى المنزل لترى السرادق القائم أمامه فينقبض قلبها بقوة دعتها للفرار من أمام الناس دون أن تهتم إن كانوا رجالاً غرباء فهى تعجز عن رؤية سرداق تلقى عزاء توأم الروح ورفيق العمر الذى لم يكن الزواج بدايتها معه بل عمرها كله منذ ولدت ارتبط بياسر وحياتها كلها كانت له.
ركضت للداخل وقد اغشيت الدموع بصرها لتصعد مهرولة حتى توقفت أثر انقباضة قوية ذكرتها بذلك الكائن بين احشائها والذى يحتاج حمايتها بشدة ، توقفت وأحاط ذراعها خصرها وهى تتأوه بألم ليأتيها تساؤل من صوت غريب
_ مالك يا هبة؟
نظرت خلفها لتتعرف على صاحب الصوت الذى لم يكن سوى عبيد ابن العم لكنها اعتدلت بروية وهى تتابع الصعود بتروى دون أن تجيبه ليلحق بها بلا تردد
_ انا آسف يا هبة ماقدرتش اجى المستشفى ، البقاء لله
_ ونعم بالله
تابعت صعودها دون أن تعيره انتباها ليشعر بكونه كم مهمل من قبلها ليتلفت حوله بحرج فكل ثانية يقضيها هنا ستحسب وتعد من قبل كل من بالسرادق لذا تراجع ليهبط ويعود لموقعه ثم سيأتى أمر هبة لاحقا أمامه الكثير والكثير من الوقت الذى عليه أن يمنحها بعضا منه.
دخلت هبة لشقتها التى أعدتها لاستقبال ياسر لكنه لن يدخل إليها مطلقاً ، نظرت إلى الطاولة حيث تركت الطعام والورود ليعود الحزن يسيطر عليها ويعود لها الصخب الداخلى الذى يفور فتسحب المفرش بحدة لتتساقط الأطباق وتتناثر الورود فوق الأرضية لتجثو هى باكية رغم أن البكاء لم يفلح منذ أمس فى تسكين الألم الذى ينخر بصدرها لكنها تعجز عن التوقف عن البكاء كلما لاح لها طيف ياسر أو لوحت لها ذكرى من ذكرياته يلطمها الواقع بحقيقة غيابه الأبدى فلا تجد عينيها سبيلا لرفض هذا الواقع سوى بالمزيد من زخات مآقيها التى لن يكفى جفاف منابعها لنعيه.
.........
أمسكت سندس كف هيثم وهى تصعد الدرج رويداً تبعا لخطواته الصغيرة مع عجزها عن حمله والصعود، دخلت من الباب الذى تركته هبة مفتوحا بدهشة لتجدها أرضا بين الفوضى التى أحدثتها فيهرول نحوها الصغير
_ ماماااا
نظرت نحوه ليرتمى فوق صدرها تحيطه بالألم الذي تعانيه فيتساءل ببراءة
_ هو بابا راح عند ربنا ومش راجع تانى؟
نظرت له بفزع افزعه لدرجة الارتجاف لتسحبه سندس بعيداً عنها خوفا من أن يطاله الجنون الذى وصلت إليه بينما بدأت بالفعل تفرغ مكنون أحزانها على الصغير وهى تنهره صارخة
_ اوعا تقول كده تانى ، ابوك هيفضل عايش جوانا وانت لو مافضلتش عمرك كله تبكى عليه ماتبقاش ابنه اللى يستاهل يشيل اسمه
_ وبعدين يا هبة! انت هتتجننى على الولد كمان !
نظرت إلى أمها أثر نهرها لها وهى ترى أنها لا تشعر بها وبالألم الناتج عن فقدان ياسر بينما تابعت سندس
_ لا اعتراض على قضاء الله جوزك عمره انتهى وقابل رب كريم ادعى له بدل الجنان والصراخ لو بتحبيه صحيح تعرفى أنه محتاج للدعاء وبس مش كل ما حد يبص فى وشك تصرخى لا انت اول واحدة مات جوزها ولا آخر واحدة كلنا عايشين نودع بعض
نظرت هبة إلى أمها تستنكر كل ما تتفوه به، أتشكك فى عشقها لزوجها أيضاً!!
ما الذى أصاب الجميع لتكن قلوبهم بمثل هذه القسوة !!؟
انتفضت مرة أخرى تعدو إلى غرفتها لتصفع الباب خلفها معلنة رفضها مساندة أمها التى نظرت للباب بحزن فهى تقدر بالفعل ما تشعر به لكنها أمها وعليها مساندتها للتجاوز وإن رفض عقلها مواجهة هذه المصيبة وعجز قلبها عن تقبل هذه الصدمة عليها دفعها لتفعل فقد أصبحت بين طرفة عين وانتباهتها مسئولة عن بيت وطفل وجنين لا يعلم بما يعانيه سوى خالقه.
سمعت صوت تحطم آخر داخل الغرفة انتفض على أثره الصغير لتزيد من ضمه لصدرها وقلبها يدعو الله أن ينير بصيرة ابنتها قبل أن تحصد المزيد من الخسائر
_ ماتخفش يا هيثم يا حبيبي ماما بس تعبانة بكرة إن شاء الله هتبقى كويسة، إيه رأيك تيجى معايا البيت وتنام في حضنى النهاردة ؟
تعلق الصغير برقبة جدته معلنا موافقته على صحبتها لتبعده قليلا فعليها تنظيف هذه الفوضى أولاً .
.............
هبت مبتعدة عن الفراش بحدة تأفف لها رفيقها دون أن تهتم ، اتجهت إلى النافذة التى تطل على مروج خضراء لا نهاية لها ، لقد تفننت فى انتقاء هذه الوحدة السكنية ولم يكن المبلغ الضخم الذى دفعته لتحصل عليها يساوى ما توفره لها من خصوصية وما تحصل عليه فيها من راحة
لحق بها رفيقها فورا ليضمها مرخيا رأسه فوق كتفها مع إحاطة كاملة دون أن يهتم أي منهما بالهيئة التى عليها
_ وبعدين يا لارا؟ حبيبي انت مش معايا خالص
_ بتحرق يا ناجى ، قلبى فيه نار من عمايله معايا، انا مش فاهمة اتجوزنى ليه ومكمل معايا ليه؟
_ يا بيبى جوزك راجل جنتلمان كفاية أنه سايبك واخدة حريتك
_ تعرف! اوقات بحس أنه عارف بعلاقتنا وعارف كمان كل علاقاتى من يوم ما اتجوزته
صمت لحظة يمرر إشارتها إلى كونه مجرد شخص من عدة أشخاص إقامة علاقات معهم لكنه فى الواقع لا يبالي بهذا بل يرحب به فيمكنه متى شاء أن ينهى هذه العلاقة فهى ليست المرأة التى تتوقف حياتها لأجل رجل، زوجها نفسه لم تتوقف حياتها لأجله بل سارعت بالبحث عما فقدته معه مع آخرين كان هو أحدهم كما تخبره للتو.
_ ايه رأيك اعمل لك احلى نسكافيه نروق دماغنا من جوزك ومن المشاكل كلها ونفوق لبعض
_ ماشى بس من غير سكر
_ عارف يا بيبى
ابتعد عنها بعد أن اقتنص أحد أنفاسها لتعود للشرود ويتجه هو للخارج بأريحية مطلقة. إلتقط سترته ليخرج من أحد جيوبه كيسا صغيرا ويتجه للمطبخ المفتوح بلا قلق من اتباعها له فهو يعلم أنها غاضبة من زوجها لكنه لن يسمح لهذا الغضب بإفساد يومه.
اتجهت إلى حقيبتها بعد مغادرته لتتفحص هاتفها، ترى أن زوجها رأى الرسالة التى تخبره فيها انها لن تعود هذا النهار للمنزل وبالطبع لم يجب أو يتفاعل بأى شكل كان.
كم تمنت أن تحصل على زوج غيور يتساءل عن مكان تواجدها، يهتم بشؤنها ، يلبى احتياجاتها بعيدا عن امواله،
كم تمنت أن تحصل على اهتمام زوجها ولو لمرة واحدة تقسم إن فعل لتنهى كل هذه العلاقات وتعيش لأجله فقط.
لكنه لم يفعل يوما ولا تظنه سيفعل مستقبلاً.
أفاقت من شرودها على كف ناجى الذى رفع الكوب أمام ناظريها، تناولته ليسحب الهاتف من بين أناملها ويلقيه جانباً ثم يعود لتقريبها منه وهو يرفع كوبه متذوقا مشروبه الدافئ.
لم تنه كوبها بعد وقد بدأت تشعر بتأثيره عليها، نظرت نحو ناجى بطرف عينيها فهى ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها لهذه الحيلة ويقدم لها منشطات فى مشروب لكنها لن تلومه بل ترى أنه اصوب فى اختيار توقيته بدقه، هى بحاجة لحافز لنزع كل أفكارها بعيدا والاهتمام بالدافع الرئيسى من هذه العلاقة عليها أن تروى جفاف أنوثتها الذى تسبب فيه زوجها بالقدر الكافي قبل أن تعود لمنزله وجفاءه ، عليها أن تنال كل ما يشبع الحرمان الذى تعانيه مع زوج مثله ولتفعل ذلك يجب أن يكون عقلها غائباً عن الصورة.
ألقت رأسها فوق صدره ليبتسم
_ احسن يا بيبى !
ولم يكن بحاجة لإجابة لفظية فقد وضعت الكوب بين يديه واتجهت للفراش الذى انتفضت عنه لتمسك جهاز التحكم عن بعد وتغلق الستائر معلنة بداية ساعات متعته التى يسعى خلفها.
أفاقت هبة فى اليوم التالى لكنها لم تعد تصرخ بل بدت مستسلمة للمصير الذى وصلت إليه ، فتحت عينيها وكانت أمها وعمتها بالقرب منها وقد اتشحتا برداء الحزن القاتم لتدرك أنها غابت طويلاً ، دارت عينيها بصمت لدرجة أنهما لم تشعرا أنها استيقظت وظلتا على نفس الجلسة التى توحى بحمل من الهموم اثقل الكاهل واحنى الرأس بصمت معلنا اقتراب المزيد من المعاناة.
بدأت ذكريات اليوم الذى مر بجهد بالغ تتجمع أمام عينيها لتعود الدموع للتجمع أيضاً ، حاولت التنفس بهدوء لتظل على هذا الوضع لدقائق حتى دخلت الممرضة التى ابتسمت
_ انت فوقتى اهو الحمدلله
اتجهت إلى هبة الأعين بينما اتجهت عينيها إلى الممرضة وهى ترفع كفها الذى يتصل به محلول تجهل ماهيته لتتساءل
_ إيه ده؟
_ ماتخافيش ده محلول علشان انت نايمة من امبارح
فتحت امبولا وكادت أن تضيفه إلى الزجاجة لتقاطعها هبة
_ هتحطى إيه انا حامل
شهقة مزدوجة صدرت عن أمها وعمتها بينما ابتسمت الممرضة محاولة اخفاء الألم عن ملامحها
_ ماتخافيش مايضرش وانا هدى خبر للدكتور
علا بكاء مرڤت لتتجه نحوها سندس تضم رأسها المثقل بما يحويه
_ وحدى الله يا مرڤت ماتروحى تطمنى على جاد مش الدكتور قال هيفوق النهاردة
شردت هبة عن الحوار فلم تسمع إجابة عمتها وهى تتذكر ما حدث منذ أسبوع واحد حين كان يستعد زوجها وأخيه للسفر ودخلت إلى شقة عمتها برفقة ياسر الذى علا صوته مناديا أخيه الأكبر
_ يا جاااد ما تتحرك يا عم عاوزين نوصل بدرى مش لازم ساعة قدام المرايا مش رايحين فرح احنا
خرج جاد من غرفته بينما اعترضت مرڤت التى تعد الفطور
_ محدش هيتحرك قبل ما تأكلوا وانت كمان يا هبة تعالى نفطر معاهم على ما يصحى هيثم براحته
اتجهت هبة نحوها بلا تردد
_ انا عن نفسي جعانة وهاكل مع جوزى طبعا
جلس ياسر بالقرب منها وهو ينظر نحو جاد الذى ينظر إلى المرآة ويعيد ضبط سترته كعادة لا تتغير فيه
_ اخلص يا جاد انت مش رايح تخطب
_ ده يبقى يوم المنى بس هو يشاور
اقترب جاد وهو ينظر نحو ياسر بحدة رادعة ليقبل رأس أمه ثم يجلس بجوارها
_ قريب يا امى إن شاء الله
_ بجد يا جاد !
لم تفلح اللهفة بصوت أمه على دفعه للافصاح عن نواياه ليكتفى بابتسامة هادئة بينما تدخلت هبة فى الحوار
_ اختار انت بس وسيب الباقى عليا انا وعمتى
_ انا اخترت من زمان يا هبة بس اللى اخترتها اختارت غيرى
لم ينتبه أي منهم لنظرات عينيه بهذه اللحظة لتتابع هبة بنفس الحماس
_ هى الخسرانة ده انت تستاهل ست البنات
_ مش تبقى كبيرة عليه يا هبة ؟
نظرت لزوجها الذى يحول كل حوار جاد لمزحة لتدفعه بصدره ويضحكان معا قبل أن تنظر إلى جاد مرة أخرى متناسية الحوار الأصلى ومهتمة بما يهمها فعلياً
_ جاد خلى بالك من جوزى، انت مستلمة منى اهو ترجعهولى زى ما هو اوعا البنات يخطفوه منك
ضحك الجميع ولم تهتم هبة من منهم يضحك ومن يتضاحك فقط تريد عودة زوجها سالما لأحضانها مرة أخرى لتتوقف الضحكات مع رجاء ياسر
_ خليك جدع ونسافر بعربيتى
نظر له جاد مستنكراً فهو لا يذكر عدد المرات التى ألح فيها بهذا الطلب منذ حددا سويا موعد السفر
_ ليه هو انا مستغنى عن عمرى!
_ بعد الشر عنكم
نظر جاد لأمه بينما نظر ياسر لزوجته مع النهرة المزدوجة منهما ، تبدلت النظرات عبر الأوجه لينظر ياسر إلى ساعته ويحث أخيه
_ طيب يلا هنتأخر ، خلينى اسوق علشان نلحق الموظفين بدرى
_ انسى يا ياسر مش هتسوق عربيتى أبدا
نفخ ياسر وجنتيه بتأفف طفولي وهو يستقيم ليقبل رأس زوجته وأمه ثم يتجه إلى حقيبته مظهرا الغضب من أخيه الذى لا يبدو مهتما لهذا الغضب .
انتبهت هبة من ذكريات آخر لقاء لها بزوجها الغالى مع صوت الممرضة التى اقتحمت الغرفة
_ استاذ جاد فاق
انتفضت مرڤت تركض للخارج وسندس تلتقط هاتفها لتنقل الخبر إلى زوجها بينما نظرت هى إلى الممرضة بحدة
_ انا عاوزة أخرج من هنا ، شيلى اللى فى ايدى ده انا عاوزة اروح
_ طيب حاضر أهدى بس احنا ماصدقنا اعصابك هديت وانت حامل كمان
لم تلتفت لقول الممرضة وبدأت تحاول نزع الخرطوم عن كفها لتسرع إليها الممرضة قبل أن تؤذى نفسها بشكل أو بأخر .
...........
وصلت مرڤت للممر الذى تقع فيه غرفة الرعاية لينتفض قلبها مع صرخات جاد التى تشق سكون المكان فتهرول قدميها رغم إجهادها الشديد .
اقتحمت الغرفة وكان جاد يمسك به اثنين من الممرضات يحاولان تقيد ذراعيه ودفعه للاستلقاء وهو يصرخ ويحاول نفضهما عنه
_ سيبونى ، يا يااااسر ، اخويا فين بقولكم سيبونى ؟
_ جااد
صمت تماما مع صوت أمه الذى سيطر على حواسه جميعا لتتحرك رأسه بعشوائية فى اتجاهات مختلفة فزعا
_ ماما انا مش شايف حاجة ، ماما انت فين انا سمعتك انا مش شايف
ارتفع كف مرڤت يكلل فمها وهى تحاول التحكم في الصدمة الجديدة التى تلقتها للتو لتتابع التحرك نحوه حتى لمست ذراعه لينفض الممرضة عنه ويتمسك بها كصغير عادت إليه أمه بعد تيه طويل ، أطلت اللهفة من قسماته مع عجزه عن الحركة بشكل كامل فهو يحرك ذراعيه فقط وجزء من جذعه العلوى
_ ماما ياسر فين؟ إيه اللى حصل انا.. انا فاكر العجلة فرقعت والعربية كانت بتلف بجنوووون ، فين ياسر هو مش جمبى ليه؟ ماما ردى عليا
ارتمت أمه فوق صدره تبكى بحرقة ليتلفت بعشوائية وصخب مع ارتباك شديد فهو يربت فوق رأسها مرة ويرفعها عن صدره أخرى وكأنه يجاهد لينظر إلى وجهها رغم عجزه عن ذلك
_ ماما فى ايه؟ ها ؟ بتعيطى علشانى؟ انا كويس ماتخافيش
كادت أن تخبره بالفاجعة التى نزلت بهم لكن دخول الطبيب اوقف كلماتها
_ أهدأ يا استاذ جاد هنشوف موضوع عنيك حالا بس بلاش حركة عشوائية انت عامل عملية كبيرة مش عاوزين نضطر ندخل عمليات تانى
نزلت الكلمات على جاد لتقيد حركته تماما وقد استقر ذراعيه حول أمه التى لا تزال فوق صدره ليحدثها الطبيب بتروى
_ من فضلك ابعدى عنه علشان افحصه ، انتظرى برة وانا هفهم حضرتك .
ابتعد مرڤت بشكل جزئى ليتمسك بها جاد بفزع فتربت فوق كفيه
_ الدكتور يكشف واجى لك تانى يا حبيبي انا هنا ماتخفش.
بدأ جاد يفرج عن كف أمه بتردد مع أنفاسه الثائرة الرافضة ، تراجعت للخلف ليقترب الطبيب ويفحص عينيه دون أن يتوقف لسانه عن التساؤل الذى لا يجيبه الطبيب سوى بجمل تطالبه بالهدوء والصبر . أنهى الفحص ليتجه نحو درج جانبى يخرج من داخله أبرة يضيفها للمحلول معتمدا على عدم رؤية جاد
_ هنعمل شوية فحوصات انا شايف عينك سليمة بس هنتأكد ، حاول ترتاح شوية
_ ياسر فين ؟ انا عاوز اشوف ياسر
بدأت نبرة صوته تخبو رغم عدم توقفه عن ترديد رجاءه و مع شعوره بتردد صدى صوته فى فراغ مظلم قبل أن يرتخى رأسه دون مقاومة منه عادت شفتيه تتحرك لكن لم يعبر من بينهما صوته الذى اختفى تماما كما اختفى وعيه كذلك .
غادر الطبيب الحجرة وكان عبدالقادر قد انضم إلى مرڤت ليتساءل بلهفة
_ ها يا دكتور طمنا
_ مجرد أنه فاق خطوة كويسة جدا
_ وعينيه يا دكتور
أولاها اهتمامه مع توقع سؤالها فهو يقدر ما تعانيه هذه الأم منذ أمس ليتحدث بهدوء
_ الفحص المبدئى بيقول مفيش مشكلة في عينيه بس هنعمل فحوصات اكتر للاطمئنان لو هى كمان كويسة يبقى مش سبب عضوى من الأساس وده اللى برجحه هو مصدوم صدمة شديدة علشان كده كويس أنه ماعرفش بوفاة اخوه لأن واضح بيلوم نفسه على الحادث
_ طيب وعملية امبارح يا دكتور ؟
عاد بنظره إلى عبدالقادر فهذه نقطة جيدة ومبشرة وهو سعيد أن هذه الحالة بها ما يمكن أن يكون جيدا
_ الحمدلله العملية نجحت وعملنا قبل ما يفوق فحوصات أكدت نجاح العملية وهيقدر يمشى بس طبعا الكسر اللى فى رجله هيأخر الحكاية دى شوية المهم عندنا العمود الفقري سليم ومراكز الأعصاب سليمة بعد كده كله مسألة وقت
رفع عبدالقادر ذراعه بتلقائية يحيط كتفى شقيقته وكأنه يضمها احتفالا بهذا الخبر الذى هو أسعد ما وصل لمسامعهم منذ أمس بينما استأذن الطبيب وغادر بعد أن اخبرهما أن جاد تحت التنويم حاليا ولا يجب أن يعلم عن وفاة أخيه وسيتم تمرير الخبر له بواسطة طبيب نفسى.
تحركت مرڤت بدفع من أخيها لتعود قدميها نحو الممر الذى ترقد في إحدى غرفه هبة والتى كانت بالممر فعليا تتجه نحو باب المصعد ليستوقفها صوت أبيها
_ هبة انت رايحة فين ؟
_ راجعة بيتى يا بابا، بيت ياسر اللى هو مش هيدخله تانى ، كفاية حرمتونى أودعه هتحرمونى أعمر بيته كمان ؟
_ يا بنتى محدش حرمك تودعى جوزك، انت كان مغمى عليكى وحالتك صعبة
_ ماشى يا عمتى شكراً تسمحوا لى اروح اشوف ابنى واقعد فى بيتى
ظهر الغضب على ملامح عبدالقادر وهم بنهرها لكن ضغطة من كف مرڤت أوقفته عن الحديث وهى تقول
_ روحى يا بنتى محدش يقدر يمنعك
اتجهت هبة بخطوات سريعة انفعالية إلى المصعد ليتجه عبدالقادر تجاه زوجته التي غادرت الغرفة للتو
_ هى بنتك جرى لها إيه يا سندس؟
لم تجب سندس لتجيب عنها شقيقته
_ اعذرها يا عبدالقادر كلنا نعرف هم كانوا بيحبوا بعض ازاى، صدمتها شديدة ربنا يصبرها
_ كلنا كنا بنحب ياسر يا مرڤت بس ماحدش يقدر يعترض على قضاء الله
_ معلش بكرة ربنا يربط على قلبها وانتوا كمان روحوا انا هقعد جمب جاد
رفض عبدالقادر مغادرة المشفى أو ترك أخته وحيدة فهو يعجز فعليا عن مجرد الإبتعاد عنها بعد كل ما لاقته مؤخراً فما تتحمله هى يفوق ما يتحمله الجميع ، يعلم أنها أمه التى فقدت جزء من قلبها بفقده ولن يخفق هذا القلب بطمأنينة مجدداً بينما لحقت سندس بابنتها لعلها تتمكن من التخفيف عنها قليلا .
غادرت سندس لتتساءل مرڤت
_ مش هتروح علشان العزا يا عبدالقادر ؟
_ عبيد ابن عمه هناك هو ياخد العزا خلينا فى اللى عايش يا مرڤت هو ده املنا دلوقتى أن ربنا يشفيه .
.........
وصلت هبة إلى المنزل لترى السرادق القائم أمامه فينقبض قلبها بقوة دعتها للفرار من أمام الناس دون أن تهتم إن كانوا رجالاً غرباء فهى تعجز عن رؤية سرداق تلقى عزاء توأم الروح ورفيق العمر الذى لم يكن الزواج بدايتها معه بل عمرها كله منذ ولدت ارتبط بياسر وحياتها كلها كانت له.
ركضت للداخل وقد اغشيت الدموع بصرها لتصعد مهرولة حتى توقفت أثر انقباضة قوية ذكرتها بذلك الكائن بين احشائها والذى يحتاج حمايتها بشدة ، توقفت وأحاط ذراعها خصرها وهى تتأوه بألم ليأتيها تساؤل من صوت غريب
_ مالك يا هبة؟
نظرت خلفها لتتعرف على صاحب الصوت الذى لم يكن سوى عبيد ابن العم لكنها اعتدلت بروية وهى تتابع الصعود بتروى دون أن تجيبه ليلحق بها بلا تردد
_ انا آسف يا هبة ماقدرتش اجى المستشفى ، البقاء لله
_ ونعم بالله
تابعت صعودها دون أن تعيره انتباها ليشعر بكونه كم مهمل من قبلها ليتلفت حوله بحرج فكل ثانية يقضيها هنا ستحسب وتعد من قبل كل من بالسرادق لذا تراجع ليهبط ويعود لموقعه ثم سيأتى أمر هبة لاحقا أمامه الكثير والكثير من الوقت الذى عليه أن يمنحها بعضا منه.
دخلت هبة لشقتها التى أعدتها لاستقبال ياسر لكنه لن يدخل إليها مطلقاً ، نظرت إلى الطاولة حيث تركت الطعام والورود ليعود الحزن يسيطر عليها ويعود لها الصخب الداخلى الذى يفور فتسحب المفرش بحدة لتتساقط الأطباق وتتناثر الورود فوق الأرضية لتجثو هى باكية رغم أن البكاء لم يفلح منذ أمس فى تسكين الألم الذى ينخر بصدرها لكنها تعجز عن التوقف عن البكاء كلما لاح لها طيف ياسر أو لوحت لها ذكرى من ذكرياته يلطمها الواقع بحقيقة غيابه الأبدى فلا تجد عينيها سبيلا لرفض هذا الواقع سوى بالمزيد من زخات مآقيها التى لن يكفى جفاف منابعها لنعيه.
.........
أمسكت سندس كف هيثم وهى تصعد الدرج رويداً تبعا لخطواته الصغيرة مع عجزها عن حمله والصعود، دخلت من الباب الذى تركته هبة مفتوحا بدهشة لتجدها أرضا بين الفوضى التى أحدثتها فيهرول نحوها الصغير
_ ماماااا
نظرت نحوه ليرتمى فوق صدرها تحيطه بالألم الذي تعانيه فيتساءل ببراءة
_ هو بابا راح عند ربنا ومش راجع تانى؟
نظرت له بفزع افزعه لدرجة الارتجاف لتسحبه سندس بعيداً عنها خوفا من أن يطاله الجنون الذى وصلت إليه بينما بدأت بالفعل تفرغ مكنون أحزانها على الصغير وهى تنهره صارخة
_ اوعا تقول كده تانى ، ابوك هيفضل عايش جوانا وانت لو مافضلتش عمرك كله تبكى عليه ماتبقاش ابنه اللى يستاهل يشيل اسمه
_ وبعدين يا هبة! انت هتتجننى على الولد كمان !
نظرت إلى أمها أثر نهرها لها وهى ترى أنها لا تشعر بها وبالألم الناتج عن فقدان ياسر بينما تابعت سندس
_ لا اعتراض على قضاء الله جوزك عمره انتهى وقابل رب كريم ادعى له بدل الجنان والصراخ لو بتحبيه صحيح تعرفى أنه محتاج للدعاء وبس مش كل ما حد يبص فى وشك تصرخى لا انت اول واحدة مات جوزها ولا آخر واحدة كلنا عايشين نودع بعض
نظرت هبة إلى أمها تستنكر كل ما تتفوه به، أتشكك فى عشقها لزوجها أيضاً!!
ما الذى أصاب الجميع لتكن قلوبهم بمثل هذه القسوة !!؟
انتفضت مرة أخرى تعدو إلى غرفتها لتصفع الباب خلفها معلنة رفضها مساندة أمها التى نظرت للباب بحزن فهى تقدر بالفعل ما تشعر به لكنها أمها وعليها مساندتها للتجاوز وإن رفض عقلها مواجهة هذه المصيبة وعجز قلبها عن تقبل هذه الصدمة عليها دفعها لتفعل فقد أصبحت بين طرفة عين وانتباهتها مسئولة عن بيت وطفل وجنين لا يعلم بما يعانيه سوى خالقه.
سمعت صوت تحطم آخر داخل الغرفة انتفض على أثره الصغير لتزيد من ضمه لصدرها وقلبها يدعو الله أن ينير بصيرة ابنتها قبل أن تحصد المزيد من الخسائر
_ ماتخفش يا هيثم يا حبيبي ماما بس تعبانة بكرة إن شاء الله هتبقى كويسة، إيه رأيك تيجى معايا البيت وتنام في حضنى النهاردة ؟
تعلق الصغير برقبة جدته معلنا موافقته على صحبتها لتبعده قليلا فعليها تنظيف هذه الفوضى أولاً .
.............
هبت مبتعدة عن الفراش بحدة تأفف لها رفيقها دون أن تهتم ، اتجهت إلى النافذة التى تطل على مروج خضراء لا نهاية لها ، لقد تفننت فى انتقاء هذه الوحدة السكنية ولم يكن المبلغ الضخم الذى دفعته لتحصل عليها يساوى ما توفره لها من خصوصية وما تحصل عليه فيها من راحة
لحق بها رفيقها فورا ليضمها مرخيا رأسه فوق كتفها مع إحاطة كاملة دون أن يهتم أي منهما بالهيئة التى عليها
_ وبعدين يا لارا؟ حبيبي انت مش معايا خالص
_ بتحرق يا ناجى ، قلبى فيه نار من عمايله معايا، انا مش فاهمة اتجوزنى ليه ومكمل معايا ليه؟
_ يا بيبى جوزك راجل جنتلمان كفاية أنه سايبك واخدة حريتك
_ تعرف! اوقات بحس أنه عارف بعلاقتنا وعارف كمان كل علاقاتى من يوم ما اتجوزته
صمت لحظة يمرر إشارتها إلى كونه مجرد شخص من عدة أشخاص إقامة علاقات معهم لكنه فى الواقع لا يبالي بهذا بل يرحب به فيمكنه متى شاء أن ينهى هذه العلاقة فهى ليست المرأة التى تتوقف حياتها لأجل رجل، زوجها نفسه لم تتوقف حياتها لأجله بل سارعت بالبحث عما فقدته معه مع آخرين كان هو أحدهم كما تخبره للتو.
_ ايه رأيك اعمل لك احلى نسكافيه نروق دماغنا من جوزك ومن المشاكل كلها ونفوق لبعض
_ ماشى بس من غير سكر
_ عارف يا بيبى
ابتعد عنها بعد أن اقتنص أحد أنفاسها لتعود للشرود ويتجه هو للخارج بأريحية مطلقة. إلتقط سترته ليخرج من أحد جيوبه كيسا صغيرا ويتجه للمطبخ المفتوح بلا قلق من اتباعها له فهو يعلم أنها غاضبة من زوجها لكنه لن يسمح لهذا الغضب بإفساد يومه.
اتجهت إلى حقيبتها بعد مغادرته لتتفحص هاتفها، ترى أن زوجها رأى الرسالة التى تخبره فيها انها لن تعود هذا النهار للمنزل وبالطبع لم يجب أو يتفاعل بأى شكل كان.
كم تمنت أن تحصل على زوج غيور يتساءل عن مكان تواجدها، يهتم بشؤنها ، يلبى احتياجاتها بعيدا عن امواله،
كم تمنت أن تحصل على اهتمام زوجها ولو لمرة واحدة تقسم إن فعل لتنهى كل هذه العلاقات وتعيش لأجله فقط.
لكنه لم يفعل يوما ولا تظنه سيفعل مستقبلاً.
أفاقت من شرودها على كف ناجى الذى رفع الكوب أمام ناظريها، تناولته ليسحب الهاتف من بين أناملها ويلقيه جانباً ثم يعود لتقريبها منه وهو يرفع كوبه متذوقا مشروبه الدافئ.
لم تنه كوبها بعد وقد بدأت تشعر بتأثيره عليها، نظرت نحو ناجى بطرف عينيها فهى ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها لهذه الحيلة ويقدم لها منشطات فى مشروب لكنها لن تلومه بل ترى أنه اصوب فى اختيار توقيته بدقه، هى بحاجة لحافز لنزع كل أفكارها بعيدا والاهتمام بالدافع الرئيسى من هذه العلاقة عليها أن تروى جفاف أنوثتها الذى تسبب فيه زوجها بالقدر الكافي قبل أن تعود لمنزله وجفاءه ، عليها أن تنال كل ما يشبع الحرمان الذى تعانيه مع زوج مثله ولتفعل ذلك يجب أن يكون عقلها غائباً عن الصورة.
ألقت رأسها فوق صدره ليبتسم
_ احسن يا بيبى !
ولم يكن بحاجة لإجابة لفظية فقد وضعت الكوب بين يديه واتجهت للفراش الذى انتفضت عنه لتمسك جهاز التحكم عن بعد وتغلق الستائر معلنة بداية ساعات متعته التى يسعى خلفها.
